الثلاثاء، 28 فبراير، 1995

عن مكارم الاخـــــلاق


في الايام  الاخيرة من شهر رمضان ، يزداد تاكيد الخطباء والمتحدثين على ادراك مكارم الاخلاق ، قبل ان تفوت الانسان فرصته ، للتزود بما امكن منها  .
والحق ان هذا  الشهر المبارك فرصة للتامل الذاتي ، عز ان يجد الانسان نظيرا لها ، في غمرة انشغالاته بهموم الحياة ، وصراعه المستميت من اجل لقمة العيش .

 ولايدري الانسان وهو يستقبل ايام رمضان الاخيرة ، عن مقدار نجاحه في ادراك تلك المكارم ، ما الذي حصل عليه منها وما الذي فاته .

ويبدو لي ان الاخلاق عندنا لاتتجسد في امثلة واضحة ، ولاتتأطر باطار معلوم ، لكي يشعر الانسان بالرضا من نتاج محاولاته ، او يشعر بتانيب الضمير لتقصيره في  السعي .
الحاجة للتحديد
ان عدم التحديد ، يجعل السعي وراء التمثل والاحتذاء لهاثا غير محدد المقصد ، والمفترض ان مكارم الاخلاق ، مثل غيرها من العناصر المعنوية ، والصفات القابلة للاكتساب ، نماذج عملية قابلة للتاطير ، فاذا كسرنا حدودها اصبحت مطلقة ، عائمة ، وعصية على التحول من فكرة الى نموذج .
وقد دافع بعض الفلاسفة القدماء عن اطلاق الفضائل ، ومنعها من النمذجة ، مبررين هذا التوجه ، بان محاولة الانسان التحلي بالفضائل الاخلاقية ، يستبطن سعيا الى الكمال ، فكل واحدة منها هي مرحلة في سلم ، يصعده الساعي الى الكمال الانساني ، والكمال مطلق لايمكن نمذجته ، فتحديد نهايات للمراحل قد يشعره بالاكتفاء والقناعة بالقليل ، اما تركها من غير تحديد ، فانه يبقي الصاعد منجذبا الى التعالي ، يقوده الشوق الى التكامل ، فيدفعه شوقه مرحلة بعد مرحلة ، وهو لما يزل قلقا من بقائه رهين قصور الهمة ، عن بلوغ العلو المأمول .

كلام مجرد
 والذي اظن ان هذا المنطق الذي يبدو متماسكا في اساسياته ، انما يعبر عن تصور نظري فحسب لمكارم الاخلاق ، فهو امتداد للنظرية الجوهرانية في تطور العلم ، وامكانية السيطرة على السلوك بالتحكم العقلي المستقل ، بغض النظر عن مؤثرات الواقع الخارجي ومتغيراته ، وعلى هذا المستوى فان المسألة تخرج من نطاق البحث التطبيقي ، وتبقى موضوعا للجدل الفلسفي المجرد .
اما الذي يهمنا ويهم الناس من موضوع مكارم الاخلاق ، فهو قابلية تطبيقها ، والتمثل بها في الحياة العملية للافراد والجماعات ، وخلاف غرض التطبيق ، فان المسألة برمتها تخرج عن نطاق الاهتمام والدعوة .

واذا قلنا بان الغرض من الحديث عن الفضائل الاخلاقية ، هو دعوة الناس الى احتذائها ، فانه من الضروري اخراجها من حالة الاطلاق الى حالة التحديد ، والتحديد ليس في جوهره غير اعتبارها نسبية ، بمعنى ان الصحيح منها ، هو الصحيح ضمن مستوى معين ، وبالنسبة الى مكان معين وزمان معين .

ثمة جدل قديم في الفكر الاسلامي حول ذاتية الافعال ، يرجع اليه كما ارى بعض الاشكالات ، التي ربما ترد على فكرة نسبية الاخلاق ، فهناك من سيعترض بان القول بالنسبية ، ربما حملنا على الشك في وجود حقيقي وثابت لبعض الفضائل ، فهل يمكن ان يكون العدل ـ على سبيل المثال ـ نسبيا ؟ اي صحيحا في ظرف وغير صحيح في آخر ، او يمكن اعتبار الظلم نسبيا اي خطأ في بعض الاحيان وصحيحا في غيرها ، ومثلهما العفو والرحمة وحب الناس ، وغير ذلك من المكارم .

النظرية والتطبيق
الجواب على هذا ان بعض الافعال له قيمة ذاتية ، فالظلم سيء في كل الامكنة وكل الازمان ، والعدل طيب في كل الازمان وكل الامكنة ، لكن الجدل ليس في هذا الموضع بل في موضع التطبيق ، فنحن نجد في القرآن الكريم ايات كثيرة ، تدعو الى صلة الرحم ، والبر بالوالدين والحب للاهل ، واسداء المعروف اليهم ، وثمة ايات اخرى تنهى عن المودة والحب لأي من هؤلاء ، بل تعتبر مودتهم قادحا في ايمان صاحبها ، يقول تعالى في سورة المجادلة (لاتجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حادّ الله ورسوله ولو كانوا اباءهم او ابناءهم او اخوانهم او عشيرتهم) فهذه الاية تتضمن نهيا صريحا عن صلة الرحم ، واظهار المودة الى الاقربين ، لا لأن صلة الرحم مثلبة ، بل هي من امهات الفضائل ، ولكن لأن تطبيقها في هذا المورد على وجه الخصوص ، مؤد الى نتيجة سيئة تخالف الاغراض المبتغاة من مكارم الاخلاق .

فهذا المثال واشباهه ، يدل على ان فضيلة مثل المودة وصلة الرحم ، قد فقدت مضمونها ، عندما خرجت من صورتها الاصلية النظرية ، ودخلت حيز التطبيق على مورد محدد ، وهو مانقوله من ان القيمة المعتبرة لكل من الفضائل ،  تتحدد عند الاتصال بموضوعها ، اي انها تكون ذات قيمة رفيعة ، بالقياس الى موضوع محدد ، وتكون مجردة عن قيمتها ، بل تنطوي على قيمة عكسية ، بالقياس الى موضوع آخر محدد .

فاذا صح هذا الكلام ، فانه يأخذنا الى كيفية التحلي بالمكارم ، وحدود ماينبغي للانسان ان يسعى فيه ، والذي ارى ان المسلم مطالب بالسعي الى كمال متناسب مع قدراته ، والربط بالقدرة هنا يشير الى امكانية اجتماعية بالدرجة الاولى ، فهو يفعل حسنا اذا استطاع ان يجعل سلوكه اقوم من سلوك المحيطين به في بيئته المباشرة ، وليس يعيبه من ثمّ ، ان يكون هذا المستوى قاصرا عن مستوى الكمال النظري .

درجات في سلم
ان محاولة الانسان التحلي بفضائل غير قابلة للتطبيق ، او هي على الاقل عسيرة التطبيق ضمن بيئته المباشرة ، يجعله غريبا بين اقرانه ، او ربما يضطره الى التخلي عنها سرا وادعائها علنا ، اي الخروج من الحياة الاعتيادية السوية الى حياة مزدوجة ، بعضها للناس وبعضها للذات ، فيبذل جهدا لاظهار نفسه بالمظهر الذي تعهد الالتزام به ، دون ان يكون مؤمنا بامكانية تحقيقه .

ان مراعاة المحيط مبرر للاقتصار على مستوى بسيط من المناقب ، لكنه في ظني خير وبركة ، فوجود قابلية للثبات عليه ، يحوله بالتدريج من ممارسة ارادية مقصودة في كل تطبيق ، الى سلوك عفوي يمارسه الانسان آليا ، وهذا بدوره يؤهله للانتقال الى مرحلة اعلى في سلم التصاعد ، فهو في كل الاحوال متدرج لايخشى عليه التراجع ، ولا الازدواجية ، يفعل مايستطيع ويترك مالايستطيع ، وهذا هو حد التكليف الشرعي .

اذا قدرت ان تخرج من هذا الشهر المبارك وقد ارتقيت درجة ، اي تمثلت بعض المناقب ، ولو ضمن مستوى متواضع ، فانك قد حضيت بصيد وفير ، فليكن مباركا عليك رمضان ، ولتكن مباركة حياتك .

الاثنين، 13 فبراير، 1995

دعـــــوة الى التعــــليم الخــــــيري


في جميع الاقطار الاسلامية ينظر الناس الى رمضان ، باعتباره شهر التكافل والمواساة وصلة الرحم ، ويقوم المسلمون ، معظمهم على الاقل ، باداء واجب التواصل مع الغير ، الاقارب والمعارف ، او الضعفاء في المجتمع الذين لايجدون الى كريم العيش حيلة .
  
 وثمة في الاثر النبوي كثير من الروايات ، التي تحث على التكافل والتراحم ، ثم تشدد على القيام بهما في رمضان بصورة خاصة ، وبينت في موارد اخرى ان حكمة تشريع الصوم ، هي تذكير المسلم بحال الضعفاء ، الذين لايجدون قوت يومهم ، او لايجدون مايكفيهم من قوت اليوم .
وفي مثل هذا الشهر الكريم من كل عام تنهض الجمعيات الخيرية بدعوة المسلمين الى الاحسان ، واظهار المعاضدة لها والعون في اداء مهماتها النبيلة ، كما يبادر المحسنون من جانبهم الى الجود بما تستطيعه ايديهم ، من ولائم لافطار المعوزين ، او مساعدة للارامل والمقلين ، ممن يعلم الناس بحالهم ، أو ممن التزموا جانب العفاف فستروا حالهم على بؤسه ، الا على الذين يجتهدون في البحث عن اصحاب الحاجات ، حتى ليحسبهم الجاهل اغنياء من التعفف .

 وفي بلادنا وكثير من بلدان المسلمين الاخرى ، شواهد على تصاعد الاحساس بالضعفاء في هذا الشهر ، تستعصي لكثرتها وتعددها على الحصر ، وهي تتدرج من الاحسان على المستوى الفردي الى العون العام ، الى تنظيم العون العام عبر جمعيات ومؤسسات متخصصة ، مثل الجمعيات الخيرية وهيئات الاغاثة ومنظمات الدعوة وغيرها .

 التكافل في التعليم
 ثمة انواع من التكافل لم تطرق في بلادنا الا نادرا ، وأحسب ان من المفيد تسليط الضوء على بعضها ، في هذا الشهر الكريم خاصة ، لعل احدا من القادرين او المهتمين يأنس في نفسه القدرة على القيام بأمرها ، وقد اخترتها بالنظر للظرف العام الذي تمر فيه البلاد ، وتطوراته المتوقعة في المستقبل المنظور .
  
من انواع التكافل المعنية ، تلك التي تستهدف توفير التعليم العالي ، الجامعي وفوق الجامعي للمؤهلين الذين لايجدون الفرصة في الجامعات الرسمية ، فمن بين آلاف الطلبة الذين ينهون المرحلة الثانوية كل عام ، لايجد غير قليل منهم سبيلا لمواصلة التعليم الجامعي ، اما بسبب قلة الفرص المتاحة في الجامعات ، والتي نتجت بدورها عن الصعوبات الاقتصادية ، وارتفاع تكاليف التوسع المطلوب ، لاستيعاب العدد المتزايد من خريجي الثانويات كل عام ، واما بسبب الصعوبات المعيشية ، التي يواجهها بعض هؤلاء الخريجين ، الذين يدعوهم الاملاق الى التخلي عن حلم الدراسة الجامعية ، والاتجاه الى سوق العمل ، ولما يزالون في مقتبل اعمارهم ، حيث الاستعداد للتعلم والارتقاء بالكفاءات الذاتية في ذروته .
  
الجامعة الخيرية
 وفي مطلع العام الدراسي الجاري ، عرض بعض رجال الاعمال مشروعا لتاسيس جامعتين اهليتين ، ويبدو ان الفكرة قد لقيت اصداء طيبة ، على المستوى الشعبي كما على المستوى الرسمي ، نظرا لشعور الجميع بحاجة البلاد الى مشاريع كهذا .

  لكن يبدو ان هذا المشروع ـ كما يبدو من الصورة التي عرضت في وسائل الاعلام ، يستهدف الربح ، فهو مشروع تجاري بالدرجة الاولى ، او انه ـ مع ملاحظة التحفظ ـ مشروع يستهدف الربح من خلال الخدمة العامة .
  
واذا اعتبرنا مشروع الجامعة الاهلية ، مماثلا من حيث خط العمل وظروفه للمشاريع المشابهة له ، وهي على وجه التخصيص المدارس الاهلية ، التي انتشرت اخيرا في المدن الرئيسية من المملكة ، فسنجد انه لايحقق التكافل الاجتماعي بالمعنى الدقيق ، فالانتماء الى المدارس الاهلية حكر على القادرين ماليا ، من المقيمين في المدن الكبرى او حواليها ، وهؤلاء اقل الناس حاجة الى معاضدة الاخرين .

  انما يحتاج الى المعاضدة والعون الفقراء ، واصحاب الدخول المحدودة ، فهؤلاء هم الذين يضطرون لترك الدراسة الجامعية تحت ضغط المعيشة ، وهؤلاء هم الذين يعجزون عن الاستفادة من جميع فرص التعليم الجامعي المتاحة في مختلف المناطق .
  
ولهذا فان مشروع التعليم الجامعي الخيري ، هو التجسيد الواقعي لفكرة التكافل الاجتماعي ، وليس الجامعة التجارية .
  
الوقف الخيري
 ان اقامة جامعة ليس بالعمل الهين او القليل التكاليف ، يخبرنا ممثل مشروع الجامعة الاهلية ، ان التكاليف المتوقعة ستكون في حدود المئة مليون ريال لجامعتين ، اي مايعادل نصف هذا المبلغ لكل واحدة على وجه التقريب ، وهو على اي حال مبلغ كبير .
  
 وفي حال الجامعة الخيرية فان المشروع لايتضمن تحميل الطلبة جميع تكاليفهم الدراسية كما هو الحال في الجامعة الاهلية ، لذلك فان الاعتماد على التبرعات غير المنتظمة قد يكون غير مجد ، بل ان تذبذب الاحوال الاقتصادية قد تصيب من المشروع مقتلا ، فالمعروف ان حجم المساعدات الخيرية يتأثر سلبا وايجابا بحركة السوق صعودا او هبوطا ، وفي مشروع كهذا فان ترك الامر للظروف المتغيرة والخارجة عن سيطرة القائمين عليه ، يمثل مغامرة غير محمودة بمستقبل المئات من الطلبة الذين يعلقون على مستقبلهم اجمل الامال.

ان السبيل الوحيد في تقديري لضمان اقامة المشروع وضمان استمراره على النحو الامثل ، يكمن في جعله معتمدا على وقف خاص به ، بكلمة اخرى فان العمل المنتظم يحتاج الى موارد منتظمة ، واظهر مصاديق هذه الموارد هي المشروعات الاستثمارية او الاصول ذات القيمة القابلة للاستثمار .
  
لقد انعم الله على بلادنا بخير كثير وانعم عليها مرة ثانية بهداية بعض ابنائها الى سبل الخير ، والمساعدة على اعمال الخير ، فلو ان بعضهم خصص حصة من اعماله او اصوله المالية كوقف لهذا المشروع الخيري ، لتحقق المطلوب .
  
ولان كل عمل كبير يحتاج الى رجال بحجمه ، في همتهم وكفاءتهم وعزمهم على مواجهة الصعاب ، فان تحقيق مشروع الجامعة الخيرية بحاجة الى رجال يتحلون بهذه الصفات ، لدراسته واستبيان فرص نجاحه ، ثم اقناع القادرين بتخصيص الاوقاف اللازمة له ، حتى يقوم .

 ان مساعدة الضعفاء في الارتقاء بمؤهلاتهم حتى يصبحوا قادرين على كفاية انفسهم واهليهم ، هي ابرز واجلى مصاديق التكافل الاجتماعي ، وليس من وسيلة لارتقاء المؤهلات اسرع واكمل من الاستزادة في العلم ، ثم ان فوائد هذا المشروع لاتقتصر على المستفيد المباشر ، بل تنعكس على الوطن باكمله ، لاسيما واننا احوج مانكون الى الاكفاء والخبراء واهل العلم .

 بعض من ثمن التقدم
 استمعت هذا الاسبوع الى محاضرة ممتعة ، حول العلاقة بين العدالة الاجتماعية والنمو الاقتصادي ، واثار بعض المعقبين مسألة العلاقة بين النمو الاقتصادي والتحولات الاجتماعية الموازية ، وقد وجدت في النقاش الذي دار ، مجموعة قيمة من الافكار ، اود اشراك القراء في بعضها ، طمعا في تعميم الفائدة .
  
يقول المتحدث ان كل مجتمع يمر بتحولات كبرى ، كالتي مر بها المجتمع العربي ، خلال العقدين الماضيين ، فلابد له من دفع ثمن باهظ ، خلال مرحلة الانتقال الى صورته الجديدة ، الثمن المقصود طبعا هو اضطرار الناس للتخلي عن افكار ، او اساليب حياة أو انماط من العلاقات، كانت فيما مضى محل توافق ورضى .
  
على المستوى المادي البحت ، فثمة من يخسر وثمة من يربح ، خلال الفترة الانتقالية ، لكن المحصلة العامة ـ كما ظهر من تجارب معظم المجتمعات العربية ـ تعتبر في صالح الاكثرية ، ان لم نقل الجميع .

 حركة متواصلة
 قال احد المعقبين ان المجتمع ليس تشكيلا ساكنا ، وان التحول فيه هو عملية يومية لاتتحدد بزمن ، بكلمة اخرى فانه لاينبغي انتظار نهاية للتحولات الاجتماعية ، لان المجتمع لايتوقف عن التحرك وبالتالي التحول ، الا اذا توقف عن الحياة ، وعليه فان التحول الذي نتحدث عنه لايعتبر استثنائيا ، وان انعكاساته هي نموذج معتاد ومتعارف عليه للحياة الاجتماعية في اطوراها المختلفة .

 ولا اظن احدا يخالف هذا الراي من جانبة النظري ، لكنه ليس كذلك في ميدان الواقع ، فتعريف التحول يتفاوت تبعا لحجم تاثيراته ، ونوعية القوى المحركة له ، واخيرا بحسب المدى الزمني ، الذي يستغرقه احلال نمط جديد بدلا عن نمط سائد .

والذي يمكن قوله بهذا الصدد ، ان المجتمع يعيش التحول كل يوم ، لكن تمر عليه فترات يتسارع فيها التحول ، بحيث يقطع المراحل التي تحتاج الى زمن طويل عادة في فترة يسيرة ، ولهذا فان انعكاسات هذا التحول ، تتكثف خلال فترة قصيرة ، بحيث تبدو اكبر من طاقة المجتمع على هضمها واستيعابها ، اي تحييدها .

 وتكمن اهمية الزمن هنا ، في صعوبة استيعاب المتغيرات ، وقد لاحظ عدد من الباحثين ، ان المدن العربية الكبرى تشهد تبلور حالات اغتراب ثقافي ونفسي ، هي السبب في عدد كبير من الانحرافات السلوكية ، ان الاغتراب في جوهره تعبير عن عجز الانسان عن التآلف والانسجام مع ظرفه الاجتماعي ، بقيمه وانماط حياته ، وحدود المقبول والمرفوض من السلوك فيه ، ويحدث هذا عندما يفاجأ الانسان بتبدل محيطه الاجتماعي ، وانماط الحياة من حوله وتخلخل نظام العلاقات الاجتماعية .

وبوسعنا التاكد من صحة هذا الاستنتاج ، بالتامل في معاناة الاباء وكبار السن عموما ، الذين يتحسرون على سالف الزمن ، وعلى القيم التي سادت فيه ، ونمط الحياة الذي كان متعارفا عليه ، ان شعورهم بالاسف واحيانا اعتزالهم للحياة العامة ، هو التعبير الواقعي عن الصعوبة التي يواجهونها ، في استيعاب الصورة الجديدة للحياة ، بعد ان اعتادوا على نمط مغاير طيلة حياتهم او في معظمها .

انعكاسات مقلقة
 يؤثر التسارع في الحراك الاجتماعي على جميع الناس ، وهم بدورهم ـ اغلبهم على الأقل ـ يبذلون ما استطاعوا من جهد لزيادة فاعليتهم ونشاطهم في الاستجابة لتحدي التغيير .

 وهذا السباق بين الحراك الاجتماعي ومحاولات التكيف الفردي مع نتائجه ، ينعكس على صورة قلق خفي يتفاقم داخل الفرد ، فيجعله نهبا لمشاعر متناقضة ، من الثقة المفرطة بالذات ، الى الخوف على المستقبل ، ومن اتساع افاق النجاح ، الى خوف ضياع الفرص .
  
يترافق هذا القلق مع تراخي النظام القديم للمجتمع وذهاب فاعليته ، ومنها قدرته على الضبط ، فينتج عن هذا وذاك ، تراخي اهمية الروابط المشتركة بين الفرد ومحيطه ، ومنها قيمة المصلحة العامة والنظام العام ، وهذه هي النقطة التي تبدأ عندها محاولات التحايل على القانون ، او الاستئثار بما هو مشترك مع الغير .
  
وتجابه الحكومات هذا التطور بالاكثار من القوانين والتعليمات التي تاتي ـ بسبب ظروف التسارع المشار اليها ـ مرتجلة ، لانها هي الاخرى تعبير عن قلق ، وليس اغلبها نتاج دراسة واقعية ، وبحث ميداني او تامل في انعكاساتها المتعددة الابعاد ، ولهذا السبب بالذات فانها لاتعالج من المشكلة الا بعض ظواهرها، دون ان تقضي عليها من الاساس ، هذا اذا لم تكن سببا في انتاج مشكلات جديدة .
  
ان الاكثار من القوانين والتعليمات قد يؤدي الى تشديد الضوابط ، لكنه يؤدي بموازاة ذلك الى توسيع البيرواقراطية وتعميق ازمة الادارة ، كما انه يفتح الباب لافساد الموظفين ، الذين ستصبح بيدهم قدرة اكبر على الترخيص والمنع ، اي التحكم في اتجاه وطبيعة حركة الناس  ، وفي هذه المرحلة ينضم الى المتحايلين على القانون قطاع جديد ، ينتمي افراده الى طبقة حراس القانون والقائمين عليه.

 ولاتعدم البيروقراطية وسيلة لتبرير مراكمة  القوانين ، فهم لايسمونها قوانين ضبط بل قوانين تخطيط ، لكنها لاتنتمي باي شكل الى التخطيط ، في مرحلة تشريعها ، فضلا عما ستكون عليه في مرحلة التطبيق .
  
نستطيع تلمس واقعية هذا الاستنتاج في ضيق الناس بالاجراءات الادارية ، بطولها وتعقيدها وارتفاع تكاليفها ، وفي الارتفاع المستمر لحوادث الجريمة والجنح على اختلاف انواعها ، ارتفاعا يفوق في معدله ، معدل النمو السنوي لعدد السكان ، وعلى مستوى الادارة نستطيع تلمسها في ازدياد معدل الجرائم الادارية ، الظاهرة كالرشوة ، والخفية مثل استغلال الوظيفة للاثراء غير المشروع.

لقد حيرت هذه الدائرة المتوالية من المشكلات ، الباب الباحثين في مشكلات التنمية وادراة التنمية ، وقل ان تخلو دراسة عن المجتمع في طور النمو ، من اشارة الى هذا الموضوع ، ولهذا فمن الصعب عرض اقتراحات قطعية ، او اعتبارها حلولا جذرية .
  
ما لايدرك كله
 لكن العجز عن ايجاد حلول نهائية ، لاينبغي ان يبعدنا عن التفكير في الجوانب القابلة للعلاج ، او العلاجات القادرة على تخفيف وطأة المشكلات ، سيما اذا نظرنا اليها كتعبيرات عن حاجة لتغيير فلسفة الادارة .
  
يصنف الاداريون دون المستوى السياسي باعتبارهم موظفين عموميين يقومون بالخدمة العامة للناس ، وانهم مدينون لكل مواطن ، باعتباره شريكا في المال الذي يقبضونه ، على صورة رواتب او مميزات وظيفية ، وفي البلاد الاوربية يسمى الموظفون في الدوائر الرسمية (خداما مدنيين Civil Servants) أما في البلاد العربية ، فيعتبر الموظفون والاداريون انفسهم (حكومة) اي جهة حكم ، وبالنظر لفوقية الحكومة على المجتمع ، فان كلا منهم يعتبر نفسه حاكما ، بدرجة من الدرجات .
  
ثمة راي يدعو الى توسيع نطاق المحاسبة للادارة ، وتعميمها بمنح الصحافة حرية النقد ، وتسمية الاشياء باسمائها ، وتمكين القضاء العادي من الادعاء على الاداريين ، والطعن في القوانين التي ليس لها طبيعة سيادية ، ربما ساعدت اجراءات كهذه ، على اقامة التوازن الضروري بين المجتمع والادارة .
  
والذي اظن ان هذه الاقتراحات ، تساهم بدرجة معينة في تخفيف المشكلات المذكورة ، لكنها ابعد ماتكون عن العلاج النهائي .

وتبقى القضية قائمة ، وهي فيما ارى تستحق الكثير من النقاش.

 نشر في (اليوم) 13فبراير1995

الاثنين، 6 فبراير، 1995

حـــديث رمضـــــان


 وراء الفرح والانس الذي يصاحب قدوم شهر رمضان المبارك ، فان هذا الشهر الفضيل مناسبة فريدة للتأمل ، وسبر اغوار الذات ، بحثا عن مقارنة بين المشاعر الدفينة في اعماق النفس ، وبين ماتثيره اجواء الشهر واعماله من ذكريات ، عن الفضائل والمناقب ومكارم الاخلاق ، التي يوشك تتابع الايام ان يذهب بمعانيها من ذاكرة الانسان .

 انه فرصة التذكر والتفكر والمحاسبة ، التي تستهدف اصطياد مايعلق بالنفس طوال العـام من معايب ، لاينبـغي للمسلم ان يتركها تلتصق بنفسه ، لتصبح بالتدريج جزءا من شخصيته وسلوكه العفوي .
من بين تلك المعايب ، بل من اخطرها اثرا ، ظلم الناس أو الترفع عليهم او احتقارهم ، أو على الاقل ، عدم الايمان بالتساوي معهم في الخلقة أو في المكانة والحقوق ، هذا العيب قد يمارسه الانسان متعمدا ، واعيا بانه يمارس السلوك الخاطيء ، وهي درجة اظنها اهون اثرا ، لان صاحبها قد يستعيد توازنه في وقت من الاوقات ، او قد  يعود الى ضميره، او يسمع كلمة طيبة من ناصح فيثوب الى طريق الرشاد ، ويقلع عما سبق له من ظلم .

الظلم العفوي
 لكن الجانب الابشع من المشاعر السيئة ، هو تحولها الى خلفية للسلوك العفوي ، الذي يمارسه الانسان في ساعات حياته الاعتيادية ، دون ان يشعر بخطئه ، فيصبح مع التكرار جزء من نسيج الاخلاقيات ، التي تتشكل في لاوعيه ، وتدير سلوكه العفوي ، ويمثل السلوك العفوي لأي شخص ، مايزيد على تسعين بالمئة من تصرفاته ، وردود فعله على المثيرات الخارجية .

ولايحتاج الامر الى كبير عناء لمعرفة الكيفية ، التي يتحول من خلالها شعور خاطيء ، الى خلفية توجه السلوك العفوي ، فالتكرار وعدم التذكر ونسيان محاسبة الذات ، تتكفل بهذه المهمة ، أما اذا كتب للمرء ان يعيش في وسط اجتماعي اعتاد على الممارسات السلوكية الخاطئة ، او هو ـ لاي سبب من الاسباب ـ يحبذها ويرتاح اليها ، فان المهمة تصبح اكثر يسرا واسرع تحققا ، ولهذا السبب فان محاسبة النفس ومحاكمتها أو طلب النصيحة من الناصحين ، تصبح طريقا وحيدا لصيانتها مما يعلق بها من عيوب ، خلال دورة الحياة ، التي يلقي زحامها بغشاوته على عقل الانسان ، فلا يستبين له الصحيح من الباطل الا بعد حين .

جذر الظلم
 وحسبما ارى فان شعور التميز او التفوق هو الجذر الاولي للظلم ، فالانسان الذي يشعر بتمـــيزه على الغير ، يقرر لنفسه حقــوقا ، يحولها ـ من ثم ـ الى مبرر لجملة من السلوكيات واساليب التعامل مع الاخرين، يمارسها باعتبارها بديهيات ، معللة بمعاني التفوق التي يراها عنده دون غيره ، وهو يشعر بالدهشة اذا لم يعترف الاخرون له بهذه الحقوق ، بل يرى في عدم اعترافهم نوعا من العداوة او قلة اللياقة تستوجب العقاب ، الذي يترواح بين العقاب المادي في ارفع حالاته ، او الوصم بالتخلف وقلة الادب في ادناها .

ويتبلور الشعور بالتفوق في نفس الانسان لاسباب مختلفة ، اوسعها انتشارا هو تمتعه بقوة المال او العلم ، واشدها خطرا تمتعه بوسائل القوة المادية او العقيدية ، ان القوة ـ في اي معنى من معانيها السابقة ـ ليست حقيقة مطلقة ، بل نسبية ، فهناك في كل الاحوال من هو اكثر مالا او علما او اقدر على استعمال وسائل السيطرة ، أو اشد ايمانا ومعرفة لذات المعتقد ، وحقيق بصاحب هذا الشعور ان يعتبر جيدا بمعنى التناسب بينه وبين من هو اعلى منه ، فكما يبرر لنفسه الاستعلاء على الغير ، فمن هو اعلى منه احق بالاستعلاء عليه ، اذا كان تمتع انسان ما بتلك الاوصاف مبرر للعلو ، وهو على اي حال مبرر غير مقبول ، من الاخرين عليه ، او منه على الغير .

بعض الأمثلة
نحن نرى في كل يوم كثيرا من الناس ، يمارسون هذه الانواع السيئة من السلوك ، في عرضهم لافكارهم ، او في تعاملهم مع من هو ادنى منهم ، او في سائر تعاملاتهم ، واذا احتجت الى احد منهم ، فلابد ان تتسلح بصبر ايوب ، لتحمل مايترتب على التعامل معه من مذلة .

في هذا الشهر بالذات نحن بحاجة الى تذكير الموظفين في دوائر الخدمة العامة ، بان وقت دوامهم ليس ملكا لهم ، بل هو ملك للمواطنين الذين تعاقدوا على خدمتهم ، وجعلوا من هذا العقد مصدرا لمعيشتهم ، في مثل هذا الوقت من العام الماضي احتجت الى مراجعة احدى ادارات وزارة المعارف ، وانفقت مايقرب من نصف ساعة بحثا عن الموظف الذي تتعلق به معاملتي ، قيل لي انه في مكتب آخر ، وذهبت ابحث عنه بين المكاتب ، فوجدت معظم موظفيها اما منكبا على قراءة القرآن او غير موجود ، بينما كان بضعة مراجعين مثلي ، يبحثون عن شخص ما ينجز لهم معاملاتهم فلا يجدون .

ان شعور هذا الموظف بانه اعلى شأنا من المواطن الذي يراجعه ، هو الذي يجعله يترك واجباته متعللا بالصوم او قراءة القرآن ، او لعله يشعر بان قيامه بهذه الممارسة الدينية السامية ، تجعل له حق التحكم في وقت الناس ، باعتباره اكثر ايمانا منهم ، أو لعله شعور بالتفوق ناتج عن قيامهم مقام الحاجة اليه ، وقيامه مقام الاستغناء عنهم ، والقدرة على اظهار فوقيته عليهم .

وكتب احدهم في صحيفة قبيل رمضان ، عن العمال الوافدين الى بلادنا، قائلا انهم حثالات بشر ، القت بهم بلادهم ليأكلوا من خيرنا ... الى آخر ماكتب ، والذي اعلم انه ليس في بني البشر حثالات وغير حثالات ، فالله الذي خلقنا جميعا يقول (ولقد كرمنا بني آدم) ونحفظ من المأثور (الناس اثنان اما أخ لك في الدين او نظير لك في الخلق) لكن صاحبنا ماكان ليصف اخوته في الانسانية بالحثالات ، لولا شعور الاستعلاء والتفوق ، الذي يبرر له هذا القول ومايعقبه من سلوك ومعاملة .

ووجه احدهم سؤالا الى احد العلماء ، يستفتيه عن جواز الشراء من دكان ، يملكه مسلم يتبع مذهبا آخر غير مذهبه ، فأجابه هذا بجواز المقاطعة ، اذا كانت سببا الى هدايته او دحر باطله ، مع اننا نعلم ان اخوة الاسلام ، لايقلل من شأنها ولايقطع اثرها اختلاف المذهب او الاجتهاد ، فالمسلمون سواسية كأسنان المشط يقوم بذمتهم ادناهم ، ان سؤال الرجل انما يوحي بخلفية التميز على الغير عنده ، ولو ان هذا الغير محدد بمن هم خارج دائرة معينة ، كما ان جواب المجيب مؤسس على نفس الخلفية ونفس الشعور .

فرصة ومسئولية
 رمضان المبارك اذن هو شهر التسامي الحقيقي ، لا المصطنع او المفروض بالقوة ، التسامي الحقيقي الذي يجسده التحلي بالفضائل الاخلاقية ، التي يدعونا اليها كتاب الله ، ومن بين اهمها اتقاء ظلم الناس او العلو عليهم ، ايا كانت مبرراته واسبابه ، كل منا بحاجة الى الغوص في اعماق نفسه ، باحثا عما فيها من عيوب ، مقارنا لما يشعر به وما يمارسه ، بالمثل الرفيعة التي نستطيع استذكارها مما علمنا اياه قرآننا ، ومما نعرفه عن آداب نبينا ، ربما لاتتاح للانسان فرص  كثيرة للتأمل ومحاسبة النفس ، فلتكن مناسبة الشهر الفضيل هي الفرصة التي نحرص عليها من ان تضيع .

نشر في (اليوم) 6فبراير 1995