‏إظهار الرسائل ذات التسميات الشاملة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الشاملة. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 8 يونيو 2009

الطريق الليبرالي


طريق التنمية الشاملة لم يعد خيارا بل ضرورة لاستيعاب تطلعات الجيل الجديد، مثلما كانت التنمية الاقتصادية في وقتها ضرورة للإقلاع من الفقر المادي والثقافي. اتجه العالم إلى التفكير في التنمية كمسار متكامل ومتصاعد، وظهرت في هذا الإطار نظريات تتحدث عن التنمية الشاملة والتنمية المستدامة بعدما كان التفكير مركزا على تحديث الاقتصاد. نعلم اليوم أن تحديث الاقتصاد يؤدي بالضرورة إلى تعزيز النزعات الليبرالية في المجتمع.

الليبرالية كسلوك ورغبة عامة ليست أيديولوجيا كما تصورها النقاشات المدفوعة بتوجهات أيديولوجية. من المؤسف أننا لم نستطع تجاوز الفرضيات السقيمة التي تناولت الليبرالية كمذهب متناقض مع التقاليد أو بديل عن الدين. هذا النوع من النقاش غيب الحقيقة التي نستطيع مشاهدتها عيانا كل يوم وفي كل مكان، حقيقة أن الناس جميعا يرغبون في أن يعترف بهم كأفراد أكفاء قادرين على تقرير طريقة حياتهم وتحمل المسؤولية الأخلاقية والقانونية التي ترتب على خياراتهم. 
جوهر الليبرالية هو تقدير قيمة الفرد باعتباره إنسانا حرا عاقلا ومسؤولا. 

قد لا أكون مبالغا لو قلت إن أغلبية الناس سوف 
يذهبون في هذا الاتجاه لو خيروا بينه وبين المنهج القديم الذي ينكر على الفرد هويته المستقلة ويعتبره مجرد امتداد بيولوجي لعائلته أو قبيلته أو طائفته أو جنسه، المنهج الذي يعتبر الفرد عاجزا عن سلوك طريق الإحسان ما لم يخضع لمراقبة مرشد، أو آثما بطبعه ما لم يقيد أحد يديه وعقله كي لا يبغي على الغير.

الاقتصاد الجديد يخلق فرصا ويفتح أبوابا أمام الجيل الذي استوعبه وتعامل معه واستفاد منه. هذه الفرص هي أدوار ومسارات تأثير تختلف عما اعتاد عليه المجتمع التقليدي. نحن إذن إزاء نظام اجتماعي يولد وينمو تدريجيا. الطريق الصعب هو استيعاب هذه الحقيقة وإعادة هيكلة النظام الاجتماعي القائم على نحو يستوعب القادمين الجدد. الطريق السهل هو إنكار هذه الحاجة والاكتفاء بالفرجة على ما يحدث من تحولات. الطريق الأول صعب لأنه يتطلب اتخاذ قرارات غير معتادة والتنازل عن أعراف ترسخت واعتادها الناس لزمن طويل. الطريق الثاني سهل لأن الإهمال هو أسهل المواقف.

لكن عواقب الإهمال قد تكون كارثية. يؤدي الإهمال إلى قيام نظام اجتماعي مزدوج كما لاحظ سعد الدين إبراهيم: يرغب الناس في نمط حياة حديث، لكنهم يتظاهرون بالالتزام بالتقاليد. يتحول هذا التظاهر في أحيان كثيرة إلى نوع من التكاذب الجماعي. يشعر الناس أحيانا بأنهم محتاجون إلى التظاهر كي يسهلوا حياتهم. يتحدث شخص ما عن فضائل التقاليد وهو يعلم أنه غير صادق، لأنه شخصيا يفضل نمط معيشة حديثا ومنهج عمل حديثا. الذين يستمعون إليه يشعرون بذات الشعور ويفهمون أنه غير صادق، ولعله يفهم أيضا أنهم يستمعون إليه وهم يضحكون في دواخلهم على مبرراته.

بدلا من هذه الازدواجية، فإن الطريق السليم ــ مهما كان صعبا ــ هو تشجيع الناس على التعبير عن حقيقة ما يحبون، حتى لو تعارض مع التقاليد والعادات الجارية أو مع اللغة السائدة في التخاطب. يجب أن نقبل بحق الفرد في أن يكون كما يريد، ثم نضع القانون الذي يوضح الحدود النهائية التي ينبغي للفرد رعايتها في التعبير عن إرادته. تحرير الفرد من قلق الرقابة الاجتماعية هو أحد المبادئ الكبرى لليبرالية لكن الليبرالية لا تتحدث عن أفراد منعزلين أو حشود في غابة، بل عن مواطنين في مجتمع يحترم القانون. القانون في مجتمع حديث يعتبر ضرورة لحماية الحريات وموازنتها مع المسؤوليات التي تترتب على ممارستها. الليبرالية إذن ليست دينا يتوازى مع الأديان ولا هي أيديولوجيا مغلقة، تأخذها كلها أو تطرحها كلها.

الليبرالية تعبير عن رغبة الإنسان في استعادة هويته الخاصة وتحرير ذاته من العقد والأعراف والرقابة. قد لا يكون هذا الأمر محبوبا في مجتمعات كثيرة، لكنه محطة في طريق بدأنا السير فيه فعلا فبلغنا تلك المحطة أو نكاد.
عكاظ 8 يونيو 2009

الأحد، 7 مارس 1999

شكوك في العلاقة بين الثقافة والتقدم


في مقال الثلاثاء الماضي ، ظننت العالم العربي مقبلا على عقد ثقافي جديد ، وبررت ظني بما أجده من علاقة بين الارتخاء السياسي / الأمني ، واتساع طريق الثقافة ، لكن زميلا لي لفت انتباهي اليوم إلى قضية أخرى ، حين تساءل عن صدقية اعتبار الثقافة النشطة سبيلا إلى تقدم المجتمع العربي ، فهو يلاحظ ان بعض أقطار العرب تشهد نشاطا ثقافيا ، وتعتبر بلدا مثقفا بالمعايير الدولية للنشاط الثقافي ، لكنها ـ رغم ذلك ـ لم تحرز تقدما مهما ، بمعايير التنمية الشاملة ، المقبولة على الصعيد العالمي .
على صعيد التعليم العام مثلا ، يرجع تاريخ التعليم الحديث في بعض الاقطار العربية إلى أكثر من قرن من الزمان ، وكذلك الأمر على مستوى التنظيم الحكومي والاتصال بالخارج ، ودخول الطباعة والصحافة ، وبشكل عام فان للعالم العربي تجارب في التنمية الاقتصادية ، ترجع إلى خمسين عاما أو اكثر ، ومع هذا فان المقارنة بين أي قطر عربي والأقطار الصناعية أو شبه الصناعية ـ حتى تلك التي بدات متأخرة مثل الهند وأقطار شرق آسيا ـ لن تكون في  أي حال لمصلحة العرب .

وقد التفت مفكرون وسياسيون كثيرون إلى هذه المفارقة ، ووضعوا دراسات وتحليلات ، تشير جميعها إلى ان صورة التقدم الذي نريد ، ليس واضحا في أذهاننا بدرجة كافية ، فبعضنا يتصوره في مزيد من المباني والشوارع ، وبعضنا يتصوره في المصانع ووسائل الاتصال ، وآخرون يرونه في مزيد من وسائل الرفاهية ، ولكل من هؤلاء منظور ومبرر ، ولعله يكون محقا في حدود ما يدعو إليه .

وللثقافة في كل واحد من هذه التوجهات دور تلعبه ، فالانسان المتعلم أقدر من نظيره الجاهل على إنجاز التزاماته ، وهو أسرع استيعابا للتغيير الذي لا بد ان يرافق الجديد المستحدث .

ومع تقدير دور الثقافة وأهميتها في أي مشروع تمدين ، ينبعث السؤال البديهي حول طبيعة الثقافة التي يمكن ان تلعب هذا الدور ، وهذا يقودنا إلى منبع الثقافة التي نتحدث عنها ، فالمعروف بديهة ان الثقافة والحراك الاجتماعي يتفاعلان عطاء وأخذا ، تراث المجتمع بما هو تعبير عن ثقافة سابقة ، يحاول البقاء واحتلال المساحة المخصصة للثقافة في كل وقت ، والثقافة الجديدة الآتية في سياق مشروعات التمدين وتطور الاتصال بالخارج ، تحاول الاستئثار بالمشهد الثقافي ، باعتبارها فلسفة الزمن الجديد ، ولفت نظري ـ كمثل على هذا ـ مقال الاستاذ عبد الله ابو السمح في عكاظ السبت الماضي ، المكرس للحديث عن طريقة العزاء التقليدية ، وهي تحاول الحفاظ على مكانتها كوسيلة في التعبير عن العلاقة بين أحياء المجتمع وأمواته ، ومع تحفظي الشديد على رأي الكاتب ، إلا ان فكرته تعبير عن الصراع بين ثقافة سابقة (سائدة) وثقافة تريد احتلال المشهد ، بذرائع بعضها من النوع الذي اقترحه أبو السمح .
7-3-1999 

جدالات ما بعد شحرور

فكرة هذا المقال معروفة لجميع القراء. واظنها مقبولة عند معظمهم . وخلاصتها ان اكثر المفاهيم مرهون بزمن محدد ، قد يمتد بضعة اعوام او عدة ...