عرض المشاركات المصنفة بحسب التاريخ لطلب البحث جون رولز. تصنيف بحسب مدى الصلة بالموضوع عرض جميع المشاركات
عرض المشاركات المصنفة بحسب التاريخ لطلب البحث جون رولز. تصنيف بحسب مدى الصلة بالموضوع عرض جميع المشاركات

18/06/2026

صناع التقدم : العامة لا النخبة

اطروحات مالك بن نبي مهمة لمن ينظر للاختلال الثقافي ، كمعيق للنهوض العلمي والاقتصادي في المجتمعات العربية. تحدث مالك عن "الدروشة" التي حولت التراث من معرفة نشطة الى مخدر للروح. كما دعا لعقلنة الثقافة التي تحدد اتجاهات السلوك الفردي والجمعي.

امارتيا سن

الانسان هو نقطة الاشتباك في أي نقاش حول التقدم. هذا رأي لا يجادل فيه أحد ، كما أظن. وهو يستدعي سؤال ضروريا: طالما اتفق الناس على انهم ، كلا منهم ، نقطة الاشتباك ومحور الجدل ، فهل يعون أيضا ما الذي ينبغي فعله كي نتقدم؟. واذا كانوا يستوعبون ابعاد هذا السؤال ، فهل يحاولون فعليا وضع اقدامهم على طريق التقدم ، أي هل يحاولون العثور على الجواب العملي لذلك السؤال؟.

اريد هنا إيضاح نقطة ترد الى ذهني بين حين وآخر ، وخلاصتها ان العمل الفكري الهام لمالك بن نبي ، لم يتواصل على يد مفكرين آخرين من بعده. أو لنقل على سبيل التحفظ ان المشروعات الفكرية التي تستهدف نفس الغاية ، أي التقدم ، ليست كثيرة او مترابطة ، بل يبدو كل منها مثل نخلة منفردة في صحراء ، يثير الاهتمام ، لكن يصعب التعرف على الخيوط التي تربطه بماقبله.

اعتقد اننا بحاجة لشيء يشبه عمل الفيلسوف المعاصر  "أمارتيا سن" الذي وقف أمام فرضيات "جون رولز" في نظريته الشهيرة حول العدالة ، ثم قال لنفسه: كل بلد ، حتى أكثرها فقرا ، تتوفر فيه فرص كثيرة لتحسين معيشة الناس. لا يوجد بلد خال من الفرص. لماذا؟. لأن الفرص يخلقها الناس ، شرط ان لا ينشغلوا بالحدود الضيقة لما يرونه بعيونهم ، أو يسمعونه بآذانهم. ثمة في العالم فرص وفيرة. لكنك شغلت نفسك بالبحث عن تبرير للفشل ، او تركت الفعل الخلاق الإيجابي ، وتفرغت لمراقبة ما يفعله هذا وذاك ، كي تعثر على زلة تحولها الى قصة. ولهذا السبب او لغيره ، عجزت عن تخيل الفرص التي يحصل عليها غيرك او يخلقونها.

في أحاديثه الكثيرة حول الانسان صانع الحضارة ، اكتفى مالك بن نبي بالتأكيد على ما يمكن ان نصفه اليوم بالفردانية ، أي استقلال الفرد في تفكيره وتحمله مسؤولية حياته وأفعاله. ونعرف ان هذا شرط محوري للنهوض الاقتصادي والعلمي.

لكن مالكا لم يخبرنا كيف نخلق هذا الشعور عند جميع الناس ، خاصة الأكثر حاجة للتقدم ، أي  الطبقات الفقيرة والمعدمة. بل استطيع القول ان تأكيده المتكرر على الصفات الريادية للإنسان المؤهل لصناعة الحضارة ، أوقعه في مشكلة أخرى وهي النخبوية. فالمستفاد من كلامه ان صناع الحضارة ، هم نخبة المجتمع وليس عامة الناس. هذا يتعارض جوهريا مع الواقع القائم في عالم اليوم ، حيث ينظر لجمهور الناس كصناع للمدنية ومستفيدين منها.

أعود الى امارتيا سن الذي ركز في نظريته عن العدالة على مبدأ تمكين عامة الناس من الإمساك بأقدارهم والسير في طريق التقدم. فكرة التمكين empowerment تجمع بين مفهومين: المعرفة والإرادة. وأرى  ان المعرفة هي التي تفسح الطريق لبروز الإرادة. واقصد المعرفة العامة التي تجعل الانسان العادي مطلعا على العوالم البعيدة عن مداه الجغرافي والبصري ، فيتعرف – تبعا لذلك – على الفرص المتاحة في هذه العوالم. ويذكر في هذا السياق ان حكومة الهند وزعت في سبعينات  القرن العشرين ، عشرات الالاف من أجهزة الراديو ، على العائلات الفقيرة في الأرياف ، كي تتعرف على الفرص المتاحة بعيدا عنها  ، ومن بينها فرص التعليم والصحة والأساليب الجديدة في الزراعة.. الخ. تلك الخطوة على بساطتها حسنت بشكل ملموس شبكة الخدمات العامة في الريف ، وعجلت في ربطه بالاقتصاد الوطني ، فتحسنت معيشة الناس.

هذا هو نموذج التقدم الذي نناقشه: حراك تنموي يخدم عامة الناس ، ولاسيما اقلهم حظا. وهو لا يستهدف إنشاء نخبة ، بل تحريك الطبقات الواقعة في أدنى السلم. في اعتقادي ان هذا اسرع طريق للتقدم. وللحديث بقية.

الشرق الأوسط الخميس - 03 مُحرَّم 1448 هـ - 18 يونيو 2026 م   https://aawsat.com/node/5285470

 مقالات ذات صلة

الانسان ، التراب ، والوقت .. عودة لنقاش قديم
الوحدة الاوربية "آية" من آيات الله
في معنى "الدروشة" وتطبيقاتها
تفكيك التداخلات
كيف نتقدم.. سؤال المليون
التقدم اختيار.. ولكن
اختيار التقدم
المكنسة وما بعدها.. هل جربت صنع المكنسة؟
اصلاح العقل الجمعي
الهندسة الثقافية: تمهيد موجز
بعض التمثيل .. قد ينفع

دور الراي العام في التشريع
مكانة العامة في التفكير السياسي الديني: نقد الرؤية الفقهية التقليدية للسلطة والاجتماع السياسي

30/04/2026

أين ترى نفسك .. بين المحبين ام الكارهين؟

الأفكار التي أعرضها اليوم مستقاة من كتاب "طبيعة التحيز The Nature of Prejudice" لعالم النفس الأمريكي غوردون البورت ، وهو مرجع كلاسيكي في هذا الحقل.

غوردون البورت

اطلعت على الكتاب منذ زمن بعيد. وقد ذكرني به ما أرى من ملاسنات على مواقع التواصل الاجتماعي ، حول مسائل معقولة وغير معقولة ، يشارك فيها شبان صغار ، ورجال أو نساء يفترض انهم ناضجون ، من كافة الدولة العربية دون استثناء. وتتداخل فيها موضوعات كالحرب الدائرة بين ايران والولايات المتحدة ، والحرب على غزة ، ومشكلات السودان وسوريا والخلافات الدائرة بين هذه الدولة العربية وتلك. كما تستخدم فيها قصص صحيحة او متخيلة عن نزاعات شخصية ، فتعمم على اهل البلد كله. رأيت – على سبيل المثال - شخصا ينادي بطرد كافة المواطنين الهنود في الخليج ، لأنه خسر وظيفته لصالح شخص هندي. وعلق آخر قائلا أن الأولى طرد مواطني دولة عربية معينة ، لأن حكومتهم لم تتعاطف معنا في الأزمة. ورأيت شخصا يدعو لمنع سفر الفتيات بمفردهن ، لأن فتاة من بلده تصرفت في المطار على نحو يسيء لسمعة البلد. وعلق احدهم على أخبار سحب الجنسيات في الكويت ، بأن على الحكومة اسقاط جنسيات كافة الفنانين والفنانات ، لأن الفقهاء اتفقوا على انكار الفن. لا استطيع بطبيعة الحال ذكر التفاصيل. لكني واثق ان الذين يتابعون وسائل التواصل الاجتماعي يعرفونها. وغرضي هو التنديد بهذه الظاهرة ، وليس التوسع في شرحها. ان اتساع تلك الملاسنات وتنوعها ، دليل على أنها ليست عابرة ، وليست أخطاء فردية او محدودة.  

لا أريد أيضا تهويل الموضوع ، ولا تصوير المجتمع العربي كما لو انه يعيش "حرب الجميع على الجميع"  حسب وصف توماس هوبز. أتفهم حقيقة ان أصحاب الأصوات العالية قلة ، لكن تأثيرهم واسع النطاق.

بالعودة للبروفسور البورت ، فهو يبدأ كتابه بشهادة للأديب الإنكليزي شارلز لام: "أقر بأني ألاحظ الفوارق بين الناس ، القومية والفردية وغيرها. بكلمات بسيطة ، أنا كتلة من التحيزات ، من الحب والكراهية والتعاطف واللامبالاة".

أورد الكاتب هذا الشاهد كي يقول ان التحيز ليس ظاهرة غريبة ، بل سمة طبيعية في البشر. لكن الغريب فيها هو تحولها الى موقف عام ومبرر للعدوان على الغير أو احتقارهم. ويذكر في هذا الصدد قصة (أظن ان كثيرا منا قد لاحظ شبيها لها):

في روديسيا ، مر سائق شاحنة أبيض بجمع من الأفارقة العاطلين عن العمل. فهمس قائلًا: "إنهم كسالى متوحشون". بعد ساعات قليلة ، رأى جمعا مماثلا يرفعون أكياس حبوب يزن بعضها 90 كغم على شاحنة ، وهم يغنون بحماس. فتمتم قائلا: "متوحشون! ماذا تتوقع منهم؟"

هذا السائق كان يحتقر الافارقة ، فحكم عليهم أولا بالكسل والوحشية لانهم لا يعملون ، ثم حكم عليهم بالوحشية لانهم يعملون بحماس. نعلم طبعا ان حكمه مدفوع بالتحيز ، وليس وصفا محايدا او موضوعيا. ولو كان الأشخاص الذين رآهم من نفس عرقه ، فلربما تعاطف معهم. ولو فكر في عملهم بذاته ، دون ملاحظة لون بشرتهم ، فلربما اصدر احكاما متفاوتة في الحالتين.

من هنا يرى البورت ان ابسط تعريف للتحيز ، هو انه "سوء الظن بالآخرين دون مبرر كاف". هذا يركز على التحيز السلبي. كما يستشهد بتعريف قاموسي يذكر الجانبين السلبي والايجابي: "التحيز شعور إيجابي أو سلبي ، تجاه شخص أو شيء ، لا يستند لتجربة فعلية".

الجانب الأكثر سوءا في التعصب او التحيز ، هو تحويل انطباع عن عدد قليل من الأشخاص ، الى موقف عام ضد شعب بأكمله.

نعلم ان مثل هذا الموقف ، مرجعه ميل الانسان للاحكام المبسطة ، طالما كانت مقبولة في المحيط الاجتماعي. المشكل ان التعبير السلبي عن التحيز او التعصب ، يضعه في خانة الكراهية. وهذا يستدعي ان نسأل انفسنا دائما: أين نود الاصطفاف .. بين اهل المحبة او بين اهل الكراهية؟.

الشرق الأوسط الخميس - 13 ذو القِعدة 1447 هـ - 30 أبريل 2026 م https://aawsat.com/node/5268035

مقالات ذات صلة

العدالة الاجتماعية وتساوي الفرص
العدالة كوصف للنظام السياسي
الليبرالية في نسخة جديدة: رؤية جون رولز
مجتمع العقلاء
حين تكون في "الجماعة" وحين تصبح خارجها
المساواة: النقاشات الحديثة في المفهوم وتطبيقاته

09/04/2026

دفاع عن السوق "غير" الحرة

اطلعت هذه الأيام على كتابين ، يقدم كل منهما رؤية خاصة لتاريخ الاقتصاد ، ومن ثم نظرية اقتصادية ، متمايزة عن الاخر. الكتاب الأول "مقالة في طبيعة علم الاقتصاد وأهميته" أصدره ليونيل روبنز في 1932 ، وكرسه للبرهنة على ان موضوع الاقتصاد هو سلوك الافراد حين يواجهون محدودية الموارد ، التي يحتاجونها لتحقيق غاياتهم. كمثال: تحتاج للطعام كي تبقى على قيد الحياة. توفير الطعام يتطلب المال لشرائه او العمل لانتاجه. وكلاهما (المال والعمل) كميته محدودة. اما حين تتوفر الموارد/الوسائل بما يغطي الحاجة ، فلا موضوع للاقتصاد. طالع مثلا الماء والهواء: الماء متوفر لكنه محدود ، فكلما صرفت شيئا توجب ان تدفع ثمنه ، مما يدفعك للاقتصاد فيه ، خاصة لو كنت تريد استعمال المال لغايات أخرى ، كالسفر او العلاج او غيره. اما الهواء فمتاح مجانا وبكميات لا متناهية ، لذا نستطيع استهلاكه قدر ما نشاء.

ليونيل روبنز

ندرة الموارد تملي على الانسان ان يختار بين الغايات المختلفة ، كي ينفق أقل قدر من موارده ، لتحصيل اكبر قدر من غاياته. وتطابق هذه الرؤية نظرية مشهورة ، هي نظرية الاختيار العقلاني rational choice theory. وخلاصتها ان الانسان – بطبعه – يسعى لزيادة مكاسبه في أي معاملة. جوهر العقلانية ان تسعى للاستفادة القصوى من تبادلاتك مع الآخرين ، وليس تقبل الخسارة.

أثارت رؤية روبنز جدلا كثيرا في وقتها. ثم ترسخت بمرور الزمان ، كـأساس لمبدأ السوق الحرة او السوق ذاتية التنظيم ، الذي تقوم على ارضيته معظم اقتصاديات العالم المعاصر.

اما الكتاب الثاني فهو "التحول الكبير: الأصول السياسية والاقتصادية لزمننا المعاصر" للمفكر النمساوي-المجري كارل بولانيي (1886-1964). ومساره معاكس تماما للكتاب السابق. ولهذا اعتبره باحثون كثيرون ، اهم المقاربات النقدية لاقتصاد السوق ومنطلقاته الفلسفية.

كان روبنز قد افترض أن مشكلة الندرة جزء من طبيعة الحياة ، وليست مسألة عارضة أو مؤقتة. ولا حل لها غير تبادل الموارد بين من يحتاج ومن لا يحتاج ، او الاختيار بين الغايات بأخذ بعضها وترك الآخر. وقال ان هذه العناصر تشكل الموضوع الجوهري للمسألة الاقتصادية.

أما بولانيي فقرر ان هذه الرؤية تحول المجتمع من نظام لحياة البشر ، الى جزء من المكينة التي تتولى توزيع المال والسلع ، أي الى ملحق بالسوق وتابع لحركتها. والصحيح ان اقتصاد المجتمع جزء من صلب حياته ، فلا يمكن فهمه بمعزل عن العالم المفهومي والثقافي للجماعة. كل مؤسسة أو نشاط ، اقتصادا او غيره ، لا يفهم خارج التجربة التاريخية التي شهدت تطوير المجتمع لنظام حياته وامتداداتها المؤسسية. عالم الانسان لا يدور حول تبادل المال. غالبية المجتمعات البشرية ( او ربما جميعها) تتضامن للحفاظ على حياة افرادها واملاكها وثقافتها واعرافها ، وتنفق على هذه المهمة الكثير من المال ، حتى لو كان عائدها المادي ضئيلا او معدوما.

يجادل بولانيي بان نظرية الاختيار العقلاني واقتصاد السوق ، تفترض ان الافراد يتخذون قراراتهم المعيشية أو التجارية ، في عزلة تامة عن قواعد المجتمع وهمومه. حين يكون الانسان في السوق ، فلا شيء يهمه سوى تعظيم منافعه المادية. هذا التفكير يؤثر بعمق في تنظيم السلوك الفردي وتحديد ما يعد مصلحة او العكس. فاذا هيمن هذا المنطق ، فان المجتمع سيخسر دوره كنظام للحياة الطيبة ، ويتحول الى مجرد احتشاد للافراد المشغولين بمصارعة بعضهم البعض من اجل المال.

يقول بولانيي ان اقتصاد السوق واحد من النماذج الاقتصادية التي عرفها التاريخ ، وليس افضلها ، وان الندرة ليست حتمية ، فهي مفهوم يجري تعريفه على ضوء ثقافة المجتمع وهمومه. ما يعد موردا نادرا في مكان ، قد يكون مهملا في مكان آخر او زمان آخر. وهو يخص بالذكر الأرض ، التي باتت سلعة في ظل اقتصاد السوق ، وكان ينبغي ان تبقى موضوعا للعمل كأي جزء من أجزاء الطبيعة ، من دون تملك او احتكار على النحو الذي نعرفه اليوم.

الشرق الأوسط - الخميس - 21 شوّال 1447 هـ - 9 أبريل 2026 م https://aawsat.com/node/5260343

مقالات ذات صلة
 

12/03/2026

الطريق الى مجتمع عادل

يعد الكاتب البريطاني باتريك سيل (1930-2014) واحدا من أبرز الخبراء الأوروبيين في السياسة السورية المعاصرة. ومن اعماله في هذا المجال ، كتاب "الأسد.. الصراع على الشرق الأوسط" الصادر في 1988. رسم الكاتب صورة دقيقة للرئيس الأسبق والنخبة السياسية ، تشكل في ظني أرضية لشرح مسألتين في غاية الأهمية ، أولاهما: لماذا أخفقت النخبة ، ولاسيما التي جاءت من الجيش ، في بناء سوريا الحديثة. والثاني: كيف فهمت هذه النخبة السلطة ، وكيف تعاملت مع مصادرها ، ومع الجمهور العام.


تحدث باتريك سيل لاحقا عن مقابلاته المطولة مع الأسد ، واحاديثه الجانبية التي ساعدته في فهم الاطار الفكري لقراراته. ومن بين الإشارات التي لفتت نظري في تلك الاحاديث ، رؤية الأسد للتحول الديمقراطي وتعزيز المشاركة الشعبية في القرار. فقد رأى ان رفع مستوى المعيشة شرط مسبق ، لأن الديمقراطية في مجتمع فقير ، ستكون أداة لهيمنة أصحاب المال والمتملقين. وبدا لي ان الرئيس كان مقتنعا بهذه الرؤية ، لأنه كررها بتفصيل أكبر في مقابلة مع قناة أمريكية قبل وفاته بفترة وجيزة.

هذه الرؤية ، أي تقديم الارتقاء المعيشي على المشاركة الشعبية ، رائجة جدا بين الاشتراكيين ، كما انها مقبولة الى حد ما بين الليبراليين. لكن الطرفين يختلفان في كيفية المعالجة. يميل الاشتراكيون لتركيز الثروة بيد الدولة ، كي توزع ثمارها بالتساوي بين جميع المواطنين. بينما يميل الليبراليون لتشجيع الاستثمار الخاص ، ثم إعادة توزيع الدخل بواسطة الضرائب. وبهذا فان من يكسب أكثر يتحمل الجانب الأكبر من كلفة الإدارة العامة. واضح ان الحل الاشتراكي يركز القوة ومصادرها في يد الدولة ، بينما الحل الليبرالي يميل لجعل المجتمع مركز القوة الاقتصادية وما يترتب عليها من نفوذ.

 يبدو انني أطلت القول في هذه المسألة ، وكنت أريدها فاتحة للحديث حول رؤية جون رولز ، الفيلسوف المعاصر عما اسماه "المجتمع حسن التنظيم" الذي رآه أرضية طبيعية لبناء نظام اقتصادي عادل تشاركي.

رأى رولز ان ابرز سمات المجتمع حسن التنظيم ، هو قيام مؤسساته على أرضية العدالة ، والتزام جميع أعضاء المجتمع بمقتضياتها. واميل للاعتقاد بأن هذا لا يكفي لجعل العدالة نظاما حاكما بالفعل ، خاصة في المجتمعات الفقيرة الموارد ، والمجتمعات التقليدية التي تعلي من شأن النفوذ الشخصي على حساب القانون. ولذا أرى ضروريا إضافة هذين العنصرين على وجه الخصوص ، لجعل المجتمع حسن التنظيم فعلا ، أي: توفر مستوى معيشة معقول للأغلبية الساحقة من سكان البلاد ، وسيادة القانون ، وعلى الخصوص الضمان القانوني لحق المساواة وحرية التعبير. اما العنصر الأول ، أي مستوى المعيشة المعقول ، فهو لدرء الاحتمال الذي ذكرته في مطلع المقالة ، أي شيوع الاستغلال من جانب أصحاب المال ، على نحول يجعله أساسا للعلاقات الاجتماعية. وقد شهدنا في عدة مجتمعات فقيرة ، حالات تنازل فيها الفقراء عن حقوقهم المدنية من اجل لقمة العيش. واذا لم يكن في المجتمع موارد كافية ، فانه ينبغي – ولو مرحليا – التركيز على السياسات التي تستهدف معالجة هذا المشكل ، حتى لو تأخر التحول الكامل الى مجتمع المشاركة.

أما الثاني ، أي سيادة القانون ، فهو ضروري لاعادة العجلة الى مكانها ، فيما لو اضطر المجتمع الى خوض تجربة فاشلة ، او اضطر بعض المواطنين للتنازل عن حقوقهم المدنية من أجل لقمة العيش. سيادة القانون تحفظ المساواة وتمكن الضعيف من استرجاع حقه او استعادة مكانته المفقودة ، بعد ان يمسي قادرا على النهوض او ينهض فعلا. وبهذا تكون علاقات الاستغلال ظرفا مؤقتا ، لا حالة دائمة او تقسيما طبقيا لا يمكن اختراقه.

ان انكار حق المجتمع في المشاركة بداعي الفقر ، امر سيء جدا. وهو من دواعي فشل المجتمع السياسي. لكن تأثير الفقر في انحراف النظام نحو الاستغلال ، هو الاخر حقيقة لا ينبغي اغفالها. وأرى ان سيادة القانون هي الوسيلة الضرورية لضبط المعادلة بين هذا البعد وذاك.

الشرق الأوسط الخميس - 23 رَمضان 1447 هـ - 12 مارس 2026 م https://aawsat.com/node/5250277

مقالات ذات علاقة 

 

شراكة التراب وعدالة النظام الاجتماعي

"شراكة التراب" كتطبيق لمبدأ العدالة الاجتماعية

الشراكة في الوطن كارضية لحقوق المواطن

شراكة التراب وجدل المذاهب

الوطن شراكة في المغانم والمغارم

اعادة بناء الاجماع الوطني

انهيار الاجماع القديم

التفكير الامني في قضايا الوحدة الوطنية

من دولة الغلبة الى مجتمع المواطنة: مقاربة دينية لمبدأ العقد الاجتماعي

 من التوحيد القسري الى التنوع في اطار الوحدة

الوطن ، الهوية الوطنية ، والمواطنة: تفصيح للاشكاليات

05/03/2026

العدل فوق الهوية

سألني قاريء عزيز: ما الداعي للمقارنة بين مفهوم "العدالة" في التراث العربي-الإسلامي ، ونظيره في الفلسفة المعاصرة. هل نريد القول ان المفهوم الأول أدنى مستوى او اضيق دائرة؟.

وقد اجبته بأن "العدل" قيمة عليا مجردة ، فهي سابقة للدين والقومية وكل انتماء آخر. ربما يدخل الدين تعديلات معينة على مفهوم العدل او تطبيقاته او حدوده ، لكن أصله يبقى مجردا ، فليس لدينا عدالة دينية وأخرى غير دينية ، او عدالة عربية وأخرى اعجمية.

وذكرت سابقا ان مفهوم العدل قائم على أرضية المساواة بين الناس في الحقوق والواجبات. قد يتضمن تعديلا على المساواة ، بزيادة هنا او تنقيص هناك ، من دون التخلي تماما عن قاعدته الاصلية. ولذا لا نقول بان العدالة الأوروبية مثلا ، أعلى شأنا من العدالة الإسلامية. كما لا نقول بان العدالة الإسلامية ، اعلى شأنا من نظيرتها اليونانية او الرومانية او غيرها. انما هي تطبيقات مختلفة للعدالة ، تتناسب مع أعراف زمانها ، وما يفرضه الوضع الاجتماعي من الزامات ، كما تتلاءم مع توقعات الناس في هذا الاطار.

حسنا.. ما الذي يدعونا لهذا الكلام؟

الداعي لهذا الكلام هو ما أراه من ربط متكلف ، بين القيم العليا الإنسانية ، وبين مقتضيات الهوية والانتماء ، التي تلبس في غالب الأحيان عباءة الدين او الاعتزاز القومي او الوطني او غيرها.

نحتاج للتأكيد دائما على ان القيم العليا مجردة ، بمعنى انها في مكان مختلف عن النظم والايديولوجيات والانتماءات والعقائد. هذا التأكيد ضروري ، لأن تلك القيم شرط لكرامة الانسان وكمال انسانيته. وأهمها العدالة والحرية والمساواة والتضامن الإنساني والنظام. هذه القيم مبجلة ومدروسة جيدا منذ اقدم الأزمنة ، وقد عرفها الانسان كلوازم للعيش ، مستقلة عن الأديان والانتماءات القومية والقبلية وغيرها ، حتى قال بعض الاساتذة انها جزء من الفطرة ، بمعنى انها موجودة في ذهن الانسان عند ولادته. لكني لا أميل الى هذا الرأي .

ويعرف الذين درسوا الفلسفة اليونانية ، ان نقاشاتها ومعالجاتها لمفهوم العدالة والفعل العادل ، قد أثرت في الفكر الإنساني بعامة ، بما فيه الفكر الإسلامي. كذلك الحال بالنسبة للفلسفة الصينية والهندية ، ولاحقا الإسلامية التي أثر جميعها في الفلسفة الحديثة.  بعبارة أخرى فان مفهوم العدالة بذاته ، كان مطروحا للنقاش منذ زمن بعيد جدا ، وقد توسع مع الزمن وتكرار تجربة الانسان ومعارفه وتطلعاته. وبناء عليه نقول انه لا تصح نسبة القيمة المجردة الى دين او قومية او مذهب او غيره ، فهي تبقى مشتركا إنسانيا ، تقبله جميع الأديان بما هو ومن دون وصف. ولا نعرف دينا او أيديولوجيا او تيارا فكريا او سياسيا ، في قديم الزمان وحديثه ، يقول صراحة او ضمنيا انه يرفض العدالة او يعارض تطبيقها. مع انه قد يقترح نماذج تفرغها من مضمونها لو استطاع ، أو ربما يربطها بشروط خاصة مثل تقسيم الناس الى مستحقين للعدل وغير مستحقين. هذه الالتفافات دليل على انه لا يمكن رفض العدل او انكاره ، لأنه قيمة مستقرة في أوائل العقول كما يقولون.

زبدة القول اذن نقطتان: الاولى ان العدل قيمة عليا ، وان الالتزام بها والدعوة اليها ، علامة على اصطفاف الانسان في جانب الخير واهل الخير. الثانية: ان العدل في زماننا اوسع نطاقا واعمق تناولا لقضايا الانسان ، نظرا لاتساع حياة الانسان وتوقعاته. انسان اليوم يرفض أن يقتل البشر او يعذبوا او يهانوا ، مهما كان السبب ، لأن حياة الانسان وكرامته باتت مصونة في العرف الاجتماعي والقانون. اي ان ذلك الفعل يعد الآن ظلما حتى لو اتى فاعله بتبرير. بينما يخبرنا التاريخ ان فعلا كهذا جرى تكرارا ، واعتبره اهل ذلك الزمان فعلا عاديا. ومثله المتاجرة بالبشر والسخرة ، وامثالها. فهذا مؤشر على ان مفهوم العدالة وتطبيقاتها تتطور بين زمن وآخر ، كانعكاس لتطور المعرفة والعلاقات في المجتمع البشري.  

الشرق الأوسط الخميس - 16 رَمضان 1447 هـ - 5 مارس 2026 م https://aawsat.com/node/5247678

مقالات ذات علاقة

تمكين المجتمع .. الخطوة الاولى
"شراكة التراب" كتطبيق لمبدأ العدالة الاجتماعية
عدالة ارسطو التي ربما نستحقها
العدالة الاجتماعية كهدف للتنمية
العدالة الاجتماعية وتساوي الفرص
العدالة السياسية ، الامس واليوم

العدالة كوصف للنظام السياسي
الغول
الليبرالية في نسخة جديدة: رؤية جون رولز
 معالجة الفقر على الطريقة الصينية
مفهوم العدالة الاجتماعية
من دولة الغلبة الى مجتمع المواطنة: مقاربة دينية لمبدأ العقد الاجتماعي
ما الذي تريد حقا.. الحرية ام رغيف العيش؟

26/02/2026

العدالة السياسية ، الامس واليوم

التراث العربي مليء بالحديث عن العدالة. لكن مفهومها القديم يختلف قليلا عن نظيره السائد في عالم اليوم. يتلخص مفهوم العدالة التراثي في امرين: عدالة القاضي في اصدار الاحكام ، وعدالة الحاكم في المساواة بين افراد الرعية. والحق ان الرسالة الضمنية في كل من هذين المسارين ، تمثل جوهر فكرة العدالة ، أي سيادة القانون والمساواة.

لم يعد العالم بسيطا كما كان الحال في الماضي. لا القاضي يصدر حكمه بناء على كلام الخصمين ، ولا رئيس البلد يديرها من ديوانه ، كما يقولون ، بل بواسطة جهاز الدولة الذي تعاظم حجمه وتضخم ، حتى اصبح اكبر منظمة منفردة في أي بلد. بعبارة أخرى ، فان كلا الجهازين ، القضاء والحكم ، ما عادا قائمين بشخص القاضي او الحاكم ، بل يعتمدان على منظومة القضاء ومنظومة الدولة بأسرها. ومن هنا فان سلامة النظام القانوني وطريقة ممارسة السلطة او تنفيذ السياسات والاحكام ، هي محور مفهوم العدالة في العصر الحديث ، وليس شخص القاضي او الحاكم. ويطلق على هذا عنوان عام هو "العدالة الإجرائية" ويعنى به توافق الإجراءات الإدارية مع معايير العدالة.

هذا يثير – بطبيعة الحال – سؤالا مشروعا عن مفهوم العدالة المقصود هنا. السؤال ضروري ، لأن العدالة قد تفهم على أنحاء مختلفة عند الفلاسفة وعند عامة الناس. وقد أشرت في مقال الأسبوع الماضي الى "العدالة التوزيعية" باعتبارها جوهر عمل الدولة وغايتها الكبرى. وسوف اشرح بايجاز المقصود بهذا العنوان. لكن قبل ذلك يهمني الإشارة الى 3 عوامل ، في غاية الأهمية عند النقاش في موضوع العدالة ، ولاسيما في الاطار السياسي والاجتماعي:

العامل الأول هو ان القيام بالعدل في المعنى المتعارف اليوم ، مشروط بوجود نظام اجتماعي متوازن ، ونظام اداري قادر على تنفيذ التزاماته ، اي "مجتمع حسن التنظيم" حسب تسمية جون رولز.

العامل الثاني هو توفر مستوى معقول من مصادر العيش ، يكفي جميع السكان.

اما العامل الثالث فهو السلام الاجتماعي ، بمعنى كون الوضع في البلاد طبيعيا ، من سيادة القانون ، الى عدم كون البلاد في حالة غزو خارجي او حرب أهلية ، او كارثة طبيعية او مجاعة او انهيار اقتصادي. فحين يكون الوضع متدهورا ، لأي سبب من هذه الأسباب ، فان إقامة العدل ستكون على المحك ولن تكتمل ابدا.

حين تتوفر هذه العوامل (وهي متوفرة فعلا في معظم البلدان) يمكن إقامة العدل ، بمعنى وضع القوانين واللوائح والسياسات التي تحول النظام العام الى نظام عادل.

قلت ان مفهوم العدالة ليس واحدا عند جميع الناس. لكن كافة المفاهيم دون استثناء تنطلق من قاعدة المساواة بين الناس ، ثم تزيد شيئا أو تنقص شيئا ، كي تلبي مطالب موازية ذات قيمة ، او تحقق قيما في نفس المستوى ، مثل قيمة التكافل ، التي تعني مساعدة الشرائح العاجزة عن تدبير نفسها ، ولو بزيادة حصتها عما يحصل عليه الآخرون ، كما نفعل حين يمرض أحدنا ، فيحصل على علاج مكلف جدا ، لا يحصل عليه الأصحاء ، ومع ذلك لا يعارضون هذا التمييز.  كذلك الحال بالنسبة للأطفال ، الذين ننفق عليهم اكثر مما ننفق على البالغين الذين يعملون وينفعون البلاد فعلا. لأننا نعلم ان استمرار الحياة في المجتمع ، رهن بمنح الأطفال معاملة تمييزية ، حتى يشتد عودهم فينفقون على غيرهم ، كما فعلنا معهم.

تنطلق العدالة اذن من قاعدة المساواة ، وهي تعديل عليها وليست بديلا عنها.

- حسنا ما الذي نتساوى فيه؟. الجواب: هو توزيع الإمكانات المادية (الثروة) وفتح الباب للجميع للوصول الى الوظائف والمعلومات والمكانة الاجتماعية. هذا لا يعني توزيع المال على الناس ، بل جعل النظام الاجتماعي والاقتصادي مفتوحا ومولدا للفرص. هذه هي العتبة التي يعبرها جميع الناس ، ثم يجتهدون ويتنافسون ، فينال بعضهم كثيرا وينال غيرهم قليلا. وهذا هو التحقق المنطقي لمفهوم العدالة التوزيعية.

الشرق الأوسط الخميس - 09 رَمضان 1447 هـ - 26 فبراير 2026 م

 https://aawsat.com/node/5244927

مقالات ذات علاقة

تمكين المجتمع .. الخطوة الاولى
"شراكة التراب" كتطبيق لمبدأ العدالة الاجتماعية
عدالة ارسطو التي ربما نستحقها
العدالة الاجتماعية كهدف للتنمية
العدالة الاجتماعية وتساوي الفرص
العدالة كوصف للنظام السياسي
الغول
الليبرالية في نسخة جديدة: رؤية جون رولز
 معالجة الفقر على الطريقة الصينية
مفهوم العدالة الاجتماعية
من دولة الغلبة الى مجتمع المواطنة: مقاربة دينية لمبدأ العقد الاجتماعي
ما الذي تريد حقا.. الحرية ام رغيف العيش؟

 

19/02/2026

ما الذي تريد حقا.. الحرية ام رغيف العيش؟

كثيرا ما أصادف أشخاصا يطالبون الحكومة بأن تهيء لهم كل شيء يحتاجونه ، حتى اللباس والسيارة والوظيفة وغيرها. ولعل القراء الأعزاء يذكرون ان عددا معتبرا من اشقائنا الكويتيين ، بمن فيهم نواب في البرلمان ، طالبوا حكومتهم في سنوات سابقة ، بسداد الديون المترتبة عليهم للبنوك. ولقيت صديقا قديما اشترى للتو سيارة مرسيدس جديدة بالاقساط ، فأخبرني انه كان ينوي تأخير الأقساط ، أملا في موافقة الحكومة على سداد الديون. لكنه سأل احد المشايخ فأخبره بأن هذا الفعل حرام ، وانه لا يجوز له الاحتفاظ بالسيارة او استعمالها ، ان لم يكن عازما على سداد أقساطها ، وفق الجدول الذي التزم به للبائع.

Nanny state
بطبيعة الحال فهذا المطلب لا يخص العرب او الخليجيين وحدهم. فثمة مجتمعات كثيرة تتمنى هذا او تمارسه فعلا ، ليس بالضرورة في السيارات وقروض البنوك ، بل في أشياء أخرى كثيرة. مع ان هذا الاتجاه تقلص كثيرا في العقدين الأخيرين. احتمل ان كل الناس يحبون الفكرة. انا شخصيا أتمنى ان اقترض كما أشاء ، ثم يسدد احدهم ديوني. لكني اعلم انه غير واقعي ولا يحصل في العالم الذي نعرفه ، حتى الان على الأقل. وقد جرى التعارف على هذا النموذج باسم "الدولة الحاضنة Nanny-sate" وهو مصطلح ساخر اطلقه في 1965 الوزير البريطاني ايان ماكلويد ، في سياق دعوته لتقليص التدخل الحكومي في حياة الناس وخياراتهم ، والتي تقتضي - بطبيعة الحال - تقليص الخدمات العامة التي تقدمها الحكومة. أراد ماكلويد القول: الحكومة ليست مربيتك ولا هي جدتك ، فلا تطالبها بما ينبغي ان تفعله انت لنفسك.

وعلى العكس تماما من هذا الاتجاه ، ثمة من يرى ان لا دور للدولة سوى حفظ الأمن ، الدفاع عن البلد ، وتمثيله في الخارج. ويطلق على هذا النموذج اسم "دولة الحارس الليلي" وله حضور واسع في نقاشات الفلسفة السياسية. لكن هذا مثل سابقه ، لا يحصل في العالم الواقعي.

ثمة أشياء كثيرة لا يمكن إنجازها دون تدخل الدولة. ولو لم تفعل فستفقد مبرر وجودها ، حتى لو كان الناس مؤيدين لنموذج الحارس الليلي. تخيل مثلا ان تعيش في مدينة ليس فيها بلدية ، وليس فيها إدارة تشق الطرق او تزرع الحدائق ، او تنظم التعليم العام. وأذكر ان بعض الناس جادلوا مسؤولا رفيعا حول مستوى الخدمات التي تقدمها دائرته ، فأجابهم بأن الحكومة ليست جمعية خيرية كي تنفذ لهم ما يطلبون. وقد التقيت الرجل بعدما ترك الخدمة ، وذكر هذه القصة ، فسألته ، ان لم تكن الحكومة جمعية خيرية ، فهل هي شركة تجارية؟. واخبرته ان كلاما مثل الذي قاله ، يمكن ان يضعف رضا الناس ويثبط رغبتهم في التعاون مع الإدارة الرسمية. وهذا من أسوأ ما يواجه المخططين والمديرين في عملهم.

يختلف الناس في تطلعاتهم ، فهناك من يذهب للاتجاه الأول ، وهناك من يختار الثاني. لكن حين يدخلون في نقاش موضوعي ، فسوف يميل كل منهم لتعديل موقفه باتجاه خيار متوسط ، بين الدولة التدخلية او المربية وبين الحارس الليلي. ونعلم ان نموذج الدولة السائد في عالم اليوم ، اقرب الى الأول او نموذج مخفف منه. وبالنسبة للعالم الثالث خصوصا ، فان ظروف التطور تتطلب دورا موسعا للدولة ، كي تضمن توزيعا عادلا للموارد العامة.

وأميل للظن بان السؤال عن تدخل الدولة وعدمه ، وعن مقدار الخدمات العامة الواجب تقديمها من طرف الدولة ، هذا السؤال يتناول في المقام الأول مفهوم "العدالة التوزيعية" الذي يتبناه كل منا ، فالذين يرون ان جوهر العدالة هو تعدد الخيارات وحرية الاختيار ، سيفضلون دولة لا تتدخل في حياتهم ، حتى لو قلت خدماتها. والذين يرون ان العدالة قرينة الرفاه المعيشي ، سيختارون الطريق الآخر ، ولو تقلصت حرياتهم. ولا بد ان فكرة كهذه قد اختمرت في ذهنك الآن ، فأيهما خيارك الأول؟.

الشرق الأوسط الخميس - 02 رَمضان 1447 هـ - 19 فبراير 2026 م   https://aawsat.com/node/5242407

مقالات ذات علاقة

تمكين المجتمع .. الخطوة الاولى
التنمية على الطريقة الصينية : حريات اجتماعية من دون سياسة
"شراكة التراب" كتطبيق لمبدأ العدالة الاجتماعية
عدالة ارسطو التي ربما نستحقها
العدالة الاجتماعية كهدف للتنمية
العدالة الاجتماعية وتساوي الفرص
العدالة كوصف للنظام السياسي
الغول
الليبرالية في نسخة جديدة: رؤية جون رولز
مجتمع العقلاء
معالجة الفقر على الطريقة الصينية
مفهوم العدالة الاجتماعية
من دولة الغلبة الى مجتمع المواطنة: مقاربة دينية لمبدأ العقد الاجتماعي
نحن مدينون لليسار المكافح
هل نحتاج حقا إلى طريق ثالث ؟

 

01/05/2025

حقيقة "اليد الخفية" التي تحرك السوق

أرى ان تبلور مفهوم "الفردية" ولاحقا مبدأ "الفردانية" هو الحجر الأساس لمبدأ "حقوق الانسان" الذي يعرفه عالم اليوم. لا ينبغي – طبعا – تناسي الخلافات الواسعة حول مبدأ "الفردانية" في المجتمعات الليبرالية والتقليدية على السواء ، سيما مع ربطه - انصافا او تكلفا – بالميل الطبيعي عند بني آدم للاستئثار بالمنافع قدر امكانهم. ونعرف ان المجتمعات قد تعارفت منذ نشأتها ، على مراعاة الجماعة ، والتضامن بين أعضائها ، واعتبروا هذه من الاخلاقيات الضرورية للعيش السليم.

عموما ، فان الموازنة بين الفرد والمجتمع في الحقوق والتكاليف ، كانت موضع جدل على امتداد التاريخ. في مختلف الازمان ، كان الفرد مطالبا بغض الطرف عن حقوقه ورغباته ، وبالاندماج في الكتلة الاجتماعية ، كي يكسب لونها وهويتها. وفي المقابل ، كان ثمة محاولات لأفراد ، أرادوا الانعتاق مما اعتبروه قيدا متكلفا على حياتهم أو تطلعاتهم.

اني مقتنع تماما برؤية الفيلسوف المعاصر جون رولز ، التي تدعو لموازنة حاسمة بين حقوق الفرد والجماعة. لكني أعتقد أيضا ان الفردانية كمبدأ وكفلسفة ، ضرورة للتقدم والحياة الكريمة ، لا يمكن الاستغناء عنها ، وان مكانتها وأهميتها لا تقل عن الحرية والمساواة ، سيما في المستوى السياسي والتطبيقي.

كان آدم سميث ، الاقتصادي الاسكتلندي المعروف (1723-1790) قد أشار في كتابه المرجعي "ثروة الأمم" الى ما عرف لا حقا باسم "اليد الخفية". هذه الفكرة تعالج مسألة في عمق الجدل السابق الذكر ، اعني بها الدوافع الشخصية ، الأنانية في بعض الأحيان ، وتأثيرها على الاقتصاد المحلي ، وقدم رؤية عميقة جدا رغم بساطة عرضها ، في بيان ان  المبادرات المنبعثة من مصلحة شخصية ، ضرورية لتحريك عجلة الاقتصاد[1].

وفقا لهذه الرؤية فان المصلحة الشخصية هي الباعث وراء الغالبية الساحقة من تعاملاتنا مع الآخرين ، في الاعمال والسوق وغيرها. ولو أردنا مراقبة النوايا ، فان غالبية الافراد ينطلقون من رؤية ضيقة ، أنانية نوعا ما. لكن هذا التعامل ، أيا كان دافعه ، يؤدي بالضرورة الى منفعة عامة. خذ على سبيل المثال شخصا دخل المتجر لشراء معطف يقيه البرد. سوف يختار هذا الشخص المعطف الأنسب لحاجته وقدرته الشرائية ، بغض النظر عن حاجات البائع او ميول الجماعة. لكن البائع سينتفع من هذا التبادل ، حتى لو لم يكن مقصودا من جانب الشخص الذي أنشأ المعاملة. لا يقتصر الامر على البائع ، فالخياط الذي صنع المعطف والفلاح الذي انتج المواد الخام ، وعامل النقل الذي جلب هذه المواد ثم جلب المعطف الى المتجر ، والحكومة التي تفرض ضرائب على المشتريات والدخل ، سينتفعون جميعا ، بقدر قليل أو كثير ، مع انهم لم يكونوا مقصودين بالمنفعة ، بل لم يكونوا أصلا في ذهن الشخص الأول أو الثاني اللذين اشتركا في تلك المعاملة.

"اليد الخفية" ببساطة ، أشبه بالحجر الصغير الذي ترميه في بركة كبيرة ، فيحرك موجة تتسع كلما ابتعدت عن نقطة البداية. ذلك الحجر هو المبادرة الشخصية المدفوعة بمصلحة خاصة لفرد واحد ، اما البركة فهي الاقتصاد الوطني ، والموجات هي مجموع التبادلات التي تتولد نتيجة لتلك المعاملة الصغيرة. انها خفية لأن أحدا لم يقصدها ، مع ان المخططين وقادة الاقتصاد ، يعلمون تماما انها ستحدث على هذا النحو ، بل ويستطيعون تقدير حجمها وأثرها.

الواقع ان هذا يشبه تماما دور الفرد الذي يحاول ان يصنع شيئا لنفسه ، لاشباع فضول او صناعة ثروة او مجد. لكنه – من وراء هذا – يضع لبنة جديدة في عمارة التقدم وعمران العالم. لو نظرنا الى ابرز التطورات التي عرفها البشر ، سنجد انها نتاج مبادرات أفراد أرادوا منفعة انفسهم ، لكنهم أغنوا حياة البشر جميعا.

الفردانية ، رغم وصمها بالأنانية ، قد لا تكون سيئة دائما ، بل لعلي لا أبالغ لو قلت ان قتلها وتحجيمها كان طالع سوء في أغلب الأحيان.

الخميس - 04 ذو القِعدة 1446 هـ - 1 مايو 2025 م  https://aawsat.com/node/5138150

[1] لا بد من إشارة الى ان سميث تعرض لهذه الفكرة مرتين ، احداهما في كتابه "ثروة الأمم". ولذا ينسب اشتهار الفكرة الى الدراسات التي صدرت في النصف الثاني من القرن العشرين. لبعض المعلومات حول هذه النقطة ، انظر اورن كاس: البحث عن اليد الخفية ، مجلة التمويل والتنمية ، مارس 2025

.  انظر أيضا تحفظات ايمون باتلر: آدم سميث مقدمة موجزة ، ترجمة علي الحارس ، (مؤسسة هنداوي 2014)   الفصل السادس  https://www.hindawi.org/books/73597191/6/

 

تصور جديد للتنمية الاقتصادية

في 1990 تبنى برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ، مشروعا موسعا للارتقاء بمستوى المعيشة لكل سكان العالم. واتفقت الدول الأعضاء يومئذ ، على تكييف سي...