عرض المشاركات المصنفة بحسب التاريخ لطلب البحث العلوم بالعربية. تصنيف بحسب مدى الصلة بالموضوع عرض جميع المشاركات
عرض المشاركات المصنفة بحسب التاريخ لطلب البحث العلوم بالعربية. تصنيف بحسب مدى الصلة بالموضوع عرض جميع المشاركات

04/06/2026

صانع المدرعة ، كوفيء بالمال فقط!

لو سألتني: هل يمكن للجامعة ان تخلق السوق من العدم ، لاجبتك: نعم. يمكن للجامعة ان تفعل هذا. لكن الأذكياء يدركون ان المقصود ليس تحويل الجامعة من جهة تعليمية الى جهة تجارية ، كما لا نقصد ان الجامعة تستطيع خلق السوق بمفردها. نتحدث عن شيء ضمن سياقه ، ومعرفة السياق شرط ضروري لفهم المقصود بالكلام.

بعد هذا التمهيد ، لا بد أيضا من إيضاح اننا نتحدث عن الجامعة بوصفها رمزا للمجتمع العلمي بكل تفرعاته ، وليس عن عنوانها القانوني او المكاني. بديهي ان حديثنا لا يتعلق بالمباني والأماكن ، بل التعليم الذي هو الشغل الرئيس للجامعة. ومن هنا فان الحديث يشمل أيضا كل إطار يجري فيه انتاج العلم أو استثمار العلم. ويدخل فيه بطبيعة الحال المبتكرون والمخترعون الافراد ، والباحثون والمطورون في الشركات الخاصة ، بل كل شخص يسعى لتحويل منتجات العقل الى مصدر للثروة.

ومما يدخل في السياق أيضا ، الدور التحفيزي - الحمائي للمجتمع والدولة. عرفت فيما مضى من السنين ، شخصا طامحا لانشاء مصنع لتدريع المركبات. وقد نجح فعلا في انتاج النموذج الأولي لمركبة مدرعة بالكامل. فلما عرضها على شخص رفيع المقام ، اصر هذا على ان صناعة المدرعات ليست من شأن الافراد ، وان عليه ان يسلم المشروع للحكومة. وقد قبل الرجل هذا الطلب على كراهة. وحين التقيته بعد هذا الحادث بعقد من الزمن ، اخبرني انه حصل على مال كثير ، لكنه يشعر بأسى عميق ، لأن ذلك المشروع قد مات ، فقد سلم الى اشخاص لا يفرقون بين اقتناء المركبة وصناعة المركبة ، وكانوا يعتقدون ان شراء مركبة جاهزة موثوقة ، من شركة معروفة ، افضل من انفاق المال على تجارب لا نعلم نهايتها. هذا – بالطبع – يكشف غفلتهم عن الفارق الجوهري بين صناعة شيء في بلدك ، وشراء مصنوعات الآخرين. اعرف مثالين آخرين يشبهان هذا في اكثر التفاصيل ، وأحدثها يتعلق بتطوير سيارة كهربائية.

 في كل الأمثلة ، كان الجميع متفقا على ضرورة تشجيع المبادرات. لكن قصر نظر بعض الناس ، جعل المال وسيلة وحيدة للتقدير ، بينما كان المبتكر يريد مواصلة العمل ، وتذليل العقبات القانونية او البيروقراطية ، التي يتمسك بها اشخاص لم يضعوا في اعتبارهم احتمال ان يأتيهم مبتكر من مكان ما ، يتطلع لصنع شيء لم يخطر على بالهم من قبل.

اما وقد وصلنا الى هذه النقطة ، فلابد من القول ان بعض المبتكرات تبدو غريبة على المجتمع او ربما كريهة. وهذه تظهر أكثر ما تظهر في الأفكار وليس التقنيات العملية. فاذا اعتاد المجتمع على التسامح مع الأفكار المخالفة له او الغريبة عن معتقداته واعرافه ، فهو يؤسس ما نسميه "السوق الحر للافكار" الذي اعتبره جون ستيوارت ميل ، الفيلسوف الإنكليزي المعروف ، ارضا ضرورية للابتكار وإنتاج الجديد. اما اذا قوبلت تلك الأفكار بالتجاهل ، او تعرض أصحابها للاذى ، فسوف يميل أصحاب الأفكار والمبتكرون الى الانكماش ، وعدم الاكتراث بإنتاج أي جديد ، او ربما يهجرون مجتمعهم الى مجتمعات يظنون انها اكثر تقبلا للجديد.

يمكن للمجتمع ان يساعد المبتكرين ، ويمكن له ان يفسح الطريق لهم ، وان لم يساعدهم. في كلا الحالتين ، يجب ان يتبنى المجتمع عقيدة واسعة ، تتسامح مع المختلف وان كانت آراؤه مضادة لقناعات المجتمع ومعتقداته.

زبدة القول ان الدور التحفيزي - الحمائي للمجتمع والدولة ، يتمثل في مساعدة المبتكرين الاذكياء على مواصلة عملهم ، وخوض التحدي الذي ظنوا انهم قادرين عليه ، ومساعدتهم في تخطي الصعوبات ، وليس استغلالهم في الدعاية او اقناعهم بالراحة.

المجتمعات التي تحتفي بالاشياء الغريبة والمختلفة وغير المعتادة ، او - على الأقل - تتسامح مع أصحابها ، جديرة بأن تتحول الى حاضنة للابداع. بعكس المجتمعات التي تحب السيطرة على التغيير والتحكم فيه ، او تشترط الحصول على ترخيص لكل عمل ، فهذه احرى بأن تتحول الى ثلاجة للمبدعين او ربما مقبرة.

الشرق الأوسط الخميس - 19 ذو الحِجّة 1447 هـ - 4 يونيو 2026 م     https://aawsat.com/node/5280279

مقالات ذات علاقة

  

28/05/2026

هل يمكن للتعليم ان يخلق السوق بدل خدمتها؟

 الجدل الذي رافق انطلاق جامعة الرياض للفنون ، لفت نظري لموضوع في غاية الأهمية ، وهو العلاقة التفاعلية بين المدرسة والسوق. يتضح الموضوع في سؤال كثير التداول ، فحواه: هل نبني التعليم الجامعي كي يلبي حاجات السوق ، ام ان مهمته هي صناعة السوق وتحديد حاجاتها؟.

الفرق بين السؤالين واضح جدا ، فالتعليم الذي يخدم حاجات السوق ، ينطلق من فرضية ان السوق القائمة هي المكلفة بتوليد الوظائف وتحريك الاقتصاد. ولأن هذا لا يتحقق دون يد عاملة مؤهلة ، فان مهمة النظام التعليمي هي سد هذه الحاجة. هذا يشبه الى حد كبير الفهم الذي ساد في بداية انشاء التعليم الحكومي قبل حوالي 100 عام ، حين اعتبر الجميع بأن غرض المدارس حديثة التأسيس ، هو توفير الموظفين للدوائر الحكومية ، التي كانت حديثة التأسيس أيضا.

بات الموضوع حرجا ، لأن عدد الذين يتخرجون من المدارس والجامعات ، أكبر كثيرا من قدرة الاقتصادات الوطنية ، على توليد ما يكفي من الوظائف لغالبيتهم. فماذا نفعل في مواجهة التحدي؟.

بعض الحكومات اعتمد تصدير الفائض من اليد العاملة الى الأسواق المستقبلة للعمالة. ونعلم ان هذا حل لمشكلة طالب العمل ، لكنه لا يعالج ضعف الاقتصاد الوطني. الحل الذي اختارته حكومات أخرى ، ومن بينها المملكة ، هو تشجيع الشباب على انشاء شركاتهم الخاصة ، كي يعملوا لأنفسهم ، بدل العمل لصالح الغير.

نعلم ان هذا الخيار ليس مرجحا عند غالبية الناس ، لأنهم - ببساطة – لا يملكون الرساميل ولا الخبرة ، فضلا عن الخلفية الثقافية التي لا تشجع المغامرة.

حسنا .. هل يمكن للتعليم الجامعي ان يساعد في استيعاب هذا التحدي؟.

هذا هو بالتحديد محل السؤال الثاني عن علاقة الجامعة بالسوق . والفرضية التي نطرحها هنا هي: ان دور الجامعة كخادم للسوق ، ضروري ، لكنه لا يعالج المشكلة الكبرى ، أي ضيق وعاء التوظيف في السوق الحالية. ان الحل الجذري هو ان "نخلق سوقا جديدة". هكذا الامر بكل بساطة!.

"خلق السوق" يعني ابداع اعمال من العدم ، وتوفير وظائف جديدة ما كان أحد يتخيل وجودها قبلئذ. لتوضيح الفكرة ، اسأل نفسك: ما عدد الوظائف الجديدة التي خلقت بفضل انتشار الانترنت ، ثم الهاتف الجوال المتصل بالانترنت؟. اعتقد ان عددها بالملايين أو ربما عشرات الملايين. فمن كان يتخيل هذا النوع من الوظائف قبل 40 سنة؟

خذ أيضا الوظائف التي تتصل بالانظمة ذاتية الحركة ، مثل الطائرات المسيرة والروبوت والمحركات المدارة عن بعد ، وهي كلها تقنيات ناشئة ، وسوف تكون مثل الهاتف الجوال بعد خمس سنين او نحوها. ترى كم هو عدد الوظائف التي توفرها هذه التقنيات الآن ، وكم نتوقع ان يتوفر منها في العقد القادم؟.

هذه أمثلة على سوق خلقت في مختبرات الجامعة ، وهي تقدم فرصا أوسع وأرقى من معظم الوظائف المعروفة اليوم.

تستطيع جامعاتنا تولى هذه المهمة ، ليس بمعنى الانصراف كليا اليها ،  بل بمعنى ان تخصها بالاهتمام والتمويل والإدارة. نموذج التعليم الذي يخلق السوق ، جوهره الابتكار والبحث العلمي المتقدم ، والتركيز على التقنيات التي تقود السوق ، مثل الطاقات المتجددة والذكاء الصناعي والتقنيات الحيوية ، واحتضان الاعمال التي ينشئها الطلبة والمدرسون ، نظير ما تقوم به جامعة الملك عبد الله للعلوم والتكنولوجيا حاليا.

ان اردت لمس ما نتحدث عنه ، فاعلم أن خريجي جامعة كامبردج البريطانية مثلا ، اقاموا 26 شركة تقنية ، راسمال الواحدة منها يتجاوز مليار دولار. وتساهم الشركات المرتبطة بهذه الجامعة في الاقتصاد البريطاني بحوالي 30 مليار جنيه سنويا. اما جامعة ستانفورد فان خريجيها اقاموا 122 شركة تقنية يتجاوز راس مال الواحدة منها مليار دولار.

هذا قليل من كثير ، يظهر ان فكرة "خلق السوق" ليس حلم ليلة صيف ، ولا تأملات متفرج من برج عاجي. بل هي إمكانية قائمة وقد جربت فعلا. فهل نستطيع التحرر من العقد القديمة ، ونفكر في السوق التي نصنعها بدل السوق التي نخدمها؟.

الشرق الأوسط الخميس - 11 ذو الحِجّة 1447 هـ - 28 مايو .   2026           https://aawsat.com/node/5277922

 

مقالات ذات علاقة

 اول العلم قصة خرافية
تدريس العلوم بالعربية.. هل هذا واقعي؟
تعريب العلم ، ضرورة اقتصادية ايضا
التعليم والسوق.. من يصنع الآخر؟
التمكين من خلال التعليم
حول البيئة المحفزة للابتكار
الطريق السريع الى الثروة
كيف نجعل الثقافة محركا للاقتصاد؟
لافرق بين دراسة الفن ودراسة الطب
لماذا نبدأ بالأطفال
مجتمع المعرفة لازال هدفا ضروريا
معنى ان يكون التعليم العام واسع الافق
هل نسعى لتعليم يملأ المكاتب بالموظفين؟
 
 

21/05/2026

لافرق بين دراسة الفن ودراسة الطب

هذه مراجعة للجدل الذي أثاره اعلان جامعة الرياض للفنون ، اعتماد الإنكليزية لغة تدريس. وشارك في الجدل عدد من أبرز المثقفين وأهل الرأي والفن في المملكة العربية السعودية.

لقد أوضحت في مقالات سابقة انني مؤيد لتعريب التعليم العالي. واعني تحديدا مجالات العلوم والطب والهندسة ، فضلا عن العلوم الإنسانية. وقد أوضحت مبررات رأيي بما يغني عن الإعادة.

سأخصص هذه الكتابة لتوضيح الأسئلة التي يدور حولها النقاش الجديد. طمعا في تعميق النقاش.

البداية فرضية فحواها ان الابداع الفني يولد من غوص الفنان في التجربة الحياتية لبيئته الاجتماعية ، واكتشاف كيفية انعكاس الظرف الطبيعي على تفكير البشر وتطلعاتهم وعلاقاتهم الداخلية.

تتحول تلك الأفكار الى صور متخيلة ورموز ، يعيد الفنان رسمها في صورة مشهد ، كما يفعل الشاعر حين يعيد انتاج حادثة او فكرة في صورة قصيدة ، توصل المعنى من دون ان تغرق في تفاصيل ما حدث فعلا.

الفن – بهذا المعنى – انعكاس لحقيقة الحياة ، مختصر في المساحة ، لكنه مكثف في الترميز ، مغرق في التخييل ، دون ان يفارق دائرة المعنى المراد ايصاله للمتلقي.

الذين عارضوا تدريس الفنون بلغة اجنبية ، يحتجون بأن إعادة انتاج الفكرة والمعنى في قوالب فنية إبداعية ، عملية فكرية معقدة ، مشروطة بتعمق المبدع في ثقافة المكان ، وانغماسه في تفاصيله. ونعلم ان الثقافة تتاثر بعمق ، بأوعية التعبير عن المعاني ، والاحاسيس التي ترافق التجربة الثقافية ، قبل ان تأخذ شكلها النهائي كمفهوم او عرف او قيمة مستقرة. وعاء التعبير ، أي اللغة ، يشكل اطارا للمعنى والتجربة ، فيضع حدودا على بعض عناصرها ويطلق البعض الآخر بعيدا عن المركز.

التعبير الفني سلسلة طويلة ، منطلقها تجربة الحياة ، ثم التأمل في تفاصيلها ومعانيها ، ثم تحويلها الى مشاهد متخيلة ورموز ذات دلالات قوية ، ثم عرضها على الناس كقناة تفاعلية تصل المتلقي بالمشهد وما وراءه من تجربة. هذه السلسلة الطويلة عبارة عن تأملات متداخلة ، تشكل اللغة جزء محوريا فيها. حين يفكر الانسان ، فان ذهنه يلاحق الخط الدلالي الذي تنشئه اللغة او تسمح به. ومن هنا قيل ان الابداع بلغة اجنبية عسير جدا ، الا لشخص ذائب في ثقافتها. يتجلى هذا  العسر في مرحلة التصنيع ، لحظة استيعاب التجربة وتكوين المعنى والرمز ، حيث يتأمل المبدع في صور جرى تثبيتها في نماذج لغوية ، وليس تجريدات قائمة بذاتها. لذا يصعب على الأجنبي استيعاب المعاني العميقة ، التي ترتبط بها تلك الصور والرموز ، او انتاج معان جديدة بالاعتماد عليها.

أما من يؤيد اعتماد اللغات الأجنبية ، فيحتج بان الفنون الحديثة ، تطورت في الاطار المعرفي  الغربي ، ولم يساهم فيها العرب الا عرضيا. من الرواية الى الأداء والتصوير او التشكيل وطريقة التعبير عن المعنى ، كلها نشأت في ذلك الاطار. ولذا فالمكتبة التي يحتاجها دارس الفن ، مكتبة إنكليزية.

تعزيزا لهذا الرأي ، أقترح الفصل بين مستويين من الحرف الفنية: الأداء الفني ، والابداع الفني. انظر للممثلين او الرسامين المبدعين او الشعراء والروائيين المشهورين: لن تجد الا عددا قليلا جدا في كل بلد. اما الذين يؤدون الاعمال الفنية ، سواء الممثلين او الرسامين او كتاب الروايات او منتجي ومخرجي الدراما ، فهم بالمئات. في مصر مثلا يعمل عدة آلاف في المجالات الفنية المختلفة ، لكنك لا تسمع الا بعشرين او ثلاثين مبدعا. كذلك  الحال في سوريا والخليج والعراق ، بل حتى البلدان العريقة في هذه المجالات ، حيث لا تشكل الأسماء البارزة سوى واحد او اثنين بالمائة من العاملين في الحقل الفني.

ليس مهمة جامعة الفنون أن "تصنع" مبدعين ، بل ممارسين. اما المبدع فموهبته سابقة للجامعة ، ودور الجامعة هو تعميق معرفته وصقل خبراته وتحديد المدرسة التي يقتفي اثرها. هذا تماما ما يحصل في كليات الطب والهندسة ، التي لا تخرج علماء ، بل ممارسين ، يبذل بعضهم جهودا إضافية حتى يبلغ المستوى  الرفيع المتمثل في نقد العلم وإنتاج العلم.

من هنا لا ينبغي ان نفكر في الجامعة كمكان لصنع العلماء بل لصنع طواقم الاعمال الفنية ، التي ستكون بمثابة البيئة او البحر الذي يحتاجه المبدعون كي يحولوا تطلعاتهم الى منتجات ابداعية.

الشرق الأوسط الخميس - 04 ذو الحِجّة 1447 هـ - 21 مايو 2026 م     https://aawsat.com/node/5275541

 

مقالات ذات صلة

تعريب العلم ، ضرورة اقتصادية ايضا
تدريس العلوم بالعربية.. هل هذا واقعي؟
حول البيئة المحفزة للابتكار
التمكين من خلال التعليم
صناعة الشخصية الملتبسة
شكوك في العلاقة بين الثقافة والتقدم
بين النهوض العلمي والتخصص العلمي
تدريس العلوم بالعربية.. هل هذا واقعي؟
هل تختار مدرسة اجنبية؟
تطوير التعليم من الشعار إلى المشروع
حاضنات الابداع
معنى ان يكون التعليم العام واسع الافق
التخلي عن التلقين ليس سهلا
 

29/01/2026

نقاشات الذكاء الصناعي في مرحلة جديدة

 توجهات الذكاء الصناعي وتحدياته كانت محورا بارزا في نقاشات "المنتدى الاقتصادي العالمي" ، خلافا للاعتقاد الذي ساد قبيل انعقاده ، وفحواه ان سخونة الأجواء السياسية لن تفسح مجال نقاش لغيرها.

ومنذ انشاء المنتدى الذي ينعقد سنويا في مدينة دافوس السويسرية ، كان الاقتصاد هو الموضوع الرئيس لأعماله. لكن السياسة الدولية تأخذ هي الأخرى اهتماما غير قليل ، بالنظر لكثافة حضور السياسيين وقادة الدول ، فضلا عن رؤساء الشركات الكبرى ، الذين يهمهم معرفة اتجاه السياسة الدولية ، من فم صناعها ، وليس نقلا عنهم.


يتأثر الاتجاه العام للمنتدى بالهموم الكبرى التي تشغل بال النخبة. ومن هنا فان بروز الذكاء الصناعي على اجندة المنتدى في السنوات الثلاث الأخيرة ، يوضح أن شريحة مؤثرة من نخبة العالم ، لا سيما بين رجال الاعمال والاكاديميين والمفكرين ، تتعامل معه كتحد جدي لنظم الاقتصاد والثقافة السائدة في العالم كله.

تتخذ نقاشات الذكاء الصناعي مسارات متنوعة ، فبعضها يركز على معنى ان تكون الآلة ذكية ، وإمكانية ان تتجاوز ذكاء البشر ، او حتى ان تتحول من أداة تنفذ إرادة صانعيها ، الى قوة مستقلة عنهم. وثمة نقاشات تهتم بالوظائف التي ستزول او تتقلص مع توسع الأجهزة الذكية وقيامها بالعديد من الاعمال التي لا زالت تعتمد على الجهد البشري ، الفكري والبدني. إضافة بالطبع الى النقاشات الخاصة بالجبروت الذي يمكن ان ينشأ عن تمركز الأنظمة الفائقة الذكاء في عدد قليل من الدول ، واحتمال ان تستثمرها في اخضاع المجتمعات الأخرى.

ساهمت تلك النقاشات في تشكيل فهم متقارب ، لأبرز التحديات والتحولات التي يتوقع ان يشهدها العالم ، في ظل النفوذ المتفاقم لتطبيقات الذكاء الصناعي في تفاصيل حياتنا اليومية ، من التجارة الى التعليم والطب والهندسة والبحث العلمي ، وغيرها. ومع تبلور فهم توافقي ، تتجه النقاشات الأحدث الى مسائل أكثر عمقا ، ولا سيما تلك المتعلقة بتأثيره المحتمل على أنماط العيش وعلاقة الناس ببعضهم ، واتجاهات الثقافة.

تساهم الأنظمة الفائقة الذكاء في تقليص المسافة بين الفكر والعمل ، بل الغاءها في حالات كثيرة ، مما يتيح وقتا أوسع لعمل الانسان ويزيد من تطلعاته. لكن هذه الإضافة بالذات تجعل الوسيلة ، أي الآلة ، مؤثرة في تحديد موضوع العمل ومنتجاته ، وبالتالي فهي تسهم بعمق أكبر في إعادة تعيين المسار الاقتصادي وطرق التعامل بين الناس. لتوضيح هذه المسألة ، انظر كيف أن دخول السيارة في سوق العمل اثر على اتجاهات العمل وقيمته ، وعلاقة العاملين مع بعضهم ومع ارباب عملهم. ويقال الشيء نفسه عن تأثير الهاتف النقال على العلاقات بين الناس ، فقد زاد التعاملات التجارية ، حين اختصر المسافة الزمنية بين الفكرة والعمل والناتج ، لكنه – في الوقت نفسه - غير الى حد كبير مضمون وكيفية علاقة الناس ببعضهم ، بل أثر أيضا على موضوعات العلاقة بين الناس.

هذا النوع من التأثير يثير أسئلة جدية حول قدرة الانسان على التحكم في حياته ، بما فيها القيم الناظمة لعلاقته مع جيرانه وأصدقائه وشركائه ، والقضايا التي تدور حولها هذه العلاقة. لا ينبغي ان يقتصر النقاش في أمر كهذا على الجانب التقني ، كما لا ينبغي ان نقتصر على اظهار القلق او تخويف بعضنا البعض. نحن بحاجة الى تكرار التأكيد على المباديء الجوهرية التي تدور حولها حياة الانسان ، وكفاحه اليومي من أجل حياة أفضل. ولا شك ان أبرز تلك المباديء واعلاها أهمية هي بقاء الانسان مسيطرا على مصيره ، ساعيا الى تعزيز كرامته ، محافظا على استقلال ارادته.

التأكيد على هذه المباديء ضروري جدا في عالم تديره الآلات ، أو تشكل القوة الحاسمة في تلبية احتياجاته. نحن بحاجة للتساؤل دائما عما اذا كنا نسعى للتطور المادي ، لأنه هدف بذاته ، او من أجل زيادة المال ، ام لأنه يخدم هدفا أعلى ، يتعلق مباشرة بالوجود الإنساني ، أي تعزيز كرامة الانسان وبقائه في مركز الوجود.

الخميس - 10 شَعبان 1447 هـ - 29 يناير 2026م             https://aawsat.com/node/5234924

مقالات ذات صلة

استمعوا لصوت التغيير
بين النهوض العلمي والتخصص العلمي
تجربة تستحق التكرار
تدريس العلوم بالعربية.. هل هذا واقعي؟
تعريب العلم ، ضرورة اقتصادية ايضا
التعليم كما لم نعرفه في الماضي
التمكين من خلال التعليم
حول البيئة المحفزة للابتكار
الذكاء الصناعي وعالمه المجهول
عالم افتراضي يصنع العالم الواقعي
على اعتاب الثورة الصناعية الرابعة
العولمة فرصة ام فخ ؟
لماذا ينبغي ان نطمئن الى تطور الذكاء الصناعي؟
ما الذي يجعل الانترنت مخيفا للزعماء التقليديين ومحبوبا للشباب ؟
معنى ان يكون التعليم العام واسع الافق
النقلة الحتمية : يوما ما ستنظر الى نفسك فتراها غير ما عرفت
هل تعرف "تصفير العداد"؟
هل يمثل الذكاء الصناعي تهديدا للهوية؟

هل يمكن للذكاء الصناعي ان يكون بديلا عن عقل البشر؟
إعادة تشكيل الحياة في عصر الانترنت ‏
غدا نتحرر من الخوف

09/05/2024

حاضنات الابداع

 الأسبوع الماضي عادت جارتنا مريم من "مخيم الفضاء" الذي أقامته جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية ، ضمن مساعيها لاكتشاف المواهب المبكرة في مجالات التقنية العالية. حصلت  مريم وفريقها – وجميعهم طلاب في المرحلة الثانوية – على المركز الأول ، نظير تصميمهم نموذجا لقمر صناعي خاص بالاتصالات. شارك في "المخيم" - حسبما علمت - نحو 300 طالب من مدارس مختلفة في المملكة.

توالي هذا النوع من الاخبار المفرحة خلال العامين الاخيرين ،  يكشف عن زيادة ملحوظة في مسابقات البحث العلمي بين طلاب التعليم العام. واحتمل ان عددها في الشهور الاربعة الماضية ، قد تجاوز العشرين. عناوين الأوراق والأبحاث التي قدمها طلابنا في الفترة المذكورة ، تكشف عن رغبة عميقة في استيعاب تحديات التقنية الحديثة ، ومواجهتها من خلال تجربة فعلية ، قابلة للمقارنة والتقييم.

هذه فرصة غالية أمام المجتمع السعودي ، ينبغي الاهتمام بها ، واستثمارها على نحو يلائم ندرتها واهميتها. تتألف هذه الفرصة من 3 عناصر أساسية: 1- الرغبة الواضحة عند قطاع عريض من الشباب في تفكيك اسرار التقنية ، والانضمام الى قطار المبدعين. 2- رغبة شريحة معتبرة من الكادر الاداري والتعليمي ، في تجاوز المفاهيم القديمة في التعليم العام ، والتي تحصر اغراضه في الاختبار والشهادة. 3- توفر اكثر من جهة رسمية راغبة في دعم هذا النوع من النشاطات ، وأخص بالذكر كلا من مؤسسة الملك عبدالعزيز ورجاله للموهبة والإبداع "موهبة" ، وجامعة الملك عبد الله للعلوم والتكنولوجيا ، اضافة لشركة ارامكو.

هذه عناصر ما كانت مبسوطة في الماضي ، على النحو الذي نراه اليوم. لكني مع ذلك اود التأكيد على نقطة أراها ضرورية جدا:  

يصل عدد طلبة التعليم العام في المملكة  الى 6 ملايين ، وتضم الكليات الجامعية والمعاهد التقنية نحو 1.3 مليون طالب. هذه أرقام كبيرة جدا بالقياس الى عدد المشاركين في المنافسات العلمية.  بحسب الارقام المنشورة ، فان اكبر رقم اطلعت عليه هو 3,000 متنافس. واحتمل ان هناك ارقاما اكبر ، لكنها لا تتجاوز 10,000 متنافس. وافهم ان اولوية مطلقة قد منحت للمتفوقين في مختلف الصفوف. لكني أخشى ان هذا النوع من الاختيار قد ينقلب لامتياز سلبي. الامتياز السلبي عبارة عن توجه ضمني ، يحصر الاهتمام في هذه الفئة القليلة التي فازت في المسابقات او رشحت لها. ونعلم ان هذا يجعل مهمة انتاج المبدعين محصورة في دائرة لا يزيد عدد افرادها عن واحد في الالف ، أو حتى نصف هذا العدد.

نحتاج لبرنامج وطني يوسع دائرة المستهدفين بالنشاطات سابقة الذكر ، كي تشمل ما لا يقل عن 10% من اجمالي الطلبة ، اي نحو 750 الف طالب في مختلف مستويات التعليم. هذا رقم كبير ، لكنه ممكن أولا وضروري ثانيا. ضرورته تكمن في أنه يوفر البحر الذي يسبح فيه المبدعون. قد يبرز مبدع او مبتكر ، وسط مجتمع خال تماما من محفزات الابداع. لكن هذا من الصدف النادرة التي لا يعول عليها. فاذا أردنا مبدعين بالمئات والالوف ، فعلينا إقامة محيط اجتماعي منتج للعلم ، متفاعل مع الحياة العلمية وتيارات التقنية. عندها سيجد الشخص الموهوب والشخص الذكي والشخص الطموح بيئة تبرز تطلعاتهم وتعززها ، وتحولها من أمنية الى عمل ، ومن علم الى مال.

انضمام 10% من اجمالي الطلبة ، يحتاج بذاته الى جهد رسمي وأهلي واسع جدا ، ويتضمن خصوصا:

 1- تغيير مفهوم الأداء في مراحل التعليم الابتدائي والمتوسط ، كي يكون معيار النجاح هو نضج التفكير والابتكار ، وليس الحفظ والاختبار النهائي.

2- تدريب الأبوين على تحفيز المواهب عند ابنائهم ، ولا سيما من خلال القراءة والنقاش.

3- تزويد المدارس الابتدائية والمتوسطة بحاضنات الابداع ، اي المكتبة المتجددة ومختبر العلوم واللغات ورحلات البحث وجلسات المناقشة.

هذه في ظني اضافات ضرورية لجعل الابداع والابتكار محورا نشطا في حياة الشباب وعمل النظام التعليمي.

الخميس - 02 ذو القِعدة 1445 هـ - 9 مايو 2024 م  https://aawsat.com/node/5007776

مقالات ذات علاقة

أسس بنكا او ضع عقلك في الدرج
اول العلم قصة خرافية
بين النهوض العلمي والتخصص العلمي

تدريس العلوم بالعربية.. هل هذا واقعي؟

تطوير التعليم من الشعار إلى المشروع

تطوير التعليم من الشعار إلى المشروع
التعليم كما لم نعرفه في الماضي
التمكين من خلال التعليم
التخلي عن التلقين ليس سهلا

تعريب العلم ، ضرورة اقتصادية ايضا

تعزيز التسامح من خلال التربية المدرسية

التعليم كما لم نعرفه في الماضي

التعليم والسوق.. من يصنع الآخر؟

التمكين من خلال التعليم

حقوق الانسان في المدرسة

حول البيئة المحفزة للابتكار

دعـــــوة الى التعــــليم الخــــــيري

سلطة المدير
فتاة فضولية
المدرسة وصناعة العقل
معنى ان يكون التعليم العام واسع الافق

شكوك في العلاقة بين الثقافة والتقدم

صناعة الشخصية الملتبسة

ما هي الأغراض الكبرى للتعليم الوطني

المدرسة وصناعة العقل

المدرسة ومكارم الاخلاق

هل نسعى لتعليم يملأ المكاتب بالموظفين؟

02/05/2024

لماذا نبدأ بالأطفال

 

ردا على مقالة الاسبوع الماضي ، كتب لي أحد الزملاء قائلا: لو صحت الدعوى ، لتحقق المراد اليوم. ففي العالم العربي عشرات الآلاف من مطوري البرامج الأكفاء ، وثمة آلاف آخرون يتخرجون كل عام ، من الكليات المتخصصة في فروع المعلوماتية. ومع هذا لا نرى التطور الذي تزعمه المقالة. بل لازالت الغالبية الساحقة من البرامج التي نستخدمها على مستوى الأفراد والشركات والحكومات ، اجنبية. وحتى إذا كان للمطورين المحليين دور ، فهو لا يعدو التنسيق والتهيئة ، كي تلائم متطلبات البلد. وهذا عمل لا صلة له بالتطوير او الابتكار.

فاذا كان الآلاف الذين لدينا اليوم لم يصنعوا شيئا مهما ، فهل مضاعفة الرقم ستصنع التغيير... بعبارة اخرى: هل المشكلة في العدد ، وهل نقول انه يجب ان يكون لدينا مليون مطور ومبرمج حتى تتحول المعلوماتية الى صنعة وطنية؟.

رأيي ان هذا السؤال عبثي. لكنه – مع هذا – يلفت أنظارنا لنافذة مهمة ، تكشف العوامل التي أدت الى إخفاقنا في الماضي ، والتي قد تؤدي لتكرار الاخفاق اليوم أو غدا. المسألة قطعا ليست في العدد ، مع انه مفيد ، في الجملة. دعوتنا تدور حول الابداع والابتكار وليس زيادة العدد. ويتضح الفرق بين الكثرة والابداع ، من خلال المقارنة بين اقتصاديات الزراعة في الهند ونظيرتها في هولندا. يصل عدد المزارعين في هولندا الى 660 الف ، يقابلهم 152 مليونا في الهند (230 ضعفا). وتبلغ قيمة الصادرات الزراعية الهولندية 132  مليار دولار ، تقابلها 53 مليارا في الهند (اقل من النصف). هل تعرف السر في هذا الفارق الكبير؟. السر هو ان هولندا واحدة من الدول العشر الاولى في قائمة الابتكارات التقنية الجديدة. وهي الاكثر ابداعا في مجال الزراعة.

مرادنا اذن هو ايجاد البيئة الاجتماعية – الثقافية المعززة للابداع والابتكار ، وليس مجرد الزيادة العددية. نحن لا نستهدف تدريب مستعملين للبرامج والاجهزة المستوردة من الخارج ، بل مبتكرين ومطورين يبدعون برامج واجهزة جديدة.  لهذا السبب دعوت في مقال الاسبوع الماضي الى تعليم البرمجة في المرحلة الابتدائية ، ثم جعلها الزامية في المرحلة المتوسطة. ذلك ان الموضوع الذي يشغل ذهن الانسان عند طفولته ، سوف يتحول الى هواية وشغف وجزء اساسيا من حياته اليومية ، حينما يكبر. كثير من الاطفال سوف يكتشفون برمجة الالعاب في سن مبكرة ، وبعضهم سوف يتجه الى حقول اخرى مثل الزراعة والهندسة والعلوم الانسانية ، لكنه سيحمل معه القابلية لربط اي من هذه الحقول بحقل المعلوماتية ، عندئذ سنرى الدخول السلس للذكاء الصناعي في الزراعة والطب والاتصالات والنقل والهندسة.. الخ. العنصر الرئيس في هذه الفكرة اذن هو تعميق انعكاس المعلوماتية في نفس الانسان وعقله وجعلها جزء نشطا من عالمه.

هذا شيء يختلف عن تعليم الحوسبة في الجامعة ، وفق الطريقة التي اعتدناها في معظم الجامعات العربية حتى الآن. تعليمنا الراهن لا يهتم كثيرا بغرس الابتكار ، بل يركز على اتقان استعمال الأجهزة والبرامج ، ثم الحصول على شهادة جامعية تضمن للطالب وظيفة مريحة في حقل المعلوماتية او في اي مجال آخر. أي ان الحوسبة جاءت في شكل اضافة الى معلوماته ، وليست كانشغال ذهني وشغف وهواية في حياته اليومية.

في الصورة الاولى نتوقع الكثير من الابداع. الاطفال الذين يتعلمون شيئا ، يبدعون فيه مبكرا. بل أدعي ان قابلية الابداع واكتشاف الجديد لدى الشاب المراهق ، أقوى وأكثر احتمالا من نظيره المتقدم في العمر. والسر فيه ان خيال الطفل والشاب المراهق خيال منطلق ، لا يتقيد بحدود العقل وقيوده ، بخلاف الشخص الناضج الذي – تبعا لموقعه الاجتماعي وقدراته المادية – يحصر تفكيره في المتعارف والمألوف ، الا في حالات نادرة. لقد بات مسلما في عالم اليوم ان الخيال الجامح المنطلق ، العابر للمعقولات ، هو ابو الابداع وأمه ، وأضيف اليه ان زرع بذور الابداع والابتكار ، يبدأ في بواكير الحياة ، كي يؤتي ثماره في تواليها.

الشرق الاوسط الخميس - 24 شوّال 1445 هـ - 2 مايو 2024 م

https://aawsat.com/node/4996021/

مقالات ذات علاقة

 اول العلم قصة خرافية

بين النهوض العلمي والتخصص العلمي

تدريس العلوم بالعربية.. هل هذا واقعي؟

تطوير التعليم من الشعار إلى المشروع

تعريب العلم ، ضرورة اقتصادية ايضا

التعليم كما لم نعرفه في الماضي

التمكين من خلال التعليم

حول البيئة المحفزة للابتكار

صناعة الشخصية الملتبسة

الطريق السريع الى الثروة

المدرسة وصناعة العقل

معنى ان يكون التعليم العام واسع الافق

يوكل علم ؟ ... يعني مايفيد !

 

 

الانسان ، التراب ، والوقت .. عودة لنقاش قديم

هذه مراجعة لرؤية المرحوم مالك بن نبي حول الاركان الثلاثة التي تقوم عليها الحضارة ، أي الانسان والتراب والوقت ، مع تعديل أراه ضروريا ، كي تس...