‏إظهار الرسائل ذات التسميات الافق التاريخي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الافق التاريخي. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 8 يناير 2020

من اللغة الى الرؤية الكونية



يستهدف هذا المقال التعريف بـ "توشيهيكو إيزوتسو" ، المفكر الياباني الذي كرس حياته لدراسة النص القرآني ، ونشر عنه تسعة كتب ، فضلا عن ترجمة كاملة للقرآن الكريم. وغرضي من هذا التعريف الموجز هو لفت الانظار الى اعمال هذا المفكر البارع ، التي أراها في غاية الأهمية والفائدة للباحثين والدعاة على السواء.
ولد ايزوتسو في طوكيو سنة 1914 وتوفي في 1993. ترجمت ثلاثة من كتبه الى العربية على يد الدكتور عيسى العاكوب ، كما نشرت ترجمة ثانية لكتابه "الله والانسان في القرآن" على يد الدكتور هلال الجهاد. وهذا اكثر اعمال ايزوتسو شهرة ، ربما لأن الموضوع الذي طرقه مبتكر وفريد في بابه.
وكتب الدكتور الجهاد في تقديمه للكتاب: ان دراسة ايزوتسو تعين على استيعاب أعمق لمرامي النص القرآني   ، حتى ليشعر المرء انه كمن يقرأه للمرة الأولى. ويقول ايضا ان بوسعنا ادراك مستويات المعنى العديدة في النص القرآني ، شرط أن نتجرد مؤقتا عن تأثير القداسة ، أي ان ننفصل عنه كي نراه من زاوية علمية بحتة. نعلم طبعا انه ليس يسيرا على المسلم ان ينظر في القرآن متجردا من تأثير القداسة الخاصة به. مع ذلك فان القران لايحتاج للتقديس كي يكشف عن كنوزه المعرفية. انه يحتاج فقط الى التامل العميق والصبر . تعدد مستويات المعنى أمر معروف عن القرآن. وحسب تعبير الامام جعفر الصادق ، فلو قلت انه سبعة ابحر او سبعون بحرا ، لما عدوت الصواب. المستويات الأعمق لا تنكشف في قراءة واحدة او زمن ثقافي واحد.
اراد ايزوتسو من كتابه "الله والانسان في القرآن" استكشاف الرؤية الكونية التي يدعو اليها القرآن. الرؤية الكونية هي الارضية الفلسفية التي تبنى عليها المنظورات الدينية الناظمة للعلاقة بين البشر ، وعلاقة البشر بالطبيعة ، والنظم التي تحدد كيفية تطبيق تلك المنظورات ، اي ما نسميه العقيدة او علم الكلام ، وما نسميه الشريعة او الفقه. كلا الامرين ، العقيدة والشريعة ينبغي ان يبنى على رؤية عقلانية وموحدة للعالم ، كي يكون منسجم الاجزاء ومعقولا.
اما منهج البحث الذي اتبعه ، فهو دراسة المعجم اللغوي للقران. اي التعابير التي صنفها كمفاتيح لفهم الحقل الدلالي الذي يؤدي في مجموعه ، وظيفة تفسيرية او توجيهية ، ترتبط بالمنظور الديني الاوسع. وفقا لايزوتسو فان الحقل الدلالي يتشكل من منظومة مفاهيم مفتاحية ، تتحول معه الكلمات والعبارات لتؤدي معاني جديدة ، مغايرة – بقدر او بآخر – لمعانيها الاساسية. كلمة "الساعة" مثلا لها معنى اساسي هو المدة الزمنية المعروفة. لكن حين تمر بآية "بل الساعة موعدهم والساعة ادهى وامر" فانك ستقرأها في اطار الحقل الدلالي المرتبط بيوم الحساب. أي ان المعنى الجديد للكلمة مستمد من السياق الذي وردت فيه.
وفقا لايزوتسو فان اللغة ليست اداة للتعبير عن معنى بسيط ، بل هي شريك في تكوين معاني الاشياء. ولذا فان دورها يتجاوز حدود التعبير عن الاشياء ، الى المساهمة في تشكيل الثقافة وتحديد حدودها ايضا. 
اراد ايزوتسو اذن تحليل لغة القرآن ، كي يصل الى منظور فلسفي تأسيسي. دعنا نقارن هذا بعمل محمد شحرور ، الذي تبنى منظورا فلسفيا واتخذه منطلقا لقراءة لغة القرآن. لقد عمل الرجلان على نفس الموضوع (نص القرآن) لكن اغراضهما كانت مختلفة. هذا وحده يكشف جانبا من المخزون المعرفي للنص القرآني ، الذي يستحيل ان يستوفيه نهج تفسيري بعينه أو زمن ثقافي بعينه.
الشرق الاوسط الأربعاء - 12 جمادى الأولى 1441 هـ - 08 يناير 2020 مـ رقم العدد [15016]
مقالات ذات علاقة

الأربعاء، 20 يونيو 2018

التشريع بين المحلي والكوني


في مقاله "الحيوية الفقهية والمستجدات الدنيوية" (الشرق الاوسط 14 يونيو) تعرض الاستاذ فهد الشقيران لمسألة طالما بقيت في هامش اهتمام المتحدثين في الفكر والفقه الاسلامي وتجديده ، اعني بها التمييز بين الاحكام ذات الطبيعة الكونية ، ونظيرتها التي تعالج قضايا محلية أو مؤقتة فحسب. وقد أجاد الكاتب في التنبيه لهذه المسألة الهامة.
من حيث المبدأ يتفق علماء الاسلام على ان أحكام الشريعة نوعان: ما يتعلق بحادثة أو ظرف خاص ، فلا يسري على غيرها ، وما هو حكم عام في كل القضايا التي موضوعها واحد. ويتعلق بالموضوع ايضا مسألة الثوابت والمتغيرات. وفحواها ان بعض الاحكام ثابتة في كل زمان ومكان ، وبعضها متحول ، لان الظرف الزماني والمكاني جزء اساسي في تشكيل موضوع الحكم. وهذا ايضا من موارد الاتفاق قديما وحديثا.
تقترح هذه المقالة معنيين للمتغيرات ، يقوم أولها على التمييز بين المحلي والكوني ، وهو ما أشار اليه الاستاذ الشقيران.  ويقوم الثاني على التمييز بين المراحل المختلفة للحكم ، من حيث ارتباطه بتطور المجتمع. وهو يرتبط مع الاول من بعض الوجوه. لكني سأتركه لوقت آخر.
لا شك ان استيعاب المجتمع المتلقي للرسالة السماوية ، وقابليته لاعادة انتاجها على شكل دعوة لغير المؤمنين ، هو غرض مقصود بذاته. لو لم يستوعب عرب الجزيرة معنى ومقاصد الرسالة ، لما تحولت من تيار صغير الى كيان قوي ومن ثم امة كبيرة ، خلال فترة قصيرة نسبيا. نعلم ان سرعة الاستيعاب والتفاعل ، كان ثمرة لنزول الخطاب بلغة مألوفة ، ومخاطبته للعقول والعواطف بصورة متوائمة. وأحيل من اراد التعمق في هذه المسألة الى كتاب المستعرب الياباني توشيهيكو إيزوتسو "الله والانسان في القرآن" الذي ركز على الجوانب الدلالية للغة القرآن ، وكيفية ربطه بين السائد والمحلي ، وبين الرسالة الداخلية للنص. هذه اللغة - الشفافة حسب وصف ايزوتسو - مكنت العربي القديم من النفاذ الى مقاصد الخطاب ، عبر مفاهيم سائدة ومألوفة.
الاحكام التي ذكرت في القرآن والسنة ، التي تنظم العلاقة بين الناس وسلوكياتهم ، ليست استثناء من هذه القاعدة. وأشير هنا الى رأي الفقيه الهندي شاه ولي الله الدهلوي (1703-1762م) في كتابه "حجة الله البالغة" وفحواه ان العديد من الاحكام الشرعية ، بما فيها بعض العقوبات ، ليست من انشاء الشريعة ، فقد كانت معروفة سابقا ، فتبناها الاسلام بعدما ادخل عليها تعديلات.
بعبارة اخرى فقد عمد الشارع الى ما تعرفه المجتمعات المحلية ، وما تعارفت عليه – يومئذ - كنظام معقول وعادل ، فتبناه بذاته او بعد تعديله. ولو جاء بمنظومة احكام جديدة تماما ، فلربما وجدها الناس غريبة او متعارضة مع طبائعهم ونمط حياتهم ، ولربما انكرتها انفسهم.
يميز هذا التحليل بين الحامل (اللغة القومية والعرف المحلي) والمحمول (الدين/الشريعة). يمكن للدين وشريعته ان يخاطب اقواما ومجتمعات مختلفة في ثقافتها وتجربتها التاريخية وهمومها. يمكن ان نضرب مثالا بمجتمع اوربا او اليابان او افريقيا. لكنه حينئذ سيحتاج لطريقة خطاب مختلفة ، في اللغة والمفاهيم الحاملة للفكرة وكذلك منظومات الاحكام.
زبدة القول ان الدين جزءان: اولهما الحقائق الكبرى وهي جوهره ، والوسيط بين كل انسان وبين الخالق سبحانه ، وثانيهما القوانين الناظمة للحياة الاجتماعية ، وما فيها من تعاملات وعلائق. الأول كوني وهو الثابت ، اما الثاني فمتغير بحسب طبائع المجتمعات وهمومها وتاريخها الثقافي.
الشرق الاوسط الأربعاء - 6 شوال 1439 هـ - 20 يونيو 2018 مـ رقم العدد [14449]

"الفرج بعد الشدة"

|| ما تحدثه الاوبئة من فتك بالبشر، ومن فوضى واضطراب في نظام العالم، تولد شعورا قويا بالحاجة للتغيير، اي ابتكار بدائل عن نظم عجزت عن احت...