الأربعاء، 6 مايو، 2015

بين هويتين



ليس من طبائع المجتمعات ان تتوحد "قلبا وقالبا" كما يقال في الادب. هذا خلاف سنن الحياة الطبيعية. في كل مجتمع ، صغيرا كان او كبيرا ، مصالح متفاوتة وتطلعات مختلفة واراء متباينة وتجارب متنوعة ، يمثل كل منها أرضية اختلاف. يتحدث الباحثون في علم الاجتماع عن "دوائر مصالح" متنوعة ، كل منها يمثل اطارا يجمع طائفة من الناس حول فكرة او عاطفة او مصلحة مادية.
تعبير "مصالح" المستعمل هنا تعريب مقرب للاصل الانكليزي interests. وقد حرصت على هذه الاشارة لأن لفظة "مصالح"  في العربية المتداولة تشير غالبا الى امور مادية ، بينما يشير التعبير الاجنبي الى نطاق أوسع ، يشمل مثلا كل موضوع يجتذب اهتمام الانسان أو يحركه. وهو في هذا التعريف الواسع يشمل مختلف العناصر التي تحرك مشاعر الناس او تدفعهم للاجتماع مع بعضهم او توحيد نشاطاتهم.
هذه اذن طبيعة المجتمعات وهكذا تعيش. ثمة من يجتمع حول نسب واحد فيشكلون عائلة او قبيلة. وثمة من يجتمع حول قضية واحدة فيشكلون شركة تجارية او نقابة او جمعية مهنية او حزبا سياسيا او جماعة دينية او ثقافية وهكذا. كل واحدة من هذه التجمعات هي دائرة مصالح ، اجتمعت فيها شريحة من الناس ، طمعا في ان تحقق بعض ما يريدون.
بنظرة عامة نستطيع القول ان دوائر المصالح هذه نوعان: اولها عمودي موروث ينضم اليه الانسان بالولادة لا بالاختيار. فالانسان لا يختار انتماءه الديني والمذهبي والعرقي والقبلي ، فهذا ينتقل بين الاجيال بالوراثة. اما النوع الثاني فهو الافقي الذي ينضم اليه الانسان اختيارا ، ويتركه اذا شاء ، وقد يطلق عليه التعاقدي. ينضم الانسان الى جمعية تجارية او حرفية او سياسية او خيرية اذا شاء ويتركها اذا شاء.
لاحظ دارسو علم الاجتماع ان النمط الاول هو السائد في المجتمعات التقليدية ، بينما تتسم المجتمعات الحديثة بانتشار النمط الثاني. احد الاسباب هو سيادة مفهوم الاختيار والتعاقد القائم على تقدير الفرد لنفسه ، و- بشكل عام – ارتفاع قيمة الفرد والمبادرة الفردية في المجتمعات المتقدمة ، بخلاف نظيرتها التقليدية التي لا تمنح الفرد سوى قيمة ثانوية.
لاحظ الباحثون ايضا ان النمط الاول هو الاطار الاكثر شيوعا للتعصب والصراعات الطويلة الامد. اذا جرى شحن الانتماء القبلي او الديني او المذهبي او العرقي بمضامين سياسية ، فانه سيشكل قاعدة لتنازع مزمن ، بخلاف النمط الثاني الذي لا يخلو – هو الاخر - من تعصب ولا يحول دون انفجار صراعات ، لكنها قصيرة الأمد وقابلة للتفكيك والمعالجة باجراءات غير مكلفة. هذا هو السبب الذي يجعلنا نقول بان منظمات المجتمع المدني توفر اداة فعالة لتفكيك البنية الثقافية – الاجتماعية للتعصب ، وتسويد لغة الحوار والتفاهم بين الشرائح الاجتماعية من جهة ، وبينها وبين الدولة من جهة اخرى.
يفسر التقسيم السابق ايضا اسباب تصاعد المشاعر القبلية والطائفية مع انتشار وسائل الاعلام واتساع التعليم ، مع ان المفترض هو العكس تماما. وهذه احدى المسائل الرئيسية التي عالجها بندكت اندرسون في كتابه المرجعي "مجتمعات متخيلة".
بندكت اندرسون
تشجيع الناس على صب تطلعاتهم في اطارات حديثة تعاقدية ، أي تحويل مفهوم المصلحة من الانتماءات الموروثة الى الانتماءات الحديثة ، سيؤدي تدريجيا الى تفريغ الانتماءات التقليدية من مضمونها السياسي واضعاف قابليتها للشحن السياسي. لهذا تهتم الانظمة السياسية الحديثة بتشجيع ودعم المجتمع المدني في مختلف تعبيراته وتمثلاته ، حتى لو اتخذ – في بعض الاحيان – مسارات غير متوافقة مع سياسات الدولة الرسمية.  الامر ببساطة اختيار بين من يعارض الدولة في مجال محدد وبين من يعتبرها كينونة غريبة بناء على تبرير ديني او أثني او قبلي.
الشرق الاوسط 6 مايو 2015
http://goo.gl/E0po9W


الأربعاء، 29 أبريل، 2015

أمين معلوف... الهويات القاتلة




بين ملايين البشر الذين عايشوا تجربة اصطراع الهويات في حياتهم ، ثمة عدد  ضئيل جدا حول هذه التجربة الى مختبر للتفكير والتأمل العلمي والابداعي. كان أمين معلوف واحدا من هذه الاقلية. ولد معلوف في جبل لبنان ، وحين اندلعت الحرب الاهلية هاجر الى فرنسا حيث اصبح واحدا من أعلام الادب فيها.
"كثيرا ما سألني الناس: هل تشعر انك فرنسي ام لبناني ، وكنت اجيب: هذا وذاك". هكذا افتتح معلوف كتابه الشهير "الهويات القاتلة". لكن الامر لا يقف عند هذا الحد. بالنسبة لمفكر وأديب مثل معلوف ، فالقضية تتجاوز وصف الذات او تحديد المكان الاجتماعي ، الى التأمل العميق في معنى ان تكون اثنين في واحد ، او ان تنتمي لاثنين في آن واحد. ذلك ان الاثنين مجرد عنوان لسلسلة من التنوعات تختفي احيانا تحت عباءة الثنائية المدعاة ، لكنها تصارعها في احيان اخرى.
وجد معلوف صراعا كامنا في داخل عائلته التي انقسمت بين من يتبع  الديانة الكاثوليكية ومن اختار نقيضها البروتستنتي ، في ظرف الصراع الشديد بين الفريقين. ثم وجد نفسه مثقفا عربيا يستند الى تاريخ ثقافي يشارك فيه مليار مسلم ، لكنه ليس واحدا منهم على وجه الدقة. فلو صادفه احد هؤلاء اثناء الحرب الاهلية التي ابعدته عن لبنان ، فلربما قتله على الهوية. لكن الناس في اوربا والعالم لا يعرفون هويته المسيحية قدر ما يعرفونه كمفكر عربي. هذا يجعله بالضرورة مصنفا ضمن العالم الاسلامي واطاراته المعرفية والثقافية.
عالج معلوف اشكاليات الهوية وأزماتها في العديد من أعماله البحثية والابداعية ، وركز خصوصا على العوامل السلبية في تشكيل هوية الفرد ، اي تصنيف الاخرين للجماعة التي ينتمي اليها ، والتي قد تكون دينا او عائلة او قبيلة او عرقا او لونا ..الخ. ينتمي هذا التصوير الى حقل التحليل النفسي الذي يعد اليوم واحدا من المقاربات الرئيسية في الابحاث الخاصة بالهوية. وهو يمزج – عمدا – بين ما يختاره الفرد ولو مرغما ، وبين ما يتسرب الى اعماقه دون وعي منه.  حسب اريك اريكسون ، عالم النفس الامريكي الشهير ، فان تشكل الهوية لا يتخذ مسارا مستقيما. تتفاعل خلفية الفرد الاجتماعية/العائلية مع ما يواجهه في محيطه ، فتنتج تعارضات وتأزمات ذهنية او نفسية في بعض الاحيان ، وتنتج  نجاحات في احيان أخرى. يمكن القول ان الامر يتعلق بهويتين تتصارعان ، هوية يريدها المجتمع وهوية يرفضها ، وعلى الفرد ان يتحمل عبء التوفيق بين الهويتين على نحو يجعله قادرا على الاندماج في عالم ذي معنى.
تاثير العوامل السلبية يزداد قوة حين يكون الفرد او الجماعة التي ينتمي اليها في ازمة او صراع مع الاطراف الاخرى ، سيما حين تضعه اقداره في الجانب الضعيف الذي يتعرض للعدوان. في ظروف الازمة يميل الناس الى استبعاد المختلفين عنهم ، حتى لو لم يكونوا مخالفين لهم. هذا يؤدي بالضرورة الى بروز الانقسامات الاجتماعية على نحو لا يكون ملحوظا جدا في الظروف الاعتيادية.
السؤال الذي طالما شغل أمين معلوف هو: الى أي حد يستطيع الفرد التحكم في تشكيل هويته. بعبارة اخرى: الى اي حد نصوغ شخصياتنا والى اي حد يصوغنا المجتمع والمحيط. وهل نستطيع فعلا كشف وتحديد الصفات والسلوكيات والمتبنيات التي تشكل – في نهاية المطاف – هويتنا الشخصية ، اي كشف ما اذا كنا نختارها بوعي ام انها تتسرب الينا من محيطنا الاجتماعي ونحن غافلون. ما ندعي اننا نريده ونعمل له ، وما ندعي انه مثالنا الذي نريد ان نكونه ، هل هو اختيارنا ام هو الذي اختاره لنا الاخرون وسربوه الى عقولنا؟.
نعلم بطبيعة الحال ان هوية الفرد غالبا ما تكون متحولة ، تتغير عناصرها بين زمن وآخر. لكن السؤال المهم هو: من يتحكم في هذا التحول ، وهل يجري في الوعي ام اننا نتحول تبعا لتحولات المحيط.
الشرق الاوسط 29 ابريل 2015
http://goo.gl/WJbfkU