‏إظهار الرسائل ذات التسميات العلاقة مع الغرب. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات العلاقة مع الغرب. إظهار كافة الرسائل

11/12/2025

بين هويتين .. مغلقة ومفتوحة

 صادفت هذا الاسبوع مقالين: أحدهما "الهوية الإسلامية والمؤامرة عليها" للدكتور ناصر دسوقي رمضان ، وقد نشر في 2009. اما الثاني فهو "الحق في الكرامة والهوية المغلقة" للدكتور عبد الجبار الرفاعي ، ونشر الأسبوع الماضي.

كلا المقالين يعالج مسألة مثيرة للجدل ، تنطوي في سؤال: هل يمثل الدين هوية خاصة لاتباعه ، تنفي الهويات الأخرى او تزاحمها ، ام انه ، على العكس: هوية مفتوحة ، تتفاعل مع غيرها ، او على الأقل تقبل مجاورتها والتداخل معها؟.

عبد الجبار الرفاعي

القائلون بأن الدين هوية متفردة ، يعتبرون السؤال ذاته دينيا. أي ان الهوية ، من حيث المبدأ ، موضوع ديني ، وينبغي ان يأتي تكييفه من داخل الدين. بناء على هذا فان الدين يضع نفسه وأتباعه في دائرة خاصة ، تفصلها حدود واضحة عن بقية الانتماءات ، بما فيها الانتماء العائلي والقبلي والمهني والسياسي والقانوني وغيره. هذه الحدود ليست مجرد اختلاف في الأفكار ، بل مخالفة في النظام الاجتماعي والتراتب وحتى نمط العيش.

أما التصور الثاني فيقود منطقيا الى الاستنتاج ، بان الدين - في ذاته - أداة تواصل او موضوع تواصل بين المختلفين. وفقا لهذه الرؤية فان الانتماء للدين ، يعني ان تصعد الجسر الذي يوصلك الى بقية الخلق ، بشرا ونباتا وحيوانا وجمادا ، من خلال استيعاب النظام الكوني الذي خلقه الله وسخره للإنسان ، والقيم العليا التي يقبلها كافة بني آدم ، بغض النظر عن أديانهم وأعراقهم او بلدانهم.

يركز الفريق الأول على "تمايز" المسلمين عن غيرهم. وهو يصرف هذا التمايز الى مختلف أطراف الحياة. لكنه - في التطبيق – يقصر اهتمامه على التمايز المظهري ، كما في اللباس واللغة والهيئة وأمثالها. وبناء على التمايز ، فانه يرجح الانقطاع او حتى المنازعة ، كمضمون للعلاقة مع المختلفين ، ولا سيما اتباع الأديان التي تبدو منافسة. وفي الوقت الراهن يمثل الصراع مع الغرب الثقافي والحضاري ، مادة أثيرة للنقاش والتعبئة عند أهل هذه الرؤية ، لكنه – لنفس السبب المذكور – صراع يدور حول الجوانب المظهرية ، وليس – على سبيل المثال – الاقتصاد والعلم والابتكار وحقوق الانسان وامثالها. كما ينظر للغرب باعتباره مسيحيا او يهوديا ، أي دينا منافسا ، وليس باعتباره حضارة مختلفة ، يمكن التفاعل معها او الاستفادة من تجربتها.

في المقابل يدعو الرفاعي لهوية منفتحة ، تسمح بمشاركة الاخرين ، بمن فيهم اتباع الأديان الأخرى ومن لا يتبع دينا على الاطلاق. ويرى ان النموذج الذي يعرضه القائلون بتفرد الهوية الدينية ، قد ساهم في تحويل الدين الى أيديولوجيا مغلقة ، أشبه بقلعة ، يتعارف الناس في داخلها ، وينكرون المختلفين الذين في خارجها.

تقديم الدين كهوية منفتحة ، وقادرة على التفاعل مع الهويات والأديان والايديولوجيات المخالفة ، يعني ان الجوانب المظهرية والشكلية ، أي تلك العناصر الحياتية التي تميز المسلمين عن غيرهم ، ليست جزء من جوهر الدين ، بل هي وعاء لحياة اتباعه ، يرتبط بظرفهم المعيشي فحسب.

هذا المفهوم مقبول من حيث المبدأ ، في الماضي والحاضر ، ونعرفه باسم تأثير الزمان والمكان في الاجتهاد ، وقابلية الاحكام الشرعية للتشكل بحسب ضرورات الظرف الخاص للمكلفين. لكن هذه القاعدة ، أي تأثير الزمان والمكان ، لم تتحول الى قاعدة حاكمة ، بل بقيت هامشية في معظم العمل الفقهي المعاصر. وتظهر هامشيتها في جعل نصوص الكتاب والسنة ، متراسا لمنع التصرف في الاحكام التي لم تعد مناسبة لحاجات المسلمين وضرورات حياتهم المعاصرة. فكلما احتاج المسلمون الى حكم جديد ، بحثوا في منطوق النص وليس في حكم العقل كما يفترض.

اعتقد ان القول بالهوية المنفتحة ، يسنده أصل سابق للدين ، وهو اعتبار التعرف والتعارف وكسب المعرفة ، علة لخلق الناس مختلفين ، كما ورد في التنزيل الحكيم "وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا". فهل يمكن للدين ان يلغي علة من علل الخلق والتكوين الرباني؟.

الخميس - 20 جمادى الآخرة 1447 هـ - 11 ديسمبر 2025 م

https://aawsat.com/node/5218228

مقالات ذات صلة

أزمة هوية؟
اشكالية الهوية والتضاد الداخلي
 اعادة بناء القرية .. وسط المدينة
الاقليات والهوية : كيف تتحول عوامل التنوع الى خطوط انقسام في المجتمع الوطني
أن نفهم الآخرين كما هم لا كما نتصورهم
بين هويتين
تأملات في حدود الفردانية
تكون الهوية الفردية
جدل الهوية الفردية وتأزماتها
حزب الطائفة وحزب القبيلة
حول أزمة الهوية
حول الانقسام الاجتماعي
الخيار الحرج بين الهوية والتقدم
الدين والهوية ، خيار التواصل والافتراق
سجناء التاريخ
عن الهوية والمجتمع
فيديو : نادر كاظم وتوفيق السيف حول اشكالات الهوية
القبيلة والطائفة كجماعات متخيلة
كيف تولد الجماعة
الهوية المتأزمة


30/10/2025

انخفاض الخصوبة وتحدي الهوية


هذه خلاصة نقاش حول العوامل البنيوية التي تضغط على توجهات السياسة في أوروبا الغربية في الوقت الحاضر. وتلعب هذه العوامل أدوارا متفاوتة في كافة المجتمعات الصناعية ، كما انها تمثل تجربة متقدمة للمجتمعات التي تتجه نحو الاقتصاد الحديث بشكل عام.

يجدر الإشارة أولا الى فائدة التمييز بين نوعين من التحليل السياسي ، اكثرهما شيوعا هو الذي يركز على التجاذب بين الاطراف الفاعلة في الميدان ، بناء على ان نتائج التجاذب ، وما يكسبه كل طرف وما يخسره الآخر ، هو الذي يشكل الصورة الواقعية للحياة السياسية. اما النوع الثاني فهو الذي يركز على العناصر الجيوسياسية ، أي مصادر القوة وأسباب الضعف الثابتة ، التي لا تتغير بتغير الحكومة ولا البرامج السياسية. فهذه المصادر والأسباب تواصل تأثيرها في المشهد السياسي ، أيا كانت المجموعة الحاكمة.

سوف أركز في هذه الكتابة على انخفاض معدل الخصوبة. وهو أحد العناصر الجيوسياسية المؤثرة على مسارات السياسة. واشرحه مع الاخذ بعين الاعتبار تفاعله مع نموذج "دولة الرفاه" ، الذي تقوم عليه الدولة الأوروبية. وربما نعود للحديث عنه بشكل مستقل في مقالة قادمة.

معدل الخصوبة هو عدد الولادات المتوقعة لكل امرأة. ويجب ان لا ينزل دون 2.1 مولود لكل امرأة ، للحفاظ على نفس عدد السكان من دون هجرة. ولهذا أطلق على هذا الحد اسم "معدل الخصوبة الاحلالي". ولو اردنا المقارنة ، فان السعودية مثلا تحظى بمعدل مرتفع نسبيا ، أي 2.3 مولود حي لكل امرأة. اما في دول الاتحاد الأوروبي فقد انخفض المعدل الى 1.34 مولود لكل امرأة في عام 2023. معدل الخصوبة مهم ، لأنه هو الذي يحدد قابلية المجتمع لتوفير اليد العاملة الضرورية لتحريك العجلة الاقتصادية. فاذا تناقص عدد المواليد ، تناقص معه عدد الأشخاص المهيئين للعمل ، بينما يزداد بشكل معاكس ، عدد المتقاعدين الذين يحتاجون لم ينفق عليهم. في الوقت الحاضر تصل نسبة كبار السن (65 عاما وأكثر) في الاتحاد الأوربي ، الى 21.6 بالمائة من السكان. وهي نسبة تتصاعد باستمرار.

انخفاض عدد العاملين ، يعني تقلص الحراك الاقتصادي ، ومن ثم انكماش موارد الدولة ، التي تعتمد على الرسوم والضرائب. وهذا يقود طبعا الى زيادة الضغوط على نظام الخدمات العامة ، وتجميد أي توسع او تطوير يتطلب استثمارات كبيرة.

جرب عدد من الدول لا سيما فرنسا والسويد ، تشجيع الانجاب ، لكن هذه السياسات لم تلق نجاحا يذكر. الحل الآخر الذي يبدو معقولا ، هو السماح بالهجرة الواسعة. المانيا مثلا حصلت على 1.5 مليون مهاجر في 2022 و660 الف مهاجر في 2023. وتقول ارقام رسمية ان تدفق 200 الف مهاجر سنويا يضيف للاقتصاد الألماني نحو 100 مليار يورو على المدى الطويل. أي ان الهجرة تولد قيمة اقتصادية صافية ، رغم انها تبدو – في اول الامر – مكلفة. في الوقت الحاضر يمثل المهاجرون 25% من الشعب الألماني.

لكن الهجرة الواسعة ليست بلا تبعات. فقد أطلقت شعورا بالقلق من فقدان الهوية او تحولها. الواقع ان الحكومات الأوروبية تحاول علاج هذا المشكل ، بالتركيز على قيمة التنوع الثقافي باعتباره جزء حيويا من الهوية الوطنية. ولتأكيد هذا الاتجاه تشجع المهاجرين على المشاركة في الحياة السياسية ، وقد تولى بعضهم فعليا مناصب وزارية وعضوية البرلمان. لكن كثيرا من السكان ، لاسيما المحافظين التقليديين ، يتساءلون بقلق: هل سيتحول المهاجرون من محكومين الى حكام او مشاركين في حكم بلدنا؟.

ربما يجيب بعضهم ، لاسيما من السياسيين التقدميين: وماذا في ذلك ، طالما ان المهاجر يعمل مثل المواطن الأصلي ، ويؤدي واجباته الضريبية ، ويشعر ان هذا وطنه ، تماما مثل بقية المواطنين ، فهل نشعر بالقلق لمجرد اختلاف لونه او دينه او طريقة عيشه؟.

على السطح ، تبدو هذه أسئلة بسيطة ويبدو جوابها بديهيا. لكنها تخفي – في واقع الامر – تعقيدا شديدا ، ويختلط فيه المنطق بالعاطفة وانعكاسات التجربة التاريخية ، على نحو يستحيل ان تعالجه الأجوبة البسيطة.

الشرق الأوسط الخميس - 08 جمادي الأول 1447 هـ - 30 أكتوبر 2025 م

https://aawsat.com/node/5203041

29/02/2024

الانتقال الى الحداثة

بعد جدالات الاسبوعين الماضيين ، قد يسألني القاريء العزيز: لنفترض اننا اردنا التحرر من أسر التقاليد المعيقة للتقدم والتكيف مع روح العصر ومتطلباته ، فما الذي يتوجب فعله كي ننجز هذه المهمة؟.

الواقع ان عددا من الاصدقاء قد وجه هذا السؤال فعلا. لكني لاحظت ان بعضهم استعمل عبارات توحي بالقلق من تحول كهذا. من ذلك مثلا ، قول من قال ان الانتقال للحداثة سيؤدي للتخلي عن الدين. ومثله قولهم ان الصين واليابان وكوريا وحتى بريطانيا ، لم تتخل عن تقاليدها القديمة حين قررت ركوب قطار الحداثة ، فلماذا نطالب نحن بالتخلي عن تلك التقاليد؟.

ويتراءى لي ان هذا النوع من الاسئلة ، يستبطن رغبة قوية في التحرر من قيود الماضي. لكنه – من ناحية أخرى – يشير الى تخوف من الكلفة النفسية والاجتماعية ، التي ربما تترتب على اتخاذ القرار. الذين يطرحون هذه الاسئلة ، يحاولون القول بطريقة ضمنية: هل لديكم طريقة لتخفيف الكلفة ، نظير ما فعل الصينيون او اليابانيون مثلا؟.

حسنا دعنا نقول من حيث المبدأ اننا لا نملك دليلا نهائيا قاطعا ، على أن طريقة الحياة الحديثة او نظيرتها التقليدية ، خالية من العيوب والنواقص. في كل من الحياتين فضائل وفيها نواقص. لكن الذي ندعيه ان فضائل الحداثة اوسع واعمق من نظيرتها التقليدية ، كما ان عيوبها ايسر علاجا وأقل مؤونة. ومن هنا فانه يصعب جدا اقناع الناس باختيار هذا الطريق او ذاك. انها مسؤولية فردية. بوسع كل فرد منا ان يتأمل في حياته الخاصة والخيارات التي أمامه ، ثم يختار ما يراه اقرب لمصلحته او تطلعاته. وفي كلا الحالين سيجد ما يكفي من المبررات لدعم هذا الخيار او نقيضه.

ان التحرر من حياة التقاليد ليس صعبا جدا من الناحية المادية ، لكنه – على أي حال – يحتاج الى تبني "رؤية كونية" جديدة ، اي القواعد الكبرى التي يقوم عليها فهم الانسان لذاته وعالمه ، وعلاقته بالبشر والاشياء في هذا العالم. من بين تلك القواعد ، اريد التأكيد على ثلاث:

الاولى: الانسان محور الحياة في هذا الكون ، ولحياته وكرامته أولوية مطلقة على كل شيء آخر. وهو  - من حيث المبدأ - كائن عقلاني وأخلاقي. الانسان "الفرد" حر في اختيار عقيدته وثقافته وطريقة حياته ومتبنياته القيمية وتطلعاته المستقبلية. وهو مسؤول بصفة شخصية عن خياراته.

الثانية: لكل من الدين والعلم نطاق خاص في حياة الفرد ، لا يتعداه. يستهدف الدين توفير السكينة الروحية ، وتعميق صلة الانسان بالله والنظام الكوني الذي سخره له. ويستهدف العلم استكشاف هذا النظام واستثماره ، ومن ثم تطوير حياتنا ، وتعزيز ازدهارها المادي والاخلاقي. تشترك القيم الدينية والعقلية البحتة في وضع المعايير التي تساعدنا في تعيين ما هو صالح وما هو فاسد ، ماديا واخلاقيا.

الثالثة: الزمن عنصر جوهري في مفهوم الحداثة وتحديد القيمة العلمية للافكار. التاريخ حركة دائبة الى الامام. ما يأتي أصح واكمل مما مضى. التفاعل بين البشر وعناصر الطبيعة ، هو المصدر الاول للمعرفة. ومواصلة العقل لتعامله النقدي مع الافكار والمعلومات ، يؤدي دائما الى فهم أفضل للانسان والكون المحيط به. لا قدسية للزمن بذاته ، ولا تفضيل لحقبة على حقبة ، لكن بالنظر الى محورية الجهد البشري في صناعة التقدم ، فان ما يأتي سيكون غالبا اكمل وأصح مما مضى.

هذه القواعد الثلاث تحدد – في اعتقادي – الخط الفاصل بين عصر التقاليد وعصر الحداثة. اعتناقها كرؤية حاكمة ومعيارية ، هو ما يجعل الانسان منتميا الى العصر الجديد. لا يتعلق الامر بلباس قديم او جديد ، ولا لغة محلية او عالمية ، ولا مصادر معلومات خاصة ولا ايديولوجيا او دين بعينه. يمكن للانسان الحديث كما التقليدي ، ان يكون متدينا او ملحدا. ويمكن له ان يعيش في مدينة حديثة او في اعماق الريف. ما هو مهم هو تكوينه الذهني ورؤيته للعالم ، هل تنتمي للعصر القديم ام تتفاعل مع العصر الجديد.

الشرق الاوسط الخميس - 19 شَعبان 1445 هـ - 29 فبراير 2024 م   https://aawsat.com/node/4883681

مقالات ذات صلة

ابعد من تماثيل بوذا

الاسئلة الباريسية

الاسئلة التي تزيدنا جهلا

البديل عن نموذج السوبر ماركت

تلميذ يتعلم وزبون يشتري

التواصل الثقافي ، موديل السوبر ماركت

الحر كة الا سلامية ، الغرب والسيا سة ( 2 من 3 )

الشيخ القرني في باريس

العقلاء الآثمون

العولمة فرصة ام فخ ؟

في بغض الكافر

في مستشفى الكفار

قادة الغرب يقولون دمروا الاسلام ابيدوا اهله

من القطيعة الى العيش المشترك

نفوسنا المنقسمة بين عصرين

وهم الصراع بين الحضارات

اليوم التالي لزوال الغرب

15/02/2024

البديل عن نموذج السوبر ماركت

بعض الذين قرأوا مقال الاسبوع الماضي ، رأوه مغاليا في القول بامكانية التخلي عن ارثنا الثقافي لتجاوز حالة التخلف. وتساءل بعضهم صراحة: هل يعقل ان نتخلى عن ذاكرتنا الثقافية ، لمجرد ان المجتمعات الأخرى تجاوزتنا في الصناعة والتقنية والاقتصاد. فماذا لو لقيت شخصا أغنى مني أو أعلم ، فهل أتخلى عن ثقافتي كي الحق به أو اصير مثله. ولنفترض اننا تخلينا عنها ، فهل سيتبدل حالنا فنصبح مثل المتقدمين ونخرج فورا من مستنقع التخلف؟.

على ان السؤال الأكثر حرجا هو سؤال الالتزام بالدين او التخلي عنه ، فالمفهوم عند السواد الاعظم من الناس ، ان الدعوة للتخلي عن التراث او القطيعة معه ، ستؤدي بقصد او دون قصد الى انفصال المؤمنين عن ثقافتهم الدينية ، الضرورية للحفاظ على الدين نفسه.

دعني اجيب على هذه المخاوف التي اتفهمها واحترمها ، رغم مخالفتي لاصحابها. اتفهم ان لا احد سيقبل دعوة كهذه من دون توقف طويل. ولذا فقد يكون مفيدا شرح اثنين من العوامل التي تولد تلك الاسئلة القلقة ، وهما الخوف على الهوية والخوف من خسارة الذات.

ان ابرز العوامل التي تبرر الانعزال الثقافي ورفض النقد الذاتي ، هو الاعتقاد بأن الانفتاح على المخالفين ، سيثير الشك في صلابة الهوية ، والارضية التي تقوم عليها. الهوية هي الخيط الذي يربط اعضاء المجتمع او الأمة الى بعضهم ، فتضفي عليهم لونهم الثقافي الخاص ، اي شخصيتهم المتمايزة عن الآخرين ، كما تضفي الشرعية/القبول على طائفة من الأفعال والممارسات الاجتماعية ، وتنزعها عن طائفة أخرى ، فتجعلها مدانة او مرفوضة.

ومن هنا فان التشكيك في الهوية ومصادرها (الدين/التجربة التاريخية/الارث الثقافي/اللغة/سلاسل النسب) سيؤدي ليس فقط الى تغيير الثقافة العامة ، بل قد يصل أثرها الى تفكيك او اضعاف النظام الاجتماعي ومجموعة الاعراف المنظمة لسلوك الافراد.

اما الخوف من خسارة الذات ، فهو يشبه – في وجوه كثيرة – تجريد الشخص من جنسيته ، أي انتمائه القانوني الى بلد بعينه. فمع ان هذا الاجراء لا يغير شيئا في ذات صاحبه ، الا انه يفصله عن دائرة مصالح/انتماء تشكل محورا لتعريف نفسه ، ومن دونها سيشعر بالغربة وربما الضياع ، واذا كان ذا مكانة في قومه ، فان هذا التحول سيطيح بتلك المكانة او يضعفها كثيرا.

لهذين السببين ، فليس من السهل ان يقدم الانسان على حوار مع مخالفيه ، يؤدي – ولو من باب الاحتمال – الى استبدال ثقافته بثقافة المخالف ، او خروجه من دائرة المصالح/الانتماء التي ولد فيها وتربى في احضانها. هذا هو الذي يجعل نموذج السوبر ماركت ، اي الانتقاء من ثقافة الاخرين بناء على معايير ثقافتنا الخاصة ، يجعله الخيار الممكن لغالب الناس.

لكني أدعو الى خيار مختلف ، محوره هو تحكم الانسان في مكونات ذهنه ، اي ان يجعل عقله حاكما على ذاكرته ، فيمارس نقده لتلك المكونات بناء على معايير الاخر المختلف. في هذه الحالة نضع الآخر معيارا ، وننقد الذات ، بخلاف نموذج السوبرماركت الذي يضع الذات معيارا ويمارس نقده على الآخر.

ممارسة هذه العملية تحررك من قيود التاريخ والهوية ، تجعلك متحكما – الى حد ما – في الذي تقبله والذي ترفضه. لكنك مع ذلك ستبقى ضمن موقعك الثقافي القديم ، فتتحول الى متخارج عنه ، اي متفاعل معه من خارجه. في هذه الحالة ستنظر الى هذا التراث وتلك الثقافة من خارجها ، رغم انك – واقعيا – في داخلها ، اي ستعمل على وضح خط فاصل بين قناعاتك ومعاييرك وبينها ، فتختار منها ولا تغرق فيها. اذا نجحت في هذه المرحلة ، فسوف تكون كذلك بالنسبة لثقافة الاخر ، متداخلا معها ، لكنك لست في داخلها.

الشرق الاوسط الخميس - 05 شَعبان 1445 هـ - 15 فبراير 2024 م   https://aawsat.com/node/4855066

مقالات ذات صلة

ابعد من تماثيل بوذا

الاسئلة الباريسية

الاسئلة التي تزيدنا جهلا

ان تكون مساويا لغيركمعنى التسامح

تلميذ يتعلم وزبون يشتري

التواصل الثقافي ، موديل السوبر ماركت

الحر كة الا سلامية ، الغرب والسيا سة ( 2 من 3 )

سجناء التاريخ

الشيخ القرني في باريس

العقلاء الآثمون

العولمة فرصة ام فخ ؟

في بغض الكافر

في مستشفى الكفار

قادة الغرب يقولون دمروا الاسلام ابيدوا اهله

نفوسنا المنقسمة بين عصرين

وهم الصراع بين الحضارات

اليوم التالي لزوال الغرب

 

08/02/2024

التواصل الثقافي ، موديل السوبر ماركت

 


روى هذه القصة الدكتور ابراهيم البعيز ، الاستاذ الجامعي والخبير البارز في سياسات التواصل الثقافي. وهي تدور حول لحظة  اكتشاف الفجوة الثقافية التي تفصلنا عن مجتمعات الغرب. يقول انه انضم الى فصل يدرس العلاقات الثقافية ، مخصص لطلبة الدكتوراه بجامعة ولاية أوهايو الامريكية ، سنة 1983. وكان الطلاب ملزمين بكتابة تقرير اسبوعي عن قراءاتهم في الموضوع. واعتاد الاستاذ ان يحدد افضل تقرير وأسوأ تقرير ، كي يلقيه صاحبه على بقية الزملاء. في احد الاسابيع اراد البعيز ان يكتب عن تجربته الخاصة في التواصل مع الثقافة الامريكية ، فكتب ما خلاصته انه كان حريصا على مطالعة جوانب الثقافة الامريكية ، كي يختار منها ما يلائم ثقافته وقيمه العربية.

د. ابراهيم البعيز

سألني الاستاذ – يقول د. ابراهيم -: هل تستطيع حقا ان تختار ، وهل هذي هي الطريقة الأفضل في التواصل الثقافي مع العالم؟.

تلك الحادثة فتحت عيني على وهم شائع في مجتمعنا ، خلاصته اننا نتخيل علاقة مع العالم تشبه رحلة التسوق: تدخل الى السوبرماركت ، تختار ما تريد ، تضعه في العربة ، ثم تدفع قيمته وتخرج. وقد سألت نفسي كثيرا ، وسألت الزملاء: هل نستطيع حقا ان نطبق "موديل السوبر ماركت" ، ان نفكك ثقافة الاخرين الى أجزاء فنختار هذا الجزء ونترك ذاك؟. (سرد القصة د. ابراهيم البعيز في جلسة منتدى التنمية الخليجي  3 فبراير 2024 فندق انتركونتننتال – الرياض)

يرى د. ابراهيم ان الانفتاح على العالم يتطلب – من حيث المبدأ – استعدادا لتقبل التغيير ، اي التخلي عن المخزون الثقافي الذي ورثناه ، أو حشيت به أدمغتنا ، أو اخترناه في سياق تجربتنا المعيشية ، واستبداله بمنظومة جديدة قادرة على اثبات افضليتها ، ولا سيما قدرتها على استيعاب تحديات الحاضر ، والوفاء بحاجات المجتمع الثقافية والحياتية. هذا يعني – الى حد كبير – تبديل النظام الثقافي نفسه ، وليس استبدال عناصر محددة. اجزاء الثقافة الاجنبية التي ربما نفكر في انتقائها ، ليست قطعا صلبة قائمة بذاتها. إنها أشبه بأجزاء رواية او قصيدة ، تصمم ضمن منظور شامل يجمعها بسائر الأجزاء. تخيل انك اخذت فقرة من رواية فيكتور هيجو "البؤساء" واقحمتها وسط صفحة من رواية نجيب محفوظ "ثرثرة فوق النيل" ، فهل ستندمج وتمسي جزء من نسيجها.

نحن نجادل كثيرا في ان الانتقاء هو الخيار الوحيد المتاح ، واننا لا نستطيع الأخذ بعناصر الثقافة والقيم الغربية ، اذا تعارضت مع ثقافتنا أو قيمنا. فهل هذا حقا هو الخيار الوحيد ، وهل هو الخيار المفيد؟.

قلت لصديقي د. ابراهيم ، اني انظر للمسألة من زاوية أخرى: التواصل مع الشعوب الأخرى ليس من الأمور المحبذة في موروثنا الثقافي. هناك شعور عميق بالخوف من ان يؤدي التواصل الى خلخلة الالتزام الديني ، لا سيما اذا كان الطرف الآخر في التواصل أقوى ماديا او ثقافيا. ونتذكر على سبيل المثال ان السفر للخارج لم يكن موضع ترحيب من جانب الزعماء الدينيين ، بل ربما تشدد بعضهم فاعتبره حراما ، ان لم يكن لحاجة ماسة. وكذا التواصل مع القادمين الينا من خارج اطارنا الثقافي ، ولا سيما ان كانوا غير مسلمين.

في وقت لاحق ، تراجع هؤلاء ، لأن الناس لم يطيعوهم ، فطرحت فكرة الانتقاء مما عند الآخرين كبديل معقول في تلك الظروف. وفي الوقت الحاضر يتحدث جميع الناس عن هذا النوع من التبادل ، اي "موديل السوبر ماركت" ، باعتباره الخيار الامثل.

حسنا ، اذا كنا سنختار ما يلائم ثقافتنا واعرافنا ، فهذا يعني ان ثقافتنا واعرافنا هي المعيار والميزان الذي نقيس عليه بضائع الاخرين. فهل نؤمن – حقا – ان ثقافتنا واعرافنا بلغت هذا المستوى؟

اذا كان الامر على هذا النحو ، فلماذا ناخذ مما عند الاخرين ، لماذا لا نكتفي بالذي عندنا؟.

واقع الامر اننا نأخذ بثقافة الاخرين ، لأن ثقافتنا متخلفة ، عاجزة عن استيعاب تحديات الحياة في عصرنا ، فكيف يكون الفاشل معيارا يوزن به الناجحون؟.

الشرق الاوسط الخميس - 28 رَجب 1445 هـ - 8 فبراير 2024 م              https://aawsat.com/node/4840596

مقالات ذات صلة

الحر كة الا سلامية ، الغرب والسيا سة ( 2 من 3 )

نفوسنا المنقسمة بين عصرين

تلميذ يتعلم وزبون يشتري

العولمة فرصة ام فخ ؟

تلميذ يتعلم وزبون يشتري

الاسئلة التي تزيدنا جهلا

الاسئلة الباريسية

قادة الغرب يقولون دمروا الاسلام ابيدوا اهله

اليوم التالي لزوال الغرب

وهم الصراع بين الحضارات

 

21/09/2023

كيف نجعل الثقافة محركا للاقتصاد؟

 

جوهر المسألة التي حاولت ايضاحها في الأسبوعين الماضيين ، هو دور الثقافة العامة في تحفيز التقدم ، لا سيما على الجانب الاقتصادي.

نقصد بالثقافة هنا ما نسميه العقل الجمعي. ولكي لا نقع في خطأ التصور السلبي للعقل الجمعي ، يهمني الاشارة الى انه ليس صفة سيئة. انه اقرب الى معنى العرف العام ، اي مجموع القناعات والقيم والمفاهيم التي تحكم سلوك عامة الناس في مجتمع ما ، وتشكل الصورة العامة للمجتمع. فنقول ان هذا المجتمع بسيط او متحفظ ، وان المجتمع الثاني كريم او بخيل ، والثالث نشط وسريع الاستجابة.. الخ. هذه ليست صفات دقيقة لكل فرد في هذا المجتمع او ذاك ، لكنها المتوسط العام الناتج عن مجموعة صفات يتصف بها كل مجتمع.

داريوش شايغان (1935 - 2018)

أما المراد بالاقتصاد فهو دائرة المعيشة ، اي مصادر الانتاج ووسائله ، وقابليتها للتجدد والتطوير ، ومدى العدالة في توزيع ثمرات النشاط الاقتصادي القومي على افراد المجتمع. نعلم ان غالب المجتمعات العربية ، في وضع أقل من المطلوب. لأن المسافة بيننا وبين الدول الصناعية شاسعة جدا ، في مختلف المجالات ، في انتاج العلم والتقنية وفي مستوى المعيشة وجودة الحياة ، الى المساواة والعدالة والمشاركة في صناعة المستقبل.

هذا يقودنا الى العنصر الاول من عناصر الثقافة الداعمة للتقدم ، أعني به الحاجة لمثال نحتذي به كمعيار للتقدم المنشود. ان النموذج والمثال الواضح أمامنا اليوم هو المجتمعات الصناعية الغربية ، ومن سار على اثرها في الثقافة والتنظيم الاجتماعي. أريد التأكيد على هذا ، لأننا في امس الحاجة الى علاج ما اعتبره عقدة تفسد نفوسنا: وهي العقدة المتمثلة في اعلان الكراهية للغرب وادعاء العداوة له ، رغم ميلنا الصريح او الضمني لاحتذاء نموذج الحياة الغربية.

هذه العقدة لم تقم على ارضية الدين كما يتخيل كثيرون ، بل "استعملت" عباءة دينية لتبرير الانكماش على الذات والتفاخر بالذات في الوقت نفسه. ان الشتيمة الايديولوجية والشتيمة السياسية للغرب ، ليست سوى محاولة للموازنة بين الانكسار الذاتي الذي يحث على الانكماش ، وضغط الحاجات الملحة الذي يتطلب التواصل مع الغرب. وهذا هو مسلك "النفس المبتورة" حسب تعبير المفكر المعروف داريوش شايغان.

لن نستطيع الانضمام الى ركب منتجي العلم ، ولن نقيم اقتصادا قادرا على الصمود في وجه الأزمات ، الا اذا اجتهدنا في تنسيج اصول العلم والادارة الحديثة في ثقافتنا. وهذه الاصول عند الغرب وليست عندنا. وهي محملة بفلسفة تتعارض جديا مع الكثير من قناعاتنا واعرافنا الموروثة. فاذا بقينا على "وهم" ان تبني فلسفة الحياة الجديدة ، مشروط بتوافقها مع موروثنا الثقافي ، فلن نخرج أبدا من أسر التقاليد العتيقة التي عطلتنا ما يزيد عن 1000 عام. الحل الوحيد والضروري هو التخلي عن تلك الأوهام ، مهما كان الثمن.

اما العنصر الثاني فهو اعادة الاعتبار للعلم كقائد لقطار الحياة. أقول هذا مع علمي بان بعض الناس سيعترض قائلا: كيف نزيح الدين عن دفة القيادة ونسلمها للعلم؟. وجوابي لهم: ان الدين الذي يفهم كمزاحم للعلم او معارض له ، لا يصلح لقيادة الحياة ، ولا يمكن ان يكون دين الله ، بل هو نسخة اخرى من التقاليد الاجتماعية التي لبست عباءة الدين.

لا يتعارض الدين مع العلم ، ولا يحتل مكانه في ادارة الحياة وتسييرها. للدين مكان رفيع وللعلم مكان آخر ، ولا يمكن لأحدهما ان يحتل مكان الثاني. فان اردت ان تعرف من يقود الحياة ، فانظر في حياتك اليومية: كم نسبة الاعمال والسلوكيات والقرارات التي تتخذ بناء على معطيات العلم او في سياقه ، وكم يتخذ خارج هذا السياق.

الاقتصاد الحديث قائم على معطيات العلم الحديث ، فان اردنا النهوض ومسابقة الآخرين في هذا المجال ، فليس ثمة طريق سوى تمكين العلم من مقعد القيادة ، اي الاعتماد على معطياته في كل جانب من حياتنا دون استثناء. واعني هنا الحياة العامة ، لا الشخصية.

ولنا عودة للموضوع في القريب ان شاء الله.

الشرق الاوسط الخميس - 07 ربيع الأول 1445 هـ - 21 سبتمبر 2023 م     https://aawsat.com/node/4559076

مقالات ذات صلة

تأملات في حدود الديني والعرفي   
تبجيل العلم مجرد دعوى

تلميذ يتعلم وزبون يشتري

الثقافة المعوقة للنهضة

 حول تطوير الفهم الديني للعالم

الخيار الحرج بين الهوية والتقدم

داريوش الذي مضى

عجلة التنمية المتعثرة

مرة اخرى : جدل الدين والحداثة
نفوسنا المنقسمة بين عصرين
 حول تطوير الفهم الديني للعالم

هل نحتاج حقا إلى طريق ثالث ؟

اليوم التالي لزوال الغرب

11/01/2023

نقاشات بلا فائدة


لا أرى فرصة للنقاش المفيد بين المدافعين عن النسخة التقليدية من الدين وبين دعاة التنوير/الحداثة. ينتمي كل من الفريقين الى نظام معرفي وقيمي ، مختلف تماما عن الآخر. يتمثل دعاة التنوير روح العصر وفلسفته ، وينفتحون على مصادر المعرفة فيه ، بل ربما وضعها بعضهم في مرتبة مساوية لمرتبة الوحي ، لأن العقل عندهم مصدر مستقل للقيم والتشريع. يعتقد هؤلاء ان المهمة الكبرى للاسلام المعاصر ، هي تقديم نموذج ايماني قادر على استيعاب حاجات الزمان وتحدياته ، نموذج قابل للحوار والتفاهم مع التيارات الروحية والايديولوجيات السائدة في عالم اليوم.

خلافا لهذا فان الفريق التقليدي يرفض كليا فكرة المساواة بين العقل والقرآن في التشريع وإنتاج القيم ، ويعطي المكانة الثانية للسنة النبوية. مكان العقل – عندهم - هو خدمة الكتاب والسنة ، ليس موازيا لهما ولا مستقلا عنهما. أما المهمة الكبرى للمجتمع الإسلامي المعاصر ، فهي حماية أبنائه من تأثير الحضارة الغربية الغالبة. هذا المنظور الدفاعي انعكس على شريحة واسعة جدا من النتاج الفكري والفقهي لهذا الفريق ، فبات ميالا بشدة الى التبرير والدفاع ، بدل النقد الذاتي الضروري للتطور.

هذه المنطلقات تعني ان كلا من الفريقين يفكر بطريقة مختلفة ، ويتحدث بلغة لا يمكن للفريق الآخر ان يتقبلها ، لأنها تعارض ما يعتبره بديهيا من بديهيات منهجه. الحقيقة ان الطرفين لا يديران نقاشا معمقا في المباديء الرئيسية والارضية الفلسفية التي يقف عليها كل منهما ، نقاش ربما أثمر عن تعديل في رؤيتهما العامة. تبدأ النقاشات دائما في التفاصيل والفروع ، وقد تصل الى المباديء العامة ، لكنها في الغالب تواصل الدوران حول الفروع.

تجري الأمور عادة على النحو التالي: يطرح التنويريون/الحداثيون فكرة صادمة للعرف السائد ، مثل تشكيك المرحوم د. محمد شحرور في مشروعية تعدد الزوجات وتفسيره الجديد لآيات الإرث. وكلا الفكرتين تعارض حديا الموروث الديني ، بما فيه أحاديث تنسب للنبي ، واجتهادات كبار الفقهاء ، من قدامى ومحدثين.

ردا على هذا ، يقدم المدافعون عن الموروث الديني مرافعات تعيد التذكير بأصول فكرتهم ، وتنفي سلامة الاجتهادات المذكورة ، كما تشكك في أهلية صاحب الفكرة للاستدلال والتوصل الى احكام أو حقائق شرعية.

لا تناقش هذه الردود أدلة التنويريين ، بل تستعين بنفس الأدلة التي سبق استعمالها في دعم الرؤية الموروثة. لكن التنويريين يعرفون هذه الرؤية وقد رفضوها سلفا. وهكذا نجد أنفسنا امام الحالة التي تسمى أحيانا حوار الطرشان: كلا الطرفين يطرح أدلة يرفضها الثاني من حيث المبدأ ، فلا يناقشها. فكان الطرفين يتحدثان في عالمين مختلفين ، لا احد منهما يسمع قول الآخر.

الواقع اننا نتحدث فعلا عن عالمين فكريين متمايزين ، لكل منهما ارضيته ومبرراته الفلسفية ومنطلقاته وفرضياته وأدوات نقده ، وهو مختلف تماما عن العالم الآخر. ولهذا لا توجد قاعدة معيارية واحدة او ميزان علمي مشترك ، يمكن الاعتماد عليه في الموازنة بين الرأيين أو أدلتهما. هذه يشبه المقارنة بين قصيدة عربية وأخرى انجليزية... هل تراه ممكنا؟. بالطبع لا ، لأن القصيدتين تنتميان الى عالمين مختلفين في الصور والتعبيرات والسياق ، بحيث لا نستطيع القول ان هذه افضل من تلك او اجمل او اصح.

-         هل ينبغي ان نأسف لاستحالة اطلاق حوار  يؤدي الى توحيد التيارين ، او تقليل الخلافات بينهما؟.

في رأيي ان الأمر لا يستدعي الأسف. من المفيد ان ننظر للجانب الحسن في الجدالات الساخنة. ان محاولة كل من الطرفين فرض رأيه ، سوف تدفع الطرف الآخر الى تقوية استدلالاته وتعميق الأفكار المطروحة للنقاش. لو سكت الجميع حفظا لوحدة الموقف ، فسوف لن يستفيد أحد. المناقشة هي التي تولد رؤى جديدة ، تعلم الناس وتوسع آفاق المعرفة.

الأربعاء - 18 جمادى الآخرة 1444 هـ - 11 يناير 2023 مـ رقم العدد [16115]

https://aawsat.com/home/article/4091671/

مقالات ذات علاقة

 

 الاستدلال العقلي كاساس للفتوى

تأملات في حدود الديني والعرفي

تجديد الخطاب الديني: رؤية مختلفة

جدالات ما بعد شحرور

جدل الدين والتراث ، بعد آخر

الحداثة تجديد الحياة

الحداثة كحاجة دينية

 الحداثة كحاجة دينية (النص الكامل للكتاب)

حول الفصل بين الدين والعلم

حول المسافة بين الدين والمؤمنين

حول تطوير الفهم الديني للعالم

دور الراي العام في التشريع

سؤال الى البابا

في ذكرى محمد شحرور- اسئلة اليوم غير اسئلة الامس

في معنى "الدروشة" وتطبيقاتها

كيف نتقدم.. سؤال المليون

ما الذي يجعل محمد شحرور مختلفا وبغيضا أيضا

ماذا يختفي وراء جدل العلاقة بين العلم والدين

مرة اخرى : جدل الدين والحداثة

المعنوية ، حيث تلتقي جميع الرسالات

المكنسة وما بعدها

من المناكفة الى النهضة

نفوسنا المنقسمة بين عصرين

النقد الأخلاقي للتراث: مجادلة أولى

هكذا تحدث محمد شحرور

هيروهيتو ام عصا موسى؟

الوحدة الاوربية "آية" من آيات الله

 


من يصنع هويتك: انت أم الآخرون؟

توصل البروفسور يوناس فريسن ، بمعهد كاروليسكا في ستوكهلم ، الى أن اجسامنا تتغير كل يوم . ويتغير جسم الشخص البالغ كله تقريبا ، خلال فترة تتراو...