عرض المشاركات المصنفة بحسب التاريخ لطلب البحث التمكين. تصنيف بحسب مدى الصلة بالموضوع عرض جميع المشاركات
عرض المشاركات المصنفة بحسب التاريخ لطلب البحث التمكين. تصنيف بحسب مدى الصلة بالموضوع عرض جميع المشاركات

18/06/2026

صناع التقدم : العامة لا النخبة

اطروحات مالك بن نبي مهمة لمن ينظر للاختلال الثقافي ، كمعيق للنهوض العلمي والاقتصادي في المجتمعات العربية. تحدث مالك عن "الدروشة" التي حولت التراث من معرفة نشطة الى مخدر للروح. كما دعا لعقلنة الثقافة التي تحدد اتجاهات السلوك الفردي والجمعي.

امارتيا سن

الانسان هو نقطة الاشتباك في أي نقاش حول التقدم. هذا رأي لا يجادل فيه أحد ، كما أظن. وهو يستدعي سؤال ضروريا: طالما اتفق الناس على انهم ، كلا منهم ، نقطة الاشتباك ومحور الجدل ، فهل يعون أيضا ما الذي ينبغي فعله كي نتقدم؟. واذا كانوا يستوعبون ابعاد هذا السؤال ، فهل يحاولون فعليا وضع اقدامهم على طريق التقدم ، أي هل يحاولون العثور على الجواب العملي لذلك السؤال؟.

اريد هنا إيضاح نقطة ترد الى ذهني بين حين وآخر ، وخلاصتها ان العمل الفكري الهام لمالك بن نبي ، لم يتواصل على يد مفكرين آخرين من بعده. أو لنقل على سبيل التحفظ ان المشروعات الفكرية التي تستهدف نفس الغاية ، أي التقدم ، ليست كثيرة او مترابطة ، بل يبدو كل منها مثل نخلة منفردة في صحراء ، يثير الاهتمام ، لكن يصعب التعرف على الخيوط التي تربطه بماقبله.

اعتقد اننا بحاجة لشيء يشبه عمل الفيلسوف المعاصر  "أمارتيا سن" الذي وقف أمام فرضيات "جون رولز" في نظريته الشهيرة حول العدالة ، ثم قال لنفسه: كل بلد ، حتى أكثرها فقرا ، تتوفر فيه فرص كثيرة لتحسين معيشة الناس. لا يوجد بلد خال من الفرص. لماذا؟. لأن الفرص يخلقها الناس ، شرط ان لا ينشغلوا بالحدود الضيقة لما يرونه بعيونهم ، أو يسمعونه بآذانهم. ثمة في العالم فرص وفيرة. لكنك شغلت نفسك بالبحث عن تبرير للفشل ، او تركت الفعل الخلاق الإيجابي ، وتفرغت لمراقبة ما يفعله هذا وذاك ، كي تعثر على زلة تحولها الى قصة. ولهذا السبب او لغيره ، عجزت عن تخيل الفرص التي يحصل عليها غيرك او يخلقونها.

في أحاديثه الكثيرة حول الانسان صانع الحضارة ، اكتفى مالك بن نبي بالتأكيد على ما يمكن ان نصفه اليوم بالفردانية ، أي استقلال الفرد في تفكيره وتحمله مسؤولية حياته وأفعاله. ونعرف ان هذا شرط محوري للنهوض الاقتصادي والعلمي.

لكن مالكا لم يخبرنا كيف نخلق هذا الشعور عند جميع الناس ، خاصة الأكثر حاجة للتقدم ، أي  الطبقات الفقيرة والمعدمة. بل استطيع القول ان تأكيده المتكرر على الصفات الريادية للإنسان المؤهل لصناعة الحضارة ، أوقعه في مشكلة أخرى وهي النخبوية. فالمستفاد من كلامه ان صناع الحضارة ، هم نخبة المجتمع وليس عامة الناس. هذا يتعارض جوهريا مع الواقع القائم في عالم اليوم ، حيث ينظر لجمهور الناس كصناع للمدنية ومستفيدين منها.

أعود الى امارتيا سن الذي ركز في نظريته عن العدالة على مبدأ تمكين عامة الناس من الإمساك بأقدارهم والسير في طريق التقدم. فكرة التمكين empowerment تجمع بين مفهومين: المعرفة والإرادة. وأرى  ان المعرفة هي التي تفسح الطريق لبروز الإرادة. واقصد المعرفة العامة التي تجعل الانسان العادي مطلعا على العوالم البعيدة عن مداه الجغرافي والبصري ، فيتعرف – تبعا لذلك – على الفرص المتاحة في هذه العوالم. ويذكر في هذا السياق ان حكومة الهند وزعت في سبعينات  القرن العشرين ، عشرات الالاف من أجهزة الراديو ، على العائلات الفقيرة في الأرياف ، كي تتعرف على الفرص المتاحة بعيدا عنها  ، ومن بينها فرص التعليم والصحة والأساليب الجديدة في الزراعة.. الخ. تلك الخطوة على بساطتها حسنت بشكل ملموس شبكة الخدمات العامة في الريف ، وعجلت في ربطه بالاقتصاد الوطني ، فتحسنت معيشة الناس.

هذا هو نموذج التقدم الذي نناقشه: حراك تنموي يخدم عامة الناس ، ولاسيما اقلهم حظا. وهو لا يستهدف إنشاء نخبة ، بل تحريك الطبقات الواقعة في أدنى السلم. في اعتقادي ان هذا اسرع طريق للتقدم. وللحديث بقية.

الشرق الأوسط الخميس - 03 مُحرَّم 1448 هـ - 18 يونيو 2026 م   https://aawsat.com/node/5285470

 مقالات ذات صلة

الانسان ، التراب ، والوقت .. عودة لنقاش قديم
الوحدة الاوربية "آية" من آيات الله
في معنى "الدروشة" وتطبيقاتها
تفكيك التداخلات
كيف نتقدم.. سؤال المليون
التقدم اختيار.. ولكن
اختيار التقدم
المكنسة وما بعدها.. هل جربت صنع المكنسة؟
اصلاح العقل الجمعي
الهندسة الثقافية: تمهيد موجز
بعض التمثيل .. قد ينفع

دور الراي العام في التشريع
مكانة العامة في التفكير السياسي الديني: نقد الرؤية الفقهية التقليدية للسلطة والاجتماع السياسي

11/06/2026

الانسان ، التراب ، والوقت .. عودة لنقاش قديم

هذه مراجعة لرؤية المرحوم مالك بن نبي حول الاركان الثلاثة التي تقوم عليها الحضارة ، أي الانسان والتراب والوقت ، مع تعديل أراه ضروريا ، كي تستوعب تحولات الفكر في يومنا الحاضر.

المرحوم مالك بن نبي

اعلم ان بعض الناس يرى هذا الموضوع قليل الاهمية ، وان المسائل العملية اللصيقة بالواقع اليومي هي الجديرة بالاهتمام. لكني اجد أيضا أن غالبية أهل الرأي ، متفقون على ان مفتاح التقدم هو تطوير الاقتصاد والتعليم والبحث العلمي وتوطين التقنية. ان اهتمامهم بالمنطق الرياضي والحسابات ، التي تشكل عماد التقنية المعاصرة ، بدل البلاغة وبديع الكلام ، دليل على ايمانهم بمحورية المعارف النظرية ، التي تشكل الأرضية والاطار الضروري لتطوير التقنيات العملية.

اعتقد ان الجميع متفق على ضرورة النهضة ، وعلى البدء بالإنسان الذي يحقق النهضة ويستفيد منها. لكن البعض قد يتناسى حقيقة ان النهضة ليست إجراءات او منظومة أعمال فقط ، بل هي في المقام الأول رؤية نظرية للاهداف الكبرى والوسيطة ، ومعايير للتحقق من سلامة العمل ، ثم الإجراءات والبرامج التي ستوصلنا اليها.

اني اطمع ان يهتم عدد أكبر من أهل الرأي في بلدنا وحولها بقضايا النهضة ، ولا سيما بتحويلها من شعارات عامة او تمنيات ، الى مسائل قابلة للنقاش العام ، وتطبيقات متصلة بالحياة اليومية لكافة الناس. ألاحظ مثلا ان رؤية السعودية 2030 التي تمثل – في ظني - أوسع مشروعات التحول الاقتصادي في الشرق الأوسط ، خلال الخمسين عاما الأخيرة ، لا تحظى بنقاش معمق ومستمر في الصحافة المحلية ، او في الاحاديث العامة للمتخصصين ، مع علمنا بأن هذا المشروع الضخم سوف يترك انعكاسات عميقة جدا على بنية المجتمع السعودي ومحيطه الإقليمي ، على الاقتصاد والثقافة ومنظومات القيم الاجتماعية. وقد شهدنا فعلا بعض تلك الانعكاسات ، ونتوقع المزيد منها خلال السنوات العشر القادمة.

لا شك ان هذه التحولات جديرة بالنقاش من جانب جمهور المواطنين ، فضلا عن أهل الرأي والمتخصصين. ويؤسفني ان غالبية العرب لا تهتم كثيرا بالجدل حول المشروعات الوطنية الكبرى. ويشار عادة في تبرير هذا الإهمال ، الى انشغال الناس بلقمة العيش ، التي قد تكون عسيرة في بعض البلدان. مع ان تلك المشروعات هي العلاج الفعال والتاريخي لشحة الرزق وانكشاف المجتمع.

سوف اعود لمناقشة الرؤية المبكرة التي طرحها مالك بن نبي في مقالات لاحقة. لكني أود البدء بصياغة جديدة لمفهوم الانسان الذي اقترحه ، والذي أراه منصرفا الى معنيين: أولهما كون الانسان هدفا نهائيا للنهضة ، فلا يصح ان تضم بين مشروعاتها ما يضعف دوره او يقيد مساراته. وثانيهما كونه الفاعل الرئيس الذي تعتمد عليه مشروعات النهضة. ومن هنا فان تطوير قدرات الانسان العقلية والعلمية ، أي تمكينه من إدارة التطور الذي نسميه نهضة ، يعد رهانا محوريا وتمهيدا لا بديل عنه عند انطلاق المشروع وفي سياقه.

اما التراب ، فقد كان الأستاذ مالك يركز على مفهوم الأرض والإنتاج الزراعي. وأرى ان الاصوب استبداله بمفهوم "الطبيعة" ككل ، باعتبارها موضوعا لعمل الانسان. نهضة الاقتصاد والعلم ، وهما جوهر مفهوم التقدم ، ليست في حقيقتها سوى الاستثمار الاكفأ للموارد الطبيعية.

اما الوقت ، فاني اقترح استبداله بمفهوم الزمن او التاريخ ، لأن التقدم ليس مشروعا ينتهي بعد مدة. بل هو اقرب لبرنامج مفتوح ، يبدأ بما تعرف ، فتنفتح أمامك أبواب كانت مجهولة ، فتستغني عما سبق. وهكذا فكل عمل في مشروع النهضة هو عبور من مرحلة معروفة الى أخرى جديدة ، تؤدي بالضرورة الى زوال قيم وبروز أخرى ، وزوال مفاهيم واحكام واخلاقيات وبروز بدائل عنها ، وهكذا. معرفة الانسان تاريخية بطبعها ، أي مؤقتة. اعتبار المعرفة تاريخية ، أي مشروطة بزمنها ، شرط ضروري للتعامل الناضح مع التحولات التي تجري في سياق النهضة.

ولنا عودة الى الموضوع ان شاء الله.

الخميس - 26 ذو الحِجّة 1447 هـ - 11 يونيو 2026 م         https://aawsat.com/node/5282680

مقالات ذات صلة

 اختيار التقدم

الأمل الآن وليس في آخر الطريق

بقية من ظلال الماضين

التقدم اختيار.. ولكن

 تلميذ يتعلم وزبون يشتري

 التمكين من خلال التعليم

الحداثة تجديد الحياة

خطباء وعلماء وحدادون

 شكوك في العلاقة بين الثقافة والتقدم

فكرة التقدم باختصار

الفكرة القائدة ، مثال الواتس اب

كيف نتقدم.. سؤال المليون

المكنسة وما بعدها

هيروهيتو ام عصا موسى؟

04/06/2026

صانع المدرعة ، كوفيء بالمال فقط!

لو سألتني: هل يمكن للجامعة ان تخلق السوق من العدم ، لاجبتك: نعم. يمكن للجامعة ان تفعل هذا. لكن الأذكياء يدركون ان المقصود ليس تحويل الجامعة من جهة تعليمية الى جهة تجارية ، كما لا نقصد ان الجامعة تستطيع خلق السوق بمفردها. نتحدث عن شيء ضمن سياقه ، ومعرفة السياق شرط ضروري لفهم المقصود بالكلام.

بعد هذا التمهيد ، لا بد أيضا من إيضاح اننا نتحدث عن الجامعة بوصفها رمزا للمجتمع العلمي بكل تفرعاته ، وليس عن عنوانها القانوني او المكاني. بديهي ان حديثنا لا يتعلق بالمباني والأماكن ، بل التعليم الذي هو الشغل الرئيس للجامعة. ومن هنا فان الحديث يشمل أيضا كل إطار يجري فيه انتاج العلم أو استثمار العلم. ويدخل فيه بطبيعة الحال المبتكرون والمخترعون الافراد ، والباحثون والمطورون في الشركات الخاصة ، بل كل شخص يسعى لتحويل منتجات العقل الى مصدر للثروة.

ومما يدخل في السياق أيضا ، الدور التحفيزي - الحمائي للمجتمع والدولة. عرفت فيما مضى من السنين ، شخصا طامحا لانشاء مصنع لتدريع المركبات. وقد نجح فعلا في انتاج النموذج الأولي لمركبة مدرعة بالكامل. فلما عرضها على شخص رفيع المقام ، اصر هذا على ان صناعة المدرعات ليست من شأن الافراد ، وان عليه ان يسلم المشروع للحكومة. وقد قبل الرجل هذا الطلب على كراهة. وحين التقيته بعد هذا الحادث بعقد من الزمن ، اخبرني انه حصل على مال كثير ، لكنه يشعر بأسى عميق ، لأن ذلك المشروع قد مات ، فقد سلم الى اشخاص لا يفرقون بين اقتناء المركبة وصناعة المركبة ، وكانوا يعتقدون ان شراء مركبة جاهزة موثوقة ، من شركة معروفة ، افضل من انفاق المال على تجارب لا نعلم نهايتها. هذا – بالطبع – يكشف غفلتهم عن الفارق الجوهري بين صناعة شيء في بلدك ، وشراء مصنوعات الآخرين. اعرف مثالين آخرين يشبهان هذا في اكثر التفاصيل ، وأحدثها يتعلق بتطوير سيارة كهربائية.

 في كل الأمثلة ، كان الجميع متفقا على ضرورة تشجيع المبادرات. لكن قصر نظر بعض الناس ، جعل المال وسيلة وحيدة للتقدير ، بينما كان المبتكر يريد مواصلة العمل ، وتذليل العقبات القانونية او البيروقراطية ، التي يتمسك بها اشخاص لم يضعوا في اعتبارهم احتمال ان يأتيهم مبتكر من مكان ما ، يتطلع لصنع شيء لم يخطر على بالهم من قبل.

اما وقد وصلنا الى هذه النقطة ، فلابد من القول ان بعض المبتكرات تبدو غريبة على المجتمع او ربما كريهة. وهذه تظهر أكثر ما تظهر في الأفكار وليس التقنيات العملية. فاذا اعتاد المجتمع على التسامح مع الأفكار المخالفة له او الغريبة عن معتقداته واعرافه ، فهو يؤسس ما نسميه "السوق الحر للافكار" الذي اعتبره جون ستيوارت ميل ، الفيلسوف الإنكليزي المعروف ، ارضا ضرورية للابتكار وإنتاج الجديد. اما اذا قوبلت تلك الأفكار بالتجاهل ، او تعرض أصحابها للاذى ، فسوف يميل أصحاب الأفكار والمبتكرون الى الانكماش ، وعدم الاكتراث بإنتاج أي جديد ، او ربما يهجرون مجتمعهم الى مجتمعات يظنون انها اكثر تقبلا للجديد.

يمكن للمجتمع ان يساعد المبتكرين ، ويمكن له ان يفسح الطريق لهم ، وان لم يساعدهم. في كلا الحالتين ، يجب ان يتبنى المجتمع عقيدة واسعة ، تتسامح مع المختلف وان كانت آراؤه مضادة لقناعات المجتمع ومعتقداته.

زبدة القول ان الدور التحفيزي - الحمائي للمجتمع والدولة ، يتمثل في مساعدة المبتكرين الاذكياء على مواصلة عملهم ، وخوض التحدي الذي ظنوا انهم قادرين عليه ، ومساعدتهم في تخطي الصعوبات ، وليس استغلالهم في الدعاية او اقناعهم بالراحة.

المجتمعات التي تحتفي بالاشياء الغريبة والمختلفة وغير المعتادة ، او - على الأقل - تتسامح مع أصحابها ، جديرة بأن تتحول الى حاضنة للابداع. بعكس المجتمعات التي تحب السيطرة على التغيير والتحكم فيه ، او تشترط الحصول على ترخيص لكل عمل ، فهذه احرى بأن تتحول الى ثلاجة للمبدعين او ربما مقبرة.

الشرق الأوسط الخميس - 19 ذو الحِجّة 1447 هـ - 4 يونيو 2026 م     https://aawsat.com/node/5280279

مقالات ذات علاقة

  

28/05/2026

هل يمكن للتعليم ان يخلق السوق بدل خدمتها؟

 الجدل الذي رافق انطلاق جامعة الرياض للفنون ، لفت نظري لموضوع في غاية الأهمية ، وهو العلاقة التفاعلية بين المدرسة والسوق. يتضح الموضوع في سؤال كثير التداول ، فحواه: هل نبني التعليم الجامعي كي يلبي حاجات السوق ، ام ان مهمته هي صناعة السوق وتحديد حاجاتها؟.

الفرق بين السؤالين واضح جدا ، فالتعليم الذي يخدم حاجات السوق ، ينطلق من فرضية ان السوق القائمة هي المكلفة بتوليد الوظائف وتحريك الاقتصاد. ولأن هذا لا يتحقق دون يد عاملة مؤهلة ، فان مهمة النظام التعليمي هي سد هذه الحاجة. هذا يشبه الى حد كبير الفهم الذي ساد في بداية انشاء التعليم الحكومي قبل حوالي 100 عام ، حين اعتبر الجميع بأن غرض المدارس حديثة التأسيس ، هو توفير الموظفين للدوائر الحكومية ، التي كانت حديثة التأسيس أيضا.

بات الموضوع حرجا ، لأن عدد الذين يتخرجون من المدارس والجامعات ، أكبر كثيرا من قدرة الاقتصادات الوطنية ، على توليد ما يكفي من الوظائف لغالبيتهم. فماذا نفعل في مواجهة التحدي؟.

بعض الحكومات اعتمد تصدير الفائض من اليد العاملة الى الأسواق المستقبلة للعمالة. ونعلم ان هذا حل لمشكلة طالب العمل ، لكنه لا يعالج ضعف الاقتصاد الوطني. الحل الذي اختارته حكومات أخرى ، ومن بينها المملكة ، هو تشجيع الشباب على انشاء شركاتهم الخاصة ، كي يعملوا لأنفسهم ، بدل العمل لصالح الغير.

نعلم ان هذا الخيار ليس مرجحا عند غالبية الناس ، لأنهم - ببساطة – لا يملكون الرساميل ولا الخبرة ، فضلا عن الخلفية الثقافية التي لا تشجع المغامرة.

حسنا .. هل يمكن للتعليم الجامعي ان يساعد في استيعاب هذا التحدي؟.

هذا هو بالتحديد محل السؤال الثاني عن علاقة الجامعة بالسوق . والفرضية التي نطرحها هنا هي: ان دور الجامعة كخادم للسوق ، ضروري ، لكنه لا يعالج المشكلة الكبرى ، أي ضيق وعاء التوظيف في السوق الحالية. ان الحل الجذري هو ان "نخلق سوقا جديدة". هكذا الامر بكل بساطة!.

"خلق السوق" يعني ابداع اعمال من العدم ، وتوفير وظائف جديدة ما كان أحد يتخيل وجودها قبلئذ. لتوضيح الفكرة ، اسأل نفسك: ما عدد الوظائف الجديدة التي خلقت بفضل انتشار الانترنت ، ثم الهاتف الجوال المتصل بالانترنت؟. اعتقد ان عددها بالملايين أو ربما عشرات الملايين. فمن كان يتخيل هذا النوع من الوظائف قبل 40 سنة؟

خذ أيضا الوظائف التي تتصل بالانظمة ذاتية الحركة ، مثل الطائرات المسيرة والروبوت والمحركات المدارة عن بعد ، وهي كلها تقنيات ناشئة ، وسوف تكون مثل الهاتف الجوال بعد خمس سنين او نحوها. ترى كم هو عدد الوظائف التي توفرها هذه التقنيات الآن ، وكم نتوقع ان يتوفر منها في العقد القادم؟.

هذه أمثلة على سوق خلقت في مختبرات الجامعة ، وهي تقدم فرصا أوسع وأرقى من معظم الوظائف المعروفة اليوم.

تستطيع جامعاتنا تولى هذه المهمة ، ليس بمعنى الانصراف كليا اليها ،  بل بمعنى ان تخصها بالاهتمام والتمويل والإدارة. نموذج التعليم الذي يخلق السوق ، جوهره الابتكار والبحث العلمي المتقدم ، والتركيز على التقنيات التي تقود السوق ، مثل الطاقات المتجددة والذكاء الصناعي والتقنيات الحيوية ، واحتضان الاعمال التي ينشئها الطلبة والمدرسون ، نظير ما تقوم به جامعة الملك عبد الله للعلوم والتكنولوجيا حاليا.

ان اردت لمس ما نتحدث عنه ، فاعلم أن خريجي جامعة كامبردج البريطانية مثلا ، اقاموا 26 شركة تقنية ، راسمال الواحدة منها يتجاوز مليار دولار. وتساهم الشركات المرتبطة بهذه الجامعة في الاقتصاد البريطاني بحوالي 30 مليار جنيه سنويا. اما جامعة ستانفورد فان خريجيها اقاموا 122 شركة تقنية يتجاوز راس مال الواحدة منها مليار دولار.

هذا قليل من كثير ، يظهر ان فكرة "خلق السوق" ليس حلم ليلة صيف ، ولا تأملات متفرج من برج عاجي. بل هي إمكانية قائمة وقد جربت فعلا. فهل نستطيع التحرر من العقد القديمة ، ونفكر في السوق التي نصنعها بدل السوق التي نخدمها؟.

الشرق الأوسط الخميس - 11 ذو الحِجّة 1447 هـ - 28 مايو .   2026           https://aawsat.com/node/5277922

 

مقالات ذات علاقة

 اول العلم قصة خرافية
تدريس العلوم بالعربية.. هل هذا واقعي؟
تعريب العلم ، ضرورة اقتصادية ايضا
التعليم والسوق.. من يصنع الآخر؟
التمكين من خلال التعليم
حول البيئة المحفزة للابتكار
الطريق السريع الى الثروة
كيف نجعل الثقافة محركا للاقتصاد؟
لافرق بين دراسة الفن ودراسة الطب
لماذا نبدأ بالأطفال
مجتمع المعرفة لازال هدفا ضروريا
معنى ان يكون التعليم العام واسع الافق
هل نسعى لتعليم يملأ المكاتب بالموظفين؟
 
 

21/05/2026

لافرق بين دراسة الفن ودراسة الطب

هذه مراجعة للجدل الذي أثاره اعلان جامعة الرياض للفنون ، اعتماد الإنكليزية لغة تدريس. وشارك في الجدل عدد من أبرز المثقفين وأهل الرأي والفن في المملكة العربية السعودية.

لقد أوضحت في مقالات سابقة انني مؤيد لتعريب التعليم العالي. واعني تحديدا مجالات العلوم والطب والهندسة ، فضلا عن العلوم الإنسانية. وقد أوضحت مبررات رأيي بما يغني عن الإعادة.

سأخصص هذه الكتابة لتوضيح الأسئلة التي يدور حولها النقاش الجديد. طمعا في تعميق النقاش.

البداية فرضية فحواها ان الابداع الفني يولد من غوص الفنان في التجربة الحياتية لبيئته الاجتماعية ، واكتشاف كيفية انعكاس الظرف الطبيعي على تفكير البشر وتطلعاتهم وعلاقاتهم الداخلية.

تتحول تلك الأفكار الى صور متخيلة ورموز ، يعيد الفنان رسمها في صورة مشهد ، كما يفعل الشاعر حين يعيد انتاج حادثة او فكرة في صورة قصيدة ، توصل المعنى من دون ان تغرق في تفاصيل ما حدث فعلا.

الفن – بهذا المعنى – انعكاس لحقيقة الحياة ، مختصر في المساحة ، لكنه مكثف في الترميز ، مغرق في التخييل ، دون ان يفارق دائرة المعنى المراد ايصاله للمتلقي.

الذين عارضوا تدريس الفنون بلغة اجنبية ، يحتجون بأن إعادة انتاج الفكرة والمعنى في قوالب فنية إبداعية ، عملية فكرية معقدة ، مشروطة بتعمق المبدع في ثقافة المكان ، وانغماسه في تفاصيله. ونعلم ان الثقافة تتاثر بعمق ، بأوعية التعبير عن المعاني ، والاحاسيس التي ترافق التجربة الثقافية ، قبل ان تأخذ شكلها النهائي كمفهوم او عرف او قيمة مستقرة. وعاء التعبير ، أي اللغة ، يشكل اطارا للمعنى والتجربة ، فيضع حدودا على بعض عناصرها ويطلق البعض الآخر بعيدا عن المركز.

التعبير الفني سلسلة طويلة ، منطلقها تجربة الحياة ، ثم التأمل في تفاصيلها ومعانيها ، ثم تحويلها الى مشاهد متخيلة ورموز ذات دلالات قوية ، ثم عرضها على الناس كقناة تفاعلية تصل المتلقي بالمشهد وما وراءه من تجربة. هذه السلسلة الطويلة عبارة عن تأملات متداخلة ، تشكل اللغة جزء محوريا فيها. حين يفكر الانسان ، فان ذهنه يلاحق الخط الدلالي الذي تنشئه اللغة او تسمح به. ومن هنا قيل ان الابداع بلغة اجنبية عسير جدا ، الا لشخص ذائب في ثقافتها. يتجلى هذا  العسر في مرحلة التصنيع ، لحظة استيعاب التجربة وتكوين المعنى والرمز ، حيث يتأمل المبدع في صور جرى تثبيتها في نماذج لغوية ، وليس تجريدات قائمة بذاتها. لذا يصعب على الأجنبي استيعاب المعاني العميقة ، التي ترتبط بها تلك الصور والرموز ، او انتاج معان جديدة بالاعتماد عليها.

أما من يؤيد اعتماد اللغات الأجنبية ، فيحتج بان الفنون الحديثة ، تطورت في الاطار المعرفي  الغربي ، ولم يساهم فيها العرب الا عرضيا. من الرواية الى الأداء والتصوير او التشكيل وطريقة التعبير عن المعنى ، كلها نشأت في ذلك الاطار. ولذا فالمكتبة التي يحتاجها دارس الفن ، مكتبة إنكليزية.

تعزيزا لهذا الرأي ، أقترح الفصل بين مستويين من الحرف الفنية: الأداء الفني ، والابداع الفني. انظر للممثلين او الرسامين المبدعين او الشعراء والروائيين المشهورين: لن تجد الا عددا قليلا جدا في كل بلد. اما الذين يؤدون الاعمال الفنية ، سواء الممثلين او الرسامين او كتاب الروايات او منتجي ومخرجي الدراما ، فهم بالمئات. في مصر مثلا يعمل عدة آلاف في المجالات الفنية المختلفة ، لكنك لا تسمع الا بعشرين او ثلاثين مبدعا. كذلك  الحال في سوريا والخليج والعراق ، بل حتى البلدان العريقة في هذه المجالات ، حيث لا تشكل الأسماء البارزة سوى واحد او اثنين بالمائة من العاملين في الحقل الفني.

ليس مهمة جامعة الفنون أن "تصنع" مبدعين ، بل ممارسين. اما المبدع فموهبته سابقة للجامعة ، ودور الجامعة هو تعميق معرفته وصقل خبراته وتحديد المدرسة التي يقتفي اثرها. هذا تماما ما يحصل في كليات الطب والهندسة ، التي لا تخرج علماء ، بل ممارسين ، يبذل بعضهم جهودا إضافية حتى يبلغ المستوى  الرفيع المتمثل في نقد العلم وإنتاج العلم.

من هنا لا ينبغي ان نفكر في الجامعة كمكان لصنع العلماء بل لصنع طواقم الاعمال الفنية ، التي ستكون بمثابة البيئة او البحر الذي يحتاجه المبدعون كي يحولوا تطلعاتهم الى منتجات ابداعية.

الشرق الأوسط الخميس - 04 ذو الحِجّة 1447 هـ - 21 مايو 2026 م     https://aawsat.com/node/5275541

 

مقالات ذات صلة

تعريب العلم ، ضرورة اقتصادية ايضا
تدريس العلوم بالعربية.. هل هذا واقعي؟
حول البيئة المحفزة للابتكار
التمكين من خلال التعليم
صناعة الشخصية الملتبسة
شكوك في العلاقة بين الثقافة والتقدم
بين النهوض العلمي والتخصص العلمي
تدريس العلوم بالعربية.. هل هذا واقعي؟
هل تختار مدرسة اجنبية؟
تطوير التعليم من الشعار إلى المشروع
حاضنات الابداع
معنى ان يكون التعليم العام واسع الافق
التخلي عن التلقين ليس سهلا
 

29/01/2026

نقاشات الذكاء الصناعي في مرحلة جديدة

 توجهات الذكاء الصناعي وتحدياته كانت محورا بارزا في نقاشات "المنتدى الاقتصادي العالمي" ، خلافا للاعتقاد الذي ساد قبيل انعقاده ، وفحواه ان سخونة الأجواء السياسية لن تفسح مجال نقاش لغيرها.

ومنذ انشاء المنتدى الذي ينعقد سنويا في مدينة دافوس السويسرية ، كان الاقتصاد هو الموضوع الرئيس لأعماله. لكن السياسة الدولية تأخذ هي الأخرى اهتماما غير قليل ، بالنظر لكثافة حضور السياسيين وقادة الدول ، فضلا عن رؤساء الشركات الكبرى ، الذين يهمهم معرفة اتجاه السياسة الدولية ، من فم صناعها ، وليس نقلا عنهم.


يتأثر الاتجاه العام للمنتدى بالهموم الكبرى التي تشغل بال النخبة. ومن هنا فان بروز الذكاء الصناعي على اجندة المنتدى في السنوات الثلاث الأخيرة ، يوضح أن شريحة مؤثرة من نخبة العالم ، لا سيما بين رجال الاعمال والاكاديميين والمفكرين ، تتعامل معه كتحد جدي لنظم الاقتصاد والثقافة السائدة في العالم كله.

تتخذ نقاشات الذكاء الصناعي مسارات متنوعة ، فبعضها يركز على معنى ان تكون الآلة ذكية ، وإمكانية ان تتجاوز ذكاء البشر ، او حتى ان تتحول من أداة تنفذ إرادة صانعيها ، الى قوة مستقلة عنهم. وثمة نقاشات تهتم بالوظائف التي ستزول او تتقلص مع توسع الأجهزة الذكية وقيامها بالعديد من الاعمال التي لا زالت تعتمد على الجهد البشري ، الفكري والبدني. إضافة بالطبع الى النقاشات الخاصة بالجبروت الذي يمكن ان ينشأ عن تمركز الأنظمة الفائقة الذكاء في عدد قليل من الدول ، واحتمال ان تستثمرها في اخضاع المجتمعات الأخرى.

ساهمت تلك النقاشات في تشكيل فهم متقارب ، لأبرز التحديات والتحولات التي يتوقع ان يشهدها العالم ، في ظل النفوذ المتفاقم لتطبيقات الذكاء الصناعي في تفاصيل حياتنا اليومية ، من التجارة الى التعليم والطب والهندسة والبحث العلمي ، وغيرها. ومع تبلور فهم توافقي ، تتجه النقاشات الأحدث الى مسائل أكثر عمقا ، ولا سيما تلك المتعلقة بتأثيره المحتمل على أنماط العيش وعلاقة الناس ببعضهم ، واتجاهات الثقافة.

تساهم الأنظمة الفائقة الذكاء في تقليص المسافة بين الفكر والعمل ، بل الغاءها في حالات كثيرة ، مما يتيح وقتا أوسع لعمل الانسان ويزيد من تطلعاته. لكن هذه الإضافة بالذات تجعل الوسيلة ، أي الآلة ، مؤثرة في تحديد موضوع العمل ومنتجاته ، وبالتالي فهي تسهم بعمق أكبر في إعادة تعيين المسار الاقتصادي وطرق التعامل بين الناس. لتوضيح هذه المسألة ، انظر كيف أن دخول السيارة في سوق العمل اثر على اتجاهات العمل وقيمته ، وعلاقة العاملين مع بعضهم ومع ارباب عملهم. ويقال الشيء نفسه عن تأثير الهاتف النقال على العلاقات بين الناس ، فقد زاد التعاملات التجارية ، حين اختصر المسافة الزمنية بين الفكرة والعمل والناتج ، لكنه – في الوقت نفسه - غير الى حد كبير مضمون وكيفية علاقة الناس ببعضهم ، بل أثر أيضا على موضوعات العلاقة بين الناس.

هذا النوع من التأثير يثير أسئلة جدية حول قدرة الانسان على التحكم في حياته ، بما فيها القيم الناظمة لعلاقته مع جيرانه وأصدقائه وشركائه ، والقضايا التي تدور حولها هذه العلاقة. لا ينبغي ان يقتصر النقاش في أمر كهذا على الجانب التقني ، كما لا ينبغي ان نقتصر على اظهار القلق او تخويف بعضنا البعض. نحن بحاجة الى تكرار التأكيد على المباديء الجوهرية التي تدور حولها حياة الانسان ، وكفاحه اليومي من أجل حياة أفضل. ولا شك ان أبرز تلك المباديء واعلاها أهمية هي بقاء الانسان مسيطرا على مصيره ، ساعيا الى تعزيز كرامته ، محافظا على استقلال ارادته.

التأكيد على هذه المباديء ضروري جدا في عالم تديره الآلات ، أو تشكل القوة الحاسمة في تلبية احتياجاته. نحن بحاجة للتساؤل دائما عما اذا كنا نسعى للتطور المادي ، لأنه هدف بذاته ، او من أجل زيادة المال ، ام لأنه يخدم هدفا أعلى ، يتعلق مباشرة بالوجود الإنساني ، أي تعزيز كرامة الانسان وبقائه في مركز الوجود.

الخميس - 10 شَعبان 1447 هـ - 29 يناير 2026م             https://aawsat.com/node/5234924

مقالات ذات صلة

استمعوا لصوت التغيير
بين النهوض العلمي والتخصص العلمي
تجربة تستحق التكرار
تدريس العلوم بالعربية.. هل هذا واقعي؟
تعريب العلم ، ضرورة اقتصادية ايضا
التعليم كما لم نعرفه في الماضي
التمكين من خلال التعليم
حول البيئة المحفزة للابتكار
الذكاء الصناعي وعالمه المجهول
عالم افتراضي يصنع العالم الواقعي
على اعتاب الثورة الصناعية الرابعة
العولمة فرصة ام فخ ؟
لماذا ينبغي ان نطمئن الى تطور الذكاء الصناعي؟
ما الذي يجعل الانترنت مخيفا للزعماء التقليديين ومحبوبا للشباب ؟
معنى ان يكون التعليم العام واسع الافق
النقلة الحتمية : يوما ما ستنظر الى نفسك فتراها غير ما عرفت
هل تعرف "تصفير العداد"؟
هل يمثل الذكاء الصناعي تهديدا للهوية؟

هل يمكن للذكاء الصناعي ان يكون بديلا عن عقل البشر؟
إعادة تشكيل الحياة في عصر الانترنت ‏
غدا نتحرر من الخوف

03/07/2025

فتش عن الماسونية!

 المجتمع العربي بحاجة للتخلص من عقدة الضحية ، أي الاعتقاد بأنه يقع دائما في الجانب الضعيف والمظلوم ، من اي معادلة سياسية او اقتصادية تنشأ في الساحة الدولية. هذه العقدة هي السبب وراء كثرة حديثنا عن مؤامرات الأعداء ، وتضخيمنا لقوتهم ، وتقبلنا المفرط للحلول السحرية والغيبية واللامادية بشكل عام.

 المصابون بهذه العقدة ، لا يبحثون عن أسباب المشكلة ، ولا يستمعون لمن ينفي هواجسهم او يقترح حلولا لعلتهم ، بل يركزون على "النوايا" والارادات الخفية التي يقطعون بوجودها في نفوس اعدائهم. ولو سألت الذين يبشرون بتلك المؤامرات الخفية ، لأجابك دون انتظار: "وهل تتوقع ان يعلن العدو نواياه على رؤوس الأشهاد؟" ، أي ان إقراره بالجهل بحقيقة ما يكتمه العدو ، يتحول خلال لحظات الى ادعاء العلم بالمكتوم. وهذا من اعجب العجب.

 وأذكر اننا مررنا بحقبة ، كانت كل خيباتنا التي تحققت ، او التي ينتظر ان تتحقق في المستقبل ، تعلق على مشجب الماسونية. ويؤكد أصحاب هذه الرؤية الكسيحة دائما على الإمكانات الضخمة للماسونية ، وقدرتها على النفوذ  لأصعب المواقع ، حتى أنها لم تترك شخصا مؤثرا ، ولا شخصا تتوسم فيه قوة التأثير في المستقبل ، في شرق العالم وغربه ، الا وجندته ووجهته لهدم الإسلام وتدمير بلاد المسلمين.

 وصدرت عشرات من الكتب ، التي لو صدقت الاقاصيص المروية فيها ، لكانت الماسونية اليوم أقوى من الولايات المتحدة وحلف الناتو والصين واليابان مجتمعة. وتضم قوائم الاعضاء في الخطة الماسونية التي ذكرتها تلك الكتب ، أسماء لرؤساء دول ومنظمات دولية وقادة جيوش ووزراء وعلماء واقتصاديين واكاديميين ، وحتى قادة للمؤسسة الدينية في مختلف الأديان.

 تتوازى ، في كثير من الحالات ، مع تفخيم الذات وتعظيمها والتفاخر على الغير. وقد حضرت نقاشات ظهرت فيها هذه الازدواجية بشكل كاريكاتوري. وأذكر مثلا ندوة في الكويت ، تحدث فيها أستاذ جامعي عن مفاخر المسلمين وسبقهم في العلم ، فسأله أحد الحاضرين عن سبب انقطاع الحركة العلمية القديمة وانفصال العرب المعاصرين عنها ، فقال المتحدث ان السبب هو مؤامرات الغرب ، الذي لا يسمح للعرب بركوب قطار الحضارة ، خشية ان يستقلوا بأنفسهم فيكونوا أقوى منه.  وسرد عددا من الشواهد وأسماء العلماء ، الذين قال ان الغرب اغتالهم ، بعدما رفضوا الانضمام اليه.

 لعل القراء الأعزاء قد سمعوا كلاما كهذا او قرأوه. ولعل بعضهم قد أدرك التناقض بين جزئي الحديث: الجزء الذي يدعي السبق الى العلم ، والجزء الذي يدعي ان الغرب يمنعنا من مواصلة البحث العلمي او التقدم في مجال العلم.

 أقول انه متناقض ، لأن العلم ليس الكتب التي يدعى ان التتار قد اغرقوها في دجلة ، أو العلماء الذين يقال انهم قتلوا على أيدي هؤلاء او على أيدي غيرهم. إن اردتم الدليل فانظروا الى اليابان وألمانيا التي دمرت مدنها ومصانعها ومدارسها في الحرب العالمية الثانية ، لكنها عادت أقوى وأكثر تقدما مما كانت ، في فترة تقل عن 30 عاما. لقد انتهت الحرب في 1945 ، وفي بداية السبعينات ، كان الإنتاج العلمي والصناعي في كل منهما ، منافسا للدول الغالبة ، أي الولايات المتحدة وروسيا وبريطانيا.

 العلم لا يندثر بحرق الكتب او موت العلماء ،  الا اذا كان محصورا في نخب محدودة ، مثل جزيرة منفصلة عن باقي المجتمع ، ونعلم ان هذا لا يقيم حضارة. العلم  الذي نتحدث عنه هو الذي يخلق مجتمع المعرفة ، أي المجتمع الذي تسوده روحية المعرفة ومعايير العلم في تفكيره وأعماله.

 ان غرض هذا المقال هو تنبيه الاذكياء الى ان القاء المسؤولية في تخلفنا على مشاجب الآخرين ، أعداء او غيرهم ، ليس سوى تمظهر لعقدة الضحية التي تجعل الانسان راضيا عن نفسه ، باحثا عن السلوى في قصص الظلم او في ممارسة الظلم على من يظنه أضعف منه ، وأظننا جميعا قد شهدنا حوادث تجسد هذه الحالة قليلا او كثيرا.

الخميس - 08 مُحرَّم 1447 هـ - 3 يوليو 2025 م  https://aawsat.com/node/5160861

مقالات ذات صلة

 اختيار التقدم

الأمل الآن وليس في آخر الطريق

بقية من ظلال الماضين

التقدم اختيار.. ولكن

 تلميذ يتعلم وزبون يشتري

 التمكين من خلال التعليم

الحداثة تجديد الحياة

خطباء وعلماء وحدادون

 شكوك في العلاقة بين الثقافة والتقدم

فكرة التقدم باختصار

الفكرة القائدة ، مثال الواتس اب

كيف نتقدم.. سؤال المليون

المكنسة وما بعدها

هيروهيتو ام عصا موسى؟

تصور جديد للتنمية الاقتصادية

في 1990 تبنى برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ، مشروعا موسعا للارتقاء بمستوى المعيشة لكل سكان العالم. واتفقت الدول الأعضاء يومئذ ، على تكييف سي...