الخميس، 17 نوفمبر، 2011

ما بعد انكشاف السحر: معالم المرحلة التالية


في هذا العام انكشف السحر وافتضح كهنة السياسة وسحرتها فلم تعد ألاعيبهم مصدر قوة وحيد. كل شاب، فقيرا كان أو غنيا، في أعلى الطبقات أو في الهامش، أضحى قادرا على استنباط القوة وتوليدها، بمجرد اغتنام فرصة التدفق التي أتاحها تطور نظم الاتصالات الشبكية. هذا ما توصل إليه الزميل العزيز عبدالمجيد البلوي في مقاله الرائع “ثورات نجم البحر العربية”. لحظة انكشاف السحر هي اللحظة التالية للمعرفة الأولى أو ما نسميه الوعي.

ماذا عن المرحلة التالية، وسؤالي يتجه خصوصا لأصحاب الرأي والطامحين من شبابنا بنين وبنات. ثمة آلاف من شبيبة بلدنا ينظرون اليكم كرواد، كناصحين، كعلامات في طريق المستقبل، فما الذي تريدونهم أن يفعلوا؟ لقد أصبح بيدهم أن يختاروا بين الآراء والطرق والاتجاهات. فما هي الخيارات التي تقترحونها عليهم؟.

إذا كان الواقع الذي نعيش مريرا وغير مقنع، وإذا كنا نستحق أفضل مما هو قائم، وإذا زعمنا أن تغيير هذا الواقع ضروري وممكن، فما هي الطرق البديلة التي ربما تحملنا إلى واقع أكثر انسجاما مع إنسانيتنا، أكثر تجاوبا مع همومنا وانشغالاتنا، وأكثر تعبيرا عن ذاتنا الحرة المتحررة. هذا باب من النقاش ينبغي أن يفتح على مصراعيه. كل واحد منا، بل كل واحد من أهل بلدنا، يجب أن يسأل نفسه: ما هي طريق الإصلاح وما هي أهداف الإصلاح؟

  معالم الطريق
نحن شعب لم يتذوق طعم الحرية إلا عابرا، ولم يعرف المشاركة في الشأن العام إلا سماعا عن فعل آخرين. لم نقرر يوما طريقنا ولا شاركنا في صوغ حياتنا الجمعية، ولم يسألنا أحد: أي مستقبل نريد؟. كنا وما نزال رعية تقاد راضية أو راغمة، حاملة أو محمولة، واعية لما يراد بها أو غافلة. ولذا فإن الكثير من النقاشات السابقة حول الحرية والمشاركة، كانت أقرب إلى التمني والرغبة منها إلى التبني بعد التمحيص. لا يستطيع فهم الحرية ولا يدرك قيمتها من لم يجربها في حياته اليومية. ولا يستوعب أهمية المشاركة الشعبية في السياسة من يشاهدها من مدرجات المتفرجين.

أولئك الذين أنعم الله عليهم - في هذا العام خصوصا - بنعمة الحرية، وانفتحت لهم أبواب المشاركة، يدركون اليوم قيمتها وضرورتها، ولهذا يحرصون أشد الحرص على أن يكونوا لاعبين في الميدان لا متفرجين. انظروا كيف تغير الناس في ظرف أسابيع، من متشككين في الحرية والديمقراطية، إلى مشاركين في ميدانها.

تلك النقاشات لا طائل وراءها لانها تتجاوز البداية الصحيحة. الإشكالية الكبرى في السياسة ليست تطبيق الشريعة أو عدمه، بل إقامة العدل بين الناس. والمزاحم الأهم للحاكم ليس القانون الشرعي أو العلماني، بل سيادة القانون، وأولى حاجات الناس ليس لقمة العيش بل الحرية المضمونة بالقانون.
بعبارة أخرى فان البداية الصحيحة لأي نقاش في السياسة هي تحديد القيم الكبرى التي تمثل معايير لصلاح الحكم أو فساده. وأبرزها العدل، الحريات الفردية والمدنية، المساواة، سيادة القانون.

لا يكون الحكم صالحا رشيدا إلا إذا اقام العدل واستهدف - من خلال سياساته وعمله اليومي - إرساء العدل وتعميمه. وأول تجليات العدل هو ضمان الحريات الفردية والمدنية لكل مواطن. الحرية في التفكير والاعتقاد والتعبير والانتقال والعمل والتملك، ليست اعتبارات تحسينية، بل هي شرط لكمال إنسانية الإنسان.

 لا تكتمل مروءة الإنسان ولا كرامته ما لم يكن حرا. الحرية تعني أن تعيش على النحو الذي تختاره وأنت مطمئن، لأن القانون يحمي حريتك. هذا ما يسميه القرآن الكريم - في سورة قريش - بالأمن.
ولا يتحقق العدل دون المساواة في الفرص والمساواة أمام القانون، لا يحتاج الناس إلى مال الدولة ولا عونها، فهم قادرون على بناء حياتهم إذا كانت الفرص والموارد العامة متاحة للجميع بالتساوي.

لكن بلوغ المساواة أمر عسير فالسلطة تغري بالفساد، والقوة تغري بالعدوان، ولذا فإن تحقيق المساواة لا يتيسر إلا إذا قام الحكم، ونظمت العلاقة بين الدولة والمجتمع، وفق مبدأ سيادة القانون. سيادة القانون تعني أنني أخضع للقانون وليس لشخص الحاكم، وتعني أنني والحاكم، الوزير والفقير، الصغير والكبير، جميعهم يخضعون لذات المباديء وذات الحدود.
هذا ما أظنه أبرز المعالم في طريق الإصلاح الذي يستحق أن نسعى إليه. وقد عرضتها مختصرة، وأطمع في أن أرى أصدقائي يشاركون في مجادلتها أو اقتراح بدائل عنها، لقد حان الوقت كي نطرح ما نريد وما نسعى إليه.

-« موقع المقال » - 17 / 11 / 2011م 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق