‏إظهار الرسائل ذات التسميات منهج البحث. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات منهج البحث. إظهار كافة الرسائل

27/08/2026

مراجعة لرؤيتين في العلم والعمل

الرؤية التي عرضها د. عبد الله الغذامي في هذه الصحيفة (11-أغسطس) شغلت ذهني جدا. اقترح الغذامي طريقة للتعامل مع مشكل يتفاقم بسرعة ، ويتلخص في تفاقم اعتماد الباحثين والطلبة ، على منصات الذكاء الصناعي في كتابة ابحاثهم ، بدل الاتكال على جهدهم ا لخاص. هذا السلوك جعل من العسير التمييز بين الاذكياء الجادين ، وبين الاغبياء الذين لا يبذلون جهدا ، ولا يؤمنون بقيمة البحث العلمي. خلاصة ما يدعو اليه الغذامي في ذلك المقال ، هو اختبار الطريق الذي يسلكه الباحث في بحثه ، بدل الانشغال بالنتائج التي توصل اليها ، حتى لو انتهى بحثه بنتائج لا ترضي توقعاتنا.

د. عبد الله الغذامي

ويقول الغذامي ان الثقافة العامة في مجتمعنا تميل للاحتفاء بالنتائج ، بغض النظر عن الطريق الذي أدى اليها. واظن ان معظمنا يعرف هذه الحقيقة. الأمهات خصوصا ، يبذلن جهدا فائقا في مساعدة أطفالهن على حل الواجبات المدرسية والمذاكرة معهم ، كي يضمنوا علامات عالية في الاختبار. وهن يعلمن أيضا عن الأموال الكثيرة ، التي تصرف على الدكاكين المتخصصة في تصميم وطباعة الملصقات والوسائل التعليمية التي تطلبها المدرسة من التلاميذ. هذه الطرق تعطيهم علامات عالية تبرر الاحتفال. لكن هل تعطينا باحثا جيدا ، مستعدا ليسهر ليله في علاج مسألة غامضة ، او اختبار تقنية جديدة؟.

ثم قرأت مقال الأستاذ سلمان الجشي بصحيفة عكاظ (23-أغسطس) والذي قدم فيه تصورا عن معنى ان يكون البلد متقدما. وقد وجدت فيه اثارة مهمة ، تأخذ رؤية الغذامي الى مساحة أوسع ، اعني تطبيق الفكرة على المسار الحياتي او التنموي لمجتمع بأكمله.

من تمام الفائدة الإشارة الى ان عالم سياسة امريكي معروف ، هو روبرت دال (1915-2014) كان قد تبنى مفهوما مقاربا ، هو التحليل الاجرائي Procedural Analysis   الذي جعله أساسا لنظرية متكاملة ، في فحص وتقييم كفاءة المجتمع السياسي. وينطلق البروفسور دال من فرضية ان الصورة النهائية لأي مجتمع سياسي ، قد تكون خداعة ، لأنها تحجب عن اعيننا المراحل السابقة لظهور الناتج في الشكل الذي شاهدناه. بدلا من هذا يقترح الرجل عددا من المعايير الرئيسية ، التي ينبغي التحقق من وجودها ، في الطريق الذي يسلكه المجتمع ، خلال سيره نحو غايات التنمية السياسية. ويرى ان الوفاء بتلك المعايير شرط للتحقق من قيمة العمل ، حتى لو لم يبلغ النتائج المرجوة.

نحن إذن أمام رؤيتين:   

رؤية سائدة تهتم بجودة الناتج ، سواء كان بحثا علميا او منتجا صناعيا او زراعيا ، او برنامج عمل أو مشروعا اجتماعيا.  

رؤية تهتم بالطريق الذي أوصلنا لتلك النتيجة ، حتى لو خالفت توقعاتنا.

دعني اطبق هذا المنهج على موضوع التنمية الصناعية ، الذي تعرض له مقال الجشي. خذ مثلا البتروكيمياويات وهي أعلى منتجاتنا قيمة. يبلغ عمر هذه الصناعة أربعة عقود تقريبا. ونجاحها محل اعتزاز وفخر للمملكة وأهلها. نعلم انها بدأت بالاعتماد على تقنيات مستوردة ، وخبراء وبرامج تشغيل أجنبية. فهل لا زالت كذلك ، ام اننا نوفر تلك الحاجات بالاعتماد على الموارد الوطنية. واذا كان الشريك الأجنبي لازال حاضرا ، فكم هي نسبة الاعتماد عليه. بعبارة أخرى: لو انحلت الشركة التي اشترينا منها معدات المصنع وتقنياته ، فهل نستطيع تسييره بالاعتماد على الموارد المحلية؟. هذا السؤال وارد بالنسبة لمصانع الأجهزة المنزلية وقطع غيار المركبات أيضا.

ان تحولنا الى اقتصاد صناعي يتطلب امتلاك دورة التصنيع الكاملة ، او معظم اجزائها ، وليس فقط الأرض والمدخلات وراس المال. يجب ان نسأل قادة الصناعة في بلادنا: ما هي درجة انكشاف القطاع الصناعي على الخارج ، أي ما هي درجة اعتماده الحرجة على التقنيات والمكائن والخبرات الأجنبية. هذا تطبيق واحد للفكرة السابقة وفحواها ان العبرة بالطريق الذي اوصلنا الى النتيجة وليس النتيجة ذاتها ، حتى لو جرت عادتنا على الاحتفاء بالنتائج فحسب.

الشرق الأوسط الخميس - 14 ربيع الأول 1448 هـ - 27 أغسطس 2026   https://aawsat.com/node/5311573

مقالات ذات صلة

كتاب اخر يستحق القراءة : كارل بوبر "منطق البحث العلمي
نافذة على فلسفة كارل بوبر
حول القراءة الايديولوجية للدين
نافذة على مفهوم "البراغماتية"
كيف نجعل الثقافة محركا للاقتصاد؟

مراجعة لرؤيتين في العلم والعمل

الرؤية التي عرضها د. عبد الله الغذامي في هذه الصحيفة ( 11-أغسطس ) شغلت ذهني جدا. اقترح الغذامي طريقة للتعامل مع مشكل يتفاقم بسرعة ، ويتلخص ...