الثلاثاء، 31 يناير، 2006

الوجه الاخر لعاشوراء


صحيح ان احياء مناسبة عاشوراء يتمحور حول التذكير بما جرى في الماضي السحيق ، لكنها ليست مجرد حديث يتلى على المستعمين كما يحصل في الخطب الاعتيادية ، بل هي اقرب الى نوع من الاستذكار الجماعي لتجربة تمتزج في اطارها الفكرة بظرفها العاطفي وتبريرها الديني وصورتها الشعرية . انها ممارسة تفاعلية يتحول خلالها المستمعون جميعا مع خطيبهم الى جزء من القضية التي يروونها ، اي تجربة روحية مشتركة تتوحد خلالها مشاعر الافراد للتاكيد على الهوية او اعادة ترسيم مقومات وعناصر هذه الهوية .

ترى هل نستطيع استثمار التاثير الثقافي والروحي الهائل الذي ينطوي عليه هذا الموسم لصياغة حياتنا على النحو الاحسن ؟

نفهم بالبديهة ان الغرض الاسمى للدين هو الارتقاء بحياة الناس في مدارج السعة والقوة والتقدم المادي . لكن في المقابل فان جانبا مهما من ثقافتنا الدينية ، وبينها بالطبع الثقافة التي نتلقاها في موسم عاشوراء ، لا ترتبط من قريب ولا بعيد بالحياة التي نعيشها ، بل ان بعضها يؤدي فعليا الى تغريب الانسان عن عصره وفصله عن محيطه الحيوي الكوني . ولعل سبب هذه الحالة يكمن في فشلنا كمثقفين في التوصل الى معادلة سليمة في العلاقة بين الدنيا والاخرة . تؤكد الثقافة الاسلامية على الاخرة باعتبارها الحياة الحقيقية التي تستحق التضحية والعناء . وتؤكد في جانب آخر على الحياة الدنيوية كمجال لاختبار اهلية الانسان للفوز باعلى المراتب في الاخرة . و لهذه الغاية فهي تدعو المسلمين الى اكتساب اسباب القوة المادية والعلمية التي تؤهلهم لقيادة العالم .

نجح مسلمو العصور السابقة في التوصل الى علاقة مناسبة بين دنياهم وآخرتهم ، ولعل هذا من بين اسباب نهوضهم الحضاري . لكن من البين ان مسلمي هذا العصر ما زالوا يقفون على ابواب الحيرة ، ولهذا فان مساهمتهم في الحضارة القائمة يعد صفرا او قريبا من الصفر . نحن لا نساهم في حضارة الاخرين لاننا منفصلون عنها روحيا وثقافيا ، ولا نسعى لتخليق نموذجنا الحضاري الخاص لاننا لا نعرف من اين نبدأ . ولهذا فاننا نعيش على حاشية الحضارة ، لا راضين عنها كي نشارك فيها ولا في غنى بما عندنا كي ننفصل عنها.

نفهم بطبيعة الحال ان الاسلام لايتحمل وزر ما وصلنا اليه . في كل الاحوال فان الدين الحنيف ينطوي على خيارات متعددة : كقوة تعبئة ونهوض كما حصل في ماضي الزمان ، او كوسيلة تبرير لواقع الحال كما يحصل في هذا الزمان . وفي ظني ان جوهر مشكلة المسلمين اليوم تكمن في ضياع الاولويات او ضياع البصيرة كما في التعبير التراثي . ولعل ابرز الامثلة على ذلك هو فشلنا في الاتفاق على تحديد المسار الرئيسي لحياتنا : هل هو مسار توافق وانسجام مع التجربة الانسانية الكونية او هو مسار انفصال عنها . لكل من الخيارين تبعات وعواقب لا بد من وعيها واحتمالها .

 اذا قررنا التواصل والانسجام فسوف يتوجب علينا التضحية ببعض ما نعتبره من المسلمات والبديهيات من ثقافتنا او تقاليدنا او متبنياتنا وحتى بعض مفاهيمنا الدينية . واذا قررنا الانفصال فان علينا ان نقيم بديلا يستطيع منافسة الحضارة القائمة ماديا ومعنويا ، والا فانه سيكون مجرد اعتزال للعالم ، قد يؤدي في نهاية المطاف الى القضاء علينا تماما مثل ما حصل للهنود الحمر . هناك بطبيعة الحال الخيار الراهن ، اي المساوقة بين الانسجام والتخارج ، وهو ليس خيارا بالمعنى الدقيق فنحن نتبعه بسبب العجز عن الاختيار. وهو على اي حال ليس المثال الافضل لامة تحترم نفسها وقدراتها.

بديهي ان الانسجام والتوافق مع التجربة الانسانية الكونية هو اكثر الطرق عقلانية وفائدة ، لكنه لا يعني النقل الحرفي وتقليد ما عند الاخرين من دون تمحيص . نحتاج في حقيقة الامر الى تطوير علاقة نقدية ثنائية الاتجاه ، تشمل نقد عناصر ثقافتنا على ضوء نظائرها في العالم ، ونقد ما لدى العالم على ضوء ثقافتنا ، ومحاولة اختيار الافضل والاكمل من دون تحجر او انحياز لما عندنا او ما عندهم . اذا اردنا ان نبدأ فعلينا ان نبدأ بالقيم المؤسسة للحياة ولا سيما قيمة الحرية وقيمة العلم . قيمة الحرية تعنى ان جميع الناس احرار في اعتقاداتهم ومتبنياتهم وسلوكياتهم ، وانه لا يجوز لاحد ان يفرض على غيره اعتقادا او سلوكا من دون رغبته . وقيمة العلم تعني ان نتاج العقل البشري هو الارضية الصالحة التي تقوم عليها الافعال ، وانه يجب تحرير العقل والعلم من قيود التقاليد والافهام الجاهزة ، وبشكل عام ، تحريره من سلطة المجتمع .

عاشوراء يمكن ان يكون مناسبة للامعان في تغريب الانسان عن عصره ، ويمكن ان يمثل فرصة عظيمة لاعادة ربط الانسان بعصره ودفعه الى الارتقاء في مدارج الحياة الدنيا . وفي هذه النقطة تحديدا تتحقق فكرة خلود الدين ، وتمكينه من اغناء الحياة وريادتها . بينما لا يكون الدين في الحالة الاولى سوى تراث قديم تتناقله الاجيال كما يرث الابن كتب ابيه . بديهي ان الامنية الغالية لكل خطيب ومتحدث في هذه المناسبة ، هي تقديم الدين كمحرك حي متفاعل مع الحياة المعاصرة ودافع لاتباعه الى النهوض والغلبة . واذا كانت المسألة على هذا النحو ، فاني ارجو ان يسعى الخطباء خاصة الى تبصير مستمعيهم بالحاجة الى التواصل مع الحضارة الكونية القائمة ، باعتبارها الاولوية المطلقة للنهضة . كما اتمنى ان يؤكدوا على الحاجة الى صياغة فلسفة لحياتنا الجديدة تقوم على قيمتي الحرية والعلم . نحن نحتاج الى الحرية كي نعيش ، ونحتاجها كي نفكر ، كما نحتاج العلم كي نكتشف ما لا يزال خبيئا من طاقاتنا ومجهولا في حياتنا وعالمنا.

الايام 31 يناير 2006

الاثنين، 30 يناير، 2006

دور الخميني في تعديل نظرية السلطة عند الشيعة


يناقش هذا الفصل مساهمة اية الله الخميني في تطوير نظرية السلطة في الفقه الشيعي المعاصر ، وعلاقة التعديلات التي تبناها بالحقبة التاريخية التي عاشها والاسئلة المثارة خلالها . كما يعرض التحديات النظرية التي واجهها الخميني والطريقة التي عالج بها مشكلة العلاقة بين الدين والدولة.
ارتبط اسم الخميني بنظرية ولاية الفقيه التي اختارها عمادا لمشروعه السياسي ، ومصدرا لشرعية الدولة التي جاهد لتاسيسها . وتمثل صيغة النظرية التي تطورت على يد الخميني تحولا حادا في الخطاب السياسي الشيعي ما كان ليتم لولا التعديل الذي اجراه على الاطار الكلامي والفقهي الذي تقوم فيه النظرية .
ضمن الخميني نظريته في كتاب الحكومة الاسلامية الذي طبع في 1970 واعاد تحرير الجانب الفقهي منه في كتاب البيع الذي طبع في العام التالي. والكتاب الاول هو الوحيد الذي عالج فيه الخميني فكرة الحكومة الشرعية بصورة مفصلة ومتخصصة . ومع انه جاء ضمن حلقات بحث فقهي ، الا ان القضايا التي طرحها تجاوزت هذا الاطار ولامست اسئلة عديدة كلامية ، ثقافية وسياسية. اضافة الى هذين الكتابين فان ابرز مصدر لاراء الخميني السياسية هو مجموعة "صحيفه نور" الذي ضم الجزء الاعظم من خطاباته ورسائله وبياناته[1].
خضع فكر الخميني وممارسته السياسية لمناقشات موسعة من جانب عدد من الباحثين الذين ركز كل منهم على زاوية محددة. وعلى سبيل المثال فقد اتخذ حميد عنايت منهجا مقارنا وناقش نقاط التوافق والافتراق بين الخميني وعدد من المفكرين الاسلاميين المعاصرين[2] . اما اروند ابراهيميان فقد حاول تحديد الهوية الاجتماعية للخميني . ومع كونه ناقدا للخميني ، فقد تحدى التصويرات السائدة في الادبيات الغربية التي تقدمه كمتعصب تقليدي او اصولي . وخلص في تحليله الى ان الخميني يمثل تطلعات البرجوازية الايرانية الصغيرة . وفي هذا الاطار فهو يقارنه بالزعماء الشعبيين الذين قادوا حركات التحرر في امريكا اللاتينية خلال السبعينات[3]. اما محسن كديور فقد عالج فكرة الولاية المطلقة للفقيه التي تبناها الخميني ودعوى اعتماد سلطة الفقيه على مصدر غيبي . وانتقد الفكرتين بصورة مفصلة بالرجوع الى الفقه الشيعي والفكر السياسي الحديث[4].
ما يميز معالجة الخميني للمسألة الفقهية المعروفة بولاية الفقيه ليس مناقشته للادلة التي سبق ان جادل معها وضدها الكثير من الفقهاء ولا سيما الشيخ الانصاري ، بل المقاربة الجديدة التي اعتمدت تماما على الربط بين الاستدلال العقلي المحض والواقع الاجتماعي والسياسي للمسلمين في بلد محدد هو ايران . هذه المقاربة اخرجت النظرية من اطارها المنهجي القديم كموضوع للجدل النظري المجرد في الحوزة العلمية ، وطرحتها على الساحة السياسية كحل بديل  لمشكلة الاجماع السياسي الذي كان غيابه سببا في العلاقة المتازمة بين المجتمع والدولة الايرانية خلال معظم القرون الخمسة الماضية ، ولا سيما منذ انتهاء الثورة الدستورية وقيام النظام البهلوي في 1920. جوهر معالجة الخميني لمشكلة السلطة وشرعية العمل السياسي يتمثل في الربط العضوي بين مفهومي القيادة الدينية واستمرارية الشريعة من جهة والمفهوم العقلاني-الوضعي للسلطة السياسية من الجهة الاخرى.
يتضمن هذا الفصل ايضا مناقشة لجانب هام من الدور التاريخي للخميني ، وهو جانب نادرا ما خضع للتحليل ، اعني ما ادى اليه عمله الفكري والسياسي من تغيير لدور الدين من عامل لعزل الجمهور عن الدولة الى عامل لادماجه في الحياة العامة . والفرضية الاساسية هنا هي ان انعدام الاجماع الوطني حول النظام السياسي هو ثمرة لانفصام في الثقافة السياسية للمجتمع الايراني . ويرجع هذا من ناحية الى اهمال – او استبعاد – الدور السياسي للدين من جانب الدولة الايرانية خلال القرن العشرين خاصة ، كما يرجع الى العقبات الكلامية الكثيرة المتاصلة في التصور الديني الشيعي. ومن هذه الزاوية فان مصالحة الدين والدولة هي خطوة حاسمة لضمان متانة النظام السياسي وكفاءته العملية .
سوف ابدأ بايضاح العلاقة بين الاجماع الوطني والاستقرار ودور الدين في هذا السياق . ثم اعرض لانعكاس الخلل المتمثل في غياب الاجماع على التحديث والتنمية السياسية . وياتي بعد ذلك عرض للخلفية الاجتماعية-الثقافية التي ساهمت في صياغة مشروع الخميني السياسي . ثم العقد الفقهية والكلامية التي كان على الخميني معالجتها لتنسيج مشروعه السياسي في البنية الدينية التقليدية . كما يقدم الفصل مقاربة جديدة حول طبيعة الدور الذي يلعبه الفقيه في توفير الشرعية الدينية للدولة ، تتضمن تفسيرا لفكرة الولاية المطلقة واولوية النظام السياسي على الاحكام الشرعية.
الاجماع والاستقرار
حينما تذكر السلطة فان اول ما ينعكس في الذهن هو صورة الدولة ، الا ان السلطة في واقع الامر اوسع من هذه الصورة . السلطة – ولا سيما في اطارها السياسي - تعني تحديدا القدرة على التاثير الجمعي . الدولة التي تامر فتطاع هي سلطة ، والفقيه او الزعيم السياسي او القبلي الذي يامر فيطاع يمثل سلطة هو الاخر . اما حدود وحجم هذه السلطة فيتاثر سعة او ضيقا بحدود النطاق الاجتماعي الذي يؤثر فيه من جهة وفاعلية هذا النطاق في تحويل موقفه الى فعل سياسي.
خلال القرن العشرين كانت السلطة – بمعنى القدرة على التاثير وصناعة الحدث- في المجتمع الايراني مقسمة بين الزعامة الدينية من جهة والدولة من جهة اخرى . وكان هذا الانقسام عقبة كبرى حالت دون التوصل الى اجماع بين المجتمع والدولة على الارضية المفهومية التي يقوم عليها النظام السياسي . وقد ادى انعدام الاجماع الوطني الى ارباك النظام العام وتعطيل التنمية السياسية في الوقت نفسه . في ظل الانقسام فان كلا من المجتمع والدولة ينطلق في مواقفه وعمله من مبررات متفاوتة واحيانا متعارضة . النظام السياسي الذي يفتقر الى الاجماع  لا يمكن الا ان يكون فوضويا ، منعدم السمات وعديم الاستقرار ، لهذا فان ما يميز الانظمة السياسية المتقدمة – حسب راي ليونارد بيندر – هو قيامها على اجماع ثقافي تاريخي يضمن الاستقرار والتواصل [5]..
الاجماع السياسي هو التعبير العملي عن المنظومة القيمية التي تحدد طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع ، وتؤسس بالتالي لشرعية العمل السياسي . ومن هذه الزاوية فانه يمثل القاعدة الاساسية لتكوين الارادة العامة ، وازالة التازم من العلاقة بين المجتمع والدولة ، وبالتالي ضمان المشاركة الفاعلة للشعب في الحياة السياسية . ولا تستطيع الدولة العمل بصورة لينة ومتماسكة في غياب اتفاق عام على قاعدة قيمية محددة توفر المشروعية لعملها. عالم الدولة بطبعه عالم ازمة فاحتمالات الاختلاف في الحياة السياسية اقرب من احتمالات التوافق ، والسبب في ذلك هو التفاوت الهائل بين تطلعات الجمهور والامكانات المتاحة للدولة لتلبية تلك التطلعات بصورة مرضية[6].  والحقيقة ان اي دولة لا تستطيع ارضاء الجمهور بصورة كاملة ولا تحقيق انسجام كلي بين مراداتها ومرادات المجتمع في معظم الاحيان. لهذا فان ما يعول عليه في السياسة ليس الرضى التام من جانب جميع افراد الشعب بل تفهم كل من الطرفين لمرادات الاخر من جهة وحدود ما تسمح به امكاناته من جهة اخرى . هذا التفاهم يترجم عمليا في اليات خاصة لتقييم التوقعات الشعبية وربطها بالامكانات المادية المتاحة وبالتالي وضعها على قائمة اولويات التنفيذ[7]. هذا التوافق هو الجزء العملي مما نسميه بالاجماع الوطني . يشير مفهوم الاجماع اذن - حسب سوروتاني - الى الالتزام الطوعي من جانب الحكومة والشعب بمنظومة من الاجراءات العملانية لاتخاذ القرار تعتبر من جانب الجميع ضرورية لضمان النظام الاجتماعي ، المصالح العامة ، حل التعارضات بين المصالح ، اضافة الى طريقة الوصول الى الاهداف الاجتماعية[8]. وبهذا المعنى فان الاجماع يوفر للنظام السياسي الشرعية الضروية لعمل سياسي لين ومتطور . ويشبه غابرييل الموند الدور الوظيفي للشرعية بالروح التي تسري في كل مفصل من مفاصل العلاقة التفاعلية بين المجتمع والدولة ، فتضمن كفاءة النظام السياسي في العمل ومتانته في مواجهة التحديات [9].  الاجماع ضروري ايضا لانجاح التنمية والتحديث . لاحظ دارسو التنمية في العالم الثالث ، ان برامج التحديث في الاقطار النامية قد ادت دائما الى تشديد الازمات او بعث ازمات جديدة . ويرجع هذا في الغالب الى التغيير الدائم في البنى الاجتماعية وما فيها من منظومات علاقات وتراتب وانماط سلوك راسخة[10]. وبالنسبة للشرق الاوسط على وجه الخصوص ، فقد ادى العجز عن حل ذلك النوع من الازمات الى تعقيد عملية التحديث وهدد في بعض الاحيان سلامة النظام السياسي والاستقرار بمجمله .
تنطوي العملية التحديثية على فعل مزدوج : هدم للقيم وانماط السلوك القديمة واعادة بناء لاخرى حديثة . ويبدو ان الفرضيات الكلاسيكية في التنمية قد اهملت حقيقة ان الانتقال من المرحلة الاولى الى الثانية، اي من الهدم الى البناء ، ليس انتقالا ميكانيكيا ولا فوريا . ان استبدال منظومات القيم ليس نقلا فيزيائيا – ماديا – لاجسام محددة الابعاد ، بل هو عملية احلال لكائنات غير مادية بشكل نسبي ومتدرج . ومن هنا فان نجاح التحديث يعتمد في المقام الاول على قدرة القيم الجديدة على النفوذ في النسيج الثقافي القائم وازاحة نظائرها القديمة. وعليه فاننا نتحدث في حقيقة الامر عن درجة  نفوذ القيم الجديدة وليس عن احلال ميكانيكي. بعد ان يتلقى المجتمع صدمة الحداثة الاولى ، فمن المفترض ان تنفذ  منظومات القيم والمعايير السلوكية الجديدة الى اعماق النسيج الاجتماعي، لكن في حالة فشلها في النفوذ، فان تأثيرها قد يقتصر على اصلاحات تجميلية في السطح الخارجي للمجتمع ، كما حدث في معظم تجارب التنمية في الشرق الاوسط ، بما فيها ايران .
من هذه الزاوية فان الفرضية السائدة في ادبيات التنمية الكلاسيكية التي تفترض ان انكسار المنظومات التقليدية سيؤدي - ميكانيكيا – الى هيمنة المنظومات الحديثة ، تنطوي على عيب جوهري يتمثل في اغفالها لحقبة زمنية وموضوعية هامة تتوسط بين المرحلتين ، وهي مرحلة الاستقطاب الثنائي الذي يلي صدمة الحداثة. 
بعد تلقي المجتمع لصدمة الحداثة ، ينقسم الى فريقين ، فريق مؤيد للحداثة ومكاسبها ، واخر مدافع عن التقاليد وفضائلها . ان حجم واستدامة هذا الاستقطاب يرتبط بفاعلية حراك الاحلال المذكور اعلاه . في هذه الحقبة التي قد تطول او تقصر ، فان النظام الاجتماعي القديم المتمثل في الاعراف ، التقاليد ، الادوار والمؤسسات والبنيات القيمية والوظيفية ، يتوقف عن دوره كمصدر لشرعية النظام السياسي وناظم مقبول للحراك الاجتماعي ، مما يضع النظام السياسي امام مشكلة عويصة تتمثل في افتقاره الى مصدر شرعيته المتعارف. وتتفاوت المجتمعات في القدرة على اعادة توليد الشرعية ضمن مدى زمني ملائم ، سواء بالاعتماد على الطبقات الحديثة ، او باعادة ادماج الطبقات القديمة . لكن على اي حال فان مرحلة الاستقطاب الانتقالية تلك ، هي مرحلة عسيرة يسودها الالتباس وتكثر فيها التحولات الحياتية والقيمية التي تجعل النظام السياسي والاجتماعي برمته على المحك[11].
وتشير تجارب التنمية في الشرق الاوسط الى ان ذلك الاستقطاب قد استمر وادى الى تشققات جديدة في المجتمع ، بل وعطل انجاز جوانب مهمة من الحراك التنموي ، وادى في بعض الحالات الى تدمير النظام ككل[12]. ولهذا فان احداثا مثل الثورة الاسلامية في ايران دفعت بالعديد من الباحثين الى التشكيك في مصداقية الفرضية التي تقول بتحول ميكانيكي من التقاليد الى الحداثة او انكماش دور الدين الى حدود الحياة الشخصية ضمن الانحسار العام للمنظومات الاجتماعية التقليدية[13].  وفي رايي ان درجة نفوذ القيم الجديدة تعتمد تماما على مرونة الانساق التقليدية او تمنعها في التعاطي مع الانساق الجديدة . بكلمة اخرى فان نجاح التحديث مشروط باستعداد الجمهور للتكيف مع القيم والانماط الجديدة . وعليه فان هذا التكيف يتاثر بعاملين : اولهما هو مدى تفهم الجمهور للانماط الجديدة باعتبارها بديلا  افضل عن تلك التي يدعون الى التخلي عنها . اما الثاني فيتعلق بقابلية البديل المقترح للتناغم مع المكونات الثقافية لهوية المجتمع. وبينما يرتبط العامل الاول بمدى اقتناع الجمهور بالدولة كوسيط مقبول للتغيير ، فان العامل الثاني يرتبط بمدى اقتراب او ابتعاد البديل المقترح عن المفاهيم القاعدية التي تشكل خلفية لنظرة المجتمع لنفسه والعالم. ان غربة مكونات الحراك التحديثي عن الثقافة المحلية في الشرق الاوسط ، وعجز دعاة التحديث عن استنباط نموذج قابل للتفاعل مع المكونات الثقافية للمجتمع المحلي هو السبب الذي ادى الى تعثر التحديث في هذه المنطقة[14] .
الدين ، الدولة ، والتحديث
منذ قيام النظام البهلوي في 1920 تعاملت النخبة الحاكمة مع الدور الاجتماعي لرجال الدين باعتباره تحديا لمركزية الدولة ، وهو ما يعيد الى الذهن الفرضية التي اقترحها ماكس فيبر عن حتمية التنازع على السلطة بين الكنيسة والدولة. وثمة اتفاق بين دارسي العلوم السياسية على ان للدين دور مزدوج ، فهو – من جهة – اداة لتبرير وتشريع الواقع القائم ، وهو – من الجهة الاخرى – اداة لنقض شرعية هذا الواقع وتبرير الخروج عليه والتحرر من الزاماته[15].
كان رضا خان مؤسس العائلة البهلوية شديد الاعجاب بنموذج السلطة الذي بشر به كمال اتاتورك ، مؤسس الجمهورية التركية الحديثة ، الذي ربط التحديث بمركزة السلطة وتعزيز هيمنة البيروقراطية الحكومية ، واستبعاد الدين من المجال العام[16] .  وخلال الستينات والسبعينات من القرن العشرين نفذت الحكومة الايرانية مشروعا ضخما جدا للتنمية تركز على تحديث الصناعة المحلية ، التعليم ، نظام الاتصالات ، القوات المسلحة ، اضافة الى اصلاحات زراعية . استهدفت هذه الاصلاحات جميعا اعادة تشكيل الاجتماع السياسي الايراني على المثال الحديث . وافترضت النخبة الحاكمة ان هذه الاصلاحات ستعيد صياغة الحراك الاجتماعي على نحو يؤدي في نهاية المطاف الى تحجيم القوة السياسية للقوى التقليدية ولا سيما رجال الدين ، بما يجعل الدولة العلمانية الفاعل المهيمن في سياسات البلاد [17]. قام هذا البرنامج على مفهوم خاص للنظام العام والاستقرار يربطه بأحادية السلطة وتمركزها في يد الدولة. وتشير الارقام المتوفرة الى تحقيق البرنامج لنجاحات طيبة في الجانب الاقتصادي ، ادت مباشرة الى تحسن ملحوط لمستوى المعيشة . لكنه – في المقابل – فشل في تحقيق هدفه الاسمى اي ضمان استقرار النظام على المدى البعيد . ان الثبات الامنى النسبي الذي ساد في السبعينات يرجع بنسبة كبيرة الى السياسات الامنية المتشددة التي طبقتها الاجهزة الامنية ولا سيما جهاز المباحث المعروف بالسافاك . هذا الثبات الاصطناعي لم يعالج بطبيعة الحال الشعور المزمن بالقلق بين اعضاء النخبة الحاكمة [18].
على العكس مما كان متوقعا ، فان نموذج التحديث الذي اتبع خلال العهد البهلوي قد عمق الانشقاق الاجتماعي، كما لاحظ حسين بشيريه عالم الاجتماع الايراني ، رغم ما ادى اليه من تحسين لمستويات المعيشة [19]. ويتماثل هذا الاستنتاج مع القلق الذي عبر عنه باحثون اخرون ازاء الانعكاسات التدميرية لبرامج التحديث التي تحتذي النموذج الغربي على مجتمعات العالم الثالث . وحسب ليونارد بيندر فان ابرز تلك الانعكاسات يتجلى في انكماش وسائط التفاهم بين الشرائح الاجتماعية المختلفة ، وفي التباين القيمي والسلوكي ، واتساع الفاصل الطبقي ، وفي تباين انماط ومصادر العيش اضافة الى تفارق تقنيات العمل السياسي بين الطبقات الحديثة والتقليدية[20].
اتساع الانشقاق في المجتمع الايراني خلال العهد البهلوي  يشير الى واحد من احتمالين :
** اما ان مسار تعزيز الدولة والتحديث قد فشل في الانتقال من المرحلة الاولى ، اي تفكيك البنيات التقليدية الى المرحلة النهائية ، اي اعادة البناء على المثال الحديث .
** او ان فرضية التكيف الاجتماعي مع الحداثة  غير صالحة للتطبيق في المثال الايراني .
 وفي اعتقادي ان كلا الاحتمالين وارد بنسبة معينة . لكني اظن ان المسؤولية الكبرى تقع على عاتق الفهم الخاطيء لدور الدين وارتباطه بالاجماع الوطني. ان سعي الدولة لاحتواء التاثير السياسي للدين قد تحول – عن وعي او غفلة – الى عداء مكتوم للدين ذاته ، وسعي حثيث للتحكم في النشاط الديني. وكان رد فعل العلماء الذين يرون انفسهم ممثلين لثقافة المجتمع هو العودة الى اسلحتهم القديمة ، اي تسييس الرموز الدينية وتعبئة الشعب ضد الدولة . على اي حال فان المسالة التي تستحق التامل هنا ليس كون رد فعل العلماء هذا مدفوعا بدوافع سياسية في المقام الاول ، بل قابلية الدين للاستعمال على هذا النحو .
للاجابة على هذا السؤال ، فان من المفيد الاخذ بعين الاعتبار نقطتين تتعلقان بالمنظور الديني للشرعية السياسية وما يتركه من اثر على نظرة الجمهور للدولة.
النقطة الاولى : منذ القرن السادس عشر اصبح التشيع المكون الرئيس للهوية الوطنية في ايران ، ومن هنا فان اي اتفاق وطني على النظام العام لا بد ان ياخذ بعين الاعتبار دورا مناسبا للدين وممثليه.
النقطة الثانية : رغم هذه المكانة السامية للدين ، الا ان نظرية السلطة الشيعية التي ترسخت خلال مسار تاريخي طويل لم تقدم معالجة متكاملة ونهائية لمشكلة العلاقة بين الدين والدولة غير الدينية.
 الفهم الخاطيء لطبيعة الدولة من جهة ، وانعدام الاطار القيمي – الفقهي الضروري لتكييف المشاركة السياسية من جهة اخرى ، اثمرا عن ميل للانعزال عن الحياة السياسية بين غالبية الجمهور الشيعي . وانعكس هذا على سلوك النخب الحاكمة ، فقد تولد عن الافتقار الى الدعم الشعبي احساس دائم بالقلق بين النخبة ، واستدعى اعتمادا متزايدا على القوة العارية كوسيلة لضمان الامن والاستقرار . باختصار ، فان دور الدين خلال معظم القرن العشرين كان معيقا لحراك التحديث. كما ان ثنائية السلطة قد وفرت الفرصة لاضعاف او هز النظام السياسي[21].
لهذا السبب فان مصالحة الدين والدولة لا يعد ضرورة حاسمة للاستقرار السياسي وحسب ، بل وايضا لتشكيل نظام سياسي يحظى بالاجماع ويوفر الفرصة للجمهوركي يحتضن الدولة ويتفاعل معها ويعينها على بلوغ اغراضها . وفي هذه النقطة بالتحديد تكمن اهمية الدور الذي قام به الخميني. فقد كان الرجل الذي ساعد على تغيير نظرية السلطة التقليدية عند الشيعة كي تلتحم بالدولة ، الامر الذي ادى فعليا الى اعادة استيعاب الجمهور الايراني كشريك في الحياة السياسية.

انعكاسات التغيير الاجتماعي

تكشف البنية العامة لخطاب الخميني السياسي عن  تركيب متقن لمجموعة عناصر ينتمي بعضها الى الاطار الثقافي التقليدي وبعضها الاخر الى الاطار الثقافي الحديث. فالى جانب المباديء التي تنتمي الى الكلام والفقه التقليدي ، هناك مباديء الدولة الحديثة ، مثل الجمهورية وحق الشعب في تقرير المصير ، والحريات العامة . وقد منحه هذا الخطاب المركب تاثيرا بين شرائح المجتمع التقليدية والحديثة على السواء . رغم ان المحتوى التقليدي من خطاب الخميني يبقى الاكثر اصالة وتعبيرا عن همومه.
بدأ السيد روح الله الخميني مسيرته العلمية في مدينة قم ، في العام 1920 . وهي فترة شهدت انسحاب العلماء من الحياة السياسية اثر فشل الثورة الدستورية وقيام الحكم البهلوي . ويبدو ان علاقات الخميني الاجتماعية قد بقيت حتى العام 1962 مقتصرة على الشرائح التقليدية من المجتمع الديني ، فاستاذه الابرز عبد الكريم الحائري معروف بتوجهاته المحافظة ومحاولاته النأي بنفسه عن المجادلات التي سادت الحوزة العلمية في العراق وايران حول الدستور والمباديء الدستورية[22]. على صعيد مماثل فان ايا من اساتذة الخميني الاخرين الذين اورد اسماءهم الاستاذ القار في دراسته عن سيرة الخميني[23] لا يظهر بين مجموعة رجال الدين الذي عرفوا بنشاطهم في الحركة الدستورية ، وكانت هذه المجموعة تمثل ما يمكن وصفه بالتيار الحديث في الحوزة العلمية في قم خلال العقود الاولى من القرن العشرين.  وعلى نفس المنوال فان اسم الخميني لا يظهر بين النشطاء من رجال الدين الذين دخلوا معترك السياسة خلال حركة تاميم البترول في الخمسينات . وعلى الارجح فان بواكير التواصل بين الخميني والشرائح الممثلة للحداثة ترجع الى الفترة التي عاشها في النجف الاشرف (1965-1978) [24]
رغم ان الخميني عاش الجزء الاكبر من حياته ضمن الاطار الثقافي والاجتماعي التقليدي، الا انه كان بحاجة الى الاخذ بعين الاعتبار التغير الكبير الذي طرأ على الحياة في المجتمع الايراني منذ خروجه الى المنفى . التغير في التوجهات ومسارات الاحداث والتحالفات كان وضحا في جميع اجزاء المجتمع بما فيه تلك الشريحة التي ساندته ماديا ومعنويا.  من المعروف على نطاق واسع ان الخميني لم يحظ باي دعم من جانب الوسط الحوزوي التقليدي ، ولا سيما بين كبار العلماء والمراجع . فقد انحصر التاييد لمشروعه في مجموعتين ، الطلبة الجامعيين ، الحركيين وصغار طلبة العلوم الدينية ، ويميل هؤلاء بصورة عامة الى اليسار الديني. وتتمثل المجموعة الاخرى في المثقفين الاسلاميين المنتظمين غالبا في اطار حركة تحرير ايران (نهضت ازادي ايران) ، وهي تنظيم تفرع عن الجبهة القومية التي قادها محمد مصدق وتصدت لتاميم البترول واعادة الحياة الدستورية في اوائل الخمسينات. القاسم المشترك بين المجموعتين هو ايمانهما بالمباديء الدستورية الحديثة واهتمامهما بالاصلاح الديني.
يجب ان نضيف الى هذا ان مباديء حقوق الانسان قد راجت في المجتمع الايراني خلال السبعينات ولا سيما بعد انتخاب جيمي كارتر رئيسا للولايات المتحدة الامريكية في 1977 ، فمقترحاته حول الاصلاح السياسي في الدول الحليفة وجدت صدى قويا ومشجعا بين الشباب والطبقة المتعلمة الايرانية[25]. ومع الاخذ بعين الاعتبار ثمار برامج التنمية الاقتصادية التي نفذت في البلاد منذ اوائل الستينات ، وانعكاسات ارتفاع اسعار البترول منذ اوائل السبعينات ، فانه ليس من المبالغة القول بان اغلبية الايرانيين ، ولا سيما تلك الطبقة التي يتوقع ان تشارك او تسهم في اي صراع سياسي ، كانت خلال العقد السابق للثورة الاسلامية ابعد ما تكون عن التآلف مع الطبقة التقليدية من علماء الدين ، لجهة الولاء الاجتماعي او لجهة التاثر الفكري.
مع الاخذ بعين الاعتبار هذه الحقائق ، فان الخميني لم يكن ليحظى بالتاثير الهائل الذي حصل عليه لو قصر خطابه على العناصر الدينية التقليدية . ليس هناك ادنى شك في اصالة البواعث والهموم السياسية للخميني ، لكن السؤال يتعلق بتوجهاته الحداثية  فمسيرته الدراسية وبيئته الاجتماعية كانت احرى بان تعزز المنزع التقليدي في شخصيته وتفكيره. ان ابسط تفسير لنزعة الخميني الحداثية هو ذلك الذي يرجعها الى تحالفه مع ممثلي الاتجاه الحداثي في الوسط  الديني. لكن يبدو لي ان هذه النزعة ترجع الى اسباب اعمق ، تتلخص في حاجة مشروعه السياسي الى الخروج من عباءة التفسير التقليدي للتشيع ، التفسير الذي يساوي بين الدعوة للتغيير ومعارضة امام الزمان[26].
مثل كل الاصلاحيين في المجتمعات التقليدية ، فان مشروع الخميني السياسي يقوم على تفسير نهضوي-حركي للدين ، ينطلق من ذات المباديء والمفاهيم المتجذرة في الوعي الديني لكنه يعيد تفسيرها في اتجاه مختلف كي تخدم مشروع النهضة[27].  رفض الخميني للميل الانعزالي السائد في المجتمع الديني ، قاده الى اعادة النظر في جانب كبير من المباديء والتقاليد الراسخة في هذا المجتمع . جدير بالذكر هنا ان البراغماتية ، ومن ثم الانفتاح على الافكار غير التقليدية ، هي سلوك تكررت ملاحظته عند علماء الدين ذوي الميول السياسية ، وقد رايناها عند جعفر كاشف الغطاء والميرزا الشيرازي والاخوند الخراساني والنائيني وغيرهم . وهذا يقود الى الاستنتاج بان تصاعد الاهتمام والنشاط السياسي يترجم عمليا في ميل للتخفف من القيود الثقيلة المترسخة في نموذج السلطة الدينية السائد. وعلى نفس المنوال فانه يمكن القول ان انشغال الخميني بهمه الاكبر ، اي اقامة الدولة الاسلامية الحديثة ، قد وضعه فعليا في مواجهة مباشرة مع العقبات النظرية الناشئة عن الهوة الكبيرة التي تفصل بين الظروف التي ولدت فيها نظرية السلطة التقليدية وتلك التي يعيشها الشيعة في اواخر القرن العشرين.
بالمقارنة مع اقرانه من علماء الشيعة والسنة معا ، فان الخميني يبدو اكثر تماثلا مع التيار الحديث ، رغم انه من العسير اعتباره كذلك اذا ما قورن بمفكري هذا التيار في حد ذاته . كان الخميني بين قلة من المراجع الدينيين الذين اخذوا بمبدأ الجمهورية كاطار مفهومي للدولة الاسلامية المعاصرة[28] . وضمن هذا الاطار فقد دافع عن الارادة الشعبية كاساس للسلطة ، وربط تطبيق الاحكام الشرعية بالمصالح العامة ، والحقوق السياسية بالمواطنة ، اضافة الى قبوله للدور التشريعي للبرلمان . ومعظم هذه المفاهيم كانت مرفوضة لدى الشريحة الاوسع من الزعماء الدينيين لما يزعم من اصولها الغربية وتعارضها مع مباديء الشريعة[29].
وقد شكك بعض الباحثين في اصالة تبني الخميني لمبدأ الجمهورية[30] ، وهو شك ربما يعضده اعراض الخميني عن تنسيج المبدأ ومتعلقاته في المنظومة الفقهية والكلامية من خلال بحث معمق يتناسب والتقاليد العلمية الجارية في مجامع العلوم الدينية . وبسبب هذا التقصير فقد بقيت تلك المفاهيم الجديدة غريبة وسط الفكر السياسي التقليدي الراسخ الجذور.  ويبدو ان الخميني كان على وعي بهذه المشكلة النظرية ، لكنه لم يملك الحل الملائم عدا الاصرار على انسجام مبدأ الجمهورية مع القواعد العامة للشريعة . فهو يرى ان المشكلة ليست ناشئة عن تعارض بين الاثنين ولا قصور في اي منهما ، بل يرجعها ببساطة الى ركون الحوزات العلمية لمنهج عقيم في البحث والاستنباط يحول دون التفاعل الايجابي بين الفكر الديني وما يستجد في حياة المجتمع من افكار وانماط عمل[31]. ولطالما وجه الخميني نقدا قاسيا للروحانيين التقليديين الذين فشلوا – حسب رايه – في ادراك معاني شمولية الاسلام وقابليته للتكيف وتكييف الافكار الجديدة في كل فن[32]. الخميني اذن ينظر الى المسألة باعتبارها مشكلة في منهج البحث الجاري في الحوزة العلمية لا مشكلة في الفكر الديني. خلافا لراي اية الله شبستري ، الفقيه الاصلاحي الذي يرى ان جوهر المشكلة يكمن في عجز الفقه التقليدي بمجمله عن استيعاب الافكار الجديدة والتعامل معها على نحو مناسب. ويعتقد شبستري انه لا توجد اي فرصة على الاطلاق لتنسيج مبدأ الجمهورية والمفاهيم المرتبطة به في الفقه السائد ، لانها ببساطة تنتمي الى مجال علمي اخر هو الفلسفة السياسية وليس الفقه ، لكنه يؤيد راي الخميني في قابليتها للتنسيج ضمن المباديء العامة للاسلام ، اي بما يتجاوز الحدود الضيقة للفقه [33].

نظرية تجاوزها الزمن

سبق الاشارة الى ان نظرية السلطة المتوارثة في الفقه الشيعي قد جردت الدولة من شرعيتها بصورة مطلقة طالما كان الامام الثاني عشر غائبا عن الانظار . ورغم ما جرى خلال القرون التالية من تخفيف للقيود الشديدة التي تنطوي عليها النظرية ، ولا سيما بعد قيام عدد من الدول الشيعية ، فان الميل الذاتي لاعتزال الحياة السياسية بقي سائدا بين الشيعة ، كما ان المشاركة في السياسة لم تحظ ابدا باقرار صريح وقطعي بكونها مناسبة لمجتمع المؤمنين[34]. ان التشديد المبالغ فيه على منصب القيادة ، ولا سيما ربطها بشخص الامام المعصوم قد افقد نظرية الامامة الدينية القدرة على التفاعل مع الوقائع السياسية . وقد التفت الى هذه المشكلة عدد من الفقهاء في اوقات مختلفة ، لكن القليل منهم فقط تمتع بالشجاعة اللازمة لطرحها والتفكير العلني في جزئها الجوهري ، اما الاكثرية فقد ارتضوا الانسياق وراء الفرضية التقليدية التي تنفي مسؤولية اي احد عن العمل لاقامة الحكومة العادلة ما دام الامام المعصوم غائبا.
خلال القرن العشرين ، شهد المجتمع الايراني انبعاثا في الحركية الشيعية من خلال الثورة الدستورية وحركة تاميم البترول ، وكلا الحركتين لم يكتب لها بلوغ اهدافها . ويرجع سبب الاخفاق جزئيا الى انسحاب الروحانيين من ساحة الصراع ، اخذا بعين الاعتبار كونهم اقدر القوى على تحريك الجمهور العريض . ويعلل ارجمند هذا الانسحاب بفشل الروحانيين في الاستيعاب المناسب لمعاني وانعكاسات مبدأ الدستورية قبل دخولهم في غمار الصراع حولها[35]. لكني اود عرض هذا التفسير من زاوية اخرى : ان غياب نظرية للسلطة قادرة على استيعاب الفكرة الدستورية وتنسيجها في الاطار الثقافي الديني ، هو السبب ربما في انسحاب الروحانيين من الصراع بعد نجاحهم الاولي في 1906. في اوائل الخمسينات شهدنا دورة مماثلة ، فقد وقف عدد يعتد به من الروحانيين وراء محمد مصدق في مقابل الشاه [36] ، لكنهم فشلوا في تعبئة التيار الرئيسي من رجال الدين الذي يرجع للمرجع الاعلى حينئذ اية الله البروجردي (ت 1961) . وفي هذه القضية كما في سابقتها ، فان غياب الاطار القيمي والنظري للمشاركة السياسية ، قد ادى الى انكماش دعم الروحانيين ومن خلفهم الراي العام لرئيس الوزراء مصدق. باختصار يمكن القول ان حجم مشاركة الايرانيين في الحياة السياسية يتاثر مباشرة بسلوك الروحانيين . وفي الوقت نفسه فانه لا توجد قاعدة نظرية وقيمية واضحة المعالم تحظى بالاجماع في الحوزة العلمية تنظم هذا السلوك ، ولهذا السبب فقد كان هناك على الدوام مقاربات مختلفة ، كل منها يرجع الى تفسير خاص لنظرية الامامة وتطبيقاتها.
يشير هذا التفاوت الى مشكلة متأصلة في النموذج الفقهي والكلامي الموروث . فقد ظهرت نظرية السلطة وتطورت كمسألة كلامية تستهدف تبرير نوع خاص من الزعامة الاجتماعية يهتم حصرا بالشؤون الروحية للجماعة الشيعية . وحسب تعبير مؤمن ، فبينما كان الفقيه السني مشغولا بتطوير نظرية للسلطة قابلة للاشتغال في الواقع السياسي ، كان لدى نظيره الشيعي امام غائب يمكن ان يدير حوله سجالات كلامية لكنه لا يمكن ان يكون موضوعا لنظرية في السياسة[37].
عالج علماء الشيعة مسالة القيادة والسلطة ضمن اطارين : في الاطار الكلامي ينصب الجهد على حياة الائمة الاثني عشر وفضائلهم، واغلبه تكرار لما قيل في القرون الماضية ولا علاقة له بوقائع العصر الراهن . اما في الاطار الفقهي فينصب الاهتمام على العلاقة بين الفقيه ومقلديه وهي علاقة موضوعها الرئيس الامور العبادية والشخصية للمكلف[38] . وهنا ايضا فان السياسة ليست موضوعا للاهتمام الا فيما ندر. بالنظر الى كلا الناحيتين ، فان مشروع الخميني لتسييس نظرية السلطة الشيعية ما كان ليتم لولا تصديه لمعالجة الاشكالات النظرية النابعة من كلا الاطارين :
المشكلات الكلامية
يستهدف النقاش الكلامي الاجابة على سؤال فحواه: هل يمكن اقامة حكومة عادلة على يدي غير المعصوم؟.
العدل في النموذج التقليدي هو مفهوم مثالي لا يمكن انجازه دون تدخل غيبي يتجسد - حسب قدامى المتكلمين - في امام معصوم منصوب من قبل الله[39]. ويترتب على هذا ان اي سلطة اخرى ستكون عاجزة بالضرورة عن تحقيق العدل ، وبالتالي فهي غير مشروعة . مع غيبة الامام الثاني عشر في 260/874 فقد كان على الشيعة انتظار عودة الامام الغائب ليملأ الارض قسطا وعدلا بعدما ملئت ظلما وجورا. فكرة التلازم بين العدل وقيادة المعصوم عطلت عمليا وطيلة قرون طويلة اي سعي لاقامة حكومة من اي نوع . ان اشتراط قيادة الامام في الوقت الذي يعجز الناس عن الوصول اليه ادى عمليا الى تحويل العدل في معناه الاجتماعي الى مجرد امنية كما رأى العلامة النائيني في 1908[40]
يبدأ مشروع الخميني برفض التفسير السائد لفكرة انتظار الفرج وهو التفسير الذي يجعل الانتظار مفهوما سياسيا يعادل التخلي عن اي مشروع لاقامة دولة او المشاركة في دولة . فهو يرى ان انتظار الفرج لا علاقة له بالسياسة ولا يصح اعتباره مبررا لاعتزالها [41].  يتضمن هذا المشروع ايضا فصلا غير صريح بين منظومة الحقوق/الواجبات الخاصة بالامام التي تعالج في الاطار الكلامي ، وتلك الخاصة بعامة المسلمين التي تعالج على اساس موضوعي ، اي بالنظر الى الواقع الحياتي الذي يعيشونه ومتطلبات تقدمهم الدنيوي. وهو يجادل بان الانتظار السلبي للامام الغائب يتعارض مع روح التعاليم الاسلامية . فالامام الغائب سيعود يوما ما في المستقبل لاقامة العدل على المستوى الكوني.  لكن الاتباع المخلص للامام احرى بان يتجلى في السعي لانجاز المهام والاهداف الدينية التي يريد الامام انجازها ، واهمها – حسب راي الخميني – اقامة الحكومة الاسلامية حيثما كان هذا ممكنا[42]. وقد وجه الخميني نقدا شديدا للربط بين السياسة والانتظار ، الذي ادى في رايه الى تعطيل الاحكام الشرعية وتثبيط عزم المجتمع على اصلاح احواله . والدليل المحوري الذي يستخدمه الخميني هنا هو عالمية ودوام الشريعة ، فهو يقول ان الاحكام الالهية شرعت لكي تطبق في كل مكان وزمان بحسب الامكان ، فلا يجوز تعطيلها اختيارا او تعسفا [43]. وهو يرفض الفرضية القائلة بان غياب الامام يبرر تعطيل اي من هذه الاحكام كما راى الشيخ الانصاري ومن قبله معظم العلماء منذ الطوسي[44].
 بل ان الخميني يجادل في ان الاحكام التي يتوقف تطبيقها على سلطة الدولة تضيف مسؤولية اخرى على عاتق المؤمنين ، والعلماء منهم خاصة ، وهي السعي بكل ما استطاعوا لامتلاك القوة السياسية التي تمكنهم من تطبيق تلك الاحكام ، ويستخدم هذا كدليل اضافي على وجوب السعي لاقامة الدولة الاسلامية [45]. يرى الخميني ان تعطيل الاحكام الشرعية التي تتطلب قوة الدولة هو ثمرة لتهاون المسلمين وطغيان حكوماتهم من جهة ، وتغلب المستعمر الاجنبي على بلدانهم من جهة اخرى[46] . ويبدو ان غرضه من هذه الحجة هو الالتفاف على الفرضية التقليدية التي اتخذها العلماء مبررا لاعفاء انفسهم من مسؤولية الكفاح للحصول على السلطة حيثما كانت ضرورية لتطبيق القانون الديني[47] ، وهي فرضية ظلت راسخة في المجتمع الديني منذ الغيبة. يجادل الخميني ايضا بان العدل في مفهومه النسبي هو معيار مقبول لشرعية السلطة وان حضور الامام المعصوم شخصيا ليس شرطا لضمان الوصف الديني للدولة[48].
المشكلات الفقهية
تركز البحث الفقهي في مسالة السلطة – حتى وقت قريب - على مصدرها وحدود  ممارستها من جانب الحاكم . ومنذ العصر الصفوي فان مشاركة الروحانيين في السياسة قد سمحت باعتبار الفقيه مرشحا طبيعيا لشغل فراغ الزعامة المترتب على غياب الامام المعصوم. لكن حدود الصلاحيات القابلة للنقل من الامام الى الفقيه بقيت محل جدال يتركز اساسا في قابلية الشخص غير المعصوم لاستعمال القوة القهرية التي ربما يترتب عليها اضرار مادية او جسدية على الغير. والمثال الذي يضرب عادة هو اهلية غير المعصوم للحكم بما يؤدي الى سفك دم قتلا او جرحا ، او تصرف في مال الغير بغير اذنه ، او فصم لعرى علاقة زوجية ، وهذه الامور – في راي الفقهاء – هي جوهر مشكلة السلطة[49].  بصورة ملخصة فان المشكلة الجوهرية التي توقف عندها الفقهاء هي حق غير المعصوم في التصرف في حياة الناس واملاكهم ، سلبا لها او تحديدا لحريتهم فيها.
لفهم عمق المسالة فمن الضروري الاخذ بعين الاعتبار الاساس المنطقي الذي اقام عليه قدامى متكلمي الشيعة تصورهم لفكرة الامامة . ونخص بالذكر هنا دليل اللطف الالهي ، وهو من ابرز الادلة التي استخدمها اولئك العلماء لدعم فكرتهم . طبقا لهذه النظرية فان نصب الامام من قبل الله هو نوع من اللطف ، وحسب العلامة الحلي ، وهو من ابرز فقهاء الشيعة ، فان اللطف الالهي متجه إلى الجذب اللين للمكلفين إلى الطاعة ، لان القهر والاجبار على الطاعة والبعد عن المعصية ليس بلطف ، وهو مناف للتكليف ، وعلى هذا فان قهر المكلفين على طاعة الامام المنصوب ليس لطفا ، ولو جاز القهر على طاعة الامام لجاز على باقي الواجبات ، وهو ما ينفي الاختيار والمسؤولية في التكليف[50]. ومع اخذ هذا بعين الاعتبارفان تمديد سلطة الامام لتشمل الحكم في الدماء والاموال والاعراض بقيت موردا لتفسيرات عديدة ، فبعض العلماء انكروا ضمنيا هذا التعميم غير المتحفظ [51]. وقبله اخرون بناء على ان المعصوم لا يفعل الا الصحيح[52] ، بينما مال فريق ثالث الى ربط هذه السلطة بموافقة عامة الناس ، بمعنى ان سلطة الامام لا تكون فعلية الا بعد البيعة العامة[53].
هذا الجدل يركز اساسا على شخص الحاكم ، اماما كان او فقيها ، وليس على مؤسسة الدولة ككيان قانوني مستقل عن الحاكم . وهو تركيز غير غريب على الاطار التاريخي الذي تطورت خلاله نظرية السلطة الشيعية . فخلال اغلب تاريخ المسلمين كانت الدولة ملكا للحاكم في حقيقة الامر . وكان الحاكم قابضا على ازمة الامور ومصادر القوة المادية في غياب اي قيود قانونية او مؤسسية على سلطاته المطلقة ، فضلا عن امكانية  محاسبته على سياساته . وفي ظل هذا الوضع كانت سياسات الدولة تصدر عن اهواء الحاكم ورغباته ، ولا تقوم على الحسابات العقلانية  والمصالح العامة . ومع اخذ هذا بعين الاعتبار فقد كان العلماء قلقين من ان تمكين الحاكم من سلطات الامام المعصوم سيلقي رداء القداسة والالزام الديني على شهواته وميوله الشخصية ، ولن تكون حينئذ اية امكانية لوقفه عند حد. وكما راى العلامة النائيني فان الاستبداد والفساد هو عرض طبيعي ملازم للانفراد بالسلطة ، فقيها كان الحاكم او رجلا عاديا . ان الردع الخارجي من خلا ل القيود الدستورية والمؤسسية ، هي الوسيلة الوحيدة حسب رايه لعرقلة اتجاه الحاكم الى الاستبداد[54]. وينسجم راي النائيني هذا مع الموروث الثقافي الاسلامي ، فالاية المباركة (ان الانسان ليطغى ان رآه استغنى ) تعتبر الاستبداد احتمالا كبيرا اذا شعر الانسان بالقوة التي تتيح له الاستغناء عن الغير[55]. هذا القلق يفسر تردد العلماء في نقل سلطة الامام الى غير المعصوم .
هناك ايضا استدلالات اخرى ، مثل تلك التي تزعم ان النصب الالهي للامام يضفي عليه صفات فوق بشرية ، ويمنحه - بالتالي - سلطة تتجاوز امكانات البشر العادي ، وهو ما يسمونه بالولاية التكوينية . ضمن هذا الفهم فان الامام يمارس سلطته كما لو ان العالم وما فيه ملك له [56]. فحوى هذه الفكرة هو انه طالما كان الحصول على تلك الصفات مستحيلا على الانسان العادي ، فانه غير قادر – بالضرورة - على استلام سلطة الامام . على ان الاستدلال الاكثر رواجا هو ذلك الذي يرجع سلطة الامام الى عصمته التي تتجسد في علمه بالواقع – تمييزا عن العلم بالظاهر – وورعه وتقواه [57]. وفحوى هذا الدليل ان صفتي العلم والتقوى يمكن اعتبارهما معيارا نسبيا للمواصفات التي ينبغي ان يتحلى بها المرشح لنيابة الامام . وبينما شاع الاخذ بالاستدلال الاول بين الفقهاء الايرانيين ، خاصة اصحاب النزعات الصوفية والعرفانية[58]، فان اكثرية فقهاء الشيعة مالوا الى الثاني .
كان فقهاء القرن العاشر "القرن الرابع الهجري"،  المفيد والمرتضى والطوسي خصوصا ، قد مالوا الى الفصل بين شخص الامام ومنصب الزعامة في معالجتهم لشرعية السلطة ، كما اعتبروا وجود الدولة ودورها ضروريا لصيانة المصالح العامة التي تشخص على اساس عرفي- عقلائي[59] . اخذ الخميني هذه الفرضية الى اقصاها حين ميز بين معنيين ينصرف اليهما مفهوم الولاية . فرغم تبنيه لفكرة الصفات فوق البشرية للائمة المعصومين[60] ، الا انه جادل بان هذه الصفات لا علاقة لها بالدور الذي يفترض ان يلعبه الامام كرئيس للمسلمين [61] . ولاية الامام في مفهومها السياسي ترتبط بصفاته البشرية العادية من جهة وبالمواصفات التي يحتاجها منصب القيادة من جهة اخرى . بكلمة اخرى فان مفهوم ولاية "او نطاق سلطة" الامام ينصرف الى معنيين: الولاية التكوينية التي ترتبط حصرا بشخصه [62]، وولايته الاعتبارية السياسية التي تتعلق بامور المجتمع السياسية والروحية[63]. وبالنسبة للخميني فان فكرة السلطة وتوليها وممارستها تعالج ضمن المفهوم الثاني حيث يجري التركيز على المواصفات الموضوعية التي يتطلبها مركز القيادة ، اي العلم – في معناه النسبي – والورع النفسي ، وليس النصب الالهي [64]. وقد جرى اعتبار الصفتين بين المؤهلات التي يفرضها الدستور الايراني في المرشح لمنصب القائد "البنود 107-109" .
ما نفهمه من مناقشة الخميني اذن ، هو ان سلطة الامام لا تتعلق بشخص الامام بالمعنى الفني ، بل بمنصب رئيس الدولة الذي يفترض ان يشغله . هذه الفكرة تكشف عن ميل الخميني الى اعتبار منصب القيادة وممارستها امورا عرفية لا دينية . ثمة مثال اخر يؤكد هذا الميل هو رايه في الوضع القانوني للاراضي الخراجية . في ظل الدولة الاسلامية القديمة ، كان الخراج بين ابرز مصادر خزينة الدولة ، او ما كان يطلق عليه بيت المال . وكما هو الحال بالنسبة للضريبة في الدول الحديثة ، فقد كانت السيطرة على الاراضي الخراجية وادارة الخراج تعتبر بين ابرز رموز السيادة . وحتى وقت قريب فان القليل من فقهاء الشيعة مالوا الى اقرار تصرف الحكومات القائمة في الخراج ، اما الاكثرية فقد اصروا على حصر ادارته بالامام المعصوم . وذهب اقلية منهم الى معادلة الاراضي الخراجي بالاملاك الخاصة للامام [65]. وفي المقابل فان الخميني اتخذ موقفا حادا من هذا المدعى وانتقد تمسك بعض الفقهاء بظاهر الروايات التي تدل عليه : (أما ظواهر تلك الروايات فهي ضرورية البطلان ، ومخالفة للكتاب والسنة وفتاوى الفقهاء ، ولازمها مفاسد وأمور قبيحة يزرى بها المذهب الحق)[66] ، وهو يرى ان الخراج ومصادره ، مثل كل انواع المال العام الاخرى ، يتصرف فيها وتدار من قبل الدولة للمصلحة العامة.
ومع الاخذ بعين الاعتبار تطور فكرة الدولة الحديثة ، ولا سيما انتقال مفهوم السلطة من شخص الحاكم الى مؤسسة الدولة ، فان السلطة المطلقة للامام سوف تنتقل في راي الخميني من الامام الى مؤسسة الدولة وليس شخص الحاكم او الفقيه : "السلطة المتفرعة عن ولاية رسول الله المطلقة من احكام الاسلام الاصلية وهي مقدمة على جميع الاحكام الفرعية حتى الصلاة والصوم والحج.. سلطة الدولة الاسلامية عامة وتشمل كل جوانب الحياة الاجتماعية بما يتجاوز الحدود المتعارفة في الابحاث الفقهية"[67].
في حديث اخر يشير الخميني الى ان سلطة الفقيه ينبغي ان تفهم في اطار الحكومة الاسلامية ، هذه السلطة لا تصبح فعلية الا اذا حصلت على التاييد الشعبي[68]. النقطة الجوهرية في كلا الفكرتين هي ان سلطات الامام لم تنتقل الى شخص الفقيه بل الى الدولة كمؤسسة[69]. وفي هذه الحالة فان الفقيه يلعب دور الوسيط الذي من خلاله تنتقل السلطة بصورة مشروعة من الامام الى الدولة. وبناء على هذا التصوير ، فانه لم يعد ثمة موضوع للجدل حول الصلاحيات المطلقة التي سوف تنتقل من الامام . فالدولة بطبيعتها ، سواء كانت شرعية ام غير شرعية ، تتصرف في امور مواطنيها واملاكهم ، فالقضاة يصدرون احكاما تنطوي على عقوبات جسدية او مالية او تقييد للحرية ، والجيش يرسل الرجال الى ساحات المعارك حيث يحتمل ان يقتلوا او يجرحوا ، والدوائر المالية تفرض ضرائب ، كما ان مختلف دوائر الدولة تصدر قوانين تقيد تصرف المواطنين في املاكهم الخاصة وما الى ذلك . عندئذ فان انتقال سلطات الامام يجب ان يفهم في اطار العمل الطبيعي لمؤسسة الدولة ككل ، فهي اما ان تكون متمتعة بهذه الصلاحيات الواسعة او لا تكون حكومة على الاطلاق[70].
تقدم هذه المقاربة حلا متينا للجدل حول انتقال سلطة الامام وطبيعة سلطة الفقيه في دولة حديثة . لكن ينبغي الاشارة الى ان هذا الحل لم يتحول الى قاعدة راسخة في المجامع العلمية الشيعية ، اذ لا زالت هناك مجادلات ، حتى بين بعض تلاميذ الخميني واتباعه حول كلا الموضوعين ، كما نشهد في الطروحات التي يقدمها العلماء الذين ينتمون للتيار المحافظ في ايران اليوم.

اولوية الدولة

ثمة اسباب عديدة تجعلنا نتفهم النزعة الاستبدادية عند اية الله الخميني ، فهو شخصية كاريزمية وزعيم لثورة تغييرية ، اضافة الى كونه مرجعا دينيا . ثمة الكثير مما يقال عن سلبيات السلطة المطلقة ، لكن هذا لا ينفي بعض ما تنطوي عليه من فرص لدور ايجابي ، في بعض الاماكن او بعض الظروف على الاقل . ان المثال الذي يمكن عرضه للمقارنة هنا هو مثال الدولة المطلقة في اوربا خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر التي لعبت دورا توحيديا في تلك الحقبة مهد لظهور الدولة الدستورية البورجوازية[71]. ورغم ان هذا الدور ارتبط خصوصا بظروف اقتصادية وسياسية ، الا ان فعل التوحيد يمكن ان ينظر اليه كدور مناسب حيثما كانت المشكلة الرئيسية هي انعدام الوحدة والانسجام في الاجتماع السياسي . وقد اشرت في السطور السابقة الى ان هذه العلة كانت من ابرز سمات المجتمع الايراني خلال القرن العشرين ، وتجسدت في تفاوت مفهوم السلطة والشرعية بين المجتمع والدولة ، وجادلت عندئذ بان مرجع هذه المشكلة هو الدور الاشكالي للدين.
اراد الخميني مصالحة الدين والدولة باعتبارها الطريق الوحيد - في رايه على الاقل - لاعادة الوحدة الى الاجتماع السياسي الايراني . ولم يكن ممكنا تجاوز تقاليد الانعزال الراسخة بالعودة الى القواعد المفهومية التي تطورت فيها هذه التقاليد نفسها . لهذا كان بحاجة الى فرض تفسيره الخاص لهذه التقاليد واعادة توجيهها لتخدم مشروعه . وكان هذا ممكنا فقط باستعمال تاثيره الكاريزمي لاقناع المجتمع بحقانية دعواه. ويذكرنا هذا بالفرضية التي جادل دونها ماكس فيبر حول تاثير الكاريزما ، التي وصفها بالقوة الثورية الاعظم في عصر التقاليد الراسخة[72]. ان سيطرة التقاليد ، حسب كلود ايك ، تجعل من العسيرعلى الجمهور منح الدولة ولاء غير مشروط ، ما لم تكن الفكرة مطروحة من جانب اشخاص يتمتعون بالثقة والاحترام بين عامة الناس ، وعندئذ فان هذا التقدير الشخصي يمكن استخدامه كاداة لتمكين هيمنة الدولة حتى تستكمل مقومات مشروعيتها[73].
تتجسد مشكلة الاندماج السياسي – كما تعالج في ادبيات التنمية – على شكل تعارض ذهني بين تصور الناس للرابطة الاجتماعية التي تجمعهم من جانب ، وبين تصورهم للدولة من جانب اخر . وفي هذه الحالة فان الدولة تمثل كائنا غريبا عنهم ، يفرض نفسه عليهم دون رغبتهم ، انها بصورة ملخصة شيء اخر غيرهم . وطالما كان الامر على هذا النحو ، فان دور الزعيم الكاريزمي يتجسد في اعادة اللحمة بين الطرفين ، اي جعل الجمهور يفكر في الدولة باعتبارها "نحن" ، او "حكومتنا" بدل "هم" او "حكومتهم" . وحسب فاليريشتاين (1961) فان تحول الاندماج السياسي الى واقع ملموس لا يصبح ممكنا الا اذا قبل المواطنون الدولة القائمة باعتبارها مالكا شرعيا للقوة والسلطة ، وانها المكان الصحيح للتشريع واتخاذ القرار في المجتمع [74].
بالنظر الى التشديد على شخص القائد في الثقافة السائدة ، والمتطلبات الخاصة لظروف الانتقال الى الدولة الحديثة ، فانه من العسير تصور امكانية ان تكون الزعامة الكاريزمية غير تحكمية او مطلقة . فيما يتعلق بايران خاصة ، فقد صعدت هذه المسالة الى السطح خلال السنوات الاولى بعد الثورة عندما ووجهت سياسات حكومة رئيس الوزراء مير حسين موسوي بمعارضة شديدة من جانب علماء دين و سياسيين محافظين ، خاصة فيما يتعلق بالدور التشريعي للبرلمان. لمعالجة هذه المشكلة عرض الخميني فكرتين مترابطتين ، هما الولاية المطلقة للفقيه الحاكم واولوية النظام الديني على ما عداه من المصالح المنظورة  في الاحكام الشرعية الاخرى.
الولاية المطلقة للفقيه
راى الخميني ان صيانة النظام الاسلامي هي المسؤولية الاعظم الملقاة على عاتق المسلمين . وهي تتجاوز من حيث الاهمية والوجوب معظم الواجبات الدينية الاخرى ، بما فيها بعض ما كان يعتبر عادة جوهريا في الشريعة . وينطلق الخميني من فكرة منطقية ، فحواها ان الدولة تمثل اداة قوية لخلق البيئة الضرورية لجعل التعاليم الدينية قابلة للتطبيق[75]. وبالتالي فان الدولة هنا تلعب دور المقدمة الضرورية لانجاز الاهداف الدينية ، وتسهيل ممارسة الشعائر في آن.
ولا يبدو ان الخميني كان على وعي تام بالضرورات المتعلقة بعمل الدولة عندما وصل الى السلطة في 1979 ، ففي حديث نادر امام مجموعة من كبار القضاة ارجع الخميني الصعوبات التي واجهتها البلاد الى قلة الخبرة والطبيعة التجريبية لبعض السياسات التي جرى تبنيها بعد الثورة[76]. ويظهر من دراسة كتابات الخميني واحاديثه قبل الثورة ما يمكن وصفه بتصور يغلب عليه التبسيط لعمل الدولة ، فقد ذكر تكرارا ان الفقه المتداول يكفي لتوفير الحلول التي تحتاجها الدولة عندما يقوم الحكم الاسلامي[77]. لكن فور قيام النظام الاسلامي وجد قادته ان التصور الرائج في المجتمع الديني عن الدولة وعملها كان غريبا الى حد كبير عن الوقائع الراهنة ، وحسب الرئيس السابق رفسنجاني ، الذي راس البرلمان ايضا ، فقد كان العمل التشريعي تجربة عسيرة بسبب التفاوت الكبير بين المتطلبات القانونية للدولة ومحدودية المنظورات الفقهية التقليدية:
واجهنا في مجلس الشورى معضلة حقيقية ، تتمثل في التفاوت الهائل بين ما لدينا من فتاوى وآراء فقهية ، وبين ما تحتاجه البلاد من تشريعات لضمان مصالح الناس ، وضمان الحفاظ على حركة الدولة في الإطارات الدينية ، فكلما أردنا وضع قانون لتنظيم قضية من القضايا الضرورية ، واجهنا الإشكال الناشيء عن عدم وجود آراء فقهية ، أو عجز الآراء الموجود عن مطابقة المصالح الواضحة والفعلية للأمة .
نقوم ـ أحيانا ـ بتشخيص موضوع معين ، ونقترح بنودا قانونية لمعالجته ، نظن انها تضمن مصالح الجمهور ، لكن يشعر الإنسان من ثَمّ بالتردد تجاه ما إذا كانت بنود هذا القانون موافقة لحكم اسلامي ما . ناقش المجلس قانون العمل وأقره ، لكن واجهنا اشكال يتعلق بتوافق بعض بنوده مع أحكام شرعية معينة ، واجهتنا هذه المشكلة ايضا حين ناقشنا قانون الضريبة وقانون العقوبات الادارية "التعزيرات" والتعاونيات وقانون ملكية الأرض ، وقانون المدارس الخاصة  وغيرها .
 وعموما فكلما طرحت مسألة هامة ، ثار الجدل حول تطابق القوانين المقترحة بشأنها مع أحكام معينة في الشريعة أو فتاوى لفقهاء ، وإذا لم يجر حل لهذه المعضلات والمفارقات ، فان عملا مهما على صعيد أسلمة القوانين وتنظيم أو البلد لن يمكن إنجازه[78].
يبدو ان العام 1983 كان نقطة الانعطاف حين قرر الخميني اعفاء نفسه من قيود الفقه التقليدي . فحتى ذلك الوقت كان البرلمان يعتمد الرجوع الى ادلة الاحكام الثانوية "احكام الاضطرار" لمعالجة التعارض بين المصالح المنظورة في الاحكام الاولية وتلك التي تشخص عرفيا من جانب هيئات الدولة او البرلمان . يشير مفهوم  الاحكام الثانوية الى منهج في الاستنباط يستعمل كحل مؤقت في حالات الاضطرار حيث لا تكون الاحكام الاولية قابلة للتطبيق او ان مخرجاتها تتعارض والمصالح العامة الراجحة[79]. والمثال الشائع عن الاحكام الثانوية هو حق الدولة في تحديد اسعار السلع الغذائية ومنع الاحتكار في ظروف الازمة ، وهو ما يعارض  المفهوم الديني للملكية الخاصة الذي يعتبرها مطلقة وغير قابلة للتقييد .
وقد اغضب الاستعمال المتكرر لهذا المنهج من جانب الحكومة بعض كبار الفقهاء ، بمن فيهم اية الله الكلبايكاني ، الثاني في سلم المرجعية الدينية يومئذ ، فكتب الى الخميني ثم البرلمان في مارس 1982 واصفا هذه السياسة بانها تمثل اغفالا متعمدا للاحكام الشرعية الاولية الراسخة الجذور[80] . وشهد العام التالي جدلا اخر بين فقهاء مجلس صيانة الدستور والبرلمان حول قانون العقوبات لنفس السبب ، وتكرر الجدل حول قضايا اخرى ، الامر الذي دعا الخميني الى اعادة النظر في القواعد الاساسية الناظمة للعلاقة بين الدولة والمؤسسة الفقهية . وفي هذا المجال طور فكرة "مصلحة النظام" كاطار مفهومي لمعالجة الاحكام المتعلقة بسلطة الدولة والمصالح العامة . وفي رسالة لمجلس الشورى بتاريخ 13 مارس 1983 قرر الخميني ان تشخيص مصاديق الاحكام مفوض الى عرف الخبراء ، كما اجاز للمجلس الحكم بناء على هذا المفهوم شرط تصويت ثلثي الاعضاء.
ضمن هذا الاطار ربط الخميني تطبيق الاحكام الشرعية بالمصلحة المستهدفة من الحكم . ومع الاخذ بمبدأ التعريف والتشخيص العرفي للمصالح ، فان قابلية الحكم الفقهي للتحول الى قانون ملزم اصبحت مرهونة بما يؤدي اليه من مصلحة . وينطوي هذا المفهوم على اعادة تعريف للدور التشريعي المناط بالبرلمان او المجتهدين كي يصبح تشخيصا للمصالح العامة وليس وضعا للحكم الشرعي او انشاء لالزام ديني او تصريحا عن الارادة الالهية كما هو مفهوم التشريع الشائع بين الاسلاميين.
في ديسمبر 1987 وجه الخميني رسالة الى مجلس صيانة الدستور واخرى الى رئيس الجمهورية ، اعاد فيهما تعريف ولاية الفقيه لتصبح ولاية مطلقة ، كما عرف قراره السياسي باعتباره حكما ولائيا . استهدف هذا التطوير الالتفاف على الفكرة المترسخة في النموذج الفقهي التقليدي الذي يعتبر الفقيه فوق الدولة ويعفيه من الالتزام بقوانينها اذا لم تطابق رايه الفقهي الخاص . تستهدف فكرة الولاية المطلقة التشديد على الطبيعة الشاملة لسلطة الدولة وخضوع جميع المواطنين لمقتضياتها.  اما مفهوم مصلحة النظام فيشدد على ان تشخيص الحكومة للمصالح العامة هو المعيار الرئيسي لتبرير عملها ، مقارنة بالفهم السائد الذي يذهب الى ان المصالح المعتبرة هي تلك التي عرفها الشرع والتي يرجع في تشخيص موارد انطباقها الى الفقيه . الى ذلك يشدد مفهوم الحكم الولائي على الطبيعة القهرية لسياسات وقرارات الدولة . وبموجب هذا فان الدولة لها حق شرعي في انشاء الزامات قانونية بناء على تشخيصها الخاص ، مقارنة باراء المجتهد غير الحاكم الذي تصنف كفتاوى غير ملزمة على المستوى العام.

خلاصة :

يظهر البحث ان مشروع الخميني السياسي كان معنيا في المقام الاولى بتكييف النموذج الشيعي التقليدي للسلطة كي يشتغل في الدولة الحديثة. ونظرا لجذوره الدينية وبيئته التقليدية ، فلم يكن متوقعا ان يفصل الخميني نفسه عن الاطار العام للنموذج الموروث . لكن ميوله الفلسفية والسياسية قادته لاعادة النظر في الهوة الزمنية التي تجعل النموذج التقليدي عاجزا عن التكيف مع الثقافة المعاصرة للايرانيين . ومن المحتمل ان الخميني كان واعيا لحقيقة ان الحدود الضيقة التي يتيحها ذلك النموذج ، ما كانت لتسمح بتحول تاريخي كالذي قام به ، ولهذا فان مراجعته للنموذج ركزت في المقام الاول على المباديء التي تعيق مشروعه السياسي. وفي هذا المجال فان حدود هذه المراجعة كانت مشروطة بخلفيته الثقافية وقدراته العلمية اضافة الى الالزامات الخاصة القائمة في ميدان عمله الفعلي.
تضمنت التعديلات الاساسية التي ادخلها اية الله الخميني على نظرية السلطة الشيعية التقليدية اعادة تعريف مفهوم العدل بحيث يتوجه الى المعنى النسبي ، الذي لا يتطلب الحضور الشخصي للمعصوم لضمان شرعية السلطة. وبهذا فقد وضع الخميني حدا للفكرة التي استقرت قرونا في المجتمع الشيعي والتي ما كان الشيعة – بموجبها – قادرين على تصور دولة شرعية بينما الامام المعصوم غائب عن الانظار.
من اجل معالجة الاثار القانونية المترتبة على  المفهوم  الجديد ، فان الخميني منح الفقيه المؤهل جميع السلطات المتعلقة بمنصب الامام المعصوم ، وكان هذا سببا للكثير من النقد الذي طال الخميني من جانب بعض الفقهاء والسياسيين العلمانيين على السواء لما تنطوي عليه الفكرة من ايحاءات استبدادية[81]. لكن اختبارا دقيقا لكتابات الخميني وسلوكه السياسي يكشف عن ان هذا التنظير كان ضروريا لمعالجة القيود الكلامية التي سبق مناقشتها. لقد كان الخميني واعيا بالفاصل الزمني بين الفهم التقليدي  للدولة الذي يركز على شخص الرئيس باعتباره جوهر مسالة السلطة ، والحقائق السياسية المعاصرة حيث ينصرف التفكير في شرعية السلطة الى النظام السياسي ككل . النظام السياسي هو الذي كان موضع اهتمام الخميني وليس شخص الحاكم ، الفقيه او غيره . وهذا ما ظهر بجلاء في اجازته لمشروع التعديل الدستوري لعام 1989 الذي جعل الكفاءة الادارية مقدمة على المرتبة الفقهية بين شروط المرشحين للقيادة العليا في الجمهورية الاسلامية .
يربط الخميني بين اسلامية الدولة وكون الفقيه على راسها ، لكنه من جهة اخرى يربط سلطة الفقيه بوجود النظام السياسي . بكلمة اخرى فانه لا يرى سلطة الفقيه قابلة للتمظهر الواقعي خارج الدولة ، نظرا لان السلطات المطلقة المدعاة للامام لا يمكن ان تنتقل اليه في هذه الحالة ، وبهذا المعنى فان سلطات الامام لا تنتقل الى الفقيه بالمعنى الشخصي بل الى مؤسسة الدولة التي هو جزء منها . الفقيه الحاكم اذن هو رمز للجزء الديني من الدولة وهو يلعب دور القناة التي تنقل سلطات الامام الى الدولة في صورة شرعية . هذا المعالجة المعقدة كانت ضرورية لتمكين فكرة الدولة الحديثة من الاندماج في نظام القيم التقليدي ونيل الشرعية على اساس ديني .
اضافة الى التعديلات التي اجراها الخميني في النموذج التقليدي للسلطة ، فقد تبني عددا من المفاهيم المستمدة من الفكر السياسي الحديث  وابرزها مبدأ الجمهورية. وقد منحه تبنيه لمبدأ الجمهورية كقاعدة للدولة الاسلامية الحديثة مكانة فريدة بين علماء المسلمين ، ليس فقط لقبوله المبدأ بل وايضا لمعالجته الايجابية لمترتباته الفكرية والسياسية وعمله لتمكينها في الواقع السياسي.  مع قيام الدولة الاسلامية في 1979 وجد النموذج الفقهي التقليدي نفسه في تحد سافر مع الزامات الدولة وضرورات عملها . وهنا كان الخميني الرجل الذي واجه التحدي ، فبين ابرز الانجازات التي تحسب له ، اقراره للدور التشريعي للبرلمان الذي تتشكل اغلبيته – بالضرورة – من اعضاء غير مجتهدين ، حتى اذا تعلق الامر بموضوعات لها محمول ديني مثل قانون العقوبات[82].  وهذا يكشف – من ناحية - عن شخصية الخميني الحازمة في التعامل مع المشكلات غير المتوقعة كما يكشف – من ناحية اخرى – عن القوة الهائلة التي تتمتع بها البيروقراطية الدولتية كاداة لعلمنة الافكار ونزع طابعها المقدس كما قرر ماكس فيبر.
على رغم ما حركته الثورة الاسلامية من موجات التطرف على امتداد العالم الاسلامي ، فان الافكار الجديدة التي قدمها الخميني للفكر السياسي الاسلامي قد احيت نقاشات مهمة حول العلاقة بين الدين والديمقراطية . ان افكار مثل المشاركة المتساوية للنساء والرجال ، المسلمين وغير المسلمين في الحياة السياسية ، التشريع على قاعدة الارادة العامة ، فصل السلطات وما الى ذلك ، اصبحت اليوم شائعة ومقبولة بين شرائح واسعا جدا من الحركيين والعلماء المسلمين ، خلافا للازمان الماضية حين كان ينظر الى مثل هذه الافكار باعتبارها غربية ومخالفة لتعاليم الاسلام . ما يجدر الاشارة اليه هنا ان الخميني لم يكن اول فقيه مسلم يطرح هذه الافكار ،  لكن نجاحه في الوصول الى السلطة قد اضفى على مقترحاته تلك المصداقية وقوة التاثير التي ما كان ليحظى بها مفكر خارج السلطة . انها اذن طبيعة السلطة السياسية التي تضخ المصداقية في الافكار بغض النظر عن قيمتها الواقعية او قدرتها على الصمود في الاختبار.


[1] الخميني ، روح الله: صحيفه نور ، اعداد مؤسسه تنظيم و نشر اثار امام خمينى- (تهران 2004). يضم النص الفارسي للمجموعة 21 جزءا ، تتوفر على العنوان الالكتروني : http://library.tebyan.net/alphaList.php?lang=1&char=17
تتوفر قائمة باعمال الخميني على العنوان الالكتروني :   www.imam-khomeini.com  .  وحول تطور الفكر السياسي للخميني انظر : نبوي : "تطور انديشه امام خميني" فصلنامه امام صادق ، العدد 6 ، (صيف وخريف 1988) . ن. إ:      www.hawzah.net/Per/Magazine/IS/006/is00604.htm
[2] Enayat, Hamid, “Iran: Khumayni’s Concept of the Guardianship of the Jurisconsult” in Piscatori, Islam in the political process, (Cambridge 1984), pp.160-180
[3] Abrahamian, Ervand, Khomeinism: Essays on the Islamic Republic, (Berkley 1993)
  [4] كديور، محسن: حكومت ولائي (تهران 2001)
[5] Binder, Leonard, Islamic Liberalism, (Chicago, 1988) p. 41
[6] Held, David, Political Theory and the Modern State, (Cambridge  1989), p. 120
[7] Easton, David, “An Approach to the Analysis of Political Systems” World Politics, vol. 9, issue 3 (Apr., 1957) pp.383-400: p.386-7
[8] Tsurutani, Taketsugu, “Stability and Instability”,  The Journal of Politics, vol. 30, no. 4. (Nov., 1968), pp. 910-933: p. 911
[9] Almond, G., “A Developmental approach to Political Systems”. World Politics, vol. 17, issue 2, (Jan., 1965) pp. 183-214: P. 192
[10] Apter, David, The Politics of Modernization, (Chicago 1965), pp. 66-8
[11] Held, op. cit,  p. 88
[12] Razi, G., ‘Legitimacy, Religion, and Nationalism in the Middle East’, The American Political Science Review, vol. 84, no. 1 (Mar., 1990) 69-91: p. 72
[13] Heywood, Andrew, Political Ideologies, (New York, 1998), p. 291
[14] Eickelman, D. and Piscatori, J., Muslim politics, (Princeton 1996), p. 24
[15] Billings, D., and Scott, S., “Religion and Political Legitimation”, Annual Review of Sociology, vol. 20 (1994), pp. 173-202: p. 173
[16] Omid, Homa, Islam and the Post-Revolutionary State in Iran, (New York 1994), p. 20
[17] Tabari, Azar, ‘Shi`i Clergy in Iranian Politics’ in Keddie, N. (ed.), Religion and Politics in Iran, (London 1983) p. 60
[18] Cottam, Richard, “The Islamic Revolution” in Keddie, N., and Cole, J. (ed.), Shi`ism and Social Protest, (London 1986), p 76-7
[19] بشيريه ، حسين : موانع توسعه در ايران (تهران 2001) ص 133
[20] Binder, L., “National Integration and Political Development”, The American Political Science Review, vol. 58, issue 3 (Sep., 1964) pp. 622-631: p. 631
[21] Arjomand, S., The Turban for the Crown, (New York 1989), pp. 77-8
[22] لبعض التفاصيل انظر توفيق السيف : ضد الاستبداد (بيروت 1999 ) ص. 120
[23] Algar, Hamid, The Fusion of the Gnostic and the Political in the Personality and Life of Imam Khomeini, retrieved on Oct. 20, 2003: www.khomeini.com/GatewayToHeaven/Articles/PersonalityofImam.html
[24] Cottam, op. cit., p. 78
[25] Cottam, ibid., p. 82
[26] السيف ، توفيق : نظرية السلطة في الفقه الشيعي (بيروت 2002) ص 136.  للمقارنة ، انظر راي الحائري في الروايات المنقولة عن الائمة بهذا المعنى : الحائري ، كاظم : ولاية الأمر في عصر الغيبة ، (قم 1994) ، ص. 77
[27] Nasr, S. V., “Democracy and Islamic Revivalism”, Political Science Quarterly, Vol. 110, No. 2. (Summer, 1995), pp. 261-285. p.  261.
[28] نقصد بالجمهورية هنا المفهوم القاعدي الذي يعبر عن فلسفة خاصة في السلطة والممارسة السياسية وليس الشكل الخارجي للدولة ، حول فكرة الجمهورية ، انظر: Oldfield, A., Citizenship and Community, (London 1990), p. 145
[29] Abed, S., ‘Islam and Democracy’ in Garnham, D., and Tessler, M. (ed.), Democracy, War and Peace in the Middle East, (Indianapolis, 1995) p. 121.
[30] See for example: Enayat, op. cit., p. 172 
  [31] الخميني: صحيفه نور ، ج 21 ، ص 34

[32] الخميني : المصدر السابق ، ص 88
[33] شبستري ، محمد مجتهد: نقدى بر قراءت رسمى از دين ، (تهران 2000) ص 168-171
[34]  بالمقارنة يجادل ارجمند بان ايا من فقهاء  القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلادي لم ينف شرعية السلطة في عصر الغيبة من حيث المبدأ. Arjomand, Said, The Shadow of God and The Hidden Imam, (Chicago1984) p. 234
[35] Arjomand, ibid., p. 267
[36] Akhavi, S., Religion and Politics in Contemporary Iran, (Albany 1980), p. 60
[37] Momen, M., "Authority and Opposition in Twelver Shi‘ism" in Burrell, R. M. (ed.) Islamic fundamentalism, papers read at a seminar held at School of Oriental and African Studies, March 10th.,1988,  pp. 48-66: p. 53
[38]  الصدر، محمد باقر: الاتجاهات المستقبلية لحركة الاجتهاد، مجلة الهادي ، قم ، السنة 2، العدد 3 (مارس 1973) . ن. إ:
http://209.61.210.137/uofislam/behoth/behoth_isol/06.htm
[39] Sachedina, A., The Just Ruler in Twelver Shi‘ism, (New York 1988) p. 26
[40] النائيني ، محمد حسين : تنبيه الامة وتنزيه الملة ، في السيف : ضد الاستبداد،  ص 255
[41] الخميني ، صحيفه نور ، 21 ، ص 5.
[42] الخميني : الحكومة الاسلامية . ص 24 . ن . إ. www.alwelayah.net/doc/books/khomaini/winrar/021.zip
[43] الخميني : المصدر السابق ، ص 12
[44] تبنى هذا الراي محمد حسن النجفي : جواهر الكلام ج 21 ص 397 ومرتضى الانصاري : المكاسب ج 1 ص 410
[45] الخميني : كتاب البيع (قم 1994) ج 2 ص 461
[46] الخميني : صحيفه نور ، ج. 18 ، ص 181
[47] انظر مثلا النجفي ، المصدر السابق
[48] الخميني : كتاب البيع ، المصدر السابق
[49]  بحر العلوم، محمد : بلغة الفقيه ( طهران 1983)  ج. 3  ص. 215
[50] العلامة الحلي : الالفين ، (الكويت 1985) ، ص. 65
[51] بحر العلوم : المصدر السابق
[52] الحلي : المصدر السابق ، ص 200
[53] منتظري ، حسين علي : دراسات في ولاية الفقيه (بيروت 1988) ج 1 ، ص 527
[54]  النائيني : المصدر السابق ، ص 256
[55] الطبرسي، الفضل: مجمع البيان في تفسير القرآن (بيروت 1995) ج 10 ص400
[56] انظر مثلا الهمداني ، اغا رضا : مصباح الفقيه (قم ، د.ت. ) ج 3 ص 108
[57] الانصاري : المصدر السابق ، ج 3 ، ص 553-554
[58] عرض سروش تمييزا بين المفهومين العرفاني والسياسي لمصطلح الولاية ، وهو يجادل بان المفهوم الثاني ينطوي على تفسير خاطيء للمصطلح . سروش ، عبد الكريم : بسط تجربه نبوى ، (تهران 1999) ص 278-280
[59]  المرتضى ، الشريف علي بن الحسين : رسائل الشريف المرتضى (قم 1405) ج 2 ، ص 90
[60] الخميني : مصباح الهداية الى الخلافة والولاية ، ص 76  www.al-kawthar.com/kotob/mesbah.zip
[61]  الخميني: الحكومة الاسلامية ، ص 26
[62] لتفاصيل حول التصور العرفاني للولاية التكوينية ، انظر الخميني : مصباح الهداية ، ص 84-90
[63]  الخميني : كتاب البيع ، ج 2 ، ص 466-467 ويشير الخميني في هذا النقاش الى رواية منسوبة للامام علي بن ابي طالب ، انظر الشريف الرضي : نهج البلاغة ، ص 80
[64] الخميني : المصدر السابق
[65] لتفصيل حول الموضوع والاراء المختلفة لعلماء الشيعة ، انظر السيف: نظرية السلطة ، مصدر سابق ، ص 273
[66] الخميني : كتاب البيع ، ج. 3 ، ص. 16
[67] الخميني : صحيفه نور ، ج 20 ، ص 233.
[68] الخميني : المصدر السابق ، ص 239
[69]  قائم مقامي ، عباس : قدرت ومشروعيت (تهران 2000) ، ص 116
[70]  الخميني : المصدر السابق ، ص 233
[71] Hall, S., “The state in Question” , in Hall, S., Held, D. and McLennan, G., The Idea of Modern State, (Open university press 1984), p. 7
[72] Bendix, Reinhard,  “Reflections on Charismatic Leadership” Asian Survey, Vol. 7, No. 6 (Jun., 1967), 341-352: p. 343
[73] Ake, Claude, “Charismatic Legitimation and Political Integration”, Comparative Studies in Society and History, Vol. 9, No. 1 (Oct., 1966), 1-13, p. 2.
[74] Cited in Ake, ibid., p. 1
[75]  الخميني : الحكومة الاسلامية ، ص 10
[76] الخميني : صحيفه نور ، ج 13 ، ص 9
[77]  الخميني : الحكومة الاسلامية ، ص 77
[78] تحولى ديگر در تاريخ فقه شيعه : فتاواى امام  ، (افتتاحية) ، مجله حوزه ، عدد 23 ، آذر ودي 1366 (ديسمبر 1987)، ن. إ.  http://www.hawzah.net/Per/Magazine/ho/023/Ho02302.asp
[79]  كلانترى ، على اكبر: حكم ثانوى در تشريع اسلامى ، الفصل الثاني . ن.إ. روجع في 8 فبراير 2004 في : www.balagh.org/lib/farsi/08_feqh/01/hokm-i%20thanavi%20dar%20tashri-i%20islami/04.htm
[80]   حجاريان ، سعيد : از شاهد قدسى تا شاهد بازارى (تهران 2001) ، ص 120
[81] Enayat, op. cit., p. 168