09/04/2026

دفاع عن السوق "غير" الحرة

اطلعت هذه الأيام على كتابين ، يقدم كل منهما رؤية خاصة لتاريخ الاقتصاد ، ومن ثم نظرية اقتصادية ، متمايزة عن الاخر. الكتاب الأول "مقالة في طبيعة علم الاقتصاد وأهميته" أصدره ليونيل روبنز في 1932 ، وكرسه للبرهنة على ان موضوع الاقتصاد هو سلوك الافراد حين يواجهون محدودية الموارد ، التي يحتاجونها لتحقيق غاياتهم. كمثال: تحتاج للطعام كي تبقى على قيد الحياة. توفير الطعام يتطلب المال لشرائه او العمل لانتاجه. وكلاهما (المال والعمل) كميته محدودة. اما حين تتوفر الموارد/الوسائل بما يغطي الحاجة ، فلا موضوع للاقتصاد. طالع مثلا الماء والهواء: الماء متوفر لكنه محدود ، فكلما صرفت شيئا توجب ان تدفع ثمنه ، مما يدفعك للاقتصاد فيه ، خاصة لو كنت تريد استعمال المال لغايات أخرى ، كالسفر او العلاج او غيره. اما الهواء فمتاح مجانا وبكميات لا متناهية ، لذا نستطيع استهلاكه قدر ما نشاء.

ليونيل روبنز

ندرة الموارد تملي على الانسان ان يختار بين الغايات المختلفة ، كي ينفق أقل قدر من موارده ، لتحصيل اكبر قدر من غاياته. وتطابق هذه الرؤية نظرية مشهورة ، هي نظرية الاختيار العقلاني rational choice theory. وخلاصتها ان الانسان – بطبعه – يسعى لزيادة مكاسبه في أي معاملة. جوهر العقلانية ان تسعى للاستفادة القصوى من تبادلاتك مع الآخرين ، وليس تقبل الخسارة.

أثارت رؤية روبنز جدلا كثيرا في وقتها. ثم ترسخت بمرور الزمان ، كـأساس لمبدأ السوق الحرة او السوق ذاتية التنظيم ، الذي تقوم على ارضيته معظم اقتصاديات العالم المعاصر.

اما الكتاب الثاني فهو "التحول الكبير: الأصول السياسية والاقتصادية لزمننا المعاصر" للمفكر النمساوي-المجري كارل بولانيي (1886-1964). ومساره معاكس تماما للكتاب السابق. ولهذا اعتبره باحثون كثيرون ، اهم المقاربات النقدية لاقتصاد السوق ومنطلقاته الفلسفية.

كان روبنز قد افترض أن مشكلة الندرة جزء من طبيعة الحياة ، وليست مسألة عارضة أو مؤقتة. ولا حل لها غير تبادل الموارد بين من يحتاج ومن لا يحتاج ، او الاختيار بين الغايات بأخذ بعضها وترك الآخر. وقال ان هذه العناصر تشكل الموضوع الجوهري للمسألة الاقتصادية.

أما بولانيي فقرر ان هذه الرؤية تحول المجتمع من نظام لحياة البشر ، الى جزء من المكينة التي تتولى توزيع المال والسلع ، أي الى ملحق بالسوق وتابع لحركتها. والصحيح ان اقتصاد المجتمع جزء من صلب حياته ، فلا يمكن فهمه بمعزل عن العالم المفهومي والثقافي للجماعة. كل مؤسسة أو نشاط ، اقتصادا او غيره ، لا يفهم خارج التجربة التاريخية التي شهدت تطوير المجتمع لنظام حياته وامتداداتها المؤسسية. عالم الانسان لا يدور حول تبادل المال. غالبية المجتمعات البشرية ( او ربما جميعها) تتضامن للحفاظ على حياة افرادها واملاكها وثقافتها واعرافها ، وتنفق على هذه المهمة الكثير من المال ، حتى لو كان عائدها المادي ضئيلا او معدوما.

يجادل بولانيي بان نظرية الاختيار العقلاني واقتصاد السوق ، تفترض ان الافراد يتخذون قراراتهم المعيشية أو التجارية ، في عزلة تامة عن قواعد المجتمع وهمومه. حين يكون الانسان في السوق ، فلا شيء يهمه سوى تعظيم منافعه المادية. هذا التفكير يؤثر بعمق في تنظيم السلوك الفردي وتحديد ما يعد مصلحة او العكس. فاذا هيمن هذا المنطق ، فان المجتمع سيخسر دوره كنظام للحياة الطيبة ، ويتحول الى مجرد احتشاد للافراد المشغولين بمصارعة بعضهم البعض من اجل المال.

يقول بولانيي ان اقتصاد السوق واحد من النماذج الاقتصادية التي عرفها التاريخ ، وليس افضلها ، وان الندرة ليست حتمية ، فهي مفهوم يجري تعريفه على ضوء ثقافة المجتمع وهمومه. ما يعد موردا نادرا في مكان ، قد يكون مهملا في مكان آخر او زمان آخر. وهو يخص بالذكر الأرض ، التي باتت سلعة في ظل اقتصاد السوق ، وكان ينبغي ان تبقى موضوعا للعمل كأي جزء من أجزاء الطبيعة ، من دون تملك او احتكار على النحو الذي نعرفه اليوم.

الشرق الأوسط - الخميس - 21 شوّال 1447 هـ - 9 أبريل 2026 م https://aawsat.com/node/5260343

مقالات ذات صلة
 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

دفاع عن السوق "غير" الحرة

ا طلعت هذه الأيام على كتابين ، يقدم كل منهما رؤية خاصة لتاريخ الاقتصاد ، ومن ثم نظرية اقتصادية ، متمايزة عن الاخر. الكتاب الأول " مقالة...