19/02/2026

ما الذي تريد حقا.. الحرية ام رغيف العيش؟

كثيرا ما أصادف أشخاصا يطالبون الحكومة بأن تهيء لهم كل شيء يحتاجونه ، حتى اللباس والسيارة والوظيفة وغيرها. ولعل القراء الأعزاء يذكرون ان عددا معتبرا من اشقائنا الكويتيين ، بمن فيهم نواب في البرلمان ، طالبوا حكومتهم في سنوات سابقة ، بسداد الديون المترتبة عليهم للبنوك. ولقيت صديقا قديما اشترى للتو سيارة مرسيدس جديدة بالاقساط ، فأخبرني انه كان ينوي تأخير الأقساط ، أملا في موافقة الحكومة على سداد الديون. لكنه سأل احد المشايخ فأخبره بأن هذا الفعل حرام ، وانه لا يجوز له الاحتفاظ بالسيارة او استعمالها ، ان لم يكن عازما على سداد أقساطها ، وفق الجدول الذي التزم به للبائع.

Nanny state
بطبيعة الحال فهذا المطلب لا يخص العرب او الخليجيين وحدهم. فثمة مجتمعات كثيرة تتمنى هذا او تمارسه فعلا ، ليس بالضرورة في السيارات وقروض البنوك ، بل في أشياء أخرى كثيرة. مع ان هذا الاتجاه تقلص كثيرا في العقدين الأخيرين. احتمل ان كل الناس يحبون الفكرة. انا شخصيا أتمنى ان اقترض كما أشاء ، ثم يسدد احدهم ديوني. لكني اعلم انه غير واقعي ولا يحصل في العالم الذي نعرفه ، حتى الان على الأقل. وقد جرى التعارف على هذا النموذج باسم "الدولة الحاضنة Nanny-sate" وهو مصطلح ساخر اطلقه في 1965 الوزير البريطاني ايان ماكلويد ، في سياق دعوته لتقليص التدخل الحكومي في حياة الناس وخياراتهم ، والتي تقتضي - بطبيعة الحال - تقليص الخدمات العامة التي تقدمها الحكومة. أراد ماكلويد القول: الحكومة ليست مربيتك ولا هي جدتك ، فلا تطالبها بما ينبغي ان تفعله انت لنفسك.

وعلى العكس تماما من هذا الاتجاه ، ثمة من يرى ان لا دور للدولة سوى حفظ الأمن ، الدفاع عن البلد ، وتمثيله في الخارج. ويطلق على هذا النموذج اسم "دولة الحارس الليلي" وله حضور واسع في نقاشات الفلسفة السياسية. لكن هذا مثل سابقه ، لا يحصل في العالم الواقعي.

ثمة أشياء كثيرة لا يمكن إنجازها دون تدخل الدولة. ولو لم تفعل فستفقد مبرر وجودها ، حتى لو كان الناس مؤيدين لنموذج الحارس الليلي. تخيل مثلا ان تعيش في مدينة ليس فيها بلدية ، وليس فيها إدارة تشق الطرق او تزرع الحدائق ، او تنظم التعليم العام. وأذكر ان بعض الناس جادلوا مسؤولا رفيعا حول مستوى الخدمات التي تقدمها دائرته ، فأجابهم بأن الحكومة ليست جمعية خيرية كي تنفذ لهم ما يطلبون. وقد التقيت الرجل بعدما ترك الخدمة ، وذكر هذه القصة ، فسألته ، ان لم تكن الحكومة جمعية خيرية ، فهل هي شركة تجارية؟. واخبرته ان كلاما مثل الذي قاله ، يمكن ان يضعف رضا الناس ويثبط رغبتهم في التعاون مع الإدارة الرسمية. وهذا من أسوأ ما يواجه المخططين والمديرين في عملهم.

يختلف الناس في تطلعاتهم ، فهناك من يذهب للاتجاه الأول ، وهناك من يختار الثاني. لكن حين يدخلون في نقاش موضوعي ، فسوف يميل كل منهم لتعديل موقفه باتجاه خيار متوسط ، بين الدولة التدخلية او المربية وبين الحارس الليلي. ونعلم ان نموذج الدولة السائد في عالم اليوم ، اقرب الى الأول او نموذج مخفف منه. وبالنسبة للعالم الثالث خصوصا ، فان ظروف التطور تتطلب دورا موسعا للدولة ، كي تضمن توزيعا عادلا للموارد العامة.

وأميل للظن بان السؤال عن تدخل الدولة وعدمه ، وعن مقدار الخدمات العامة الواجب تقديمها من طرف الدولة ، هذا السؤال يتناول في المقام الأول مفهوم "العدالة التوزيعية" الذي يتبناه كل منا ، فالذين يرون ان جوهر العدالة هو تعدد الخيارات وحرية الاختيار ، سيفضلون دولة لا تتدخل في حياتهم ، حتى لو قلت خدماتها. والذين يرون ان العدالة قرينة الرفاه المعيشي ، سيختارون الطريق الآخر ، ولو تقلصت حرياتهم. ولا بد ان فكرة كهذه قد اختمرت في ذهنك الآن ، فأيهما خيارك الأول؟.

الشرق الأوسط الخميس - 02 رَمضان 1447 هـ - 19 فبراير 2026 م   https://aawsat.com/node/5242407

مقالات ذات علاقة

تمكين المجتمع .. الخطوة الاولى
التنمية على الطريقة الصينية : حريات اجتماعية من دون سياسة
"شراكة التراب" كتطبيق لمبدأ العدالة الاجتماعية
عدالة ارسطو التي ربما نستحقها
العدالة الاجتماعية كهدف للتنمية
العدالة الاجتماعية وتساوي الفرص
العدالة كوصف للنظام السياسي
الغول
الليبرالية في نسخة جديدة: رؤية جون رولز
مجتمع العقلاء
معالجة الفقر على الطريقة الصينية
مفهوم العدالة الاجتماعية
من دولة الغلبة الى مجتمع المواطنة: مقاربة دينية لمبدأ العقد الاجتماعي
نحن مدينون لليسار المكافح
هل نحتاج حقا إلى طريق ثالث ؟

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ما الذي تريد حقا.. الحرية ام رغيف العيش؟

كثيرا ما أصادف أشخاصا يطالبون الحكومة بأن تهيء لهم كل شيء يحتاجونه ، حتى اللباس والسيارة والوظيفة وغيرها. ولعل القراء الأعزاء يذكرون ان عددا...