06/08/2026

الوجه الآخر للكارثة

 ذكرى الاجتياح العراقي للكويت التي حلت هذا الأسبوع ، أثارت في نفوس العديد من أهل الرأي ، شعورا بالحاجة لاستعادة الدروس التي كان ينبغي استخلاصها من تلك الكارثة. لقد انقضى 36 عاما على هذا الحادث ، لكن ذكراه هذا العام تأتي مختلفة بعض الشيء ، فهي تجري في أجواء حرب ، طال شرارها معظم الدول التي تضررت – مباشرة او غير مباشرة – من الحرب الأولى.

حرائق آبار البترول الكويتي خلال الاجتياح

احتمل ان مرور زمن طويل نسبيا على أي حدث ، ينسي الناس تبعاته. كما ان شريحة واسعة من الجمهور النشط حاليا ، أي جمهور الشباب ، لم يعاصره ، ولذا فقد تكون ذكرياته منقولة وليست تجربة فعلية. مع هذا فالمؤكد اننا لا نستغني عن التوقف بين حين وآخر ، كي نسأل أنفسنا: هل أخذنا ما يكفي من  الدروس؟.

الدكتور محمد الرميحي والأستاذ عبد الرحمن الراشد ، تحدثا صراحة او ضمنيا عن حاجة لمراجعة ما فعلناه بعد الاجتياح. لا أشعر بالقلق من احتمال أن تتكرر تلك الكارثة. لقد تغير العالم على نحو يجعل احتمالا كهذا مستبعدا جدا. مع ذلك فعلينا ان نعمل بجد ، لجعل هذا الاحتمال ممتنعا ، وأن نستثمره كدافع لتعزيز البناء الداخلي لمجتمعاتنا ، كي نعالج أمراضنا الأخرى. الحروب والكوارث ، مثل الانتصارات الكبرى والنجاحات الاستثنائية ، يمكن ان تتحول الى محركات للنهوض العلمي والاقتصادي ، إذا استثمرت في هذا الاتجاه.

لقد بات أمرا مسلما ان الحرب التي يكرهها الجميع ويخشاها الجميع ، يمكن ان تكون محركا فعالا لاختراقات تكنولوجية. ويذكر جوناثان ستريكلاند ، وهو كاتب متابع لتطور التقنية ، عشرات من الاختراقات العلمية الكبرى التي ترجع في المقام الأول لضغط الحاجة العسكرية ، لا سيما في حقبة الحرب الباردة (1944-1990) ثم تحولت للاستعمال المدني. نعرف مثلا ان الطائرات النفاثة طورت أولا كأدوات قتال ، ومثلها نظام تحديد المواقع الجغرافية GPS وأنظمة الاتصالات اللاسلكية كالهاتف الجوال ، وكذا الانترنت والأجهزة الموجهة عن بعد كالروبوت والطائرات المسيرة والسيارات ذاتية القيادة ، وتقنيات الليزر وطب الطوارئ ، والذكاء الصناعي وتقنيات المعادن الفائقة ، والأغذية العالية التركيز ، والمئات من التطبيقات التي نعتمد عليها في حياتنا اليوم. ولعل بعض القراء يعلمون ان أوكرانيا طورت خلال حربها الراهنة مع روسيا ، نظاما فعالا لمقاومة الطائرات المسيرة ، فضلا عن أنواع من المسيرات الحربية التي لم تعرفها قبل ذلك. لاحقا ، بعد انتهاء الحرب ستتحول هذه المنظومات للتطبيقات المدنية ، او تكون قاطرة لصناعات تقنية جديدة.

حسنا.. لا نحتاج لخوض الحروب كي نتطور. كما ان قيامها يأتي بمشكلات كثيرة. لكن ما ادعو إليه هو استثمار الفرصة. واظنها قائمة ، بالنظر للتوتر في الجوار الإقليمي. الامر ببساطة على النحو التالي: نفترض ان حريقا شب في دكانك. فقد تصرف عمرك في الركض وراء شركة التأمين لتعويضك ، أو ربما تفكر في عدد المحلات التي يمكن ان تحترق ، وما إذا كانت تهديك فرصة لتجارة المواد المقاومة للحريق ، او معدات الإطفاء والتدريب على السلامة ، أو ربما تطوير معدات وأجهزة لتقليل آثار الحريق. هذه كلها فرص ظهرت من العدم ، لأن أزمة صغيرة قد اندلعت ، وهي حريق الدكان.

ليس لدي أفكار جاهزة. لكنني أدعو لاستثمار أجواء الحرب الحالية في دعوة الناس للتفكير. ان طرح المسألة للنقاش العام ، سوف يحرك أذهان الكثير من الشباب لابتكار أشياء جديدة. ولعل بعضهم لديه شيء ما ، لكنه لم يجد الفضاء المناسب لطرحه على المعنيين.

أرى شبابنا من طلاب المدارس الثانوية والجامعات ، يشاركون بحماس في المنافسات العلمية الدولية ، ويحصلون على جوائز. فماذا لو فكرنا في منافسة على المستوى الوطني او الإقليمي ، ليس لنيل جائزة ، بل للمساهمة في تطوير العلم والتقنية ، والاسهام في النهضة الكبرى التي تطمح اليها مجتمعاتنا كلها. الجائزة لن تكون كأسا من الكريستال ، بل دخولا الى دائرة أصحاب الملايين ، من رواد الاعمال وصناع النهضة. فهل سنرى مبادرة كهذه؟.

الشرق الأوسط الخميس - 22 صفَر 1448 هـ - 6 أغسطس 2026 م   https://aawsat.com/node/5303913

مقالات ذات صلة

لا تقتلوا أفكاركم الجديدة
درس الكارثة: نظام عربي للاستحابة العاجلة
مخيم اليرموك
مسارات للتفكير في تحولات العالم بعد الوباء
"الفرج بعد الشدة"

 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الوجه الآخر للكارثة

  ذكرى الاجتياح العراقي للكويت التي حلت هذا الأسبوع ، أثارت في نفوس العديد من أهل الرأي ، شعورا بالحاجة لاستعادة الدروس التي كان ينبغي استخ...