الأربعاء، 1 أبريل، 2015

حرب تلد حلاً



«حرب تلد أخرى» هو عنوان كتاب للإعلامي العراقي سعد البزاز حول حرب الخليج. وأظن كثيرا من الناس يتداولون الفكرة باعتبارها حقيقة. لكن لا شك أن بعض الحروب قد تفتح الباب أمام حلول مرحلية أو طويلة الأمد.
بطبيعة الحال، فإنه لا يوجد حل سحري أو منفرد لأي مشكلة سياسية. لا الحرب وحدها تحل المشكلات ولا المفاوضات. عالم اليوم أكثر تعقيدا وأسرع تغيرا، مما يجعل الدواء الواحد فعالا في حادثة محددة في زمن محدود. ما إن تمر الأيام حتى يبرز جانب آخر للمشكلة، ثم جانب ثالث.. وهكذا.
أزمة اليمن، مثل عشرات الأزمات السياسية التي شهدتها المنطقة، مثال واضح على الطبيعة المتحولة للمشكلات. المبادرة الخليجية التي بدا أنها كانت استراتيجية خروج مناسبة من أزمة اليمن أواخر 2011، سرعان ما استبدلت باتفاق السلم والشراكة في سبتمبر (أيلول) الماضي. لكن هذا الاتفاق انهار بدوره قبل أن يدخل حيز التطبيق. ليس ثمة عيب جوهري في المبادرة، وليس ثمة عيب جوهري في الاتفاق. يكمن العيب في الطبيعة المتحولة للمشكلات مقارنة بالطبيعة الاستاتيكية للحلول.
ربما كانت القمة العربية الأخيرة في شرم الشيخ واحدة من أنجح القمم، لأنها - على الأقل - خلت من الاستقطابات والتنازعات التي كانت سمة ملحوظة في معظم القمم السابقة. وقد اتفق الزعماء العرب على تشكيل قوة عسكرية موحدة، تبدو في إطارها العام شبيهة بتلك التي تشكلت في إطار منظمة الوحدة الأفريقية، ونعرف أنها تدخلت بفاعلية في الصومال.
يمكن اعتبار هذه المبادرة طموحا عاليا بالقياس إلى أوضاع العالم العربي الراهنة، وبالقياس إلى تاريخ طويل من الاتفاقيات الشبيهة التي لم تنجح. ومن هنا فإني أخشى أن تتبدد الفكرة مع مرور الوقت أو ظهور خلافات حول آليات التنفيذ والكلف السياسية الضرورية لإنجاح مشروع طموح من ذلك النوع.
في ظني أن مشروعا شبيها بمنظمة الأمن والتعاون الأوروبي قد يكون أنسب وأسهل منالا. وأعني به تحديدا المرحلة الأولى من حياة هذه المنظمة، أي منذ تأسيسها في 1975 حتى 1990. أنشئت هذه المنظمة في ذروة الحرب الباردة بين موسكو وواشنطن بهدف تخفيف انعكاس هذا الصراع على الأمم الأوروبية، من خلال تشجيع شراكات المصالح بين جزئي أوروبا الشرقي والغربي، والعمل على منع تحول الخلافات الثنائية إلى صراعات محاور، وتبريد نزاعات الحدود المحتملة، وتعزيز اتجاهات التسالم على مستوى القارة.
في المرحلة التالية، سيما بعد 1991 نجحت المنظمة في تعزيز موقعها كوسيط قوي وموثوق في النزاعات الإقليمية والثنائية، وحتى النزاعات التي تنشأ داخل دول القارة. وظهر تأثيرها بوضوح في الصراعات المتنقلة التي نشبت في البلقان بعد تفكك الاتحاد السوفياتي، فأثبتت أنها أكثر مرونة وفاعلية من المنظمة الدولية الأكبر، أي الأمم المتحدة، وأكثر موثوقية من المحاور الأحادية الاتجاه مثل الحلف الأطلسي والاتحاد الأوروبي، رغم أنها استعانت على الدوام بموارد وإمكانات هذه المنظمات.
انطلقت منظمة الأمن والتعاون الأوروبي من مبادئ بسيطة يتفق عليها الجميع، من بينها مثلا اعتبار الحدود القائمة نهائية، وعدم تغييرها بقرارات منفردة، والحيلولة دون الاستعمال المفرط للقوة في حل النزاعات، بما فيها النزاعات الداخلية، واعتبار المشكلات البينية مسؤولية جماعية، والبحث عن بدائل تعويضية - اقتصادية وسياسية - لإغراء الأطراف الخاسرة في النزاعات بعدم اللجوء إلى العنف من جديد.
ظروف أوروبا لحظة قيام المنظمة تشبه من نواح كثيرة ظروف العالم العربي الراهنة. ولهذا لم تقرر أهدافا طموحة ولم تستعجل في وضع ميثاق نهائي. ويذكر أن المفاوضات حول النسخة الأولى من اتفاقية المنظمة استغرقت عامين، وجرى تطويرها على 4 مراحل حتى الآن.
من الناحية السياسية تصنف «عاصفة الحزم» كحرب محدودة الأهداف، إلا أنها فتحت الباب لنقاش جدي حول إمكانية تطوير التعاون العربي في مجالات أوسع وأهداف أكثر. لكن الانتقال إلى مرحلة العمل يتوقف على إعادة صياغة الأهداف المرحلية دون مبالغة في الطموح، وإقامة نظام مؤسسي للإشراف على تنفيذ المشروع. ويبدو لي أن تصميم نموذج شبيه لمنظمة الأمن والتعاون الأوروبي في مرحلتها الأولى قد يكون الأنسب في الظرف العربي الراهن.

الأربعاء، 18 مارس، 2015

سوريا في مشهد جديد


حديث وزير الخارجية الامريكية جون كيري عن "اضطرار" واشنطن للتفاوض مع الرئيس السوري يشكل نقطة انعطاف مهمة في مسار الأزمة السورية. كيري يتحدث اليوم  عن مقررات مؤتمر جنيف-1 كاطار مناسب للخروج من الازمة ، وهو نفس الموقف المعلن من جانب روسيا ، الحليف الرئيس للنظام السوري.
تبرير هذا التحول جاء على لسان مدير وكالة الاستخبارات المركزية الامريكية جون برينان الذي قال ان واشنطن وحلفاءها قلقون من تفكك الدولة وسقوطها بيد الجماعات المسلحة المتطرفة.
لم يكن هذا التحول متوقعا قبل الثالث والعشرين من سبتمبر الماضي ، يوم بدأ سلاح الجو الامريكي عملياته فوق الاراضي السورية. لكنه منطقي تماما هذا اليوم ، لأن واشنطن لم تعد مجرد حليف للمعارضة او راعيا لمؤتمر جنيف ، بل أضحت شريكا مباشرا في الحرب.
نحن اذن امام مشهد سوري جديد. الولايات المتحدة اضحت شريكا مباشرا في الصراع ، وهي تدعو لمفاوضات مع دمشق بينما ترفض الاعتراف بدور للجماعات التي تعتبرها متطرفة ، رغم انها تقوم بمعظم الجهد العسكري للمعارضة. في الوقت نفسه يشهد العراق نوعا من تفاهم ميداني بين واشنطن وطهران ، ربما يمثل نموجا لتفاهم سياسي بين واشنطن وموسكو في سوريا. بعبارة اخرى فان الساحة السورية تشهد تحولا جذريا في المواقف ، سيؤدي دون شك الى تحول ارتدادي في صفوف المعارضة ، ربما يكون تجسيده الابرز هو ظهور اصطفاف جديد ، يضم بشكل رئيسي دعاة التفاوض مع النظام مثل معارضة الداخل وهيئة التنسيق وتيار الشيخ معاذ الخطيب الذي ترأس "الائتلاف الوطني السوري" اواخر 2012.
ما يهمنا في هذا المجال هو الدور العربي. خلال السنوات الثلاث الماضية انقسم العرب بين اقلية متعاطفة مع النظام واخرى داعمة للمعارضة ، واكثرية نأت بنفسها عن الصراع. المؤكد ان اي تفاوض بين طرفي الازمة سيجري برعاية واشنطن وموسكو. والمرجح ان يكون لطهران والاتحاد الاوربي دور مباشر او خلفي. لكن الدور العربي مازال غير واضح حتى اليوم. لا اتحدث عن مشاركة احتفالية كما جرى في جنيف 1 و 2 ، بل ادعو الدول العربية الى وضع مبادرة حل تتضمن استراتيجية الخروج من الازمة ، واستراتيجية لاحقة لاعادة تأهيل الدولة الجديدة التي ينتظر ان تضم كافة اطراف النزاع.
مبرر هذه الدعوة هو ان اي تطور في الازمة السورية ، سيكون له انعكاس قطعي على الوضع السياسي في المنطقة ككل ، وسيؤثر على التوازنات القائمة. وليس منطقيا ان تنتظر الدول العربية قسمة الاخرين كي تعرف نصيبها.
من المفهوم ان الدعم العربي ضروري لأي مسار تفاوضي. في الحقيقة لا يمكن انجاز حل دون هذا الدعم. لكن عدم المشاركة الفاعلة والمبكرة ، قد يجعل دورنا محصورا في مباركة توافق الاخرين ، وربما دفع الكلفة المادية لما يتفقون عليه. كي يكون دورنا مؤثرا يجب وضع مبادرة عربية ، ربما تقودها دول رئيسية مثل السعودية ومصر والجزائر وتتبناها الجامعة العربية نيابة عن المجموعة العربية.
في هذا السياق ، ادعو كلا من الدول الثلاث المذكورة الى تعيين ممثل خاص يشارك في صياغة المشروع  العتيد. وقد اقترحت هذه الدول بالتحديد لان كلا منها لديه علاقات مع اطراف الازمة ، وهو يتمتع في الوقت نفسه بقدر من الاحترام على المستوى الاقليمي والدولي ، وهذه مواصفات مطلوبة في اي شريك فاعل.
الوضع العربي ليس طيبا جدا. لكننا لا نفتقر الى الكفاءة الضرورية لابداع حلول لازماتنا. ما نحتاجه اليوم هو المبادرة والتخلي عن سياسات الانتظار التي جعلتنا شركاء في تحمل الكلف بدل ان نكون شركاء في صنع الحلول واستثمارها.
الشرق الاوسط 18 مارس 2015 مـ
http://goo.gl/UK57Sz