عرض المشاركات المصنفة بحسب التاريخ لطلب البحث العنف. تصنيف بحسب مدى الصلة بالموضوع عرض جميع المشاركات
عرض المشاركات المصنفة بحسب التاريخ لطلب البحث العنف. تصنيف بحسب مدى الصلة بالموضوع عرض جميع المشاركات

12/02/2026

السؤال: هل تنفع الخطب؟

ذكرت في الأسبوع الماضي ان الرئيس الفرنسي السابق فرنسوا هولاند ، رد على الهجمات الإرهابية بتذكير الفرنسيين بوحدتهم الوطنية وقيم الجمهورية: الحرية والمساواة والاخاء. فعلق احد الزملاء قائلا: "معنى هذا ان الإرهاب علاجه الخطب...". وكدت ان أرد قائلا: نعم ، فهذا ما اعتقده فعلا ، لكني ترددت ثم فضلت السكوت ، خشية ان يفهم خارج السياق المقصود.

ثم سألت نفسي: هل يمكن - حقا - للخطب ان تعالج ظاهرة خطيرة كظاهرة الإرهاب؟. وسألت نفسي أيضا.. لماذا لا يتحدث المحللون والمفكرون عن الخطابة كأداة في السياسة ، هل يشكون في جدواها ، ام يخشون ان يفعلوا ذلك فيزدهر سوق الكلام ، ويتحول السياسيون الى فن القول بدل احسان الفعل؟.

حسنا.. لم يكن غرضي الحديث عن الظواهر العنيفة ، نظير الإرهاب او الجريمة ومعالجتها ، بل عن علاقة الدولة بالمجتمع ، وأريد التركيز على ضرورة ان تكون هذه العلاقة منفتحة وإيجابية وصريحة. هذه هي العوامل التي – في رأيي - تحرم أرباب العنف ، سواء كان سياسيا او اجتماعيا ، من البيئة الداعمة له او المتساهلة معه.

أميل الى الظن بان الميول الإرهابية ، تتبلور في المجتمعات التي اعتادت التساهل مع الممارسات العنيفة ، نظير الدعوة لأخذ الثأر في حالات القتل او في حالات إهانة العرض والشرف. وهي ممارسات معروفة في المجتمعات التي تسودها الروح العشائرية كما نعرف. وأذكر قصة شهدت بعض تفاصيلها ، خلاصتها ان عائلة كبيرة في قرية شمال باكستان ، حاصرت عائلة أخرى ، وهددت باقتحام بيتها ، وقتل من فيه ، ان لم يأت ابنهم ويتزوج بنت العائلة الأولى. أما السبب فهو ان هذا الابن تحدث مع البنت ، ووعدها بالزواج ، لكنه سافر للعمل في الخليج. فلما عرف اهل البنت ، اعتبروا ان شرفهم قد أهين ، وان الإهانة لا يغسلها الا الدم. وقد اضطر الشاب فعلا لترك عمله ، والزواج دون تحضير ، حفاظا على حياة أهله. واخبرني ان حوادث مماثلة قد جرت في قريتهم سابقا ، وقتل فيها نساء ورجال ، لنفس الأسباب.

ان مجتمعا كهذا يمثل بيئة مناسبة لتبلور الإرهاب ، أي العنف الذي تحركه دوافع أيديولوجية. إن العنف بمختلف اشكاله ليس من الطبائع الاصيلة في البشر ، بل هو من منتجات البيئة الاجتماعية التي تتسرب لعقل الفرد في مراحل التربية المبكرة او فترة النضج ، ويظهر على شكل عقائد نظير "من لم يكن ذئبا اكلته الذئاب" ، ونظير "ما حك جلدك غير ظفرك" وغيرها من المعتقدات التي تنفي قيمة "راس المال الاجتماعي" الذي يدعم الفرد عند الحاجة ، كما تنفي قيمة القانون ، وكونه سيدا وملجأ للضعفاء والمظلومين.

مجتمع كهذا ، يكون في الغالب منغلقا – ثقافيا – على نفسه ، يتعامل مع الغير بارتياب ، ويشعر على الدوام انه مهدد في معيشته او هويته.

اذا ظهر العنف في المجتمع ، سياسيا او اجتماعيا او جنائيا ، فان الرد الفوري هو "إطفاء الحريق" كما قال لي احد قادة الأمن في بلادنا ، في مناسبة قديمة. لكن العلاج الطويل الأمد ، يكمن في اقناع هذه الجماعة بكسر جدار العزلة الثقافية من حولها ، والانفتاح على المحيط الاوسع. هذا لا يستوى بالكلام ، بل بفتح الأبواب امامهم ، والاستماع اليهم ومناقشتهم في مطالبهم ، كي يقتنعوا بأنهم يمكن ان يتمتعوا بالمساواة التامة مع بقية المواطنين ، اذا كانوا متواصلين فعلا معهم ومع الإدارة الرسمية ، ثم اثبات ان القانون أداة فعالة في الحصول على حقوقهم ، وانه خير من ممارسة العنف او البكاء على الاطلال.

ينبغي لرجال الدولة ان يتحدثوا للناس ، ليس فقط عن بطولاتهم ونجاحاتهم ، بل – في المقام الأول – عما يريدون فعله ، والصعوبات التي يواجهونها ، والدعم الشعبي الذي يتطلعون اليه.

سيكون المجتمع معارضا للعنف ، رافضا لأربابه ودعاته ، اذا آمن بأن الحكومة حكومته وليست حكومة الآخرين التي تتحكم في أقداره.

الخميس - 24 شَعبان 1447 هـ - 12 فبراير 2026 م

https://aawsat.com/node/5239910

مقالات ذات صلة

الاثم الاصلي 
 اصلاح العقل الجمعي
الاموات الذين يعيشون في بيوتنا
اناني وناقص .. لكنه خلق الله 
الانسان الذئب؟....
بقية من رواية قديمة الازمان الفاسدة والناس الفاسدون 
بين العقل الجمعي وسلوك القطيع
ثقافة المجتمع.. كيف تحفز النمو الاقتصادي او تعيقه
الثقافة المعوقة للنهضة
الحق في ارتكاب الخطأ 
رأس المال الاجتماعي
صناعة الكآبة
صورتان عن الانسان والقانون 
في معنى الردع وعلاقته بالطبع الاولى للبشر 
القانون للصالحين من عباد الله 
كيف تقبلنا فكرة الانسان الذئب؟ 
كيف تكون رجعيا.. دليل مختصر
لو كان الانسان ذئبا لما تحضر 

06/11/2025

ماذا يفعل السياسيون؟

"السياسة بوصفها حرفة" رسالة صغيرة الحجم ، وهي في الأصل محاضرة مطولة القاها عالم الاجتماع المعروف ماكس فيبر ، امام اتحاد الطلبة بجامعة ميونيخ في 1919. نالت الرسالة شهرة واسعة في النصف الثاني من القرن العشرين ، مع بروز الدراسات المكرسة لتفسير الفعل السياسي واخلاقياته. ويظهر ان فيبر استهدف في تلك المحاضرة ، تعزيز الاتجاه العقلاني ، في مواجهة الميول المثالية التي تشيع عادة بين الطلبة الجامعيين. وكان هذا ضروريا عقب الهزيمة المذلة لألمانيا في الحرب العالمية الأولى ، حيث شاع اتجاه قومي متطرف ، يقال انه وفر – لاحقا – أرضية ثقافية استثمرتها تيارات سياسية شعبوية ، مثل التيار النازي الذي تزعمه أدولف هتلر.

الرسالة الداخلية لتلك المحاضرة هي: من يريد احتراف العمل

ادولف هتلر
السياسي ، فعليه ان يستوعب الفوارق الجوهرية بين الوعظ والسياسة. ممارسة السياسة شيء مختلف تماما عن الكلام السياسي ، كما انه مختلف عن الحرف الأخرى. ان أردت المحافظة على اخلاقيات بسيطة ، فان السياسة ليست المكان المناسب ، فهي مكان للاخلاقيات المركبة ، حيث يجد المرء نفسه امام خيارات عسيرة بين السيء والأسوأ ، وليس بين الحسن والسيء ، وهو في كل حالة مضطر لاتخاذ قرار ، والا فقد دوره في هذا المجال.

جوهر السياسة – يقول فيبر – هو ارتباطها بأدوات الجبر والعنف. حين تكون في دار العبادة ، ستسمع تحذيرا من الاعمال التي تصنف في خانة الإساءة للغير ، او ظلم الضعيف او تخريب البيئة وأمثالها. وسيخبرك الواعظ ان هذه الأفعال تستدعي غضب الله والعقاب في الآخرة. واذا كنت في المدرسة ، فسوف يخبرك الأستاذ ان مخالفة أنظمة المرور والبناء وأمثالها قد تؤدي الى احتمال غرامات وخسائر ، وربما السجن. في كلا الحالين يركز المتحدث على ارشاد المستمعين ، واقناعهم بتجنب الأفعال التي تعرضهم للاذى. اما رجل السياسة فلا يصرف وقتا في اقناع أحد ، بل يتخذ قرارات توضح بجلاء ان من يخالفها سوف يتعرض للعقاب. الفارق اذن بين رجل السياسة وغيره ، ان هذا يهدد بالعنف المباشر وهو يملك أدواته. أما الواعظ والأستاذ فدورهم يقتصر على "لفت نظر" المستمعين الى العواقب المحتملة لأفعالهم.

بعبارة أخرى فان جوهر العمل في المجال السياسي ، هو الزام الناس بما يريده رجل السياسة ومنعهم مما لا يريده. قد تتوافق هذه الأوامر مع ارادات الناس في بعض الأحيان ، لكنهم في معظم الحالات ، يفعلون ما يأمرهم رجل السياسة خوفا من العقاب.

-         ما الذي يدعو ماكس فيبر لهذا الحديث؟

أشرت في المقدمة الى رغبته في معالجة الميول المثالية التي تلبس ثوب الاخلاق الكاملة. مع انها في حقيقة الأمر بعيدة جدا عن واقع الحياة وحاجاتها. بعبارة أخرى فاننا جميعا نتمنى الخلاص النهائي من الجبر والخشونة في كافة المعاملات: المعاملات بين الآباء والأبناء ، بين الأصدقاء والجيران ، بين التجار والمستهلكين ، بين رجال الدولة والمواطنين ، أو بين مواطني هذه الدولة وغيرهم من مواطني الدول الأخرى. هذه أمنية. لكن في واقع الحياة ، يستحيل إدارة البلاد من دون التلويح بأدوات الجبر ، في بعض الأحيان ، بل في غالب الأحيان.

هذا أمر لا أظن عاقلا ينكره. لكن العاقل سيخشى الانزلاق من "التلويح" بالعنف الى استعماله بشكل مبتذل ، أي تحويله من أداة في الخلفية الى أداة وحيدة للتعامل مع الناس. من ذلك مثلا ان تترك الحديث مع الناس ، الى تهديدهم بالسجن والتغريم وغير ذلك ، في كل صغيرة وكبيرة.

على الجانب الآخر ، فانه ليس متوقعا ان يلبس السياسي ثوب الواعظ ، أي ان يتخلى عن حل المشكلات ولو بالعنف ، لأنه ان فعل ذلك فقد فرط في دوره الرئيس ، أي إدارة البلد ، ولا أظن أحدا يريد أن يرى حاكما منصرفا الى الوعظ بدلا عن ممارسة الحكم ، حتى لو كان العنف مضمونا له.

الشرق الأوسط الخميس - 15 جمادي الأول 1447 هـ - 6 نوفمبر 2025 م https://aawsat.com/node/5205609

24/10/2024

اخلاق الدولة واخلاق الناس

 

للدولة اخلاقها وللناس اخلاقهم. هذان عالمان مختلفان في كل الجوانب تقريبا: في التكوين والمبررات ومصادر القوة وادوات العمل وقيمة الفعل ومعايير النقد والمراجعة.. الخ. الدولة ليست مجموعة اشخاص يديرون بلدا ، بل هي تكوين صلب لا يقبل التفكيك. وبهذه الهيئة فهي مختلفة عن مجموع اعضائها. كي لا نغرق في الكلام العام ، دعنا نقارن بين المعادن التي بنيت منها سيارتك وبين سيارتك نفسها. ان قيمة تلك المعادن – لو جمعت - لن يبلغ خمسة آلاف ريال. اما سيارتك فقد تتجاوز المئة الف ريال. السبب انها ليست مجموعة معادن نظمت وربطت الى بعضها ، بل هي شيء آخر يعمل بطريقة مختلفة ويقاس بمعايير مختلفة ، ويحسب على ضوء قيم مختلفة. مكينة السيارة كون مستقل وليس مجموع المعادن التي تألفت منها. كذلك الدولة. فهي ليست مجموعة الاشخاص الذي يشغلون مكاتبها. الدولة – ببساطة – عالم قائم بذاته وخصوصياته ، ولا يشبه شيئا غيره.

لو سألت علماء السياسة عن الوصف الدقيق لوظيفة الدولة ودورها ، فسوف يذكرون – على الاغلب - تعريف ماكس فيبر الذي قال ان الصفة الجوهرية التي تميزها عن كل شيء آخر ، هو كونها الهيئة الوحيدة التي تمارس العنف بشكل مشروع. وماكس فيبر مفكر الماني يعتبر من آباء علم الاجتماع الحديث. وهو يرى ان حقيقة الدولة ترتبط بملكيتها لمصادر القوة العامة ، وتفويضها بتوجيه تلك المصادر الى الجهات التي تراها ضرورية ومفيدة.

-         لكن ما الذي يمنع انقلاب العنف المشروع الى عنف اعتباطي ، اي غير مشروع؟.

حقيقة الامر ان هذا هو مفتاح النقاش حول أخلاق السياسة ، الذي تعرضنا له في الاسبوع الماضي. والجواب عن السؤال يكمن في كلمتين: سيادة القانون.

سيادة القانون تعني ببساطة انه لايحق لموظفي الدولة ان يتصرفوا في اي شيء ، الا بموجب قانون قائم. سواء كان الموظف وزيرا او وكيلا او مديرا عاما او غيره ، فهو لا يستطيع فرض غرامات او رسوم او كلف مالية على الناس ، الا بموجب قانون تصدره الجهة المخولة بالتشريع ، كالبرلمان او مجلس الوزراء او رئيس البلد. كما لايسمح له بالتصرف في الاموال التابعة لادارته ، خارج الاطار الذي حدده قانون الميزانية العامة للدولة ، بغض النظر عن ميله الشخصي او رغباته.

انظر الآن الى الفرق بين الشخص العادي وبين رئيس البلدية مثلا: استطيع انا وانت ان نتصرف في اموالنا كما نشاء ، فنصرفها على انفسنا او نتبرع بها او نودعها في البنك او نستثمرها ، من دون حاجة لاستئذان أي شخص. اما رئيس البلدية فهو لا يستطيع شراء كرسي اضافي لمكتبه ، الا بموجب مكاتبات ومخاطبات واستئذان الادارة المالية.

لقد أدت هذي الاجراءات الى قيام ما أسماه فيبر بالبيروقراطية (حكم المكاتب) الذي كان من ثماره تعطيل الاعمال وتعقيدها ، وهو أمر سيء من ناحية. لكنه من ناحية أخرى ، جعل كل شيء مسجلا ومقيدا بالقانون ، فلا يستطيع الموظف الحكومي – مهما كان منصبه – ان يتصرف بحسب هواه ، في مصادر قوة الحكومة كالمال والسلاح وغيره. ولو فعل هذا ، فسوف يحاسب الآن أو بعد زمن ، طالما ان كل شيء مسجل ، وان الناس يعرفون ان التصرفات الشخصية تخالف مبدأ سيادة القانون.

هذا الشرح أوضح – فيما أظن - أن المقصود باخلاقيات السياسة ، هو الالتزام بالقانون وعدم استغلال موارد الدولة وقواها في المصالح الشخصية ، او اتباع الهوى الشخصي في التعامل معها او مع المواطنين.

حان الوقت إذن للقول بان من الجيد جدا ان يكون رجل الدولة متواضعا لطيفا لينا في التعامل. والافضل ان يوجه موظفيه الى ملاينة الناس بدل الخشونة معهم. لكن الحد الأدنى من اخلاقيات السياسة هو الالتزام بالقانون وعدم تحكيم الاهواء الشخصية. ان سيادة القانون هي العنوان العريض لاخلاقيات السياسة ، والالتزام بها هو ما يميز سياسيا ملتزما بالاخلاق عن سياسي عابث.

الشرق الاوسط الخميس - 21 ربيع الثاني 1446 هـ - 24 أكتوبر 2024 م

https://aawsat.com/node/5074261

مقالات ذات علاقة

أم عمرو وحمار أم عمرو

بيروقراطية مقلوبة

البيروقراطية والإدارة

سلطة المدير

سيادة القانون ورضا العامة

صيانة الوطن في سيادة القانون

الطريق الياباني

عسر القانون كمدخل للفساد الإداري

لا بديل عن اللامركزية

المجتمع السري

ميكنة الإدارة شيء.. وجودة الخدمة العامة شيء آخر

نبدأ حيث نحتاج

الوجوه المتعددة للشفافية

17/10/2024

اخلاقيات السياسة

 

أكثر الناس يرون السياسة عالما بلا أخلاق. ثمة اشخاص يأخذون بالرأي المعاكس. انا واحد من هؤلاء ، وكذا العديد من الفلاسفة الاخلاقيين وعلماء السياسة وبعض رجالاتها. اما اتفاق الناس على خلو السياسة من الاخلاق ، فمرجعه عاملان فيما أظن. أولهما ان السياسة ناد مغلق ، عضويته حكر للنخبة العليا في المجتمع. اما العامل الثاني فهو ان الموضوع اليومي في مهنة السياسة ، هو استعمال مصادر القوة وتوجيه نتائجها ، بحسب ما يراه اهل هذه المهنة دون بقية الناس.

قد يقال ان النادي السياسي مفتوح لمن يطرق أبوابه ، وليس لكل عابر ، وأن السياسة كأي حرفة أخرى ، تتطلب مؤهلات ربما لا تتوفر لكل راغب فيها. لكني أجد ان انغلاق النادي معناه قلة الفرص المتاحة فيه. وأذكر هنا رأي المفكر الايطالي القديم نيقولو ماكيافيلي ، الذي قدمه في سياق تفسيـره لرغبة الناس في الحرية ، حيث يقول ان الناس لا يطمعون في السلطة ، لأنهم يدركون ان "مهنة الحكم" متاحة لعدد محدود جدا من الأفراد ، وهم يشكون في ان أحدهم سينال الفرصة ، دون عشرات الآلاف من الراغبين في دخول ناديها.

كون النادي السياسي مغلقا ، يعني ان معظم ما يجري بين جدرانه ، مكتوم عن عامة الناس. مكتوم قصدا ، او بحكم اختلاف مجالات الاهتمام ، وامكانية الوصول الى مصادر المعلومات ، وخاصة الحساسة منها. وطالما بقي عمل السياسيين سرا ، فسوف يثير الارتياب ، لا سيما بالنظر للعامل الثاني اي كون موضوع عمل السياسي هو تحريك مصادر القوة وثمراتها بين الاتجاهات المختلفة ، كما يدير السائق سيارته بين مسار وآخر ، أو بين وجهة وأخرى. وكانت العرب تقول فيما مضى ان "المرء عدو ما جهل" بمعنى انه أقرب الى تفهم الاشياء التي يعرفها. والتفهم يعني تقبل مبرراتها حتى لو بدت – في ظاهرها – بغيضة او ثقيلة على النفس.

-         لكن يبقى السؤال قائما: الى اي حد يلتزم الفاعلون السياسيون بمعايير الاخلاق؟.

هذا السؤال ينقسم – بالضرورة – الى جزئين: الاول ما هو المقصود بالاخلاق ، هل هي طرق العمل المطابقة لما يمليه العقل السليم ، ام هي – كما هو شائع بين عامة الناس – لين المعاملة والاحسان للناس وصدق القول والترفع عن الصغائر ، وأمثال هذه؟.

اما الثاني فيتناول موضوع العمل في النادي السياسي ، الذي سنسميه اختصارا "استعمال مصادر القوة" ، لأن هذا التحديد يستدعي لزوما سؤال: ماهي مصادر القوة التي نتحدث عنها ، ولماذا نستعملها او نحركها؟.

سوف ابدأ بالثاني لانه يوضح معنى الأول. ان "قانون الندرة" هو المبرر الجوهري لوجود السياسة والحكومة. يقول هذا القانون ان الموارد المتاحة لتسيير حياة الناس محدودة ، بينما حاجات الناس متزايدة ، ويمكن وصفها باللامحدودة ، بمعنى انها لا تتوقف عند حد ولا تنحصر في إطار. توزيع الموارد المحدودة يعني ان كل فرد من الجمهور سينال حصة أصغر مما يطمح اليه. ولكي لا يعتدي على حصص غيره ، احتجنا الى القوة ، اي اظهار العنف او استعماله احيانا ، كي يرتدع المعتدي.

نحتاج طبعا لتطوير الموارد كي تسد الحاجات المتزايدة. وهذا يتطلب استثمارات جديدة في الزراعة والصناعة والتجارة وغيرها. من هنا نعتبر المال والسلاح ابرز مصادر القوة ، وهما محور العمل في مهنة السياسة. نحن نريد ان يلتزم رجال السياسة بالانصاف والمساواة بين الناس ، ان يعملوا كممثلين لمصالح المجتمع ، وان لا يفرطوا في الأمانة التي وضعت في ايديهم. وهذا هو جوهر المضمون الاخلاقي للسياسة.

-         هل يستلزم هذا لينا في الكلام او التعامل؟.

 ارى انه لا يستلزم. وان كان من مكارم الاخلاق ، ومن علامات الكمال عند اي انسان ، سياسيا او غيره. عالم السياسة مختلف عن العلاقات الاجتماعية العادية ، ولذا فاخلاقياتها مختلفة ايضا. أي ان لها اخلاقياتها ومعاييرها وإن خالفت توقعاتنا بعض الشيئ.

الشرق الاوسط الخميس - 14 ربيع الثاني 1446 هـ - 17 أكتوبر 2024 م

 https://aawsat.com/node/5071868/

21/06/2023

ماذا جرى للسودان ، اين الميل للمسالمة واللين؟




لو سألني أحد عن أكثر العرب ميلا للتسالم وابعدهم عن التنازع ، لما اخترت غير السودان. لا اقصد بطبيعة الحال كل فرد في هذا البلد ، ولا كل فرد في غيره. انما أشير الى السمة العامة التي نطلقها على البلد كمجموع ، دون خشية الاتهام بالمبالغة او التفريط. اظن ان كثيرا من القراء يوافقني في هذا.

مع ذلك ، فان هذا البلد ينزلق الان نحو حرب أهلية ، لا سمح الله.

هل الميل للتسالم مجرد صبغة خارجية ، هل الذي امامنا واقع لا نعرف تفاصيله: مجتمعات عديدة بعضها خشن وبعضها لين ، بعضها ظاهر وبعضها مجهول؟.

هذا سؤال يتعلق بطبائع المجتمعات. وهي – كما نعرف - ليست صفات تنتقل عبر الجينات ، من الآباء للابناء ، كما اعتقد كتاب الازمنة القديمة ، بل هي انعكاس للعقل الجمعي أو الذهنية العامة ، أي محصلة التفاعل المتواصل بين مستخلصات التجربة التاريخية والتوجيه الثقافي او الديني ، إضافة الى تأثيرات الواقع المعاش ، لا سيما الوضع الاقتصادي والسياسي.

حسنا.. لو افترضنا ان الذهنية العامة تتشكل بتأثير عوامل عديدة ، فما هي هذه العوامل وما هو نصيب كل منها في تكوينها النهائي؟. هذا السؤال ضروري كي نفكر في اهداف المعالجة وكيفيتها.

أعلم ان بعضنا سيبادر بتوجيه اللوم للتراث ورواته ودعاته. ولعله يندد بتقصيرهم في حث الناس على التسالم ونبذ العنف. وفقا لهذا الرأي ، فالميل للمسالمة او العنف حالة ذهنية ، واعية او عفوية ، قابلة للتعديل بواسطة التوجيه والإرشاد. البعض الآخر سيختار الاتجاه المعاكس ، فيكرر القول المنسوب لأبي ذر الغفاري "عجبت لمن لا يجد قوت يومه كيف لا يخرج في الناس شاهرا سيفه". وهذا يربط الميول العنفية بالتوتر النفسي المتصل بالفقر المدقع. أي ان الميل للعنف تعبير عن ضعف سيطرة العقل على المشاعر. ثمة فريق سيربط التوتر بالانقسام الطبقي ، لاسيما جمود الحراك الطبقى وفشل الشريحة المتعلمة في انهاء التصنيف القسري ضمن الطبقة الدنيا.

والحق ان هذه جميعا احتمالات واردة. لكن يصعب تحديد أي منها كمؤثر تام. ان السوداني مشهور بالميل للمسالمة واللين. لكن دراسات اجتماعية تظهر ان السودانيين يختزنون – على المستوى الفردي – ميلا قويا للمنازعة. في نهاية 2017 مثلا أظهرت احدى الدراسات ان 60% من السودانيين يفكرون في الهجرة ، وهي نسبة تتجاوز حتى البلدان المنخرطة فعليا في نزاع داخلي ، مثل اليمن والأراضي الفلسطينية وليبيا. ولاحظت الدراسة ان حوالي نصف الذين يفكرون في الهجرة ، لا يمانعون من السفر دون وثائق رسمية ، بعبارة اخرى فهم غير متحفظين ازاء مغامرة ربما تودي بهم للسجن أو الموت ، كما حصل تكرارا لقوارب المهاجرين عبر البحر المتوسط ، والمتسللين عبر الحدود الشمالية الغربية الى ليبيا.

هذا النوع من التفكير لا يعبر عن "عقل جمعي" بل عن شعور فردي بالاحباط واليأس. لكن المشكلة ان هذا الشعور ينتشر بين مئات الآلاف  ، سيما الشباب ، بحيث يتحول تدريجيا الى ظاهرة عامة ، يمكن ان تغير الصورة اللينة التي ذكرتها سابقا ، او على الاقل تشكل ظاهرة فرعية موازية لها.

ما يحدث اليوم في السودان من عنف متصاعد ، قد يكون ثمرة لتفاقم الشعور الفردي بالاحباط. واذا صح هذا الاحتمال ، فان البلد مقبل على انهيار تام للأمن الداخلي ، وتفاقم الاعتداءات على الاملاك الشخصية والعامة ، بشكل غير مسبوق.

الفارق بين التحولات النفسية العامة والفردية ، ان المجتمع يحافظ في الحالة الاولى على قدر من التضامن بين الجميع ، بحيث لا يعتدي احد على الاملاك الخاصة للاخرين. اما في الحالة الثانية فان الانفلات الاخلاقي يجعل الفرد متجردا من اي قيد ، لا يردعه سوى الخوف من السلاح المقابل. 

الشرق الاوسط الأربعاء - 03 ذو الحِجّة 1444 هـ - 21 يونيو 2023        https://aawsat.news/b4gz5

مقالات ذات صلة

 استعادة الايمان بالذات

استمعوا لصوت التغيير

ان تكون سياسيا يعني ان تكون واقعيا

 بحثا عن عصا موسى

تفكيك التداخلات

حق الأكثرية

حين تتحول العلمانية الى ضرورة

سجالات الدين والتغيير في المجتمع السعودي (كتاب)

عالم افتراضي يصنع العالم الواقعي

الفقر والإحباط والغضب

في معنى "الدروشة" وتطبيقاتها

ما الذي يجعل الانترنت مخيفا للزعماء التقليديين ومحبوبا للشباب ؟

المال كوسيلة لتبريد التوترات المحلية

مباديء اهل السياسة ومصالحهم

من الحلم الى السياسة

من تديين السياسة الى تسييس الدين

من جيل الى جيل

هكذا نتغير... مختارين او مرغمين

هوية سائلة؟

وعي المستقبل

وقت للأسى: نهاية السودان كما عرفناه

 

28/12/2022

هل انتهى نموذج الحكم الديني؟

ليس من السهل الادعاء بان فكرة ما قد خرجت من التاريخ. هذه دعوى عريضة ، سيما اذا تناولت فكرة عظيمة التأثير ، مثل نموذج الحكم الديني المعاصر.

قد تكون الدعوى صحيحة أو خاطئة. لكنها – على أي حال – احتمال ممكن. دعنا ننظر في نموذج قريب جدا منها ، وهو "الخلافة الإسلامية" التي سادت نحو 13 قرنا من تاريخ الإسلام (من السنة العاشرة للهجرة = 632م حتى 1342 = 1924م). لقد حظي نموذج "الخلافة" بقدر وافر من التنظير والتبجيل ، كما حظيت بعمق عاطفي جعلها محط آمال النخبة والعامة معا. لكنا نعلم ان تطبيق الفكرة في اطار الدولة العثمانية ، قد قضى على القليل من المبررات التي احتفظت بها من تاريخها القديم. ومع سقوط الدولة العثمانية في 1924 ، لم تعد احتمالا جديا او جديرا بالعناء عند احد من المسلمين. الاستثناء الوحيد هو "حزب التحرير" الذي بقي مخلصا لفكرة الخلافة حتى اليوم. لكن سيرة الحزب ذاته دليل على القول السابق ، فقد اخفق تماما في اقناع الجمهور كما اخفق في الحصول على مكان في الحياة السياسية ، منذ تأسيسه وحتى يومنا هذا. اما تجربة داعش ، فلا تعد امتدادا او تمثيلا لنظرية الخلافة الإسلامية التي نتحدث عنها ، فمضمونها اقرب الى نموذج الميليشيا الفاشية الحديثة.

ايرانيات يخلعن الحجاب رفضا لسياسات التدين القسري - اكتوبر 2022

الخلافة التي اعتبرها معظم المسلمين نموذجا للسياسة الفاضلة ، لم تعد منذ مطلع القرن العشرين ، احتمالا جديا او مرغوبا. ولهذا لا تجد بين جمهور المسلمين ، فضلا عن المفكرين والعاملين في الحقل السياسي ، من يسعى اليها. واذا تحدثوا عنها ، تحدثوا عن ماض جميل ، لا عن مشروع ممكن. هذا يعني ببساطة ان الخلافة قد خرجت من التاريخ وباتت جزء من المكتبة. وقد اعتاد العرب على التعبير عن الشيء الذي خرج من التاريخ ، بالقول انه امسى في "خبر كان". ولا شك ان فكرة الخلافة قد امست كذلك.

بعد هذه المقدمة الطويلة ، سوف اضع مؤشرين لتبرير ما ادعيته في مطلع المقالة: أولهما الصدام الواسع النطاق بين الجيل الجديد من الإيرانيين وبين حكومتهم ، حول مسألة الحجاب خصوصا. هذا الصدام المستمر منذ سبتمبر ، جعل سياسات التدين القسري موضوعا للتحدي بين الدولة التي تمتلك أدوات العنف ، وجيل الشباب الذي يملك المستقبل. اما المؤشر الثاني فهو قرار حكومة طالبان بإلغاء التعليم الثانوي والجامعي للبنات.

اني واثق بنسبة عالية جدا ، ان كلا الحكومتين ، سوف تتراجعان وتخضعان لمطالب الجمهور. واذا حصل هذا ، ولو ناقصا ، فسوف يسقط عنصر محوري في الخطاب الديني الرسمي ، وهو الحق المفترض للدولة الدينية في فرض نموذج موحد لسلوك الافراد ، أي نمط اللباس والعمل والاداب العامة.

الذي يحمل الحكومتين على التراجع ، هو التفكك الحاصل فعلا في الدوائر الاجتماعية التي تساند النخبة السياسية لاسباب دينية بحتة ، من دون ان تكون شريكة في القرار (يدخل في هذا الصنف المدارس الدينية ومعظم العلماء التقليديين). هذه النخبة مهمة جدا لانها واسعة النفوذ ، وهي تمثل ملجأ روحيا لعامة الناس في أوقات الأزمة ، لانها لاتتحمل وزر السياسات الحكومية الخشنة.

ان العنصر المميز لنموذج الحكم الديني المعاصر ، هو قدرته على صنع مجال عام غير متاثر (ظاهريا على الأقل) بنمط الحياة الغربي. وهذا يبرز بأجلى صوره في المظهر الخارجي للرجال والنساء (الحجاب في المقام الأول). واذا وقف الجمهور في مواجهة الدولة ، فلن يمكنها المحافظة على هذا المظهر ، الا باستعمال العنف الصريح ، وعندها لن يكون الدين أداة لتعزيز الشرعية السياسية ، كما جرى حتى الآن. سيكون العنف العاري او الاغراء هو الإداة الوحيدة الممكنة للحفاظ على النظام العام ، وعندئذ فان "الخطاب السياسي الديني" سينتهي ، وتحل محله "الخطابة الدينية" ، أي الكلام الذي يفهم الناس جميعا انه "عدة شغل" تحمله حكومة عادية لا تكترث بحدود الدين حتى لو تمسكت بلغته.

 

الأربعاء - 4 جمادى الآخرة 1444 هـ - 28 ديسمبر 2022 مـ رقم العدد [16101]

https://aawsat.com/home/article/4067006/

مقالات ذات صلة

الاساس النظري لدور الامة في الدولة
الايديولوجيا السياسية للتيار المحافظ في ايران
تطور فكرة الدولة في المجال الديني الشيعي
تنبيه الامة وتنزيه الملة : رسالة فقهية في الحكم الدستوري (كتاب)
توفيق السيف... جدلية العلاقة بين الواقع المتغير والعقل الفلسفي
حدود الديمقراطية الدينية : عرض كتاب
حول الحاجة الى فقه سياسي جديد
دور الخميني في تعديل نظرية السلطة عند الشيعة
الديمقراطية في بلد مسلم (كتاب)
سجالات الدين والتغيير في المجتمع السعودي (كتاب)
السلطة باعتبارها وكالة عن المجتمع
من دولة الغلبة الى مجتمع المواطنة: مقاربة دينية لمبدأ العقد الاجتماعي
الشرعية السياسية في حكومة دينية حديثة
قراءة في كتاب "حدود الديمقراطية الدينية"
مفهوم الحق ومصادره
مكانة العامة في التفكير السياسي الديني: نقد الرؤية الفقهية التقليدية للسلطة والاجتماع السياسي
نظرية السلطة في الفقه الشيعي: ما بعد ولاية الفقيه (كتاب)
هل الديموقراطية فعلاً بضاعتنا التي رُدَّت إلينا؟
 هل تتلاءم الثقافة الإسلامية مع الديموقراطية؟

14/12/2022

أسئلة التلاميذ العسيرة


في مقالته "اللامعرفة حين تكون سلطة" (الاتحاد 10-12-2022) عالج المفكر المعروف د. عبد الله الغذامي مسألة اظن ان معظمنا قد سمع بها ، او ربما كان طرفا فيها يوما من الأيام. ذكر الغذامي القصة على النحو التالي: سأل التلميذ استاذه.. من هو اول من كتب الشعر الحر في اللغة العربية؟. فأجاب الاستاذ بأن هذا من الاسئلة التي لا جواب لها ، انه "يشبه سؤال من هو أول شاعر في التاريخ". طبعا ليس هناك من يعرف اول شاعر في التاريخ.

في النظرة الاولى سوف تتقبل جواب الاستاذ ، وربما قلت لنفسك: حسنا... هناك اسئلة لا يمكن لاحد ان يجيب عليها ، ولهذا لا ينبغي ان تطرح. لكن الغذامي يشير الى جانب آخر ، فهو يريد ان يقول للاستاذ: ان كنت لا تعرف الجواب ، فقلها ببساطة.. لا اعرف ، ولا تحول النقاش الى مكان آخر غير ذي صلة بجوهر الموضوع.

ذكرتني هذه بدراسة كتبتها ايام الشباب ، وعرضت في حلقة نقاش فنالت مديحا طيبا من جانب الحضور. وحين جاء دور الاستاذ المعقب ، زادها مدحا لجدة معلوماتها وتحليلها.. الخ. لكنه في التقييم النهائي اعتبرها أقل من المستوى المطلوب ، لأنها ببساطة لم تعالج الفرضية الرئيسية فيها. وشرح هذا قائلا ان كل جزء في الدراسة ممتاز بذاته ، لكنه "غير ذي صلة". هذه العبارة هي التي بقيت في ذهني من تلك القصة. وفي السنوات التالية قرأتها وسمعتها تكرارا. وان اردتم الصراحة فقد صرت مغرما باكتشاف الصلة وعدم الصلة في الجدالات العلمية.

-         حسنا ، ما الذي يبرر طرح هذا الموضوع اليوم؟.

الواقع ان قصة الدكتور الغذامي وجهت انتباهي لقصة أخرى شائعة عندنا ، وهي استنكار الاسئلة التي يصعب الاجابة عنها ، أو تلك التي لها امتدادات ذات طبيعة جدلية. وكنت قد ناقشت الاستاذ عدنان عيدان ، وهو خبير متقدم في حوسبة اللغة العربية ، حول سبب انحدار الكثير من نقاشاتنا نحو العنف اللفظي ، وانزلاقها للتنديد بالاشخاص بدلا من نقد الأفكار ، فأرجعها الى ضآلة المخزون اللغوي عند غالبية المواطنين العرب ، الامر الذي يجعلهم غير قادرين على التمييز بين المحمولات المختلفة للتعابير والمصطلحات. ويعتقد الأستاذ عيدان ان اي خريج جامعي ينبغي ان يكون قادرا على الحديث والنقاش ، لمدة لا تقل عن نصف ساعة ، من دون تكرار الكلمات او الجمل ، او وضعها خارج سياقها الصحيح. وضرب مثلا بمن يتعلمون لغة اجنبية واضطرارهم الى استعمال نفس الكلمات مرات عديدة في محادثة واحدة ، الامر الذي يكشف ضعف مخزونهم من المفردات او كونه غير نشط.

مع تقديري لرأي الأستاذ عيدان ، فالذي أميل اليه هو ان النمط الثقافي السائد عندنا ، لا يهتم كثيرا بالبناء المنطقي للفكرة ، ولا يعتني بايضاح النسبة بينها وبين الأفكار المماثلة او المختلفة ، قدر اهتمامه بالجانب البياني الذي يركز على جماليات العرض ، كما يكثر استعمال الشعر والشواهد التاريخية واللغة الدينية ، لتعزيز الأثر النفسي للكتلة اللفظية ، بغض النظر عن صلتها المنطقية بالواقع ، او صلة الشواهد المذكورة بجوهر الفكرة التي يدور حولها الجدل.

أضيف الى ذلك ، ان نظام القيم السائد يميل بشدة للربط بين صفة التهذيب وبين السمع والطاعة. بالنسبة لغالبية الآباء والمعلمين ورجال الدين ، فان الولد المهذب هو الولد الذي يصغي جيدا ويطيع ، بعكس الولد العنيد او القليل التهذيب ، الذي سمته التشكك وكثرة الجدال في كل مسألة. يجري تطبيق هذه المقولات لسنين طويلة ، ولذا لا نستغرب ان وجدنا الشباب غير قادرين على خوض نقاش هاديء لمدة طويلة ، أو وجدناهم يكرهون كثرة الأسئلة ، ولا سيما العسير منها ، مثل سؤال الغذامي سابق الذكر.   

الشرق الأوسط الأربعاء - 20 جمادى الأولى 1444 هـ - 14 ديسمبر 2022 مـ رقم العدد [16087]

https://aawsat.com/node/4042001/

مقالات ذات صلة

من الظن الى اليقين ، ثلاثة مستويات للمعرفة

التسامح ، او قابلية العيش مع الغريب

بماذا ننصح أينشتاين؟

مغامرات العقل وتحرر الانسان - كلمة في تكريم الاستاذ ابراهيم البليهي

في ان الخلاف هو الاصل وان الوحدة استثناء

من العقل الجمعي الى الجهل الجمعي

في ان الخلاف هو الاصل وان الوحدة استثناء

فلان المتشدد 

وجهات "الخطر" وقهر العامة

25/08/2021

الخطة ب: افغانستان وتعزيز الاتجاه التصالحي

اريد في هذه السطور اقتراح استراتيجية عمل لإنقاذ افغانستان من السيطرة الأحادية لحركة "طالبان" ، في حال مالت الحركة للاستئثار بالسلطة ، أو عاملت المواطنين بتعسف ، على نحو ما فعلت في تجربتها السابقة. يتسع المقام لعرض المفهوم فقط ، ومن يتابع التحولات السياسية لن يصعب عليه استنباط التفاصيل. جوهر هذه الاستراتيجية هو احتواء الحركة وتوجيه مسارها السياسي وصولا الى تأهيلها ، بدل قمعها او اطلاق يديها. الغرض النهائي هو تلافي قيام بؤرة لتصدير العنف الذي يتلبس برداء الدين الحنيف ، كما جرى قبل 20 عاما.

خريطة افغانستان: الملاذ الآمن المقترح هو المثلث الواقع شمال غرب البلاد

اما الأغراض التكتيكية فهي ثلاثة: اولها الحيلولة دون استئثار طالبان بالسلطة. نظرا لأنه سيؤدي الى فراغ سياسي وأمني في شمال وغرب البلاد ، يسمح بقيام تمردات مسلحة او انتشار الفوضى ، ومن ثم تفاقم الاتجاهات المتطرفة في "طالبان" وغيرها.

أما الغرض الثاني فهو تعزيز الاتجاه التصالحي وسط الحاضن الشعبي للحركة ، من خلال الاستمرار في توفير مصادر العيش الطبيعي ، والحيلولة دون تدهور حاد لمستوى المعيشة. هذا سيعزز – طبيعيا - الميل للمسالمة بين اعضاء الحركة نفسها ، وهو امر مطلوب لذاته ، خاصة بعدما انفردت بالسلطة.

الغرض الثالث هو توسيع فاعلية المجتمع ، من خلال المحافظة على مسار التحول نحو الحداثة ، الذي بدأ مع سقوط حكومة طالبان الاولى نهاية 2001. المجتمع الافغاني اليوم اكثر ميلا للحداثة من  أي وقت. انظر للصور التي يبثها التلفزيون ، سترى ان معظم الناس يحملون اجهزة اتصالات ذكية ، بمن فيهم مقاتلو طالبان نفسها. هذه الوسيلة التي تصل الانسان بالعالم ، هي اقوى تحد لأي حكومة قمعية او تقليدية. يجب المحافظة على شبكات الاتصال والانترنت ، مهما كانت الكلفة ، فهذا جزء مهم من الجهد الضروري لاتقاء موجة ارهابية محتملة. الهاتف والانترنت مثال ، ومقصودنا عموما هو  الاستمرار في تعزيز الحراك الحداثي واضعاف هيمنة التقاليد ، في التعليم والتفكير وانماط العيش والاقتصاد وغيرها.

جوهر الاستراتيجية المقترحة هو إنشاء "ملاذ آمن" أي منطقة حكم ذاتي ، تديره حكومة مستقلة مؤقتا عن الإدارة المركزية في العاصمة. وتضم المحافظات الواقعة من باميان حتى هرات في الغرب ومزار شريف في الشمال ، أي نحو 15 من اصل 34 محافظة.

على المستوى الإنساني ، يمكن لهذه المنطقة الواسعة نسبيا ، ان توفر ملاذا للهاربين من سيطرة "طالبان". وعلى المستوى السياسي والاستراتيجي ، ستشكل عامل ضغط شديد على قيادة الحركة ، للقبول بنظام سياسي ديمقراطي او توافقي ، ومنع استبداد أي طرف بمصادر القوة او اقصاء الآخرين.

مبدئيا يمكن تأليف الحكومة من الائتلاف الذي كان يدير البلاد سابقا برئاسة الرئيس الأسبق حامد كرزاي. ويجب ان يعترف العالم بهذه الحكومة ، وان يتعامل معها كممثل رسمي للبلاد (منفردة او كشريك في السيادة) رجوعا الى الدستور الافغاني الذي يعتبر الانتخابات العامة ، طريقا وحيدا لنيل الشرعية السياسية وتقلد المناصب العامة.

الفرضية العامة التي تقوم عليها الاستراتيجية المقترحة ، هي ان طالبان اليوم غير التي عرفناها قبل 20 عاما ، وانها راغبة في ممارسة السلطة لأغراض دنيوية ، أي ان تفكيرها يتأثر بعامل المصلحة العقلانية ، إضافة للأيديولوجيا. كما ان جسمها البشري لم يعد مقتصرا على طلبة العلوم الشرعية في باكستان او قندهار. انها اليوم اقرب الى ميليشيا عادية تستهدف نيل السلطة ، ويعمل أعضاؤها مقابل اجر مادي وليس طلبا للاخرة.

المجتمع الافغاني تغير هو الاخر ، ولم يعد جاهلا بحال العالم ، مغيبا عن الشأن العام ، ولا خاضعا للاعراف القبلية. هذه الأرضية تعطينا فكرة عن: كيف تفكر طالبان  وكيف يفكر الأفغان.

لا يتسع المجال لشرح أوسع. لكن لا بد من الإشارة الى ان فكرة الملاذ الآمن قد لا تقي من حرب أهلية. وهذا يستدعي التفكير في العديد من الخيارات الموازية. لكن المؤكد ان وجودها يقلل من الكلفة الإنسانية لتلك الحرب ان وقعت.

الشرق الاوسط الأربعاء - 17 محرم 1443 هـ - 25 أغسطس 2021 مـ رقم العدد [15611]

https://aawsat.com/node/3150261/

   

مقالات ذات صلة

 ابعد من تماثيل بوذا

الاسئلة الخطأ

البلاد بوصفها مسرح العرائس

التحدي الذي يواجه الاخوان المسلمين

الحد الفاصل بين الاسلام و الحركة

الحركة الاسلامية: الصعــود السـر يـع و الا سئلة الكبرى

الحل الاسلامي بديع .. لكن ما هو هذا الحل ؟

الديمقراطية والاسلام السياسي

الصعود السياسي للاسلاميين وعودة الدولة الشمولية

مباديء اهل السياسة ومصالحهم

السؤال: هل تنفع الخطب؟

ذكرت في الأسبوع الماضي ان الرئيس الفرنسي السابق فرنسوا هولاند ، رد على الهجمات الإرهابية بتذكير الفرنسيين بوحدتهم الوطنية وقيم الجمهورية: ال...