‏إظهار الرسائل ذات التسميات الكمال الانساني. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الكمال الانساني. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 14 يونيو 2010

من يتحدث حول الحرية.. وماذا يقول ؟


يقال إن سائحا أمريكيا زار العراق في العهد السابق، فسأله أحد المواطنين عن أهم شيء في الولايات المتحدة فأجابه: الحرية، وشرح الفكرة قائلا: إن القانون الأمريكي يسمح لي بنقد الرئيس الأمريكي وجميع العاملين في حكومته، لكنه يمنعني من الكلام عن عامة الناس أو عائلاتهم وحياتهم الخاصة. فأجابه العراقي: الحرية لدينا أوسع منكم، لأن القانون يسمح لي بشتم الرئيس الأمريكي ومساعديه وشعبه وزوجاتهم وأبنائهم وكل من يلوذ بهم. النقاشات الدائرة حول مفهوم الحرية أو ممارستها مشوبة باختلاط يجعلها في كثير من الأحيان كلاما مكررا أو ربما فارغا، وقد يصرف المعنى إلى ضده. يمكن تقسيم هذه النقاشات إلى خمسة مسارات:
1 ــ النقاش حول أصل فكرة الحرية وكونها جزءا من فطرة الإنسان وشرطا لكمال إنسانيته، أو كونها ضرورة لنهضة المجتمع وإصلاح الحياة. يهتم بهذا المسار دعاة حقوق الإنسان وطلاب الفلسفة. وهم يقدمون الحرية كحق أصلي للإنسان سابق من حيث الرتبة على القوانين والأحكام والسياسات، أي قيمة عليا معيارية، وأن تطبيقاتها ضرورية لتأمين المصالح العامة للفرد والمجتمع على السواء. معظم هؤلاء يعرفون الحرية في معنى عدم التدخل في خيارات الفرد المتعلقة بطريقة حياته أو متبنياته الثقافية والعقيدية. النتائج التي يتوصل إليها مسار النقاش هذا غالبا ما تقارب المفاهيم الليبرالية في التنظيم الاجتماعي.
2 ــ النقاش حول المفهوم الفكري للحرية، أي ما إذا كان التراث الفكري السابق قد أقر المفهوم المتداول اليوم أو قدم مفهوما بديلا، ومدى التقارب أو التباعد بين المفهوم التراثي والمفهوم المعاصر. يهتم بهذا المسار الحركيون ودعاة الإصلاح الذين يحاولون إقناع نظرائهم أو جمهورهم بضرورة الحرية. لكنهم يواجهون ثقافة عامة وأعرافا تنكرها أو تعتبرها ذريعة للانفلات. ولهذا فهم يستعينون ــ لإثبات دعواهم ــ بتفسيرات جديدة للنصوص أو الحوادث المثبتة في التراث القديم. ينتهي هذا المسار غالبا إلى تقرير نوع من الفهم الحركي التجريبي الذي يراوح بين الليبرالية والمحافظة.
3 ــ النقاش حول الحدود القانونية للحرية، أي مدى التدخل الممكن من جانب المجتمع أو الدولة، تدخلا يفضي إلى تقييد حركة الفرد وخياراته. ويهتم بهذا المسار بصورة متعاكسة فريقان: فريق يتمتع بنفوذ ويتضمن سياسيين ورجال دين يحملون صفة رسمية أو نفوذا اجتماعيا، وفريق مضاد يشمل نشطاء المجتمع المدني وخبراء القانون. يسعى الفريق الأول لتبرير محورية الجماعة والقانون وتبعية الفرد لهما، بينما يبرر الطرف الثاني استقلال الفرد والعلاقة التفاعلية بين عدالة القانون ومساحة الحرية التي يحميها أو يقيدها. ينتهي هذا النقاش غالبا إلى الفصل بين المجال الشخصي والمجال العام لحركة الفرد وفعله، ويعطي القانون ورأي الجماعة مرتبة أعلى.
4 ــ النقاش حول الإثار الأخلاقية أو السلوكية لممارسة الحرية من جانب الأفراد، لاسيما في حال تعارض خيارات الفرد مع الأعراف والتقاليد السائدة. لعل هذا المسار هو أكثر المسارات شعبية. وينعكس فيه بشكل واضح صراع الأجيال والطبقات. كما أنه يجتذب شرائح اجتماعية عديدة ومتباينة. نظرا لأنه ينطوي على جدل يومي بين الأعراف والتقاليد المستقرة وحراسها والمؤمنين بها، وبين محاولات الأفراد ــ لاسيما من الأجيال والطبقات الجديدة ــ إرساء قيم وأنظمة علاقات تتناسب مع تطلعاتهم وفهمهم المغاير للعصر الجديد وما يحويه من أنماط عيش وطرق إنتاج ومعارف وسلوكيات. ينتهي هذا المسار عادة إلى تفكيك القيم القديمة من دون إرساء قيم أو معايير سلوك بديلة..
5 ــ النقاش حول حرية نقد الآراء والتقاليد والأعراف التي لها أساس تراثي أو تعتبر عرفا. هذا يتناول تحديدا حرية التفكير وحرية التعبير. ويهتم بهذا المسار المفكرون ودعاة الإصلاح في المجال الفكري، وكذلك النخب التي تبلورت ثقافتها أو مصالحها في إطار الاقتصاد الحديث، وهي تهتم بالمحافظة على الإطار الفكري لحياتها، لكنها أيضا تجد قدرا من التفارق بين القيم والمفاهيم الموروثة وبين الإطارات والمبررات النظرية لأنماط الحياة الجديدة. ينتهي هذا المسار إلى إقرار نمط محافظ/عقلاني، يعارض الرؤية التقليدية لكنه لا يتبنى الليبرالية بشكل كامل.
الغرض من هذا التقسيم هو تفصيح النقاش حول مفهوم الحرية وتوضيح الفوارق بين منطلقات وموضوعات ومسارات النقاش ونهاياتها. قد لا يكون هذا التقسيم مفيدا جدا لمن يكتبون في الحرية، لكنه بالتأكيد مفيد لمن يقرؤون تلك الكتابات.

الاثنين، 17 أغسطس 2009

دعاة الحرية وأعداء الحرية

الذين يدعون إلى الحرية والذين يرفضونها ، ينطلقون من رؤيتين حول طبيعة الإنسان ، تتعارضان في المبدأ أو في التطبيقات. تركز الرؤية الأولى على الجانب البيولوجي الذي يشترك فيه الإنسان مع بقية الحيوانات. ويعتقد أصحابها أن الناس لو تركوا من دون رقيب ، فسوف يتحول اجتماعهم إلى ما يشبه الغابة ، التي يأكل فيها القوي حق الضعيف ، فلا يردعه إلا ظهور من هو أقوى منه.

الذي يحول بين الناس وبين عودتهم إلى الطبيعة الحيوانية ، هو وجود السلطة القاهرة التي تخيف القوي وتحمي الضعيف. أما أصحاب الرؤية الثانية ، فيعتقدون أن الإنسان بطبعه مخلوق خير ، وأنه مؤهل ذاتيا كي يكون عطوفا أو يكون باغيا. فطرة الإنسان تدعوه إلى مواساة الغير والتألم لما يصيبهم وليس العدوان عليهم. وإنما يميل إلى العدوان بتأثير التربية أو الظروف المحيطة به.
ترجع كلتا الرؤيتين إلى أزمان متطاولة ، ولذا يصعب الجزم بتاريخ محدد لظهور أي منهما ، أو ما إذا كانت قد سبقت أختها. المؤكد أن كلاهما كان معروفا في التراث الفلسفي والإنساني القديم. ما نستفيده من تاريخ المعرفة ، هو أن الرؤية المتشككة في طبيعة الإنسان ، سيطرت على الفكر الإنساني حتى القرن السادس عشر الميلادي ، حينما بدأت في التراجع لصالح نظيرتها المتفائلة ، وصولا إلى القرن التاسع عشر ، الذي هيمنت فيه الفكرة الاخيرة على الفلسلفة والفكر الإنساني لا سيما في العالم الغربي.
يمكن بسهولة ملاحظة انعكاسات كل من الرؤيتين على أسلوب التعامل مع عامة الناس ، سواء من جانب المؤسسات الحكومية التي تطبق القانون ، أو حتى الشركات التجارية التي تعمل في ظل القانون. ولعل الذين عاشوا في البلاد الغربية أو زاروها ، قد لاحظوا بالتأكيد كيف أن تلك المؤسسات والشركات ، تبني على الثقة في تعاملها مع مراجعيها والمتعاملين معها.
 حين تبعث برسالة إلى دائرة حكومية أو شركة تجارية تطلب شيئا ما ، فإنهم ينظرون إليها بثقة ولا يهملونها ، كما لا يطلبون منك الحضور شخصيا. يكفي أن تذيل الرسالة بتوقيعك وعنوانك ، كي يأخذ طلبك مساره الاعتيادي للتنفيذ.
يعلم هؤلاء أن بعض الناس قد يعبث أو قد يستغل القانون. لكنهم – قبل ذلك - يؤمنون بأن الأغلبية الساحقة من الناس طيبون ، يريدون العيش بسلام في ظل القانون ، ولا يبحثون عن مشكلات. قارن هذه الطريقة بنظيرتها المعتادة في المجتمعات التقليدية ، حيث لا تستطيع إجراء معاملة إلا إذا حضرت شخصيا ، وعرضت بطاقتك المدنية ، وربما يطلب منك إحضار من يشهد على قولك أو يزكيك ، كما هو الشأن في دوائر القضاء، أو ربما يطلب منك إحضار ورقة تعريف من العمدة أو شيخ القبيلة.. إلخ.
الذين رأوا أن الإنسان أميل بطبعه إلى الجانب الحيواني ، قالوا إنه يتصرف بتأثير نفسه السفلى ، أي تلك التي تضم غرائزه الحيوانية وشهواته. وهي تميل به إلى الاستحواذ والسيطرة والتسلط والعدوان. والذين رأوا أن الإنسان أميل إلى الخير ، قالوا بأنه لو ترك وشأنه فإن عقله وإنسانيته ، ستقودانه إلى التزام حدوده وإلى التعاون مع الآخرين من أجل تحسين النطاق المعيشي المشترك فيما بينهم.
ذهب إلى الرؤية الأولى معظم قدامى الفلاسفة ، ومن بينهم الفلاسفة المسلمون. ويذهب إليه في العصر الراهن التيارات المحافظة والشمولية ، في شرق العالم وغربه. ويرى هؤلاء جميعا أنه لا سبيل لتحسين بيئة العيش الإنساني ، إلا بوجود أنظمة وقوانين متشددة ، تحدد المسموح والممنوع ، ووجود دولة قوية تفرض تلك القوانين كي لا يعيث الناس في الأرض فسادا.
وذهب إلى الرؤية الثانية الفلاسفة الرومانسيون. ثم أصبحت في العصر الحديث أرضية تقوم عليها الفلسفة الليبرالية ، ولا سيما في موقفها من الحريات الشخصية والمدنية.
تؤمن هذه الفلسفة بالحاجة إلى القانون كما تؤمن بالحاجة إلى دولة قوية يحترمها الجميع.
لكن دور الدولة هنا يختلف عن نظيرتها المحافظة. فغرضها ليس إجبار الناس على الصلاح. بل توفير الحماية القانونية للجميع كي يمارسوا حريتهم ، من دون أن يخرقوا حدود الآخرين ، أو يتجاوزوا على حقوقهم.
بعبارة أخرى ، فإن هذه الرؤية تريد دولة محدودة التدخل. بينما تدعو الرؤية الأولى إلى تدخل لا محدود من جانب الدولة ، في الحياة العامة وربما الخاصة أيضا. كلتا الرؤيتين لهما مبررات وأدلة. لكن الواضح أن الرؤية المتشائمة تنتمي إلى الماضي بينما تنتمي الثانية إلى العصر الحديث.

    صحيفة عكاظ  - 17 / 8 / 2009م
http://www.okaz.com.sa/new/Issues/20090817/Con20090817299063.htm

المساواة بين الخلق ... المساواة في ماذا ؟

هذا المقال موجه لأولئك الذين يعارضون المساواة بين المواطنين ، والمساواة بين الرجال والنساء. وهو يستهدف توضيح موضوع النقاش وتفصيح اسئلته. ...