10/09/2026

عقلك المحافظ وعقلك المتمرد

يبدو ان استشهادي بآراء ميشيل فوكو في مقال الأسبوع الماضي ، قد أخذ الفكرة نحو منحى النقد الموجه لهذا الفيلسوف ، لا سيما القول بان تنظيره يؤول في نهاية المطاف الى رؤية عدمية ، وفي احسن الأحوال نسبية مغالية.

ميشيل فوكو  (1926 - 1984)

وكلا الرؤيتين موضع نقد عند الأخلاقيين. أما العدمية فهي (بتبسيط شديد) تنفي كل الثوابت. فليس ثمة معرفة يقينية ، ولا معنى مطابقا لموضوعه ، ولا حقيقة قائمة بذاتها ، ولا قيمة يمكن الاستناد اليها كمعيار قطعي. ومن هنا فما نظنه غاية او فضيلة أخلاقية ، هي مجرد اعتبارات صنعناها. فاذا تخلينا عنها ، انتهى وزالت قيمتها.  كأنها موضات الملابس وموديلات السيارات ، التي لها قيمة طالما اقبل عليها الناس ، فاذا تركوها بعد زمن ، ذهبت للهامش. وعليه فلا يوجد فعل صائب وفعل خطأ ، لأنه لا يوجد معيار قطعي نعتمده في التمييز بين هذا وذاك. خلاصة الرؤية العدمية إذن ، انه لا شيء يستحق الاهتمام ، ولا شيء يستحق الغضب.

اما النسبية فهي لا تنفي الثوابت ولا القيم العليا ، بل تعاملها كثوابت محلية. أي أنه لاتوجد قيمة كونية اسمها العدل او الحرية او الاخوة او الاحسان او النظام. بل لكل جماعة او بلد او زمن او دين ، مفهوم خاص للعدل ، قد يشبه مفهومه عند الجماعات الأخرى والازمنة الأخرى أو يخالفها. وكذا معاني الأفعال والصواب والخطأ.. الخ. وهذا يخالف ما تعارفت عليه مختلف الثقافات ، من وجود مجموعة محددة من القيم المجردة ، متعالية على كل الثقافات وعابرة للازمان ، وهي علامة ضرورية لتعريف الوجود الإنساني وتمييزه عن بقية المخلوقات. ان قيما مثل العدل والإحسان والكرم والتكافل والحرية والنظام ، ليست مشروطة بزمن بعينه او دين اوجماعة او حضارة بعينها. بل هي صحيحة دائما وضرورية دائما ، ولولاها لفقدت الحياة الإنسانية ابرز معانيها.

ويقول دارسو فلسفة ميشيل فوكو ، انه لم ينكر عالمية القيم ، ولا يصح وصفه بالنسبية فضلا عن العدمية. لكنه أراد توجيه الأنظار الى الأهمية الكبرى لتاريخ المعرفة ، وخيوط التجربة التاريخية التي تسهم في تشكيل الواقع ، حتى لو لم نلتفت لتأثيرها ، في الوقت المناسب. كما أراد توجيه الباحثين للتحول الجوهري في طبيعة السلطة الحديثة ، التي ما عادت تمارس العنف العاري على طريقة الدولة القديمة ، بل استبدلته بتنظيم المجتمع وتوزيع الأدوار وتقسيم العمل ، على نحو يرضي الغالبية ، لكنه في الوقت نفسه ، يقلص استقلاليتهم ، ويحول المجتمع الى ما يشبه ماكنة انتاج كبيرة ، يعمل كل جزء فيها بطريقة ميكانيكية او شبه ميكانيكية ، من دون ان يتوقف أحدنا يوما ليسأل: هل هذه هي الحياة التي أردت ان أعيشها حقا؟.

وأرى ان فوكو قد أصاب في رؤيته لتاريخ المعرفة ، وتحول المفاهيم وانتقالها من حقل دلالي الى آخر ، وتأثير الظروف الحياتية على فهم المجتمعات لذاتها ، والمعاني المرتبطة بأفعالها. لكن لعله بالغ في التقليل من دور "العقل المنشيء" حسب تعبير اندريه لالاند (1876-1963) او العقل النظري بتسمية الفلسفة القديمة. وفقا لرؤية لالاند ، الفيلسوف الفرنسي المعاصر ، يقوم "العقل المنشيء" بدور المراقب والناقد لمحتويات الذاكرة ، أي ما استقر في ذهن الانسان وبات قاعدة للتفكير.

في كل عقل انساني ثمة جانب "مالنشيء" يبتكر الحلول الإبداعية ويحرر الانسان من أسر القناعات القديمة والمسلمات الاجتماعية. لولا هذا العقل المتمرد ، لما وجدت فكرة جديدة ، وما وجد ابداع يخالف السائد. ويشهد تاريخ البشرية ان الانسان لم يتوقف يوما عن التغيير والابداع. وهذا بذاته دليل على ان العقل الذي صنعته التجربة التاريخية والمحيط الاجتماعي (وفق تصوير فوكو) ليس قدرا ولا هو صورة نهائية. فهو رغم قوته ورسوخه ، لا يستطيع مجابهة العقل الآخر (المنشيء).

السؤال اذن ، ليس ما اذا كانت رؤية فوكو صائبة ام خاطئة ، بل ما اذا كان الانسان يسمح لعقله المنشيء بالقيام بدوره المفترض ام لا.

الشرق الأوسط الخميس - 29 ربيع الأول 1448 هـ - 10 سبتمبر 2026 م

https://aawsat.com/node/5316618

مقالات ذات صلة:

اسطورة العقل الصريح والنقل الصحيح
اصلاح العقل الجمعي
اصلاح العقل الجمعي
اناني وناقص .. لكنه خلق الله
الانشغال بالعلم والانشغال بالجن
تبجيل العلم مجرد دعوى
تعقيب على استاذنا البليهي
الثقافة كصنعة حكومية
تعريف مختلف للوعي/ تحييد صنم القبيلة
الثقافة كصنعة حكومية
الحكم اعتمادا على العقول الناقصة
الرزية العظمى
العقل الاخباري
عقل الصبيان
العقل المؤقت
العقل العملي
العقل المساير والعقل المتمرد
العقل في المرحلة الأوروبية
عودة الى نقاش الدور التشريعي للعقل
كتاب اخر يستحق القراءة : كارل بوبر "منطق البحث العلمي"
لماذا يرفضون دور العقل؟
ما رايك في ماء زمزم؟
مشكلة الثقافة الدولتية
من تقليد الى تقليد ، عقل معماري وعقل هدام
من العقل الجمعي الى الجهل الجمعي
من تقليد الى تقليد ، عقل معماري وعقل هدام
هل العقل كاف لانتاج القيم والاحكام؟
هل جربت صنم الكهف؟
اليد الخفية التي تدير العالم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

عقلك المحافظ وعقلك المتمرد

ي بدو ان استشهادي بآراء ميشيل فوكو في مقال الأسبوع الماضي ، قد أخذ الفكرة نحو منحى ا لنقد الموجه لهذا الفيلسوف ، لا سيما القول بان تنظيره ي...