25/06/2026

تصور جديد للتنمية الاقتصادية

في 1990 تبنى برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ، مشروعا موسعا للارتقاء بمستوى المعيشة لكل سكان العالم. واتفقت الدول الأعضاء يومئذ ، على تكييف سياساتها الاقتصادية ، كي تنسجم مع مستهدفات المشروع. واطلق على منظومة الأهداف هذه اسم "مؤشر التنمية البشرية". تولى وضع هذا المؤشر اثنان من الخبراء المعروفين على مستوى العالم ، هم محبوب الحق ، من باكستان، وريتشارد جولي من سكوتلندا. ووضعت المؤشرات على ضوء نظرية الفيلسوف الهندي امارتيا سن.

مؤشرات  التنمية البشرية

ينظر الى اعلان هذا المشروع كتحول جوهري في مفهوم التنمية والتقدم ، لأنه غير طريقة التفكير في مشروعات التنمية. فبدلا من التركيز على المعايير الاقتصادية في قياس النتائج ، إنتقل الاهتمام الى تمكين الافراد من الاعتماد التام على انفسهم ، وتوسيع نطاق الخيارات المتاحة لهم ، ومدى استخدامهم لها في تحقيق تطلعاتهم الحياتية بأنفسهم.

بالنسبة لبعض الناس ، ربما الكثير منهم ، يبدو هذا الكلام نظريا مجردا. ولعلهم يقولون لانفسهم: في نهاية المطاف نحن نريد دخلا جيدا ، يوفر سكنا لائقا ورعاية صحية وتقاعدا مريحا. واذا كان الحال على هذا النحو ، فلماذا نطيل التفكير في الخيارات والمعايير والاستقلال؟. بل ان بعضهم يقول بضرس قاطع: اذا كان علي ان اختار بين المال والاستقلال الشخصي وسعة الخيارات المتاحة للمواطن ، فسوف اختار الأول بالتاكيد.

هذه - على أي حال - آراء مختلفة في الحياة. ثمة من يحسب قيمة الحياة وجودتها ، بمقدار ما يملك من أشياء. وثمة من يحسبها ، بمقدار ما يتاح له من فرص وخيارات ، أي بقدر ما يكون حرا في حياته. فاذا رأيت التصور الأول أقرب لقلبك ، فلا تهلك نفسك في اقناع الاخرين. واذا اقتنعوا بالرأي الثاني فلست مضطرا لتبرير مخالفتك لهم.

كانت نظرية  التنمية الكلاسيكية قد افترضت ان تحسن الحراك الاقتصادي ، سوف يلبي الحاجات الحياتية الرئيسية لعامة الناس ، فيحصلون على السعادة المنشودة. لكن امارتيا سن رأى ان توفر المال بذاته ، لا يؤدي للسعادة ، الا اذا ذهبنا مذهب البخلاء ، الذي يحققون اعلى درجات السعادة حين ينظرون للمال المتراكم في خزائنهم. لحسن الحظ فان البخلاء اقلية في العالم.

لو تأملنا قليلا في أحوال الناس ، لرأينا ان الثروة بذاتها لا تصنع السعادة ، وان كانت تعين على ذلك بكل تأكيد. ويذكر في هذا الصدد ، ان الخدم في قصور اباطرة الروس القدامى ، كانوا من اغنى الناس ، بل كانوا يملكون قرى بأكملها. ومع ذلك كانوا محرومين من ابسط خيارات الحياة ، مثل الخروج مع أبنائهم في رحلة قصيرة ، أو بيع شيء من املاكهم ، أو تزويج بناتهم وابنائهم ، الا باذن القيصر.  أي انهم كانوا – بصورة من الصور – عبيدا او شبه عبيد ، لكنهم أثرياء.

ويذكر في نفس السياق قصة أشخاص ثلاثة ، أولهم يتضور جوعا لأنه لا يملك طعاما ولا ثمن الطعام.  والثاني يصوم النهار كله لسبب ديني ، رغم امتلاكه الكثير من المال والطعام ، والثالث يملك اضعاف ثروة صاحبه ، لكنه ممنوع من الاكل بسبب مشكلاته الصحية. واضح ان الأول والثالث لا يملكون حرية الاختيار ، بخلاف الثاني. فاي الثلاثة هو الأكثر سعادة: الغني المريض ، ام الفقير المعدم ، ام الذي يصوم باختياره؟.

كيف اذن نحقق المعادلة الصعبة: توفر مستوى معقول من المعيشة + خيارات متسعة؟.

وفقا لامارتيا سن فان مشروعات التنمية ينبغي ان تستهدف غايتين ، اولاهما توفير قدر معقول من مصادر العيش ، التي تساعد عامة الناس على بلوغ المتوسط العام للمعيشة في بلدهم. ويتضمن هذا الغرض توفير الوظائف (او ممكنات الاعمال) والرعاية الصحية والتعليم والاتصالات. اما الغاية الثانية فهي تطوير البيئة القانونية والمؤسسية للبلاد ، كي تحمي وتسهل المبادرات الفردية ، وأبرز تمثلاتها هو تساوي الناس جميعا امام القانون ، وإمكانية الشكوى امام قضاء مستقل.

الشرق الأوسط الخميس - 10 مُحرَّم 1448 هـ - 25 يونيو 2026م   https://aawsat.com/node/5288208

مقالات ذات علاقة

ارامكو واخواتها : الشفافية الضرورية في قطاع الاعمال
التنمية على الطريقة الصينية : حريات اجتماعية من دون سياسة
ظرف الرفاهية واختصار الكلفة السياسية للاصلاح
العدالة الاجتماعية كهدف للتنمية
 العدالة الاجتماعية وتساوي الفرص
العلاقة الاشكالية بين السوق والسياسة
قرش الخليج الابيض
كي نتحول الى دولة صناعية
كي نتخلص من البطالة
متى تملك بيتك؟
المجتمع السري
معالجة الفقر على الطريقة الصينية
من دولة الغلبة الىمجتمع المواطنة: مقاربة دينية لمبدأ العقد الاجتماعي
نحو نماذج محلية للتنمية
النموذج الصيني في التنمية
هل نحتاج حقا إلى طريق ثالث ؟
 
 
 

18/06/2026

صناع التقدم : العامة لا النخبة

اطروحات مالك بن نبي مهمة لمن ينظر للاختلال الثقافي ، كمعيق للنهوض العلمي والاقتصادي في المجتمعات العربية. تحدث مالك عن "الدروشة" التي حولت التراث من معرفة نشطة الى مخدر للروح. كما دعا لعقلنة الثقافة التي تحدد اتجاهات السلوك الفردي والجمعي.

امارتيا سن

الانسان هو نقطة الاشتباك في أي نقاش حول التقدم. هذا رأي لا يجادل فيه أحد ، كما أظن. وهو يستدعي سؤال ضروريا: طالما اتفق الناس على انهم ، كلا منهم ، نقطة الاشتباك ومحور الجدل ، فهل يعون أيضا ما الذي ينبغي فعله كي نتقدم؟. واذا كانوا يستوعبون ابعاد هذا السؤال ، فهل يحاولون فعليا وضع اقدامهم على طريق التقدم ، أي هل يحاولون العثور على الجواب العملي لذلك السؤال؟.

اريد هنا إيضاح نقطة ترد الى ذهني بين حين وآخر ، وخلاصتها ان العمل الفكري الهام لمالك بن نبي ، لم يتواصل على يد مفكرين آخرين من بعده. أو لنقل على سبيل التحفظ ان المشروعات الفكرية التي تستهدف نفس الغاية ، أي التقدم ، ليست كثيرة او مترابطة ، بل يبدو كل منها مثل نخلة منفردة في صحراء ، يثير الاهتمام ، لكن يصعب التعرف على الخيوط التي تربطه بماقبله.

اعتقد اننا بحاجة لشيء يشبه عمل الفيلسوف المعاصر  "أمارتيا سن" الذي وقف أمام فرضيات "جون رولز" في نظريته الشهيرة حول العدالة ، ثم قال لنفسه: كل بلد ، حتى أكثرها فقرا ، تتوفر فيه فرص كثيرة لتحسين معيشة الناس. لا يوجد بلد خال من الفرص. لماذا؟. لأن الفرص يخلقها الناس ، شرط ان لا ينشغلوا بالحدود الضيقة لما يرونه بعيونهم ، أو يسمعونه بآذانهم. ثمة في العالم فرص وفيرة. لكنك شغلت نفسك بالبحث عن تبرير للفشل ، او تركت الفعل الخلاق الإيجابي ، وتفرغت لمراقبة ما يفعله هذا وذاك ، كي تعثر على زلة تحولها الى قصة. ولهذا السبب او لغيره ، عجزت عن تخيل الفرص التي يحصل عليها غيرك او يخلقونها.

في أحاديثه الكثيرة حول الانسان صانع الحضارة ، اكتفى مالك بن نبي بالتأكيد على ما يمكن ان نصفه اليوم بالفردانية ، أي استقلال الفرد في تفكيره وتحمله مسؤولية حياته وأفعاله. ونعرف ان هذا شرط محوري للنهوض الاقتصادي والعلمي.

لكن مالكا لم يخبرنا كيف نخلق هذا الشعور عند جميع الناس ، خاصة الأكثر حاجة للتقدم ، أي  الطبقات الفقيرة والمعدمة. بل استطيع القول ان تأكيده المتكرر على الصفات الريادية للإنسان المؤهل لصناعة الحضارة ، أوقعه في مشكلة أخرى وهي النخبوية. فالمستفاد من كلامه ان صناع الحضارة ، هم نخبة المجتمع وليس عامة الناس. هذا يتعارض جوهريا مع الواقع القائم في عالم اليوم ، حيث ينظر لجمهور الناس كصناع للمدنية ومستفيدين منها.

أعود الى امارتيا سن الذي ركز في نظريته عن العدالة على مبدأ تمكين عامة الناس من الإمساك بأقدارهم والسير في طريق التقدم. فكرة التمكين empowerment تجمع بين مفهومين: المعرفة والإرادة. وأرى  ان المعرفة هي التي تفسح الطريق لبروز الإرادة. واقصد المعرفة العامة التي تجعل الانسان العادي مطلعا على العوالم البعيدة عن مداه الجغرافي والبصري ، فيتعرف – تبعا لذلك – على الفرص المتاحة في هذه العوالم. ويذكر في هذا السياق ان حكومة الهند وزعت في سبعينات  القرن العشرين ، عشرات الالاف من أجهزة الراديو ، على العائلات الفقيرة في الأرياف ، كي تتعرف على الفرص المتاحة بعيدا عنها  ، ومن بينها فرص التعليم والصحة والأساليب الجديدة في الزراعة.. الخ. تلك الخطوة على بساطتها حسنت بشكل ملموس شبكة الخدمات العامة في الريف ، وعجلت في ربطه بالاقتصاد الوطني ، فتحسنت معيشة الناس.

هذا هو نموذج التقدم الذي نناقشه: حراك تنموي يخدم عامة الناس ، ولاسيما اقلهم حظا. وهو لا يستهدف إنشاء نخبة ، بل تحريك الطبقات الواقعة في أدنى السلم. في اعتقادي ان هذا اسرع طريق للتقدم. وللحديث بقية.

الشرق الأوسط الخميس - 03 مُحرَّم 1448 هـ - 18 يونيو 2026 م   https://aawsat.com/node/5285470

 مقالات ذات صلة

الانسان ، التراب ، والوقت .. عودة لنقاش قديم
الوحدة الاوربية "آية" من آيات الله
في معنى "الدروشة" وتطبيقاتها
تفكيك التداخلات
كيف نتقدم.. سؤال المليون
التقدم اختيار.. ولكن
اختيار التقدم
المكنسة وما بعدها.. هل جربت صنع المكنسة؟
اصلاح العقل الجمعي
الهندسة الثقافية: تمهيد موجز
بعض التمثيل .. قد ينفع

دور الراي العام في التشريع
مكانة العامة في التفكير السياسي الديني: نقد الرؤية الفقهية التقليدية للسلطة والاجتماع السياسي

11/06/2026

الانسان ، التراب ، والوقت .. عودة لنقاش قديم

هذه مراجعة لرؤية المرحوم مالك بن نبي حول الاركان الثلاثة التي تقوم عليها الحضارة ، أي الانسان والتراب والوقت ، مع تعديل أراه ضروريا ، كي تستوعب تحولات الفكر في يومنا الحاضر.

المرحوم مالك بن نبي

اعلم ان بعض الناس يرى هذا الموضوع قليل الاهمية ، وان المسائل العملية اللصيقة بالواقع اليومي هي الجديرة بالاهتمام. لكني اجد أيضا أن غالبية أهل الرأي ، متفقون على ان مفتاح التقدم هو تطوير الاقتصاد والتعليم والبحث العلمي وتوطين التقنية. ان اهتمامهم بالمنطق الرياضي والحسابات ، التي تشكل عماد التقنية المعاصرة ، بدل البلاغة وبديع الكلام ، دليل على ايمانهم بمحورية المعارف النظرية ، التي تشكل الأرضية والاطار الضروري لتطوير التقنيات العملية.

اعتقد ان الجميع متفق على ضرورة النهضة ، وعلى البدء بالإنسان الذي يحقق النهضة ويستفيد منها. لكن البعض قد يتناسى حقيقة ان النهضة ليست إجراءات او منظومة أعمال فقط ، بل هي في المقام الأول رؤية نظرية للاهداف الكبرى والوسيطة ، ومعايير للتحقق من سلامة العمل ، ثم الإجراءات والبرامج التي ستوصلنا اليها.

اني اطمع ان يهتم عدد أكبر من أهل الرأي في بلدنا وحولها بقضايا النهضة ، ولا سيما بتحويلها من شعارات عامة او تمنيات ، الى مسائل قابلة للنقاش العام ، وتطبيقات متصلة بالحياة اليومية لكافة الناس. ألاحظ مثلا ان رؤية السعودية 2030 التي تمثل – في ظني - أوسع مشروعات التحول الاقتصادي في الشرق الأوسط ، خلال الخمسين عاما الأخيرة ، لا تحظى بنقاش معمق ومستمر في الصحافة المحلية ، او في الاحاديث العامة للمتخصصين ، مع علمنا بأن هذا المشروع الضخم سوف يترك انعكاسات عميقة جدا على بنية المجتمع السعودي ومحيطه الإقليمي ، على الاقتصاد والثقافة ومنظومات القيم الاجتماعية. وقد شهدنا فعلا بعض تلك الانعكاسات ، ونتوقع المزيد منها خلال السنوات العشر القادمة.

لا شك ان هذه التحولات جديرة بالنقاش من جانب جمهور المواطنين ، فضلا عن أهل الرأي والمتخصصين. ويؤسفني ان غالبية العرب لا تهتم كثيرا بالجدل حول المشروعات الوطنية الكبرى. ويشار عادة في تبرير هذا الإهمال ، الى انشغال الناس بلقمة العيش ، التي قد تكون عسيرة في بعض البلدان. مع ان تلك المشروعات هي العلاج الفعال والتاريخي لشحة الرزق وانكشاف المجتمع.

سوف اعود لمناقشة الرؤية المبكرة التي طرحها مالك بن نبي في مقالات لاحقة. لكني أود البدء بصياغة جديدة لمفهوم الانسان الذي اقترحه ، والذي أراه منصرفا الى معنيين: أولهما كون الانسان هدفا نهائيا للنهضة ، فلا يصح ان تضم بين مشروعاتها ما يضعف دوره او يقيد مساراته. وثانيهما كونه الفاعل الرئيس الذي تعتمد عليه مشروعات النهضة. ومن هنا فان تطوير قدرات الانسان العقلية والعلمية ، أي تمكينه من إدارة التطور الذي نسميه نهضة ، يعد رهانا محوريا وتمهيدا لا بديل عنه عند انطلاق المشروع وفي سياقه.

اما التراب ، فقد كان الأستاذ مالك يركز على مفهوم الأرض والإنتاج الزراعي. وأرى ان الاصوب استبداله بمفهوم "الطبيعة" ككل ، باعتبارها موضوعا لعمل الانسان. نهضة الاقتصاد والعلم ، وهما جوهر مفهوم التقدم ، ليست في حقيقتها سوى الاستثمار الاكفأ للموارد الطبيعية.

اما الوقت ، فاني اقترح استبداله بمفهوم الزمن او التاريخ ، لأن التقدم ليس مشروعا ينتهي بعد مدة. بل هو اقرب لبرنامج مفتوح ، يبدأ بما تعرف ، فتنفتح أمامك أبواب كانت مجهولة ، فتستغني عما سبق. وهكذا فكل عمل في مشروع النهضة هو عبور من مرحلة معروفة الى أخرى جديدة ، تؤدي بالضرورة الى زوال قيم وبروز أخرى ، وزوال مفاهيم واحكام واخلاقيات وبروز بدائل عنها ، وهكذا. معرفة الانسان تاريخية بطبعها ، أي مؤقتة. اعتبار المعرفة تاريخية ، أي مشروطة بزمنها ، شرط ضروري للتعامل الناضح مع التحولات التي تجري في سياق النهضة.

ولنا عودة الى الموضوع ان شاء الله.

الخميس - 26 ذو الحِجّة 1447 هـ - 11 يونيو 2026 م         https://aawsat.com/node/5282680

مقالات ذات صلة

 اختيار التقدم

الأمل الآن وليس في آخر الطريق

بقية من ظلال الماضين

التقدم اختيار.. ولكن

 تلميذ يتعلم وزبون يشتري

 التمكين من خلال التعليم

الحداثة تجديد الحياة

خطباء وعلماء وحدادون

 شكوك في العلاقة بين الثقافة والتقدم

فكرة التقدم باختصار

الفكرة القائدة ، مثال الواتس اب

كيف نتقدم.. سؤال المليون

المكنسة وما بعدها

هيروهيتو ام عصا موسى؟

04/06/2026

صانع المدرعة ، كوفيء بالمال فقط!

لو سألتني: هل يمكن للجامعة ان تخلق السوق من العدم ، لاجبتك: نعم. يمكن للجامعة ان تفعل هذا. لكن الأذكياء يدركون ان المقصود ليس تحويل الجامعة من جهة تعليمية الى جهة تجارية ، كما لا نقصد ان الجامعة تستطيع خلق السوق بمفردها. نتحدث عن شيء ضمن سياقه ، ومعرفة السياق شرط ضروري لفهم المقصود بالكلام.

بعد هذا التمهيد ، لا بد أيضا من إيضاح اننا نتحدث عن الجامعة بوصفها رمزا للمجتمع العلمي بكل تفرعاته ، وليس عن عنوانها القانوني او المكاني. بديهي ان حديثنا لا يتعلق بالمباني والأماكن ، بل التعليم الذي هو الشغل الرئيس للجامعة. ومن هنا فان الحديث يشمل أيضا كل إطار يجري فيه انتاج العلم أو استثمار العلم. ويدخل فيه بطبيعة الحال المبتكرون والمخترعون الافراد ، والباحثون والمطورون في الشركات الخاصة ، بل كل شخص يسعى لتحويل منتجات العقل الى مصدر للثروة.

ومما يدخل في السياق أيضا ، الدور التحفيزي - الحمائي للمجتمع والدولة. عرفت فيما مضى من السنين ، شخصا طامحا لانشاء مصنع لتدريع المركبات. وقد نجح فعلا في انتاج النموذج الأولي لمركبة مدرعة بالكامل. فلما عرضها على شخص رفيع المقام ، اصر هذا على ان صناعة المدرعات ليست من شأن الافراد ، وان عليه ان يسلم المشروع للحكومة. وقد قبل الرجل هذا الطلب على كراهة. وحين التقيته بعد هذا الحادث بعقد من الزمن ، اخبرني انه حصل على مال كثير ، لكنه يشعر بأسى عميق ، لأن ذلك المشروع قد مات ، فقد سلم الى اشخاص لا يفرقون بين اقتناء المركبة وصناعة المركبة ، وكانوا يعتقدون ان شراء مركبة جاهزة موثوقة ، من شركة معروفة ، افضل من انفاق المال على تجارب لا نعلم نهايتها. هذا – بالطبع – يكشف غفلتهم عن الفارق الجوهري بين صناعة شيء في بلدك ، وشراء مصنوعات الآخرين. اعرف مثالين آخرين يشبهان هذا في اكثر التفاصيل ، وأحدثها يتعلق بتطوير سيارة كهربائية.

 في كل الأمثلة ، كان الجميع متفقا على ضرورة تشجيع المبادرات. لكن قصر نظر بعض الناس ، جعل المال وسيلة وحيدة للتقدير ، بينما كان المبتكر يريد مواصلة العمل ، وتذليل العقبات القانونية او البيروقراطية ، التي يتمسك بها اشخاص لم يضعوا في اعتبارهم احتمال ان يأتيهم مبتكر من مكان ما ، يتطلع لصنع شيء لم يخطر على بالهم من قبل.

اما وقد وصلنا الى هذه النقطة ، فلابد من القول ان بعض المبتكرات تبدو غريبة على المجتمع او ربما كريهة. وهذه تظهر أكثر ما تظهر في الأفكار وليس التقنيات العملية. فاذا اعتاد المجتمع على التسامح مع الأفكار المخالفة له او الغريبة عن معتقداته واعرافه ، فهو يؤسس ما نسميه "السوق الحر للافكار" الذي اعتبره جون ستيوارت ميل ، الفيلسوف الإنكليزي المعروف ، ارضا ضرورية للابتكار وإنتاج الجديد. اما اذا قوبلت تلك الأفكار بالتجاهل ، او تعرض أصحابها للاذى ، فسوف يميل أصحاب الأفكار والمبتكرون الى الانكماش ، وعدم الاكتراث بإنتاج أي جديد ، او ربما يهجرون مجتمعهم الى مجتمعات يظنون انها اكثر تقبلا للجديد.

يمكن للمجتمع ان يساعد المبتكرين ، ويمكن له ان يفسح الطريق لهم ، وان لم يساعدهم. في كلا الحالتين ، يجب ان يتبنى المجتمع عقيدة واسعة ، تتسامح مع المختلف وان كانت آراؤه مضادة لقناعات المجتمع ومعتقداته.

زبدة القول ان الدور التحفيزي - الحمائي للمجتمع والدولة ، يتمثل في مساعدة المبتكرين الاذكياء على مواصلة عملهم ، وخوض التحدي الذي ظنوا انهم قادرين عليه ، ومساعدتهم في تخطي الصعوبات ، وليس استغلالهم في الدعاية او اقناعهم بالراحة.

المجتمعات التي تحتفي بالاشياء الغريبة والمختلفة وغير المعتادة ، او - على الأقل - تتسامح مع أصحابها ، جديرة بأن تتحول الى حاضنة للابداع. بعكس المجتمعات التي تحب السيطرة على التغيير والتحكم فيه ، او تشترط الحصول على ترخيص لكل عمل ، فهذه احرى بأن تتحول الى ثلاجة للمبدعين او ربما مقبرة.

الشرق الأوسط الخميس - 19 ذو الحِجّة 1447 هـ - 4 يونيو 2026 م     https://aawsat.com/node/5280279

مقالات ذات علاقة

  

الوجه الآخر للكارثة

  ذكرى الاجتياح العراقي للكويت التي حلت هذا الأسبوع ، أثارت في نفوس العديد من أهل الرأي ، شعورا بالحاجة لاستعادة الدروس التي كان ينبغي استخ...