‏إظهار الرسائل ذات التسميات ماريانو جروندونا. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ماريانو جروندونا. إظهار كافة الرسائل

20/08/2026

حول "العقار" الذي يمرض ولا يموت!

 قرأت قبل مدة ، كتاب "الثقافات وقيم التقدم" الذي حرره لورانس هاريزون وصمويل هنتنجتون. أراد المحرران الإجابة على سؤال حرج في نقاشات التنمية: هل للثقافة العامة دور مؤثر ، في إنجاح او إعاقة مشروعات التحديث الاقتصادي والاجتماعي؟.

كانت نظرية التنمية الكلاسيكية تتبنى اتجاها معاكسا ، خلاصته أن الثقافات التقليدية ، لن تصمد أمام تيار التحديث  القادم على متن قطار التنمية الاقتصادية. لكن تجارب التنمية في العديد من المجتمعات غير الصناعية ، أظهرت ان هذه الرؤية لم تكن صائبة تماما ، على رغم القبول الإجمالي بأن الحراك الاقتصادي يؤدي  قطعا لتحولات ثقافية واجتماعية.

بعبارة أخرى ، فان أي ثقافة موروثة لن تنجو من التغيير ، اذا بدأ الاقتصاد الوطني في التحول. لكن هذا لا يجيب على السؤال الجدي: هل ستنجح التنمية المستدامة ، اذا تعرضت لتحدي الثقافة العامة التقليدية؟. بات هذا السؤال اكثر إلحاحا في السنوات الأخيرة ، لا سيما بعد اخفاق العديد من التجارب التنموية ، جزئيا او كليا.

بين المساهمين في الكتاب "ماريانو جروندونا". وهو صحفي وباحث من الارجنتين. ولفت نظري تحليله لمفهوم "الثروة" في نوعين من المجتمعات: المجتمعات التي تسودها ثقافة تعارض التغيير ، والمجتمعات التي تسودها ثقافة ترحب بالتغيير.

يقول "جروندونا" ان النوع الأول من المجتمعات ، ينظر للأصول المادية المتوفرة بالفعل ، كتجسيد حقيقي للثروة. اما النوع الثاني ، فيرى ان الثروة الحقيقية ، هي تلك التي لم توجد بعد. وكتطبيق لهذه الرؤية ، فان المجتمعات التقليدية تنظر للارض وما تجود به وما يرتبط بها ، كجوهر للثروة. هذا الفهم شائع جدا في الاقتصادات الزراعية. وحتى لو تحولت للاقتصاد الحديث ، ستبقى الأرض والمتاجرة بها ، رمزا اعلى للثراء. المجتمع التقليدي يؤمن حقا بمقولة ان "العقار يمرض لكنه لا يموت". ولعل كثيرا منا قد سمع هذه العبارة او مثيلها. وهي تعبير عن ربط الثقافة التقليدية بين  العقار والثروة.

اما المجتمعات المتقدمة ، فهي ترى الثروة الحقيقية كامنة في الابتكارات الواعدة ، ولا سيما تلك التي تحول المعرفة الى ثروة مادية. أي ما نسميه اقتصاد المعرفة. سواء كانت أبحاثا واعمالا إبداعية ، او كانت تقنيات تحول المادة الميتة الى منتج مفيد ، مثل كل الأجهزة التي نستعملها اليوم.

بشكل عام فان المجتمعات المقاومة للتغيير ، تنظر لما جربه اسلافها كمخزن للقيم. بينما المجتمعات التي تؤمن بالتغيير ، تفكر دائما في ابداع أشياء لم يجر تجربتها من قبل.

دعنا الآن ننظر في تطبيق واقعي لهذه الرؤية في عالمنا المعاصر. لقد أجريت بحثا عن اغنى 20 شخصا في العالم ، في ثلاث سنوات ، هي 1976 ، 2000 ، 2024. خلال هذه السنوات كلها ظهر شخصان فقط ، صنعا ثروتهما من العقارات. اما البقية ، في جميع الفترات ، فالفضل في ثرواتهم يرجع للصناعة والمعلوماتية والخدمات التقنية والهندسية. بلغت ثروة هؤلاء 406.5 مليار دولار في 2000 ، تضاعفت الى 2.37 ترليون في 2024. ربما يسأل احد القراء عن نصيب العرب من هذه الثروات ، والجواب انه لا يوجد أي عربي على قائمة ال 20 الاغنى خلال كل تلك الفترات. لان اغنياء العرب يؤمنون بمقولة ان "العقار يمرض ولا يموت" ولذا ركزوا استثمارهم على الأرض وتفريعاتها. بينما ذهب الآخرون بالثروة الحقيقية ، التي تأتي من طرق أبواب الغيب وكشف حجابه ، بسلطان العلم والبحث في الأنفس والآفاق ، وتسخير الطبيعة.

اني اسوق هذا الحديث طمعا في اقناع أصدقائي الشباب ، للنظر حقا في مصادر الثروة الحديثة. ولا سيما المعارف القابلة للتحويل الى ثروات. تاريخ الانسان المعاصر ، يشهد ان المعارف الجديدة والابتكارات المستندة الى العلم ، هي الصانع الأعظم للثروات والنجاح ، حتى لو أصر الكهول أمثالي على ان العقار هو الرمز الحقيقي للثروة. انه مجرد وهم ، وما أكثر أوهامنا التي ينبغي للأجيال الجديدة ان تلقيها في البحر أو تذروها في الريح.

الشرق الأوسط الخميس - 07 ربيع الأول 1448 هـ - 20 أغسطس 2026 م

https://aawsat.com/node/5308998

مقالات ذات علاقة

مراجعة لرؤيتين في العلم والعمل

الرؤية التي عرضها د. عبد الله الغذامي في هذه الصحيفة ( 11-أغسطس ) شغلت ذهني جدا. اقترح الغذامي طريقة للتعامل مع مشكل يتفاقم بسرعة ، ويتلخص ...