الأربعاء، 26 ديسمبر 2007

للخروج من حالة الاحتباس


دعونا نجعل العام الجديد موسما ممتدا للثقافة والعلم. ليس لعقد المهرجانات والنشاطات الاحتفالية، بل لاطلاق الافكار الجديدة والتأكيد على المبادئ الكبرى للحياة الثقافية السليمة.

لو حسبنا مجموع النشاطات الثقافية التي شهدتها مدن المملكة على امتداد العام الجاري لبلغت عدة مئات. تميز بعض هذه النشاطات بملامسة عميقة لقضايا جوهرية في الثقافة والمجتمع. وتظهر حسبة غير كاملة ان محافظة القطيف مثلا قد شهدت نحو ستين نشاطا تراوح بين محاضرة عامة وندوة نقاشية ومسرحية وفيلم قصير ومعرض للصور الفوتوغرافية والرسم والخط وما الى ذلك من التعبيرات الثقافية الجمعية.

ولم نحسب ضمن العدد السابق النشاطات الفردية مثل اصدار الكتب، كما لم نحسب ضمنه النشاطات الثقافية الروتينية التي لا تنطوي على اضافات الى المشهد. شهد العديد من محافظات المملكة الاخرى نشاطات مماثلة، ربما اقل وربما اكثر. هذه النشاطات هي اجزاء منفصلة في حركة ثقافية كبيرة. وهي تشير الى سياق حياتي جديد عرفنا نظيرا له في منتصف الثمانينات، لكنه غاب تماما خلال العقدين الماضيين.

جميع هذه المناشط او اغلبيتها الساحقة ولدت بمبادرات اهلية، استعان قليلها بأجهزة رسمية، وبقي معظمها اهليا من مبتدئه الى منتهاه.

يمكن للحراك الثقافي ان يشكل مخرجا فعالا من حالة احتباس اجتماعي يشكو منها كثير من الكتاب واصحاب الرأي. نشاطات العام الجاري تظهر ان حالة الركود التي شهدناها في الاعوام السابقة، لم تعد قائمة، او على الاقل، لم تعد ظاهرة عامة. نحن بعبارة اخرى لا نعاني من الركود الثقافي بل من الاحتباس. والاحتباس ليس حالة عدمية، بل هو تعبير عن وجود مقيد او محصور ما نحتاجه اليوم هو اطلاق هذه الحالة من محابسها بتوفير الفرصة للنشاطات المحلية المتباعدة والمنفصلة كي تتواصل.

 وعندئذ فانها سوف تتحول من دفقات محلية محدودة الاثر الى روافد في نهر يكبر ويزداد غنى وتنوعا كلما تمدد. واظن ان اقرب السبل الى ذلك هو تغطيتها من جانب الاعلام الرسمي. صحيح ان قناة «الاخبارية» قد عرضت في بعض الاحيان نشاطات من ذلك النوع. لكن الصحيح ايضا ان ما جرى تغطيته ليس سوى قطرة في بحر من مجموع المناشط الفعلية. ومما يؤسف له ان الصحافة المحلية بقيت هي الاخرى بعيدة عن هذا، كما لو ان جميع اجهزة الاعلام متفقة على تجاهل تلك الاعمال المجيدة رغم ان تلك الاجهزة تنشر مقالات تجأر بالشكوى من ضيق الحياة الثقافية وقلة الحراك، وتتفنن احيانا في السخرية من المثقفين المتهمين بعدم الفاعلية والاعتزال في الابراج العاجية، وما الى ذلك من انواع التهريج السهل.

قبل سنوات نشر المفكر الكويتي د. محمد الرميحي كتابا بعنوان «الخليج ليس نفطا»، ركز فيه على جوانب النشاط الثقافي التي تشير الى نمو انساني يوازي النمو الاقتصادي. وكان غرض الرميحي هو دفع التشنيع عن الخليجيين بالانغماس الكامل في المال والسوق والرفاهية المادية، وانحدار قيمة العقل والتفكير والثقافة، وهي اعظم سمات الانسانية الطبيعية. وينبغي القول الان ان حراكا ثقافيا واسعا وعميقا، هو الرد الاقوى على ما نشهده احيانا من استصغار او ربما تجاهل من جانب الاخرين.

لكن ثماره لا تقتصر على هذا، فهو ايضا اداة فعالة لعقلنة المطالب والمشكلات والقضايا الاشكالية وموارد الجدل، سواء على المستوى الاجتماعي المحلي او على المستوى الوطني. كما انه اداة فعالة لترسيخ روحية الحوار وبناء الشخصية المتعددة الابعاد. وبعبارة اخرى فانه اداة للقضاء على التعصب والغلو والاغتراب. زبدة القول ان التغطية الاعلامية للنشاطات الثقافية المحلية سوف تسهم في الكشف عن حركة ثقافية وطنية واسعة، وسوف يسهم في تحويلها من مستوياتها الاولية الى مستويات اوسع واكثر عمقا.

واظن ان المسؤولية الاولى في هذا الجانب تقع على وزارة الثقافة والاعلام. فهي مطالبة بالخروج من القوقعة التي يسمونها النوادي الادبية وجمعيات الثقافة والفنون، والانفتاح على النشاط الاهلي الحر. ليس بتوجيهه ولا بالتحكم فيه ولا حتى بدعمه، بل فقط وفقط بتغطيته، فهذا كاف لتعويمه وتعميمه وتعميقه.
وللمثقفين الافراد دور هام في هذا السياق، لكن هذا موضوع آخر ربما نعود اليه لاحقا.
http://www.okaz.com.sa/okaz/osf/20071226/Con20071226161799.htm 

الخميس، 29 نوفمبر 2007

حول الهوية الجامعة والهويات الفرعية ومفهوم الوطن


مهرجانات مزايين الابل وما قيل فيها وعلى حواشيها اعادت احياء النقاش القديم/ الجديد حول التنوع الاجتماعي وعلاقته بالهوية الوطنية، فكتب الاستاذ عبد المحسن الماضي في "الجزيرة" حول العلاقة بين القبيلة والدولة، وكتب الاستاذ جبرين الجبرين حول المسألة ذاتها في "الوطن" وكتب عنها زميلنا الانيق العبارة احمد فقيهي في "عكاظ".

واتفق الجميع – وكتاب اخرون من قبل – على الحاجة الى احتواء الهويات الفرعية، ومنها القبلية في الاطار الاوسع للهوية الوطنية. وركز الاستاذ الماضي على اهمية دور الدولة في ردم الفجوات التي تفصل بين الاطياف الثقافية والجماعات التي يتشكل منها المجتمع، من خلال ترسيخ قيمة المواطنة المتساوية.
ولعل بعض القراء قد التفتوا الى الروح الجديدة التي تسود هذه المعالجات، مقارنة بتلك التي شهدناها حينما اثيرت المسألة ذاتها قبل عامين. اتسمت معالجات المرحلة الماضية بقدر ملحوظ من الضيق بالتعدد ورغبة مبطنة في التخلص منه او تهميشه، مع دعوة اخلاقية الى الاعتراف بالمختلف ومعاملته بالتي هي احسن.

اما كتابات اليوم فهي تنظر الى التعدد كتجسيد للحالة الطبيعية للمجتمع. وهي تتحدث صراحة عن هوية وطنية تحترم الهويات الفرعية، سواء كانت مناطقية او قبلية او طائفية، وتجمعها تحت سقف واحد يتسع للجميع ولا ينفي احدا.  كما انها – من ناحية اخرى – تقرر مسؤولية الدولة عن تعزيز الهوية الوطنية الواحدة كاطار جامع، خلافا لبعض ما كان يطرح قبل عامين، من تحميل المجتمع وحده مسؤولية التخلص من اعباء تاريخه.
هذه المعالجات المتطورة دليل على ان النقاش العلني للمسائل الوطنية العامة هو الطريق الى عقلنة الاراء وتعميقها والاقتراب من الجوهر، بدل التحويم حول الحقيقة او الاكتفاء بالاعتذار عن الاخطاء او تبرير القصور ثم الخروج بدعوات محض اخلاقية تعوم المسؤولية بين جميع الناس حتى لا يشك احد في احتمال كونه بين المعنيين او المسؤولين.

نحن بحاجة الى المزيد من النقاشات حول المسائل التي تشكل خلفية فلسفية او مفهومية للاجماع الوطني. ولعل اولى المسائل الجديرة بالنقاش هي وجوه العلاقة بين الهويات الفرعية والهوية الوطنية الجامعة. وقد سبق ان اقترحت في هذه الجريدة فكرة "شراكة التراب" كقاعدة مفهومية للبحث في تلك المسألة.

والفكرة باختصار هي ان كل مواطن شريك في كل ذرة من تراب الوطن، وان مجموع المواطنين مالكون لمجموع البلد ملكية اصلية غير قابلة للنزع او التنازل. واضيف على ما سبق ان تلك الملكية هي مصدر جميع الحقوق الثابتة لكل مواطن بمفرده ولمجموع المواطنين في مجموع الامور العامة. وهي ملكية سابقة لقيام القانون، وعندئذ فان القانون لا يوجدها بل يحميها وينظمها.

جدير بالذكر ان فقهاء المسلمين لم يتعرضوا لمفهوم الوطن في معناه الثقافي والقانوني الذي نعرفه اليوم، لكنهم ناقشوا الحقوق المرتبطة بالموارد العامة في بحوثهم حول الخراج بانواعه. والخراج هو التسمية القديمة للاملاك العامة، اي كل  ما لم يتملكه الناس بالعمران او الشراء او سواه من وسائل التملك.

ويشمل جميع المشتركات مثل الاراضي البائرة والبحر وما فيه، والثروات التي في باطن الارض، والغابات والجبال والانهر والمراعي.. الخ. وذهب كثير من الفقهاء الى ان هذه الموارد عائدة لمجموع المسلمين، لاجيالهم الحاضرة ومن ياتي بعدها، وان الحاكم الشرعي مكلف بادارتها والتصرف فيها نيابة عن مجموع اهل البلد ولمصلحتهم فقط، تصرفا يوصل اليهم جميعا اكبر قدر ممكن من المنفعة.

هذا التصوير، رغم سبقه لظهور فكرة الوطن، ولا سيما في صيغته الحديثة، هو نفسه الذي توصلت اليه الفلسفة السياسية الاوربية في القرن السابع عشر وما بعده، كما نراها في فكرة الكومنولث (وهي المعادل اللغوي لمفهوم الموارد المشتركة)، التي صاغها الفيلسوف الانكليزي جون لوك واصبحت قاعدة لمفهوم الوطن القومي الذي نعرفه اليوم.

اظن ان الانطلاق من هذه القاعدة في مناقشة العلاقة بين الاجزاء المكونة للمجتمع الوطني، وكذلك في مناقشة العلاقة بين المجتمع والدولة، سوف تسهم في تفكيك العديد من النقاط الاشكالية، ولا سيما في تحديد مكان الفرد باعتباره "مواطنا قائما بذاته" لا عضوا في قبيلة او طائفة او منطقة.

من ناحية اخرى فان المفهوم يحدد علاقة تفاعلية بين الوطن والمواطن. يحصل المواطن على حقوق معلومة مصدرها شراكته في ملكية، وفي المقابل فهو شريك في تحمل مسؤولية بلده، شريك في بنائه وادارته وحتى الموت من اجله.
اخيرا فانه يؤسس لفكرة المساواة القانونية، لا كدعوة اخلاقية محضة، بل ايضا كاداة عقلائية لتنظيم العلاقة بين المالكين على ارضية المعروف والانصاف.
 29 / 11 / 2007م  

الأربعاء، 14 نوفمبر 2007

حول المجتمع الاحتفالي



زميلنا الدكتور أنمار مطاوع يخشى من تحول المجتمع السعودي الى ما وصفه بـ«مجتمع احتفالي». المجتمع الاحتفالي حسب تعريفه هو ذلك الذي يبالغ في تصوير الاعمال والانجازات ويحتفي بها على نحو مبالغ. وهو يضرب مثالا على هذا بالتظاهرة الاحتفالية التي رافقت ادخال الكمبيوتر الى المدارس، والتي كانت اكبر من حقيقة المشروع.
كما عرض امثلة منها بكاء الخطباء في المساجد. وركز على الجانب الاتصالي في هذا الفعل، أي كون الاحتفال أو البكاء وسيلة لاثارة تعاطف المستمعين أو المشاهدين مع القضية أو الحدث المطروح.

يتعلق الموضوع اذن بالتناسب بين الفعل والمعنى الذي يولده أو يراد توليده منه، كتمهيد للفكرة نقول ان أي فعل انساني يستمد قيمته من المعنى الداخلي الكامن فيه. لولا معنى الفعل لما كان للفعل أي قيمة. حين تقيم وزارة التربية احتفالا بتدشين مشروع الكمبيوتر فانها تعرف تماما ان هذا الاحتفال هو كلفة اضافية. لكنها تقبل بهذا العبء، لأنها تريد اضفاء قيمة رمزية على عملها، فهو – في رأي الوزارة – ليس مجرد الات واشخاص يجلسون أمام الآلات، بل هو تعبير عن «تحول» ثقافي أو عملي تريد الاشارة اليه، أو هو دليل على «انجاز» أو نجاح لرجال الوزارة. وهي تتوقع ان يقابل المشروع بتقدير من جانب الجمهور لها أو له، كما تريد من الطلاب أو اهاليهم اعتباره مكسبا وفرصة. هذه التعبيرات ليست جزءا من المكونات المادية للمشروع لكنها قيم رمزية، يمثل كل منها جوابا على حاجة قائمة أو سؤال سابق.

تتولد القيمة الرمزية للفعل اذا تولد الفعل نفسه، لكنها دائما اكبر منه، لأن الرمز اكبر من الحقيقة، ولأن توليد الرمز هو عملية سائلة متواصلة يمارسها كل شخص على نحو مختلف عن الاخرين، بينما الفعل محصور في حدوده المادية والموضوعية. الرمز هو كون اسطوري يحيط بالحقيقة، فلا بد أن يكون أضخم منها.

ارتباط الفعل بالمعنى واضح حتى في الافعال الشخصية. فلان يشتري سيارة بربع مليون مع ان سيارة بخمسين الفا تسد حاجته، لأن السيارة الاولى تولد معاني مختلفة عن الثانية، مثل التعبير عن المكانة أو السعادة أو القوة الخ. على نفس النسق فان الخطيب الذي يبكي اثناء حديثه قد لا يكون – بالضرورة – منفعلا أو متألما، لكنه يريد توجيه المستمعين الى الرسالة الداخلية لكلامه، أي الانفعال العاطفي، الذي قد يكون خوفا من الله أو تعاطفا مع الام الناس.. الخ.

يقودنا هذا الى تفسير مختلف للسلوك الاجتماعي الذي يصفه الزميل مطاوع بالاحتفالي. تحتفل الحكومات باليوم الوطني الذي ربما يكون قد مضى على موضوعه عشرات السنين، ويحتفل الناس بالذكرى السنوية لزواجهم أو ولادة – أو وفاة – عزيز عليهم، وتحتفل الشركات بيوبيلها الفضي أو الذهبي، لا لسبب غير التاكيد على المعنى الذي يرتبط به هذا الاحتفال، مثل معنى النجاح أو الاستمرار، أو التواصل أو ربما المطالبة بالتقدير، أو بيان المكانة. في حقيقة الامر فان الرابطة الاجتماعية، أي كون الفرد جزءا من جماعة وليس روبنسون كروسو أو حي بن يقضان في جزيرته المنعزلة، هذه الرابطة ليست شيئا ماديا، أي ليست فعلا، بل هي معنى يتولد عن افعال، مثل اللقاء واظهار التعاطف والتعاون والتجاور والتوافق على فكرة، والقاء تحية الصباح، وتبادل القلق على المصالح، والتفكير المتماثل حول المستقبل الخ..

كل من هذه الافعال يكتسب قيمته من المعنى الذي يولده، وهو في هذه الحالة : الارتباط العاطفي. وعلى هذا الاساس نشأ الفولكلور، أي الثقافة الشعبية التي تجسد وتصور اشكال الحياة الاجتماعية وهموم الناس ورغباتهم. الفولكلور الشعبي هو فعل غرضه توحيد المعنى المفترض ان يتولد عن افعال فردية أو اجتماعية وربطها بالقيمة الكلية للفعل الكلي، أي الحراك المجتمعي، باعتباره تكثيفا لمجموع الافعال الفردية التي غرضها ترسيخ الرابطة الاجتماعية. الفولكور هو احتفال بالجماعة وتاكيد على اهمية الرابطة الاجتماعية.

الاحتفال بالفعل قد يكون تصرفا طبيعيا غير متكلف، يقوم به الناس من تلقاء انفسهم، ويشعرون بسببه بالسعادة وتقدير الذات. وقد يكون اصطناعيا، يستهدف فقط التغطية على قصور الفعل الذي هو موضوع الاحتفال، أو التعجيل في استرداد ثمنه الاجتماعي (مثل الولاء والتقدير). ولعل هذا هو الجانب الذي ازعج زميلنا الدكتور مطاوع، واظنه محقا فيما ذهب اليه.
عكاظ 14-11-2007

الأربعاء، 7 نوفمبر 2007

المالكي يعود الى وظيفته عبر ديوان المظالم


 اصدر ديوان المظالم حكما بابطال قرار سابق لوزارة التربية التعليم يقضي بفصل الاستاذ حسن المالكي من العمل. وترجع القضية الى اوائل العقد الجاري حين نشر المالكي وهو مفكر ديني معروف سلسلة من المقالات تحدد مواطن الخلل في مناهج التربية الدينية في المدارس العامة. ودخل المالكي بسبب تلك المقالات في جدل علني مع عدد من الشيوخ البارزين. والمالكي هو واحد من مفكرين سعوديين برزوا خلال العقدين الاخرين، واختاروا منهجا يدعو الى تجديد الثقافة الدينية ومناهج التعليم، ولا سيما نبذ التفكير الاحادي والتوجهات المغالية.

وتحمل المالكي بسبب كتاباته كثيرا من العنت والتضييق من جانب اشخاص يرتابون في كل دعوة للتجديد. وفي احدى المناسبات نشر مقالا فند فيه - من زاوية فقهية - فتوى لاحد المشايخ تتضمن تكفيرا الفنان الكويتي عبد الله الرويشد. لكنه ووجه باقصى رد يتوقعه وهو اصدار الشيخ نفسه فتوى بتكفيره رجوعا الى قاعدة "ومن لم يكفر كافرا فهو كافر".  كتب المالكي عددا من الكتب المثيرة للاهتمام لكنه لم يستطع توزيعها في المكتبات المحلية، كما اضطر الى التوقف عن الكتابة في الصحف، واخيرا فصل من وظيفته في قطاع التعليم.

طوال السنوات الخمس الماضية حاول المالكي دون كلل استعادة حقه، لكنه ووجه دائما بالسخرية والاستهانة. وفي هذا الاسبوع اصدر ديوان المظالم حكمه بابطال قرار الفصل واعادته الى وظيفته بعد 48 جلسة خلال اربع سنوات. رغم ان القضية – من الناحية الشكلية على الاقل – تعتبر اعتيادية في اي بلد، الا ان الحكم فيها اكتسب اهمية خاصة وأثار اهتماما واسعا في البلاد، ولعله كان الخبر الاول من حيث اهتمام متابعي الصحف يوم الاثنين المنصرم.

معظم الذين اهتموا بحكم الديوان ينظرون اليه كدليل عملي على التطوير الجاري في جهاز القضاء، ولا سيما في ديوان المظالم. ويمثل الديوان ما يشبه محكمة ادارية، وهو الجهة الوحيدة المخولة بالنظر في دعاوى الافراد ضد الاجهزة الحكومية.

وفي السنوات الماضية لم يكن من السهل اقامة دعاوى من ذلك النوع. لكن الاشهر القليلة الماضية شهدت الاعلان عن عدد من القضايا التي اثارت انتباه الكثيرين. من ذلك مثلا حكم الديوان بسجن رئيس بلدية ومساعده بسبب استيلائهم على قطع سكنية منحت لمواطنين. وكان هذا السلوك قد شاع حتى يئس الناس من لجمه. لكن حكم الديوان سجل سابقة أحيت آمال المواطنين بقدرتهم على الاستعانة بالقضاء العادل في استنقاذ حقوقهم.

ومن بين القضايا قبوله لدعوى رفعتها سيدة ضد هيئة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذه هي المرة الاولى التي تقبل فيها دعوى ضد الهيئة. واخيرا جاء الحكم في قضية المالكي دليلا اضافيا على سياق جديد في النظام القضائي السعودي يأمل الكثيرون ان يتحول الى عرف سائد، يتناغم مع توجهات خادم الحرمين الشريفين في فرض حاكمية القانون وتساوي جميع المواطنين امامه.

من الناحية الفنية فان المالكي هو ابرز المستفيدين من هذا الحكم، لكن من الناحية السياسية فان جهاز القضاء سيكون هو المستفيد الاكبر، فقد برهن على استقلاله وقدرته على التحرر من الضغوط المعتادة في مثل هذا النوع من القضايا، سواء كان مصدرها الشارع الشعبي او علية القوم. ويمثل هذا خير تمهيد لبرنامج الاصلاح الشامل الذي أقره الملك عبد الله الشهر الماضي ويتضمن تعديلات اساسية في بنية النظام القضائي السعودي.

المثقفون والكتاب اعتبروا الحكم انتصارا لحرية التعبير و"يوما تنفست فيه العدالة" كما قال الاديب المعروف صالح الصويان. والمؤمل اليوم ان يعود المالكي الى ممارسة الكتابة في الصحافة بعد انقطاع طويل. ثمة –اضافة الى المالكي – قائمة طويلة من كبار الكتاب اضطروا الى التوقف عن الكتابة بسبب ضغوط مثل التي تعرض لها المالكي، وثمة اساتذة جامعيون ابتعدوا عن طلابهم لاسباب مماثلة. ونأمل ان يكون حكم الديوان بداية لمنهج جديد في التعامل مع قضايا الراي والتعبير.
7 / 11 / 2007م  

الخميس، 18 أكتوبر 2007

الليبرات والليبرون المكبوتون المخدوعون

هذا تقريض لمقال للاستاذ عبد الكريم عائض نشرته جريدة الوطن السعودية في 15/10/2007 ، وهو نموذج عن الطريقة السائدة في معالجة قضايا السياسة والفلسفة في بلادنا.

وقد بدأ زميلنا البارع مقالته بالتاكيد على انه لا يهتم بالليبرالية ولا يأبه لها ، ولعله بهذا التاكيد اراد تلافي سوء الظن بانه ربما يكون من اولئك الطائشين الذين يهتمون بالليبرالية او يأبهون لها . بل انه استدل على ذلك بدليل يفلق الصخر لو تجلى له ، وهو انه لم يطالع حلقة طاش ما طاش المشهورة عن الليبراليين . وهذا لعمري دليل فات كل عالم .
 
 ثم ان الكاتب الكريم رأف بحالنا نحن الذين ابتلينا بالاهتمام بالليبرالية والبحث عنها ، خاصة بعد سقوط سوق الاسهم ثم ارتفاع اسعار الاغذية ، فعوضنا عن كل ذلك بشرح مختصر عن الليبرالية التي لم يأبه بها ابدا ، فاخبرنا ان اصلها كلمة “ليبر” وانها لاتينية تعني الحر ، وان “ليبراليسم” تعني الحرية (او تعين الحرية حسبما ورد في نص المقال – والله العالم ايهما الصحيح). فجزى الله الكاتب خيرا على هذه الفوائد العظيمة التي كان قراء الجريدة ومثقفو البلاد متعطشين لها ، وايما عطش .

 اخبرنا ايضا زاد الله فوائده ان الحرية كلمة ساحرة وان الدعوة اليها بهرت الكثير من المساكين من اخواننا الذين عانوا قبل سفرهم الى بلاد الله البعيدة من كبت جنسي واسري ومن اذى مطوع الحارة ، فاقبلوا عليها اقبال الطفل على جمرة يظنها حلوى ملونة ولا يخفى على القاريء ان الاستاذ عائض قد توصل في هذا التحليل البارع الى تفسير لم يسبقه به احد من فلاسفة الغرب والشرق ، في قديم الزمان وحديثه ، ولهذا فمن الممكن ان يسجل كرأي مرجعي يأخذ به الفلاسفة والباحثون حين يتحدثون عن الليبرالية واسرار افتتان الناس بجمالها ، خاصة بعدما اعرض كثير من العلماء عن نظرية فرويد المعروفة في التحليل النفسي ولا سيما تركيزه على الباعث الجنسي للافعال والميول الانسانية.

ولم ينس الاستاذ عائض تذكيرنا – جزاه الله خيرا – بان الباحثين واساتذة العلوم السياسية السعوديين وغيرهم من المثقفين الذين قرأوا الفلسفة الغربية وربما كتبوا عن الليبرالية ، لم يفهموا الليبرالية ، بل ربما لم يعرفوا حتى معناها ، ولهذا تفضل علينا – اكرمه الله – بتوضيح ان اصل الليبرالية هي كلمة “ليبر” اليونانية اي الحر وان الليبرالية تعني الحرية ، كما اوضحنا اعلاه.

فلله الحمد على ان اكرمني وغيري من طلبة العلوم السياسية بقراءة مقال الاستاذ عائض ، فعرفنا بعد سنين طويلة اضعناها في الدراسة والبحث والكتابة ، ان اصل الليبرالية هي ليبر وانها يونانية وتعني الرجل الحر وان ليبراليسم معناها الحرية. وربما يسمح لنا الاستاذ عائض باضافة المرأة الحرة ايضا ، خاصة للغربيات واشباههن من نسائنا المسترجلات. فيمكن – اذا سمح الاستاذ – ان نقول لهذه : “ياليبره” على وزن “ياحرمه” الذي نقوله لنسائنا العفيفات اللاتي لم ينخدعن بالليبرالية وبلاويها . كما نقول للرجل المخدوع بالغرب والاعيبه : ” ياليبر” ، على وزن “ياولد” الذي يقوله بعضنا للصبيان حين يغضب عليهم.

ولا تنتهي فوائد مقال الاستاذ عائض عند هذا الحد ، فهو يستثمر المناسبة لاخبارنا ايضا بان مباديء الحرية والاخاء والمساواة هي شعارات خداعة انبهرت بها شخصيات فكرية وسياسية فوقعت في فخاخ الماسونية. وهذا لعمري اكتشاف اعظم من سابقه ، فقد ظننت قبل مقال الاستاذ عائض بان السياسي والمفكر لا ينخدع بسهولة ولا ينبهر بجميل الكلام ، بل يجادل كل فكرة قبل تبنيها .

لكني اهتديت الان الى قلة بضاعتي وجهلي بالامور ، فالمفكرون والسياسيون ، حتى الدهاة منهم ، يقعون في شراك الخديعة ، ربما بصورة اسهل من باعة السمك في سوق القطيف لاني اسمع ان احدا لم ينجح حتى اليوم في مخادعة هؤلاء البائعين ، فلله الحمد والمنة على ان عرفنا قبل فوات الاوان بان باعة سوق السمك احسن من مفكرينا ومثقفينا ، لا سيما حين يتعلق الامر بالقيم الانسانية الرفيعة ، مثل الحرية والمساواة والاخاء .

ولا نكرر ذكر الليبرالية لان الاستاذ عائض قد اخبرنا سابقا بان ليبراليسم معناها الحرية ، والظاهر من المقال ان تلك الحرية هي نفس هذه الحرية التي انخدع بها دهاة السياسيين والمفكرين ووقعوا بسببها في حبائل الماسونية واشباهها.

والحقيقة ان فوائد مقال الاستاذ عائض لا تحصى وربما تحتاج الى مجلدات لشرحها ، ولا سيما تعيينه لمعنى الليبر والليبراليسم ، ثم الاسئلة التي طرحها (وربما لم يهتد اليها احد قبله فضلا عن ان يجيب عليها) ، وتاكيده بان الاجوبة لن تاتي من عند ليبراليينا (كتب في نص المقال “من عند ليبراليونا” ولعله يقصد شخصا او مكانا او اناسا اخرين غير “ليبراليينا” الذين نعرفهم ، او ربما هي شيء اخر غير الجمع العربي لكلمة ليبر- ليبرالي المشار اليها اعلاه).

وخلاصة القول ان الاستاذ عائض وجريدة الوطن قد سجلا هدف الموسم في هذا المقال الذي ارى ان تعاد طباعته في اعداد الجريدة القادمة وان يوزع على المثقفين واساتذة الجامعات والكتاب ، حتى يفهموا معنى الليبر والليبراليسم وما تقود اليه الحرية والمساواة من بلاء الانزلاق في شراك الماسونية.

موقع دروب 18 اكتوبر 2007
http://www.doroob.com/archives/?p=21901د
مقال الاستاذ عائض عبد الكريم "الليبرالية التي لم يفهمها احد" نشر في صحيفة الوطن السعودية  15 اكتوبر 2007 واعيد نشره في العربية. نت في 16 اكتوبر 2007 http://www.alarabiya.net/views/2007/10/16/40384.html

مقالات ذات علاقة



الاثنين، 1 أكتوبر 2007

دين البشر


أود ان يشاركني القراء الاعزاء في الاستفادة من هذا الكتاب القيم الذي صدر حديثا للاستاذ حميد المبارك القاضي بمحكمة الاستئناف في البحرين وعنوانه «مقالات في فهم الدين». يطرح الكاتب العديد من القضايا المثيرة للجدل ويُعالجها بأسلوب هادئ متين ويُدلل على آرائه تارة بنصوص من القرآن والسنة وتارة أخرى بأدلة عقلية كما يستشهد بآراء لعلماء اجلاء قدامى ومعاصرين.

يشير عنوان الكتاب الى الإشكالية الرئيسية التي تمثل محور مقالات الكتاب، الا وهي التمييز بين الدين في صيغته الاولى كنص مجرد، وبين الدين بعدما تتناوله الافهام المختلفة والتطبيقات المتباينة للبشر في مختلف الاماكن والازمنة. من الموارد المتفق عليها ان معظم ما يُطبقه الناس ليس النص المجرد، بل هو تفسير ذلك النص، التفسير الذي قدمه أهل العلم والخبراء في الشريعة من فقهاء ومجتهدين في حاضر الزمان او قديمه.
من المعروف ايضا في علم الاجتماع المعاصر ان تفكير الانسان في الأشياء يتأثر بالضرورة بالافق الثقافي والاجتماعي الذي يعيش ضمنه. ولا يختلف الناس في هذا الامر، فعقل الفقيه والمثقف مثل عقل الانسان العادي يتأثر بالبيئة التي هو فيها، بما فيها من افكار وشبكات مصالح ومصادر ضغط وانماط حياة وهموم وتطلعات، وتشترك هذه جميعا في تشكيل انطباعه الاولي عن الموضوعات التي يُفكر فيها، كما تؤثر في تحليله للعلاقة بين الموضوع وبين التكييف النظري (الشرعي او القانوني او العقلي) الذي يسعى للتوصل اليه. ولهذا السبب قيل بأن الاحكام تتغير مع تغير الأزمنة والأمكنة، لأن ظرف الموضوع يُشكل جزءاً من قوامه ومفهومه، كما يُحدد موقعه من منظومة المصالح والمفاسد العرفية التي تختلف بين مجتمع وآخر وبين زمن وآخر.

بذل الكاتب جهدا مشكورا في بيان العوامل المؤدية الى التمايز بين المفاهيم الاصلية المجردة، وبين المفاهيم السائدة عند الناس واهل الشريعة. واشار الى عامل جدير بالتأمل، الا وهو تركيز الفقهاء على استنباط الاحكام واهمالهم دراسة موضوع الحكم. الموضوع الجوهري لجميع التعليمات الدينية هو الانسان. غرض الرسالات جميعا هو الارتقاء بالانسان في حياته المادية الدنيوية. صحيح ان جميع الاديان تركز على تذكير الانسان بالآخرة ووجوب الاعداد والاستعداد لما بعد الموت، لكن الغرض الأساس من هذا التذكير هو تحفيز المؤمن لتقويم حياته وتحسينها والارتقاء بها.

وبالمناسبة فإن هذه النقطة هي واحدة من وجوه التمايز الرئيسية بين الاسلام والمسيحية الكاثوليكية - في نسختها القديمة على الاقل، اي قبل الكالفينية-، فالكاثوليكية تنظر الى الآخرة كنقيض للدنيا وتعتبر الأعلى حظا في الآخرة هو الاقل حظا في الدنيا، بخلاف الاسلام الذي ينظر الى النجاح الدنيوي كمقدمة للفوز الاخروي. ويدعو المسلمين الى التزام الايمان مع السعي نحو التقدم المادي والعلمي والاستقواء والعزة الدنيوية ويعتبر النجاح في الربط بين الجانبين معيارا للصلاح والايمان.

موضوع التشريعات الدينية اذن هو تحرير الانسان والارتقاء بحياته وتوجيهه الى اكتشاف حقائق الكون الكبرى، حتى يقترب من الحقيقة المطلقة. لكن المشهود ان المسلمين، ربما بسبب تخلفهم المادي والعلمي، قد انشغلوا عن دنياهم بالكلام عن دينهم، خلافا لما يظن كثير من الناس من ان المسلمين قد انشغلوا بدنياهم عن الدين. يرى الكاتب ان الفقهاء قد اهملوا التفكير في الانسان، وركزوا بدل ذلك على التفكير في الاحكام. ولهذا فإن معظم الدعاة يجيدون الحديث في الحدود والقيود والضوابط التي «يجب» على الانسان التقيد بها، لكنهم لا يتحدثون، وربما لا يجيدون الحديث عن الانسان نفسه، عن حقوقه وعن حقيقته وعما يحتاج وعما يريد.

 ولهذا السبب ايضا فإن اللغة السائدة بين المؤمنين مُشبعة بالالفاظ التي تشير الى الوجوب والمنع والالزام بشتى اشكاله، لكنها تفتقر الى الالفاظ التي تشير الى الاغراض الدنيوية للدين الحنيف. لا نسمع الدعاة يتحدثون عن حقوق الانسان، وعن ظلم الانسان الفرد، ولا يدعون الناس الى البحث العلمي في الانفس والآفاق والطبيعة، او الهجرة في طلب العلوم المختلفة، ولا يدعون الناس الى تطوير اساليب عيشهم وعملهم، كما لا يسعون الى تطوير نظريات مناسبة في الاستفادة مما يموج في مجتمعات العالم الاخرى من علوم وتقنيات وكشوف واختراعات وتيارات في الفن والفلسفة والادب وغيرها.

 بعبارة اخرى فإن المجتمع الديني قد نسي الدنيا او اغفلها، وانشغل بالكلام في الدين، حتى تضخمت صوره ومعانيه وتطبيقاته وتحول بعضها الى قيد على حركة الانسان بدل ان يكون وسيلة لتحرير الانسان من قيوده الفكرية واغلاله المادية.
تحدث الكاتب عن ضرورة العودة الى مقاصد الشريعة واغنائها بالبحث وايصالها الى المؤمن الفرد باعتباره هو المعني بالدين وهو المخاطب بالنص الديني.

 وهو يؤكد على ان الافراد، ايا كان مستوى معرفتهم الدينية يشتركون في صياغة العرف الديني والفهم الديني، ولهذا فمن الواجب ان يستوعبوا مقاصد التشريع واغراضه الكلية حتى يكون اسهامهم تعزيزا للروح الدينية السامية بدل ان يتحول الى استغراق في الخلط بين التقاليد الاجتماعية والتعاليم الدينية، مآله الزام الفقيه بتكييف آرائه مع ضرورات التقليد الاجتماعي مهما كان متخلفا او غريبا عن روح الدين ومقاصده.

الأربعاء، 19 سبتمبر 2007

إشارات على انهيار النفوذ الاجتماعي للقاعدة


   اعلان الشيخ سلمان العودة البراءة من منهج «القاعدة» وأعمالها هو الخبر الذهبي الذي ينتظره كل مشفق على أهل الاسلام في هذا الزمان. نعلم طبعا ان العودة ومعظم العلماء الآخرين في المملكة وفي البلاد الاسلامية الاخرى يرفضون ذلك المنهج الفظ الذي جعل الرمز الديني مرادفا للقسوة واستمراء القتل والاستهانة بالدم الحرام.
لكن الناس كانوا بانتظار مبادرات محددة من جانب الدعاة وعلماء الدين تعلن قطيعة كاملة مع منهج العنف الذي تسير عليه «القاعدة» وأمثالها ومع شخوص «القاعدة» ورموزها. في السنوات الماضية سمعنا كلاما كثيرا يمكن اعتباره انكارا لهذا المنهج ورفضا لأصحابه. لكنه لم يصل الى التصريح والمباشرة المطلوبة. ولهذا فإننا نقدر مبادرة الشيخ العودة أعظم التقدير.
من المفهوم ان تردد الدعاة في اعلان القطيعة العلنية راجع الى القلق من رد فعل سلبي من جانب انصار القاعدة والمتأثرين بدعاواها. ونفهم ايضا ان مؤيدي «القاعدة» يعرفونها لعامة الناس كرأس حربة في الصراع بين المسلمين واعدائهم.

وخلال السنوات القليلة الماضية نجح هذا التنظيم في ترسيخ معايير جديدة في تقييم الاشخاص والمواقف، تتلخص جميعها في اعتبار القتال ضد الغرب ورموزه ومؤيديه التعبير الوحيد عن التدين الخالص، كما تعتبر كل مهادنة او مساومة او تراخ في هذا الموقف انحرافا عن الدين وركوناً الى زخرف الدنيا وتفريطا في الايمان.

اقتنعت بهذه المعايير الجديدة شريحة معتبرة  هل يعود الرمز الديني نقطة انطلاق وإعلان محبة ورسالة تسامح من شباب المسلمين. بعض هؤلاء طور تلك القناعة الى قرار بالموت، فتحولوا الى جنود في جيوش لا يعرفون من يقودها، ولا يعرفون من يستخدمها، ولا يُدركون الاستراتيجيات الكبرى التي تحدد مساراتها ونهاياتها. ورأينا وراء هؤلاء شريحة اوسع اختارت التخلف عن القتال لكنها شكلت ما يُمكن وصفه بصفوف الامداد والدعم لاولئك، وهو ما وصفته الصحافة احيانا بالحاضن الاجتماعي لتيار العنف السياسي.

لم تأت القاعدة بعلم جديد ولا بمذهب مختلف، بل ركزت اهتمامها على اعادة تفسير النصوص الدينية وآراء الفقهاء التي يعرفها الناس ويتداولونها. وهو منهج معروف بين الجماعات الانشقاقية، التي - في غالب الاحيان - تبرر وجودها ومواقفها بالرجوع الى ذات الارضية الثقافية او القيمية التي يقبلها عامة الناس ويرجعون اليها.

وفي هذه النقطة على وجه التحديد تكمن مشكلة الجدل الفكري مع انصار تنظيمات العنف، فهؤلاء يُجادلون بنفس الآيات والروايات وآراء الفقهاء التي يعتمد عليها معارضوهم من الدعاة والعلماء.

من ناحية اخرى فان اعتماد تنظيمات العنف على هذا النوع من الخطاب جعلها بالضرورة شريكا منافسا في ذات القاعدة الاجتماعية التي يتجه اليها الخطاب الآخر. ورأينا خلال السنوات الماضية شبابا لم يعرفوا من العلم الا القليل يُجادلون علماء، بل ويسخرون منهم ويُوجهون اليهم تهم الخيانة والاقبال على الدنيا والانحراف وامثالها، بناء على ذلك التفسير الخاص للنصوص والآراء.

ليس من المستغرب اذن ان نجد علماء اجلاء ينكرون على «القاعدة» واصحابها، ويُسفهون منهجهم ويستقبحون عواقب اعمالهم، لكنهم يفعلون كل ذلك في مجالسهم الخاصة وبين حواريهم والمخلصين لهم، بينما يتخذون - في العلن - موقفا اقرب الى المداورة والانخراط في العموميات، بدل الصراحة والمباشرة في تحديد المواقف واضدادها. بطبيعة الحال فان هذه المعالجة المزدوجة هي واحدة من تجليات «قهر العامة» الذي يعرفه كل المتصدين للعمل العام ولا سيما التوجيه الديني. اولئك الذين تجنبوا التعامل البراغماتي مع المشكلة دفعوا ثمنا غاليا من مكانتهم الاجتماعية وشعبيتهم.

موقف الشيخ العودة الجديد هو دليل آخر على تراجع شعبية «القاعدة» ونفوذها، وتراجع مصداقية تيار العنف بشكل عام. واظن ان ما جرى في العراق خلال الاشهر القليلة الماضية قد ساهم بشكل كبير في تقويض مصداقية ذلك التيار ومن ثم نفوذه الاجتماعي.

من هنا فقد يكون الوقت مناسبا لعلماء آخرين كي يُبادروا الى اعلان مماثل ببراءة المجتمع المسلم ومؤسسته الدينية ودعاته من تيارات العنف بمنهجها ومبرراتها ورموزها واشخاصها ومواقفها واعمالها. منذ سنوات والمجتمع المسلم يتطلع الى عودة الرمز الديني الى سابق عهده: نقطة التقاء واعلان محبة ورسالة تسامح الى اهله وغير اهله.
وقد آن الاوان كي يبادر اهل العلم الى موقف واضح ينفي عن الدين الحنيف ما لحق به من ظلم على ايدي بعض اهله، حين حولوه الى رمز للقسوة والاحتراب.