Twitter

الثلاثاء، 26 أغسطس، 2014

مقدسات التغيير


لو اردنا الاعتبار بدروس التاريخ ، فسوف نعرف ان الازمات الكبرى شكلت نقطة انبعاث للمجتمعات المغلوبة ، يوم  حظيت بشجاعة التحرر من الغرائز البدائية وقيود العادة.
كان ارنولد توينبي ، وهو ابرز مؤرخي القرن العشرين ، قد اعتبر الصراع محركا رئيسيا للتحولات الحضارية وحركة التاريخ بشكل عام. الامم التي تواجه تحديات وجودية تبدع وسائل جديدة لاستيعاب التحدي ومواجهته. صنف توينبي تلك التحديات الى ثلاثة مستويات: تحد ضعيف لا يثير اهتمام المجتمع ، وتحد جارف يقوده الى الاستسلام وربما تدمير الذات ، وتحد متوسط القوة يطلق طاقة حيوية جديدة ، تقاوم عوامل الوهن والهزيمة ، فيشكل - بالتالي- نقطة انطلاق الى مسار جديد نحو التقدم والقوة.
Arnold Toynbee
Arnold Toynbee
مناسبة الكلام هو التحولات الهائلة التي تواجه العرب هذه الايام ، وتحمل في مجموعها صفة التحدي الوجودي ، على النحو الذي شرحه توينبي. كشفت هذه التحولات عن نقاط ضعف كبرى في البنية الاجتماعية/السياسية لكافة المجتمعات العربية. لكنها كشفت ايضا عن نقاط قوة عظيمة الاهمية ، لا يصح اغفالها او تهوين اهميتها. ويهمني في هذه الكتابة التنبيه على ما اظنه شرطا ضروريا لتحديد اتجاه "الاستجابة للتحدي". الا وهو توفر ايديولوجيا التغيير. تتألف ايديولوجيا التغيير من مجموعات مقولات ميتافيزيقية (نتبناها بها لاننا نريدها وليس بالضرورة لانها ثابتة علميا او تجريبيا). تتمحور هذه المقولات حول ثلاثة مباديء ينبغي رفعها الى درجة القداسة: واولها تعزيز الايمان باننا - كمجموع - قادرون على حل مشكلاتنا بانفسنا ، قادرون على منافسة الاخرين والتفوق عليهم ، واننا – كأفراد – قادرون على تجاوز خلافاتنا والانصهار في بوتقة فكرة قائدة ، هي فكرة التقدم. المبدأ الثاني: هو ثنائية المتعدد/الواحد وخلاصتها ان كل مواطن فرد ، رجلا او امرأة ، مختلف عن الاخر في عقله او فكره او تطلعاته او همومه ، وان هذا التنوع في الافكار والتعبيرات والقدرات والتطلعات يقود طبيعيا الى فتح مسارات كثيرة ، يجب تأطيرها على نحو يجعلها روافد تصب في المجرى الرئيس لنهر التغيير وتساهم في حركة التقدم. المبدأ الثالث يتناول موضوع التغيير ، ويتلخص في اصلاح سياسي باتجاه توسيع ومأسسة المشاركة الشعبية في  الحياة العامة ، وتحول اقتصادي باتجاه التركيز على الصناعة سيما الصناعات الاساسية والتحويلية ، وتحول اجتماعي محوره صون الحريات الشخصية والمدنية لكافة الافراد.
زبدة القول ان الازمات الهائلة التي نمر بها هذه الايام يمكن ان تعصف بوجودنا كله (وقد شهدنا بدايات هذه الكارثة في اكثر من دولة مجاورة) ، كما يمكن ان تشكل مفتاحا لعصر جديد وتاريخ مختلف ، نحقق فيه اكثر آمالنا. اعلم ان احدا لن يختار الكارثة ، لكن اختيار البديل رهن بالاستعداد لدفع ثمنه السياسي والثقافي والنفسي. ولهذا حديث آخر ربما نعود اليه لاحقا.
الاقتصادية 26 اغسطس 2014
http://www.aleqt.com/2014/08/26/article_880253.html

الثلاثاء، 19 أغسطس، 2014

في بغض الكافر


تفسيرات ابن خلدون للتحولات الاجتماعية والسياسية التي لخصها في مقدمته المشهورة ، أثرت في كثير من كتاب العرب المعاصرين ، سيما الاسلاميين منهم. ومنها مثلا ما قرره عن ميل الأمم المغلوبة الى تقليد الغالب في كل شيء. لا أعلم ان كان الفقهاء قد تأثروا ايضا بهذه الاراء ، لكني طالما وجدت نفسي حائرا ازاء ميل اغلبهم للتأكيد على الحدود الفاصلة بين المسلمين وغيرهم من امم العالم. واذكر نقاشا اجريته قبل زمن بعيد مع المرحوم محمد طاهر الخاقاني وهو فقيه معروف بحسن استنباطه ، وان لم يشتهر بين الناس ، سألته عن سبب تشدده في احكام العلاقة مع أهل الكتاب ، فأخبرني انه يفتي بذلك لعامة الناس ، تلافيا لتأثرهم بثقافة الغالب ونمط حياته. وذكر لي رأي ابن خلدون ، ولم اكن مطلعا عليه قبلئذ.
Khaghany
الشيخ محمد طاهر الخاقاني
فيما بعد وجدت معظم الفتاوى المتصلة بغير المسلمين – بل وحتى بالمسلمين المخالفين في المذهب – ميالة الى القطيعة معهم والتحذير منهم. وهذا سلوك عام عند فقهاء المسلمين على اختلاف مذاهبهم.
سبب استرجاع هذه المسائل التي ضاعت في تلافيف الذاكرة ، هو ما شهدته من ردود فعل علماء المسلمين على الفضائع التي ارتكبتها داعش في حق المسيحيين والايزديين في شمال العراق. فقد لاحظت ان معظم من استنكر تلك الافعال الشنيعة ، برر رفضه لها بكونها مسيئة لصورة الاسلام في العالم ، وليس بكونها في ذاتها افعالا قبيحة مخالفة لقيم الدين والانسانية. وغرضي من هذه الاشارة هو التنبيه الى ان كتبنا الفقهية مليئة بالاراء والنصوص التي تعزز ميل المسلم الى اعتبار نفسه في حرب ابدية ضد مخالفيه في الدين.
اعلم ان تلك الاقوال لا تؤثر في جميع الناس ، لكني ارى غالب المسلمين مرتابا في اتباع الديانات الاخرى. وهي ريبة تنقلب في ظروف الازمة الى سلوك عدواني تجاه المخالف رأينا تجسيداته في مجتمعات مسلمة كثيرة. تلك الريبة وما تولده من سلوك عدواني ليس نبتا في صحراء ، فجذوره عميقة في ثقافتنا العامة  التي يتربي عليها جمهور المسلمين وعلماؤهم وقادتهم على السواء. يحوي التراث والنصوص الاسلامية انواعا من التوجيهات يدعو بعضها الى ملاينة المختلف بينما يشجع البعض الاخر القطيعة. وحين يقرأ الفقيه او الداعية هذه النصوص فانه يختار – بشكل عفوي - ما ينسجم مع الثقافة السائدة وميول الجمهور.
ما جرى في شمال العراق نذير بخطورة تلك الاراء والتعاليم. حري باهل العلم ان يقولوا للناس صراحة ، ان الارتياب في المخالف والعدوان على غير المسلم عمل قبيح بذاته ، وليس فقط لانه مسيء لسمعة المسلمين والاسلام. العدوان على الناس ليس موضوع علاقات عامة كي ننظر في تاثيره على صورتنا في العالم ، بل هو خروج عن قيم الدين والاخلاق الفاضلة. ولهذا السبب بالتحديد يجب ان يدان ويستنكر.
الاقتصادية 19 اغسطس 2014
http://www.aleqt.com/2014/08/19/article_878139.html