الثلاثاء، 21 يناير، 2014

يبررون تقصيرهم أم يبيعون الوهم على الناس؟


وزير التجارة تنصل من المسؤولية لأن الجامعة لم تطلب ترخيصا، وهذه نفضت عباءتها أيضا لأن صناعة السيارات ليست من وظائفها. هكذا جرى الأمر ببساطة
.
لكن "غزال" لم تكن مجرد سيارة صممت في جامعة سعودية. بل كانت خشبة إنقاذ لآمال وتطلعات حكم عليها بالخيبة والخذلان. الحماسة التي رافقت إعلان الجامعة عن التصميم، ورعاية الملك الشخصية لحفل التدشين، وعشرات الملايين التي صرفت على إنتاج النسخة الأولى "وعلى الإعلانات الصحفية والاحتفال" كانت استجابة لشعور عميق يعرفه قادة البلد مثل جميع السعوديين، شعور يعبر عنه السؤال المزمن: لماذا عجزنا عن إنتاج أي شيء يثير الاهتمام؟
منذ 1971 وضعنا تسع خطط تنموية، وتخرج في جامعاتنا آلاف المهندسين، وأنفقنا مئات المليارات على استيراد ملايين المركبات والمكائن، لكنا لا نزال نستوردها اليوم كما كنا نفعل قبل نصف قرن.
هذا ليس سؤالا في الاقتصاد أو المالية. أنه سؤال في السياسة، فحواه ببساطة: هل يدرك كبار الإداريين الهموم المنبعثة في داخل المجتمع السعودي، الهموم التي تتولد في نفوس الناس، حين يواجهون بسؤال: لماذا نجحت دول أخرى، بعضها اقتصاده متواضع نسبيا، مثل المغرب وتونس وتركيا في صناعة السيارات، وأخفقنا؟
هو سؤال عن قدرة الإدارة الرسمية على فهم تطلعات المواطنين وهمومهم، وهو سؤال عن مدى اهتمام الإداريين بتنفيذ ما قررته الحكومة سلفا لتنمية البلد وصناعة مستقبلها.
أتفق تماما مع إدارة الجامعة في أن صناعة السيارة ليست من مسؤولياتها، وأتفق تماما مع وزير التجارة في أن مهمته ليست إنشاء المصانع. لكن الذي يثير الريبة ليس هذه الأشياء. ما يثير الريبة هو أن إدارة الجامعة كانت قد وعدت في 2010 بأنها ستشارك في تأسيس شركة تقيم مصنعا، وحددت موعدا للبدء في الإنتاج. فهل كانت هذه مهمتها قبل ثلاثة أعوام، أم كانوا يجهلون مهماتهم يومذاك، أم أرادوا ببساطة بيع الوهم على الناس؟
وزير التجارة يثير الريبة ــــ والحنق أيضا ــــ بتملصه الذي يبدو مقصودا من الإجابة عن مسؤوليته في توطين الصناعة، وتطبيق مقولات خطط التنمية الخمسية، التي تتضمن مثلا "توسيع قاعدة الإنتاج الوطني" و"توطين التقنية" و"تشجيع الاستثمار المحلي"، أي الأسئلة التي تتعلق بمستقبل البلد، الأسئلة التي تمثل تطلعات وانشغالات لمعظم المواطنين. لم يقل الوزير إن وظيفة الوزارة تحولت من تنمية البلد إلى إصدار التراخيص، لكن جوابه يشي بهذا المعنى. وكان الأجدر به أن يخبرنا عن الأسباب التي تعطل قيام صناعة سيارات، في بلد يستهلك نحو مليون سيارة سنويا. هل هو شريك في هذا التعطيل أم ثمة أسباب وعوامل لا يعرفها أو لا يريد الإفصاح عنها؟


الثلاثاء، 14 يناير، 2014

عن العالم المحبوب


ذكرت في مقال الأسبوع الماضي أن البرمجة القسرية للجيل الجديد، سبب رئيس لتأخر المجتمع وضيق مساحة الإبداع. الفرد الذي يتربى منذ الطفولة على "الاستسلام" لإرادة الغير، سيكون أميل الى التملق والمجاملة والعيش وفق المتاح، بدل التألق والمكابدة والسعي وراء المغامرة الذهنية والحياتية
.
يخبرنا التاريخ أن المغامرات الذهنية والحياتية للأفراد، هي التي أعطت البشرية أعظم المبتكرات وأرست قواعد المدنية، منذ قديم الزمان وحتى اليوم. هذا صحيح في السياسة، وصحيح في الحياة الاجتماعية، كما أنه صحيح في العلم والاقتصاد.
البديل الذي ندعو إليه هو تمكين الفرد من أن يكون كما يشاء، أن يفكر كما يريد، أن يعيش حياته متصالحا مع ذاته، منتميا لتطلعاته وطموحاته الخاصة، قادرا على صناعة حاضره ومستقبله بحسب ما يراه صالحا لشخصه، سواء تناغم مع المجتمع أو خالفه، وسواء قبل بأعراف وتقاليد الجماعة أو تمرد عليها. المصالحة مع الذات تعني تمكين الفرد من إعلان ما يستبطن وما يسر في نفسه، بدل العيش بوجهين.
لكن هذا مستحيل دون تحول جوهري وعميق في الثقافة العامة. في الوقت الحاضر، يتربى الفرد على أن المصلحة المحترمة هي مصلحة غيره: مجتمعا كان أو بلدا أو أمة أو حزبا أو قبيلة أو طائفة. لو اتفق أكثر الناس على رأي أو تصور للمصلحة المشتركة وخالفها فرد أو بضعة أفراد، فلن ينظر أحد في احتمال أن يكون رأي هذا الفرد أو ذاك، هو الصواب، ورأي الجماعة هو الخطأ. المعيار الوحيد لقبول الرأي أو رفضه، هو موقف الجماعة منه، بغض النظر عن محتواه.
يتوقف الفرد أحيانا عند هذه المعضلة، ويتساءل: لماذا يجب عليه أن يتبنى مصلحة غيره ويضحي بمصلحته الخاصة؟ ينصرف هذا السؤال إلى سؤال آخر أعمق، فحواه: لماذا أصبحت قيمتي كفرد، مرهونة بانتمائي للجماعة ومداهنتي لها واستسلامي لنظام حياتها؟
واقع الأمر أن مجتمعنا مثل سائر المجتمعات العربية، لا يعترف بوجود مستقل للفرد. تتحدد قيمة الفرد ومكانته والفرص المتاحة له، بناء على وصفه العائلي أو السياسي أو الاجتماعي، وليس كفاءته الشخصية. سؤال "وش ترجع"، أي: إلى أي اطار اجتماعي تنتمي، يلخص هذه الحقيقة.
استسلام الفرد لهذا الواقع يثمر عن قيام عالمين: عالم ثقيل على نفسه، يعيشه حين يكون وسط الناس، وعالم محبوب يعيشه حين يغلق باب داره، أو حين يسافر خارج بلده. كل منا يعيش حياة مزدوجة كهذه، وكل منا يشعر بثقلها على نفسه، سيما حين يجرب السفر خارج البلد، أي حين يتحرر من رقابة المجتمع. فهل نريد المحافظة على هذه الحياة الثقيلة؟ وهل نريد توريثها لأبنائنا؟

الثلاثاء، 7 يناير، 2014

إعادة إنتاج التخلف


إبراهيم البليهي واحد من المفكرين الذين حملوا السلم بالعرض كما يقال. لسنوات طويلة ألح البليهي على أن أهم عوائق النهضة هو البرمجة الذهنية، التي يمارسها المجتمع على أجياله الجديدة من خلال التربية والتعليم، فيحولهم إلى نسخ مكررة عن الماضين. الجانب الموجع في هذا السلوك هو اقتناع معظم الناس بأن علاقة القسر هذه ضرورية وأنها ضمان للفضيلة
.
ولا يخلو الأمر من مفارقات. ستجد مثقفا يسخر ممن يقلد غيره في فكرة أو رأي. لكنه هو ذاته يتغنى بالمقولة المشهورة "الاتباع لا الابتداع"، ويعمل على إقناع الناس بالتزام الآراء والأفكار والتقاليد التي ورثناها من الأسلاف.
البديل الذي يدعو إليه البليهي هو "التلقائية"، بمعنى أن تكون كما تريد، ولو خالفت جميع الناس، أن تطلق خيالك إلى أبعد مدى يمكن أن يقاربه، ولو أوصلك إلى أفكار غريبة أو مستنكرة، أن تنظر إلى نفسك ككينونة مستقلة، ولو كنت مؤمنا بالإطار الاجتماعي الذي تنتمي إليه، أن تدافع عما تظنه مصلحة خاصة لك، ولو تعارضت مع تصور الآخرين للمصلحة العامة أو حقوق الجماعة.
مجتمعنا الذي يشكل الشباب نحو ثلثي أعضائه يتعرض للشيخوخة المبكرة، لأننا نقسر الشباب على تقليد نمط الحياة والقيم التي ورثناها أو صنعناها وألفتها نفوسنا، رغم سعة الفاصل الثقافي بيننا وبينهم. إني أستمع للشباب يتحدثون اليوم عن أفكار وتطلعات لم أعرفها، بل لم يصل إليها خيالي حين كنت في مثل عمرهم. في منتصف سبعينيات القرن العشرين، كتب المرحوم دكتور قسطنطين زريق أن المعرفة المتوفرة في العالم تتضاعف مرة كل 30 عاما. وأظن اليوم أن المعرفة المتاحة لعامة الناس، ولا سيما الشباب، تتضاعف مرة على الأقل كل عامين أو ثلاثة. أي أن المجال الذي يفكر فيه شبابنا ويصنعون من خلاله تطلعاتهم وتصورهم لمستقبلهم، أوسع من مجالنا بما لا يقل عن 20 ضعفا. هم أعلم منا بحياة اليوم، وهم أقدر على الوصول إلى المعارف الجديدة والفرص الجديدة. فكيف نقسرهم على الانحصار في القليل الذي عرفناه في الماضي؟
القسر الذي نتحدث عنه، هو ببساطة تربية الجيل الجديد على اتباع الموروث، فكرة كان أو عرفا أو أسلوب حياة، وتقديمه لهم كإطار وحيد للفضيلة. هذا يؤدي ـــ بالضرورة ــــ إلى تجريد الأفكار الجديدة من أي قيمة، وربما اعتبارها "بدعة". لا خير في ذلك الموروث ولا فائدة، ولو كان خيرا لما صرنا أضعف الأمم وأقلها إنتاجا على كل صعيد.
إذا واصلنا "ضخ" تلك الأعراف والتقاليد والأفكار المتخلفة في عقول أبنائنا، فلن يكونوا غير صور مكررة عنا، وسيبقون أسرى لماضينا المتخلف وسيواجهون كل الإخفاقات وأصناف الفشل التي اختبرناها.