الأربعاء، 15 يونيو، 2016

أزمة ثقة





خلال الاسبوعين الماضيين استمعت باهتمام الى تصريحات الزعماء السياسيين في ليبيا ، المبتلاة بالحرب الاهلية منذ سقوط العقيد القذافي اواخر 2011. تابعت المسألة الليبية طوال السنوات الخمس الماضية. لكني شعرت لوهلة بأني غير قادر على الربط بين حلقات الصراع المحتدم. لهذا أردت التحقق مما يقوله أطراف الصراع في توصيف المرحلة التي يمر بها هذا البلد.

الأخذ بظاهر كلام السياسيين المتنازعين يثير العجب. فهم جميعا متفقون على ضرورة حقن دماء مواطنيهم وعلى مضاعفة الجهود الرامية لاعادة بناء النظام السياسي وترميم الوحدة الوطنية ، الخ..

كلامهم يكشف عن توافق في معظم المستهدفات على المديين القريب والمتوسط. وهذا مكمن العجب وسبب الدهشة. فهم رغم هذا التوافق الظاهري ، عاجزون عن الاجتماع ووضع النقاط المتفق عليها موضع التطبيق. فكأن كل زعيم يتحدث لنفسه. صوته لا يصل الى عقول الاخرين ، كما أن أصواتهم لا تصل اليه.

بدا لي ان عجزهم عن الانتقال الى النقاش حول الحلول ، ليس راجعا الى اختلاف الافكار والاهداف. بل سببه ببساطة قلق كل طرف على حصته في السياسة الجديدة.

هذا ليس اكتشافا جديدا ، وما يجري في ليبيا شبيه بما يجري في كل بلد آخر. النزاعات الأهلية تلبس رداء الايديولوجيا والفكرة. لكنها تدور في حقيقة الامر حول الحصص السياسية التي يعتقد كل طرف انه يستحقها في هذا الوقت أو في اي ترتيب للمستقبل.

العراقيون اختصروا الطريق ، فسموا الاشياء باسمها ، وقالوا صراحة ان نظامهم قائم على ا لمحاصصة السياسية. اما السوريون والليبيون وغيرهم فلا زالوا خجلين من التعبير الصريح عما يريدونه ، أي حصة كل طرف في اللعبة السياسية.

العلاج النظري لهذه المشكلة هو الاحتكام الى صناديق الاقتراع. هذا على الأقل ما يقوله الوسطاء الدوليون والاقليميون. وهو أيضا ما يقوله العقل البسيط. لكن الواضح ان هذا العلاج الذي يبدو طيبا وبسيطا ، غير واقعي على الاطلاق. بمعنى انه لا يعالج المشكلة الكامنة في النفوس وتجسيداتها على أرض الواقع ، أعني بها انعدام الثقة المتبادلة بين الأطراف.

الأمر ببساطة على النحو التالي: هناك أطراف لا يملكون وزنا مؤثرا في المجتمع ، لكنهم يملكون وزنا ماديا مثل عدد المقاتلين وكمية الاسلحة والتحالفات الدولية ،  كما يملكون أسماء مثل الاحزاب والقبائل والطوائف الخ..

سنجد مثلا جماعة تسيطر عسكريا على مدينة رئيسية او على إقليم بأكمله. لكنها لو دخلت في منافسة انتخابية ، فسوف يصوت سكان هذه المدينة او الاقليم لصالح طرف آخر. ثمة أيضا أحزاب مشهورة ، لكنها لا تستطيع ترجمة هذه الشهرة الى أصوات مكافئة في الصناديق. لهذا فان هذا الحزب وتلك الجماعة وأمثالهم لن يغامروا بخوض معركة انتخابية ، ليسوا واثقين بانهم سيكسبونها. انهم يفكرون في المسألة كما يفكر التجار: استثمروا مالا وجهدا في الحرب وهم يريدون ربحا في السياسة يتناسب مع رأس المال الذي استثمروه.

هناك اضافة الى هذا المجموعات التي لم تشارك بفاعلية في الصراع السياسي ، لكنها تشعر بالقلق من عواقب القبول بخطط السياسيين والوسطاء. بين هؤلاء ستجد زعماء قبائل ورجال دين وشخصيات معروفة ، يتساءلون عن موقعهم ومكانتهم ، اي حصتهم في النظام الجديد.

زبدة القول ان انعدام الثقة يشكل ربما ابرز العوامل التي عطلت الحلول السياسية في البلدان المبتلاة بالحرب الاهلية. وأظن انها تستحق ان تكون محور محاولات الحل.
الشرق الاوسط 15 يونيو 2016
http://aawsat.com/node/665531

الثلاثاء، 31 مايو، 2016

ماذا جرى في 1984

الذي جرى ببساطة هو ان اسعار البترول بدأت تهبط بشكل حاد ، من 37 دولارا للبرميل في 1981 الى 28 دولارا في 1984 قبل ان تهوي الى 12 دولارا في 1986. كانت المملكة قد انتهت للتو من ثلاث خطط للتنمية ، غيرت تماما بنية البلد الاقتصادية ، فتضاعفت اعداد طلاب المدارس والجامعات ، واكتشف ملايين السعوديين متعة السفر الى البلدان الاخرى ، سائحين او دارسين. كما تعرف بعضهم – للمرة الأولى ربما – على مواطنين من بلاد لم يسمعوا باسمها سابقا ، جاؤوا عاملين في اجهزة الدولة والقطاع الخاص الذي اتسع بشكل لا سابق له.
بدأ الحراك الاقتصادي الجديد في 1971. وبعد عقد ونصف ، اصبحنا قادرين على ملاحظة ما يعرف اليوم بالطبقة الوسطى الحديثة ، اي مئات الالاف من المواطنين الذين تحسنت مداخيلهم ، فباتوا قادرين على ارسال ابنائهم وبناتهم الى المدارس ، والتمتع بعطلة نهاية الاسبوع ، والسفر لبضعة ايام او بضعة اسابيع خلال الصيف ، وتخصيص ساعة او ساعتين لقراءة صحيفة ومشاهدة التلفزيون كل يوم.
 وضعت برامج التنمية الاقتصادية وفق رؤية اقترحها معهد ستانفورد للابحاث ، تركز على محورية الحراك الاقتصادي في التنمية الشاملة. وهي رؤية مرجعها نظرية التنمية الكلاسيكية ، السائدة يومئذ في الاكاديميا الامريكية.
لعل المخططين تغاضوا عن المخرجات الثقافية والاجتماعية للنمو الاقتصادي. أو لعلهم فضلوا تأجيل بحثها حتى ظهور النتائج الاولية للحراك الاقتصادي. وهذا توجه كررته معظم المجتمعات النامية. لكن الواضح ان ذلك التأجيل قد تحول الى إغفال مزمن. في 1984 وجدت المملكة نفسها غير قادرة على مواصلة الانفاق بالمعدلات التي عرفتها خلال الخمسة عشر عاما الماضية. بل وصل الامر الى حدود اكثر حرجا. ففي العام 1986 قررت وزارة المالية تمديد العمل بميزانية العام السابق وعدم الاعلان عن ميزانية جديدة.
كل تحول اقتصادي يؤدي بطبيعته الى تحول ثقافي واجتماعي. من المستحيل ان تطلق تحولا اقتصاديا واسع النطاق وتحصر نتائجه وانعكاساته في اطار الاقتصاد. في ذلك العام انتبهنا الى حقيقة ان البلاد تفتقر الى نظام مؤسسي يستوعب التحولات الاجتماعية والثقافية العميقة التي جرت خلال عقد ونصف ، وابرز تجلياتها تبلور الطبقة الوسطى الحديثة. لو كان لدينا فائض مال ، فلربما امكن تسكين تلك التحولات او توجيهها نحو المزيد من الاثراء والرفاهية. لكن ايرادات البلاد تكفي بالكاد لتسيير الحاجات الاشد الحاحا.
في النصف الثاني من الثمانينات تعرف المجتمع على ما يعرف اليوم بتحول الهوية الفردية. وهو باكورة التحول الاجتماعي المغفل. وتجسد يومها في بروز نزعات قبلية ودينية تنطوي على ميول تخارجية عن المسار الاجتماعي العام. هذه النزعات ليست شيئا يمكن الحيولة دون ظهوره. غاية ما نستطيع فعله هو عقلنتها ، اي تطوير نظام قانوني/مؤسسي يتكفل باستيعابها وتوجيهها.
لا يمكن للدولة منع الناس من التعبير عن تطلعاتهم. ولا يمكن توفير ما يكفي من المال لتحقيقها. يميل العالم المعاصر الى تبني فلسفة مختلفة ، تتلخص في تمكين الافراد من السيطرة على اقدارهم ، وادارة حياتهم على النحو الذي يوصلهم الى السعادة ، بدل انشغال الدولة فيما ليس من مهماتها.
كي نحقق هذه النقلة ، يجب ان تتخلى الدولة عن دور الام/المربية ، الى دورالمخطط/المشرف ، فتكتفي بوضع القانون وتوسيع الاطارات المؤسسية التي تسمح للجمهور بأن يمسك باقداره ويتحكم في مجاري حياته ويدبر متطلباتها. عندئذ سيكون كل فرد حرا في خياراته ومسؤولا منفردا عن نتائجها.

الشرق الاوسط 31 مايو 2016 http://aawsat.com/node/654371