‏إظهار الرسائل ذات التسميات العلاقة مع الغرب. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات العلاقة مع الغرب. إظهار كافة الرسائل

03/04/2019

هكذا خرج العقل من حياتنا


ادهشني ان بعض الناشطين في التيار الديني ، لم يرض بالاطراء الذي نالته جاسيندرا ارديرن رئيسة الحكومة النيوزيلندية ، نظير موقفها التضامني مع مواطنيها المسلمين ، اثر فاجعة مسجد النور منتصف مارس الماضي. وقال بعض الناقدين ان موقف رئيسة الحكومة سياسي في المقام الاول. وقال آخرون ان عينها على الانتخابات ، او انه تعبير عن موقف ايديولوجي للتيار اليساري الذي تنتمي اليه ، في مقابل اليمين المتطرف الذي ينتمي اليه القاتل. وسمعت قولا طريفا لأحدهم فحواه انه كان الأولى دعوتها الى الدين الحنيف بدل امتداحها ، فلعل الله يشرح صدرها للاسلام. وأطرف منه من كتب ان السيدة الجليلة لاتستحق المدح ، لأنها "كافرة سافرة ، قبلت ولاية لاتسوغ لجنسها".
 
ورايي ان تلك الاقوال باطلة جملة وتفصيلا. في ذاتها وفي ارضيتها الفلسفية. لكن موضع اهتماهي ليس هنا. بل لأنها ذكرتني بجدل قديم اشتهر باسم "مسألة الحسن والقبح العقليين". وقد اثيرت في الاطار الاسلامي خلال القرن الثامن الميلادي ، مع انها ترجع الى ازمان ابعد بكثير. وكانت تدور حول قابلية العقل لادراك الحقيقة وتمييزها عن الوهم. 
ركز الجدل الاسلامي على سؤال: هل في الافعال معنى وقيمة ذاتية ، يمكن للعقل اكتشافها وتحديدها ، ام ان تحديد معنى الفعل وقيمته ، متروك للشارع ، ان شاء اعتبره حسنا وان شاء اعتبره قبيحا. كانت الغلبة يومذاك للراي القائل بعجز  العقل عن تحديد الوجه الشرعي للحسن والقبح. ومعنى هذا انه يمكن لعقلك اكتشاف ان العدل حسن وان الظلم قبيح ، لكنه لايستطيع القول بان هذا القبح او ذلك الحسن له قيمة ، او يمكن ان يكون اساسا لامر شرعي. هذه الفكرة هي اساس نفي العقل واستبعاده ، ليس عن دائرة التشريع فحسب ، بل عن حياة المسلمين ككل.
ان السبب الذي يدعوني للتذكير بهذا الجدل اليوم ، هو اعتقادي بأن عدم ثقة المسلمين بالعقل وقدرته ودوره ، هو الذي قاد الى الانفصال المشهود بين الدين والحياة ، بين الدين والاخلاق ، بين الدين والقانون ، وهو الذي جعل المسلمين مضطرين للعيش حياة مزدوجة: عقلانية تماما في محيط العمل ، حيث يستعملون منتجات العقلاء واجهزتهم وانظمتهم ، وخرافية كليا او جزئيا حين يعودون الى حياتهم العادية ، او يعملون في اطار تقاليدهم الثقافية وارثهم القيمي.
منذ ان اصبح العقل هامشيا في حياتنا ، فقد بات ممكنا ان يأتينا شخص ليقول: أن عقولكم لاتستطيع اكتشاف الحقائق ، أو لاتستطيع تحديد معناها وقيمتها. وحتى لو  كنتم اذكياء بما يكفي لفهم حقيقة الاشياء ، فان ذكاءكم واجتهادكم لاقيمة له عند الشارع. الشارع هو الذي يحدد قيمة الافعال ، اما انتم فدوركم مقصور على السمع والطاعة دون تفكير او مناقشة.
اني اعجب ، لان فينا من لازال يقول بان دين الله لايدرك بالعقول ، فاذا جادلته ، اعاد عليك الحجة التي عمرها مئات السنين ، والقائلة بانه لو كان الدين بالعقل فما الاساس العقلي للمسح على ظاهر القدم دون باطنه ، وما الاساس العقلي لجعل هذه الصلاة ركعتين وتلك ثلاث ركعات ، وامثال ذلك من الحجج الباردة.
إني آمل ان يشاركني القراء الاعزاء في اظهار الاسف لتعطيل العقل باسم الدين. مع علمنا جميعا بانه لولا العقل لما كان ثمة حياة ولا دين ولاتكليف ولا ثواب ولاعقاب ولا جنة ولا نار. ولعلنا نعود الى الموضوع في قادم الايام.

الأربعاء - 27 رجب 1440 هـ - 03 أبريل 2019 مـ رقم العدد [14736]
https://aawsat.com/node/1662191
  مقالات ذات صلة

الاستدلال العقلي كاساس للفتوى

تأملات في حدود الديني والعرفي

جدل الدين والتراث ، بعد آخر

حول الفصل بين الدين والعلم

حول تطوير الفهم الديني للعالم

دور الفقيه ، وجدلية العلم والحكم

الـدين والمعـرفة الدينـية

شرع العقلاء

عقل الاولين وعقل الاخرين

عن الدين والخرافة والخوف من مجادلة المسلمات

كي لايكون النص ضدا للعقل

كيف تتقلص دائرة الشرعيات؟

ماذا يختفي وراء جدل العلاقة بين العلم والدين

مثال على طبيعة التداخل بين الدين والعلم

نسبية المعرفة الدينية

نقاشات "عصر التحولات"

هكذا خرج العقل من حياتنا

هيمنة الاتجاه الاخباري على الفقه


29/03/2017

اليوم التالي لزوال الغرب

في أيامنا هذه ، نادرا ما تخلو خطبة جمعة من التنديد بالغرب ، والدعاء عليه بالفناء والزوال والخسف وتشتيت الشمل. وتستعمل عادة أوصاف تشير اليه بالتحديد ، مثل اليهود والنصارى والصليبيين.. الخ. قد تكون هذه الدعوات كليشيهات محفوظة ، يكررها القائل دون انتباه لمعانيها النهائية. لكن تكرارها على مدى السنين حولها الى مسلمة راسخة ، لا تستدعي مراجعة ولا تثير نقاشا. وبالنظر للسياق الذي تقال فيه ، فهي تلبس لبوسا دينيا يحميها من المقارنة العلمية بالوقائع والارقام.
دعنا نفترض ان الله استجاب دعاء الداعين ، فخسف الارض بالغرب كله ، فمات أهله وزال من الوجود. فهل سيكون العالم في اليوم التالي لهذا الخسف افضل مما كان في اليوم الذي سبقه؟. هل ستكون البشرية ، المسلمون وغيرهم ، في حال أفضل مما مضى؟.
استطيع الزعم بان هذا لو حدث ، فان مستوى الحياة في العالم سيتراجع لما يشبه الحال بعيد الحرب العالمية الأولى. ليس فقط لأن الغرب هو الذي يقود تطور العالم ، بل لأنه ايضا يشكل سوقا لكل ما ينتجه العالم. اذا زال الغرب غدا فلن تجد دول آسيا الصناعية زبونا لمنتجاتها. وحينئذ سوف تتوقف عن شراء البترول الذي يشغل مصانعها. وحينها لن يستطيع الخليج مثلا توفير الوظائف لملايين العاملين القادمين من الدول الأخرى ، ولن تجد هذه الدول ثمن الغذاء والدواء الذي تحتاجه .. وهكذا.
نعلم جميعا ان حياة البشر أمست متشابكة ، بحيث بات مستحيلا على أي إقليم ان ينجو من تبعات الكوارث التي تحدث في الأقاليم الأخرى. وقد رأينا أمثلة بسيطة في الازمة المالية عام 2007 وفي الانخفاض الراهن في اسعار البترول ، فضلا عن الكساد العظيم في 1929 أو سنة البطاقة في الخليج عام 1943. وهي جميعا إنعكاسات لأزمات في الغرب.
واضح لكل متأمل في نهايات الاسئلة ، أن زوال الغرب ، مثل زوال الصين او اليابان او الهند مثلا ، لن يحل مشكلاتنا بل سيحول حياة العالم  كله الى مأساة.
واضح أيضا ان الرغبة في فناء الغرب وليد لرؤية هروبية ، تخشى مساءلة الذات عن أسباب تخلفها ، فتعوضها بمفاصلة وجودية فحواها ان العالم لا يتسع للجميع ، فاما بقاؤنا وفناؤهم او العكس. لا تستند هذه الرؤية الى اساس ديني او قيمي ، بل هي تفريع عن تضخم مفرط لهوية مأزومة.
لو نظرنا للبشر جميعا ، كشركاء حياة ومصير. ولو تأملنا في قوله تعالى "إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين" فلربما اعدنا النظر في معنى ان نكون مسلمين او متقين او عبادا لله. ولربما تحررنا من الضغط الذهني والروحي الشديد لثنائيات مثل مسلم/كافر ، التي تعني في الحقيقة نحن/هم. ولربما نظرنا للبشر جميعا كاخوة ، تتعدد مشاربهم فيختصمون مرة ويتفقون أخرى. لكنهم يبقون أخوة في الخلق ، عبادا لله ، وشركاء في بيت واحد ، ينتهون الى مصير واحد.
هذا يعني ببساطة ان نفهم ديننا ، لا كامتياز خاص لمن يسمون مسلمين. بل كرسالة للبشر جميعا ، يشارك  كل منهم بنصيب فيها ، ظاهر او خفي. من الزاوية المصلحية أيضا ، لا ينبغي ان نرغب في زوال أي أمة أو حضارة. لان اليوم التالي له سيكون كارثة علينا أيضا.
الشرق الاوسط 29 مارس 2017

هل تعرف "تصفير العداد"؟

اشقاؤنا في اليمن هم اكثر العرب استعمالا لعبارة "تصفير العداد". ذلك ان رئيسهم السابق ، المرحوم علي عبد الله صالح (1942-2017) ...