الأربعاء، 14 ديسمبر، 2016

الاصلاح الديني: لقد بدأنا فعلا

خلافا لما ظننت حتى أيام خلت ، فان الاهتمام بالاصلاح الديني ليس قصرا على النخبة او الناشطين في المجال الثقافي. النقاشات التي سمعتها في الاسبوعين الماضيين ، اخبرتني ان شريحة واسعة من الناس تبحث فعلا عن رؤية جديدة. ليس دافعها مجرد الفضول المعرفي ، ولا مناكفة التيار السائد. بل الرغبة العميقة في ان يساهم كل فرد ، من زاويته ، وبقدر معرفته ، في تطوير صيغة للتدين ، تناسب حاجات اليوم وتستوعب تحدياته.
 لطالما واجهت سؤال: من أين يبدأ الاصلاح؟. واظن ان كل قاريء قد سمع او قرأ مقترحات تحدد نقاط البداية. صديقي د. مسفر القحطاني مولع باعادة تأسيس الاجتهاد في اطار نظرية المقاصد ، وقد كتب كثيرا في هذا الباب. المفكر المعروف حسن حنفي وعبد الجبار الرفاعي وآخرون رأوا ان علم الكلام الجديد ، اي الرؤية الفلسفية الجديدة للذات والعالم هي مبدأ كل تجديد. الدكتور وجيه قانصو وآخرون رأوا ان إعادة موضعة النص المؤسس ضمن إطاره التاريخي ، والتركيز على رسالته الداخلية ، هي الكفيلة بجعله منفتحا على تحديات العلم الحديث والعالم الحديث. وهناك بطبيعة الحال من فضل الاكتفاء بتجديد الصيغ الموروثة دون المس بمضمونها ، مثل الدعوة الى وضع مدونة للاحكام ، نظير تجربة الموسوعة الفقهية في الكويت ومصر ، ومجلة الاحكام العدلية التي وضعت في العهد العثماني وسار على خطاها العديد من الدول العربية.
جميع هذه المقاربات مفيدة. وهي تؤدي ، على مراحل متفاوتة ، الى تمهيد الطريق لرؤية دينية جديدة ، أو انها ، على أقل التقادير ، تسهم في فتح صناديق التراث المغلقة ، ووضعها وجها لوجه أمام تحدي التجديد ومستلزماته.
قلت لأحد الزملاء اننا قد بدأنا فعلا. نفس التساؤلات والجدالات حول واقع الدين وصورة المتدين في هذا العصر ، اعتراض الناس على بعض الاحكام الشرعية وما قام على أرضيتها من قوانين ، تدل كلها على ان مسلم اليوم غير مقتنع بالموروث ، ولا هو راض ببقاء الخطاب الشرعي حكرا على أهل حرفة بعينها.
لا أستطيع الجزم بنسبة أو رقم محدد. لكني استطيع القول ان آلاف المسلمين المتعلمين يريدون الاسهام في صياغة صورة جديدة للاسلام ، صورة يعتقدون انها اكثر استجابة لتحولات العلم الجديد والعصر الجديد ، صورة قادرة على استيعاب حاجاتهم التي لم يعرفها الاسلاف ولم يتخيلوا مثلها.
مسيرة الاصلاح الديني لا تنطلق - في اعتقادي – من اصدار المزيد من البحوث والدراسات الموسعة او العميقة ، بل من اقرار المسلمين ، كل فرد فيهم ، بأنه شريك في تشكيل زمنه وصناعة حياته.

الدين ليس عالما مستقلا عن حياة الفرد او الجماعة.  بل هو جزء منها. قد تراه اعظم جوانب الحياة قيمة او اعلاها مرتبة او اشدها قدسية ، لكنه في نهاية المطاف جزء من هذه الحياة ، وهو يتأثر بكل العوامل التي تعرض لها أو تؤثر فيها. المجتمع المتخلف يبحث في دينه او في ثقافته او تراثه عن تبرير لنكوصه وانكماشه. والمجتمع الناهض ينتج فكرا يعكس روح النهضة وحاجاتها.
نقطة البداية إذن هي ايمان الجميع بان دينهم صورة عن واقعهم ، وانهم لهذا السبب ، شركاء في صياغة التجربة الدينية وتجديدها ، مثلما يفعلون في جوانب حياتهم الأخرى. اي ايمانهم بأن الدين لهم جميعا ولأجلهم جميعا ، وليس صندوقا مغلقا اختصت بمفاتيحه طبقة بعينها او أهل حرفة دون غيرهم.
الشرق الاوسط14 ديسمبر 2016
http://aawsat.com/node/806611

الأربعاء، 7 ديسمبر، 2016

اصلاح المجال الديني


"اصلاح المجال الديني" هو عنوان الندوة العلمية التي عقدها مركز دراسات الوحدة العربية في تونس نهاية الشهر الماضي. في نفس الوقت نفسه تقريبا ، عقدت في بيروت ندوة مماثلة حول الحرية الدينية والمواطنة. كلا الندوتين والكثير من النقاشات المماثلة التي شهدناها هذا العام بالتحديد ، تشير الى انبعاث جديد لفكرة الاصلاح الديني ، باعتبارها طريقا ضروريا لحل اشكالات العلاقة بين الثقافة العامة والسياسة في العالم العربي.
منذ منتصف العام 2011 كان واضحا ان الأجيال العربية الجديدة ، تواجه عسرا في تحديد المسافة بين ما  هو موضوع ديني يعالج في إطار الشريعة ، وما هو متروك لعقول البشر وعلومهم. وأحتمل ان هذا العسر قد ساهم في تأزيم العلاقة بين أطراف التيار الديني ، و كذا علاقتها بالحكومات والقوى الاجتماعية الأخرى. نعلم ان الجدل المتواصل حول مشروعية السياسات ومعاني الوصف الديني ، وواقعية الحل الديني لقضايا الحياة العامة ، أمسى مبررا للتصنيف الحاد ، ومن ثم الانقسام بين من يصنفون كدعاة أو حماة للدين وبين ناقديهم. وهو انقسام مشهود في المجتمعات العربية دون استثناء.

ثلاث من اوراق النقاش التي طرحت أمام ندوة تونس ، ركزت على اشكاليات التعامل مع ما يسمى بالنص التأسيسي.  الدكتور عزيز العظمة مثلا لاحظ ان جميع المحاولات الاصلاحية في المجال الاسلامي ، توقفت عند مرجعية النص. نعلم ان التيار العام بين الفقهاء يتقبل فكرة الاجتهاد في النص ، مما سيؤدي – بشكل طبيعي – الى ظهور افهام جديدة واحكام جديدة. لكن واقع الحال يخبرنا ان التوقف عند النص ، لم يؤد الى تعالي النص عن الافهام والتفسيرات ، اي جعله موضوعا للاجتهاد المتحرر من قيود التفسيرات والافهام السابقة. تاريخ الاجتهاد يكشف عن تحول افهام السلف واجتهاداتهم الخاصة الى مرجع بديل عن النص ، بمعنى ان الفقيه لا يبحث الآن في النص القرآني او النبوي بشكل مباشر ، بل ينشغل في الحقيقة بكيفية فهم السابقين وتفسيراتهم له. وهذه التفسيرات والافهام تتحول الى إطار يوجه ويحدد عملية الاجتهاد. ولهذا فمن النادر ان تجد فقيها يخرج برأي أو تفسير ، لم يرد نظيره في تراث السابقين. وقد أوردت في تعقيبي على ورقة د. العظمة أمثلة صريحة عن اكتشاف فقيه ما لعيوب في اجتهاد السابقين ، لكنه – مع ذلك – يميل في استنتاجه النهائي ، الى متابعة ما اشتهر أو ادعي الاجماع عليه. وأظن ان هذا من ثمرات الهيمنة القوية للنسق الفقهي التقليدي ، التي قادت فعليا الى عزل جميع الآراء الغريبة عن المألوف والمتعارف ، بغض النظر عن أدلتها أو مطابقتها لروح التشريع.
المجال الديني ، مثل سائر مجالات الحياة الأخرى ، بحاجة الى مواكبة التحولات الاجتماعية ، واستيعاب التحديات الناتجة عن تطور حياة البشر وعلاقتهم مع الطبيعة. أظن ان جانبا من المشكلة يكمن في انكماش العلم الديني ورجاله ، وما حدث جراء ذلك من تفارق بينهم وبين سائر الناس ، في اللغة وأدوات الفهم والتعبير ، ونوعية الهموم والانشغالات الذهنية. يركز رجال الدين على السلوكيات الفردية ، ويريدون السلطة كأداة ضبط للسلوكيات الفردية ، لكنهم نادرا ما اهتموا بالمسارات المحركة للحياة العامة ، مثل الاقتصاد وانتاج العلم وحقوق الانسان ، وأمثالها.
اعتقد ان الاصلاح الديني لم يعد خيارا للمجتمعات العربية. بل أمسى لازما لاستعادة السلم الداخلي ، فضلا عن ضرورته للحفاظ على مكانة الاسلام كموجه لحياة البشر في عالم سريع التغير.
الشرق الاوسط 7 ديسمبر 2016
http://aawsat.com/node/801421