‏إظهار الرسائل ذات التسميات ديفيد ليرنر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ديفيد ليرنر. إظهار كافة الرسائل

السبت، 16 أغسطس 2008

شبكة الحماية الاجتماعية


أضم صوتي إلى صوت الاستاذة أمل زاهد التي طالبت بتفعيل مؤسسات المجتمع المدني في معالجة المشكلة المستفحلة التي يطلق عليها الآن “العنف الأسري” (الوطن 13-1). كما أدعو مجلس الشورى الى درس المسألة ضمن نطاق أوسع يشابه ما يعرف في دول أخرى بشبكة الحماية الاجتماعية؛ “شبكة الحماية الاجتماعية” هي إطار قانوني ومنظومة مؤسسات للتكافل تشترك فيها الدولة والمجتمع، وغرضها المحدد هو توفير العون المؤقت او الدائم لأولئك الناس الذين يحتاجون للمساندة حتى يقفوا على أقدامهم.
نعرف أن الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان تسعى لإقناع الحكومة بوضع إطار قانوني لحماية شريحة من هؤلاء، وهم النساء والاطفال، الذين يتعرضون لعدوان الاهل او افتقاد العائل، وهو جهد طيب ومشكور يعالج جانبًا من مشكلة تتسع بالتدريج.
يؤدي تسارع الحراك الاجتماعي إلى اهتراء أو تمزق منظومات العلاقة الاجتماعية والقيم الضابطة للسلوك، كما يؤدي إلى تغير الاهتمامات والهموم، وبالتالي المشاعر والانفعالات ونوعية ردود الفعل الشخصي على المؤثرات الخارجية في البيئة المحيطة بالفرد. يتسارع الحراك الاجتماعي أو تتغير اتجاهاته بسبب زيادة النشاط الاقتصادي أو تغير الثقافة أو ظهور أزمات مفاجئة. حدث هذا التطور في كل المجتمعات التي مرَّت بتجارب من هذا النوع، لهذا فقد أصبحت تلك المعادلة بمثابة قانون من قوانين التنمية الاقتصادية والاجتماعية. وأشير ألى أن المفكر الأمريكي صمويل هنتينجتون كان من أبرز المساهمين في دراسة الآثار الجانبية للنمو الاقتصادي والاجتماعي، رغم أنه ركز على تلك الانعكاسات في الإطار السياسي والبيروقراطية الرسمية. والذي يهمني من رؤية هنتينجتون هو تفسيراته المعمقة للعلاقة بين اهتراء المنظومات الاجتماعية وتبلور البيئة المولدة للتطرف والعنف.
صحيح أن تعبير التطرف أصبح متلازمًا مع التشدد الفكري او السياسي، لكن لو أخذناه كظاهرة سلوكية عامة، أي ما يمكن وصفه بتجاوز الحدود المقبولة في العرف العام، فإن جميع اشكال التشدد السلوكي ترجع الى جذر واحد او ،على الاقل، الى مبررات ودوافع متشابهة، يمكن ان يكون عنوانها جميعا هو (العجز عن التكيف مع الحقائق الاجتماعية الجديدة)، بحسب التفسير الذي اقترحه دافيد ليرنر في كتابه الشهير (غروب المجتمع التقليدي).
بعبارة أخرى، فإن عنف الشباب والعنف الأسري وجميع أشكال السلوك الاخرى التي تنطوي على طغيان أو تجاوز المقبول في العرف، هي جميعا مظاهر لعلة واحدة، تتمثل في اهتراء منظومات وقيم اجتماعية كانت في ما مضى تلعب دور الضابط الطبيعي لسلوك الأفراد.
بناء على هذا التفسير، فإن اقتراح الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان المتضمن وضع تنظيم مؤسسي لاستيعاب ضحايا العنف الاسري، سوف يعالج جانبًا واحدًا من المشكلة، لكن العلاج الكامل يحتاج الى إطار أوسع يبدأ بتحديد طبيعة المشكلة واطرافها جميعا. واريد هنا الإشارة الى أحد الاطراف التي تبدو مغفلة تماما في معالجتنا، واعني بهم الشباب الذين يفشلون في دراستهم، والشباب الذين تودي بهم أقدارهم إلى طرق الانحراف ثم السجن، والشابات اللائي يفتقرن الى العيش الكريم ويتحولن الى ضحايا للغير. والحق ان جميع هؤلاء ضحايا، وان كانوا بدرجة او اخرى شركاء في خياراتهم ومسؤولين عنها.
ثم يأتي دور النساء والابناء الذين ينكرهم اباؤهم. وهم -بحسب متابعات الزميل الاستاذ نجيب الزامل- كثيرون، ولعلهم يتحولون بالتدريج الى مشكلة خطيرة على المستوى الوطني. هؤلاء ايضا اتخذوا خيارات لكنهم تحولوا الى ضحايا.
ليست لديَّ احصاءات يمكن المجادلة دونها، لكن المعلومات المتوفرة، التي لا تخلو احيانا من اضافات انطباعية، تشير الى أن العشرات من الشباب الذين دخلوا السجن لجُنح بسيطة تحولوا الى جُناة محترفين، والفتيات اللائي تعرضن للعدوان، اصبحن أسيرات للمعتدين وربما لغيرهم. دعنا نضيف إليهم ايضا العائلات التي حُرمت من العيش الكريم فتحولت الى بؤر للإحباط والقهر.
نحن بحاجة إذن، الى تفكير منفتح وصريح وموسّع في المشكلة، ليس فقط لأننا شركاء في المسؤولية عن ابناء مجتمعنا، وليس فقط لأن التكافل والتضامن الاجتماعي هو واجب ديني واخلاقي، بل لأننا ايضًا بحاجة الى حماية انفسنا وابنائنا باجتثاث جذور الانحراف وتفكيك خلاياه مهما كان وصفها ومهما كانت طبيعتها. مثل هذا العمل يحتاج الى اطار قانوني يسمح للمجتمع بالمشاركة فيه، كما يضمن الدعم الحكومي للمبادرات الاجتماعية. لهذا فإننا بحاجة الى تفعيل دور مؤسسات المجتمع المدني ودعمها وتشجيعها على تنظيم الجهد الأهلي الذي يمكن أن يكون كبيرا وفاعلا.
عكاظ 16 اغسطس 2008
http://www.okaz.com.sa/okaz/osf/20080116/Con20080116166326.htm

مقالات ذات علاقة

·         تجارة الخوف
·         تجريم الكراهية
·         طريق التقاليد
·         فلان المتشدد

جدالات ما بعد شحرور

فكرة هذا المقال معروفة لجميع القراء. واظنها مقبولة عند معظمهم . وخلاصتها ان اكثر المفاهيم مرهون بزمن محدد ، قد يمتد بضعة اعوام او عدة ...