الاثنين، 9 مايو، 1994

مرثية لرجل يستحق مديد العمر



قليل من الناس يمر في هذه الدنيا مشوار الحياة الذي قدر له ثم يمضي ، ولكنه كالمقيم رغم رحيله ، ينام ملء جفونه بل تنام حتى جفونه ، وهو مستيقظ الروح ، اذ تجاوزت روحه حدود الجسد فانصبت فكرا وعلما وعطاء ، لايفنى حين تضم الجسد المؤقت اطراف المنام الاخير .

لا اخال احدا غير ولوع بهذا المقام بين الناس بعد فناء الجسد ، رغم ان كثيرا من اولئك الناس لايعمل للبقاء ، بل وربما لم ير في هذا النوع من البقاء مهما يستحق العناء ، وهو على اي حال جدل المجد وثمن المجد ، المجد الذي يطمح اليه الجميع لكن لا يطيق غالي ثمنه  من الطامحين الا القليل القليل .

انتهى الاستاذ محمد سعيد المسلم من مشوار الحياة ، ترجل الفارس من على صهوة جواده ، مدد قلمه في حنان العاشق وسط اوراقه وغفا ، مات الاستاذ ، لقد مات ، ومضى عن هذه الدار  . تتسلل خيوط الشمس هذا الصباح من فرجة الباب ، فلا يصافح دفئها الجسد الكليل ، فلم يعد منذ البارحة ممددا على الفراش الذي استضافه نحو عقد من الزمان .

نذكره اليوم وقد اصبح خبرا يروى ، رمزا لجيل من الرواد المكافحين في سبيل العلم والمجد ، رجلا تمدد حبه لوطنه في تفاصيل حياته ، فاصبح لايكون الا حيث يكون الوطن ، ولايتنفس الا عبير عشق الوطن ، ولايخط ورقا الا بريشة الوطن ، ايامه التي تمضي فينساها اكثر الناس ويحفظها قلم العاشق ، فتبقى حية حيث الحب هو الماء والهواء وحيث هو الاستمرار والبقاء .

بدون قلمه ربما كان اكثرنا لايدري اين كنا ولا من اين ابتدأنا ،  من دونه ربما عجزنا عن التمييز بين (ساحل الذهب) وخليج القراصنة ، رحم الله الاستاذ ، الذي من نتاج معاناته ، تعلمنا اية ارض حنون هذه التي نستظل وارف الظلال من نخيلها ، ومن سهر ليله عرفنا قيمة النسيم ، الذي مع دفئه يرطب ارواحنا ، اذ نستقبل البحر او نستقبل الصحراء  .

منذ اربعين عاما حين تسرب نسيم العصور الجديدة الى واحاتنا الغافية في احضان الرمل ، وفتحنا العيون على عالم جديد ، ونفضت بلادنا عن ردائها غبار ازمنة البؤس ، ظن كثير منا ان ماعندنا قد مات ، وماعند الغير هو الذي يستحق الحياة ، بل والذي يستحق ان يعاش له وفيه ، كنا على وشك ان ننقطع عن قديم ليس اكثره قليل الفائدة ، ونستبدله بغريب ليس كله مؤكد الفائدة ، في لحظات المخاض تلك ، كان قليل من عشاق ارضهم قلقا من ان ينفصل الناس عن حقائق الحياة ، فيصبح الوطن في عيونهم بلا قيمة ، وتصبح الارض عندهم مجرد تراب يسفو، اذ تنفخ في اشرعته الريح ، فانبرى ذلك النفر القليل للتذكير بقيمة الارض ، التي تنطوي على قيمة الانسان الذي عاش عليها فعمّر وبنى واختط لمن يخلفه طريقا للمجد ، بعضهم ضاعت صيحاته في ضجيج الانتقال بين العصرين ، وثلة قليلة ارادت توثيق ندائها وتحويله من موعظة الى علم ، فانكبت على اوراقها لتحفظ علينا مالو ترك لضاع ، بين تلك الثلة يبرز الاستاذ محمد سعيد المسلم ، الذي وقف جانبا كبيرا من حياته لدراسة تاريخ المنطقة وتوثيق ماجرى في ايامها ، مبتدئا بـ (ساحل الذهب الاسود) .

حينما تفتح كتابا في ايامك هذه ، عن تاريخ المنطقة او عن ادابها ، فستجد كم كان جهد المرحوم المسلم قيما وثمينا ، استطيع الزعم انه يندر ان تلقى كتابا في اللغة العربية ، درس تاريخ المنطقة ولم يستفد من (ساحل الذهب) قليلا او كثيرا ، وفي هذه السنوات الاخيرة ظهرت كتب ـ وان كانت لاتزال قليلة ـ عن تاريخ المنطقة الشرقية ، لكن جهود المرحوم المسلم تبقى فريدة وتبقى ـ لهذا السبب على الاقل ـ استثنائية القيمة ، فقد كتب الاستاذ تاريخ المنطقة يوم لم يكن احد مهتما بهذا الامر ، ويوم كان هذا النوع من الاعمال معاناة لايطيقها الا عاشق او صاحب رسالة .

 قيمة العمر في ما يبقى بعده ، وقيمة المرء في مقدار مايعطي ، بعض الناس يستحقون ان يعيشوا حياتهم تكرارا ، حيث حياتهم بحر من العطاء لبلادهم وللناس ، وبعض الناس يكاد يمل حياته ويملها الناس فينتظرون رحيله بفارغ الصبر ، ذلك هو الفرق بين الكسالى والمنتجين ، وذلك هو المقياس لاستحقاق نعمة الحياة ، ونعمة الذكر الشريف بعد الحياة ، رحم الله الاستاذ محمد سعيد المسلم الذي كان يستحق الحياة ويستحق شرفها وشرف الذكر فيما بعدها ، ويستحق حياة اطول من العقود السبعة التي افناها على هذه الارض ، لكن هذه مجرد امنية  ولكل اجل كتاب .
جريدة اليوم بتاريخ 9/5/94