18/12/2025

من يصنع هويتك: انت أم الآخرون؟

توصل البروفسور يوناس فريسن ، بمعهد كاروليسكا في ستوكهلم ، الى أن اجسامنا تتغير كل يوم. ويتغير جسم الشخص البالغ كله تقريبا ، خلال فترة تتراوح من 7 الى 10 سنين. خلايا البشرة ، تتجدد كل أسبوعين تقريبًا. وخلايا الدم الحمراء ، تعيش أربعة أشهر. وخلايا الكبد تعيش ما بين 300 الى 500 يوم.

نحن لا نلحظ – على الأرجح – تغيرات اجسامنا. لأننا في الأساس لا نعرف الا القليل عن مئات الملايين من الخلايا ، التي تتألف منها اجسادنا. ولذا لا نلحظ فناء أي منها. لكننا نلاحظ بالتأكيد ان العالم الذي نعيش فيه ، يتغير باستمرار. كما تتغير معرفتنا بهذا العالم. تموت أشياء في ذاكرتنا ، وتحل محلها أشياء أخرى: الناس الذين نلتقيهم ، والتجارب التي نخوضها ، والمعارف التي نكسبها ، وساعات الحزن والفرح التي نمر بها.

  كثير ممن تأمل في مسألة الهوية ، بدأ من هذه النقطة على وجه التحديد ، من سؤال بسيط: أي سر وراء هذا الشعور العميق باستمرارية الهوية؟: نفسي التي عرفتها في الطفولة ، هي نفسي التي أعرفها اليوم ، وستظل معي حتى نهاية العمر. هذه إشارة أولى الى ان شخصيتي ، التي تتغير باستمرار في مسار الحياة ، تنطوي في الحقيقة على ماهية مزدوجة ، أي هويتين او مستويين من التعريف: الهوية الأولى التي تصاحبني منذ ان تعرفت للمرة الأولى على اسمي ولوني وجنسي وعائلتي ، وحتى نهاية حياتي. هذه العناصر تؤثر بعمق على نظرتي لنفسي ونظرة الاخرين لي. والهوية الثانية او المستوى الثاني ، الذي اكتسبته لاحقا من خلال التفاعل مع البشر الذي اتعرف عليهم ، والطبيعة المحيطة بي ، ومن تفكيري في ذاتي وفي عالمي او تفاعلي معه.

سؤال "من أنا" قد يشير الى الوجود المادي للشخص ، مثل كونه ذكرا او أنثى ، شابا صغيرا او شيخا كبيرا. لكن هذه الأوصاف ليست عظيمة الأهمية في ذاتها. انما ترتفع قيمتها أو تهبط ، تبعا لما تنطوي عليه من معان في رأي الناس الذين اتعامل معهم ، أي ما نسميه بالعرف العام. ومن هنا فنحن بحاجة لمعرفة المحيط الاجتماعي للشخص ، والقيم التي يلقيها على كل عنصر من مكونات هويته. على سبيل المثال ، نحتاج لمعرفة الموقف الاجتماعي من المرأة: في مجتمع مثل أفغانستان والعديد من المجتمعات الريفية التقليدية ، لن يسمح للمرأة بمعيشة معقولة خارج بيتها الخاص. اما في المانيا مثلا ، فيمكن لسيدة ان تصل الى منصب رئيس الدولة. هذا يشير الى معنى الفارق الجنسي في ثقافتين مختلفتين ، وما يتبعه من اختلاف جذري في نوع المعاملة للذكر والانثى في هذا البلد او ذاك. كذلك الحال لو كان الشخص ابيض البشرة في مجتمع غالب أعضائه من السود ، أو كان أسود البشرة في مجتمع أبيض. فارق اللون يترتب عليه فوارق في العلاقة بين الفرد والجماعة ، وبالتالي مكانة الفرد فيها وتوقعاته منها. وهذه العلاقة تسهم في تحديد فهم الانسان لنفسه وللمحيط الاجتماعي ، كما تسهم في تحديد الطريقة التي يستعملها الانسان في تقديم نفسه الى هذا المحيط.

يوضح المثال السابق دور (الآخرين) في تحديد القيم المؤثرة في تشكيل الهوية الشخصية. وسوف نتعرف تاليا على حقيقة ان مشاركة كل منا في تشكيل هويته ، مشروطة الى حد كبير بالحدود التي تفرضها البيئة الاجتماعية التي نتعامل معها. خذ مثلا العقيدة التي أدين بها ، واللغة التي أتحدثها ، والتي تؤثر بعمق في طريقة تفكيري واتجاهاته ، وكذا اللباس وطريقة العيش ونظام التعامل مع الناس ، أي مجموعة الأعراف والنظم التي تحدد لي ما يمكن فعله وما لا يمكن. فهذه كلها يستلهمها الفرد من الأشخاص المحيطين به. وبناء على فعل الفرد وانفعاله ، ورد فعل المحيط ، يتحدد موقع الفرد في النظام الاجتماعي والمعايير الناظمة لعلاقته مع الآخرين.

الشرق الأوسط. الخميس - 27 جمادى الآخرة 1447 هـ - 18 ديسمبر 2025  https://aawsat.com/node/5220662  

11/12/2025

بين هويتين .. مغلقة ومفتوحة

 صادفت هذا الاسبوع مقالين: أحدهما "الهوية الإسلامية والمؤامرة عليها" للدكتور ناصر دسوقي رمضان ، وقد نشر في 2009. اما الثاني فهو "الحق في الكرامة والهوية المغلقة" للدكتور عبد الجبار الرفاعي ، ونشر الأسبوع الماضي.

كلا المقالين يعالج مسألة مثيرة للجدل ، تنطوي في سؤال: هل يمثل الدين هوية خاصة لاتباعه ، تنفي الهويات الأخرى او تزاحمها ، ام انه ، على العكس: هوية مفتوحة ، تتفاعل مع غيرها ، او على الأقل تقبل مجاورتها والتداخل معها؟.

عبد الجبار الرفاعي

القائلون بأن الدين هوية متفردة ، يعتبرون السؤال ذاته دينيا. أي ان الهوية ، من حيث المبدأ ، موضوع ديني ، وينبغي ان يأتي تكييفه من داخل الدين. بناء على هذا فان الدين يضع نفسه وأتباعه في دائرة خاصة ، تفصلها حدود واضحة عن بقية الانتماءات ، بما فيها الانتماء العائلي والقبلي والمهني والسياسي والقانوني وغيره. هذه الحدود ليست مجرد اختلاف في الأفكار ، بل مخالفة في النظام الاجتماعي والتراتب وحتى نمط العيش.

أما التصور الثاني فيقود منطقيا الى الاستنتاج ، بان الدين - في ذاته - أداة تواصل او موضوع تواصل بين المختلفين. وفقا لهذه الرؤية فان الانتماء للدين ، يعني ان تصعد الجسر الذي يوصلك الى بقية الخلق ، بشرا ونباتا وحيوانا وجمادا ، من خلال استيعاب النظام الكوني الذي خلقه الله وسخره للإنسان ، والقيم العليا التي يقبلها كافة بني آدم ، بغض النظر عن أديانهم وأعراقهم او بلدانهم.

يركز الفريق الأول على "تمايز" المسلمين عن غيرهم. وهو يصرف هذا التمايز الى مختلف أطراف الحياة. لكنه - في التطبيق – يقصر اهتمامه على التمايز المظهري ، كما في اللباس واللغة والهيئة وأمثالها. وبناء على التمايز ، فانه يرجح الانقطاع او حتى المنازعة ، كمضمون للعلاقة مع المختلفين ، ولا سيما اتباع الأديان التي تبدو منافسة. وفي الوقت الراهن يمثل الصراع مع الغرب الثقافي والحضاري ، مادة أثيرة للنقاش والتعبئة عند أهل هذه الرؤية ، لكنه – لنفس السبب المذكور – صراع يدور حول الجوانب المظهرية ، وليس – على سبيل المثال – الاقتصاد والعلم والابتكار وحقوق الانسان وامثالها. كما ينظر للغرب باعتباره مسيحيا او يهوديا ، أي دينا منافسا ، وليس باعتباره حضارة مختلفة ، يمكن التفاعل معها او الاستفادة من تجربتها.

في المقابل يدعو الرفاعي لهوية منفتحة ، تسمح بمشاركة الاخرين ، بمن فيهم اتباع الأديان الأخرى ومن لا يتبع دينا على الاطلاق. ويرى ان النموذج الذي يعرضه القائلون بتفرد الهوية الدينية ، قد ساهم في تحويل الدين الى أيديولوجيا مغلقة ، أشبه بقلعة ، يتعارف الناس في داخلها ، وينكرون المختلفين الذين في خارجها.

تقديم الدين كهوية منفتحة ، وقادرة على التفاعل مع الهويات والأديان والايديولوجيات المخالفة ، يعني ان الجوانب المظهرية والشكلية ، أي تلك العناصر الحياتية التي تميز المسلمين عن غيرهم ، ليست جزء من جوهر الدين ، بل هي وعاء لحياة اتباعه ، يرتبط بظرفهم المعيشي فحسب.

هذا المفهوم مقبول من حيث المبدأ ، في الماضي والحاضر ، ونعرفه باسم تأثير الزمان والمكان في الاجتهاد ، وقابلية الاحكام الشرعية للتشكل بحسب ضرورات الظرف الخاص للمكلفين. لكن هذه القاعدة ، أي تأثير الزمان والمكان ، لم تتحول الى قاعدة حاكمة ، بل بقيت هامشية في معظم العمل الفقهي المعاصر. وتظهر هامشيتها في جعل نصوص الكتاب والسنة ، متراسا لمنع التصرف في الاحكام التي لم تعد مناسبة لحاجات المسلمين وضرورات حياتهم المعاصرة. فكلما احتاج المسلمون الى حكم جديد ، بحثوا في منطوق النص وليس في حكم العقل كما يفترض.

اعتقد ان القول بالهوية المنفتحة ، يسنده أصل سابق للدين ، وهو اعتبار التعرف والتعارف وكسب المعرفة ، علة لخلق الناس مختلفين ، كما ورد في التنزيل الحكيم "وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا". فهل يمكن للدين ان يلغي علة من علل الخلق والتكوين الرباني؟.

الخميس - 20 جمادى الآخرة 1447 هـ - 11 ديسمبر 2025 م

https://aawsat.com/node/5218228

مقالات ذات صلة

أزمة هوية؟
اشكالية الهوية والتضاد الداخلي
 اعادة بناء القرية .. وسط المدينة
الاقليات والهوية : كيف تتحول عوامل التنوع الى خطوط انقسام في المجتمع الوطني
أن نفهم الآخرين كما هم لا كما نتصورهم
بين هويتين
تأملات في حدود الفردانية
تكون الهوية الفردية
جدل الهوية الفردية وتأزماتها
حزب الطائفة وحزب القبيلة
حول أزمة الهوية
حول الانقسام الاجتماعي
الخيار الحرج بين الهوية والتقدم
الدين والهوية ، خيار التواصل والافتراق
سجناء التاريخ
عن الهوية والمجتمع
فيديو : نادر كاظم وتوفيق السيف حول اشكالات الهوية
القبيلة والطائفة كجماعات متخيلة
كيف تولد الجماعة
الهوية المتأزمة


04/12/2025

قصة أبينا آدم

في يناير 1998 نشر الدكتور عبد الصبور شاهين كتابه "أبي آدم.. قصة الخليقة بين الأسطورة والحقيقة" فأثار ضجة واسعة بين الملتزمين بالرؤية التقليدية للخلق. ورفعت دعاوى عديدة أمام المحاكم ، طالب بعضها بمنع الكتاب ومصادرته ، وطالبت أخرى بالحكم على المؤلف بالردة أو الاستتابة من الكفر. ونقل شاهين طرفا من هذا الجدل في الطبعات التالية للكتاب.

لم يكن شاهين متخصصا في البيولوجيا أو الوراثة أو تاريخ الانسان. ولذا يصعب اعتبار عمله علميا ، من هذه الزاوية. لكنه خبير في اللغويات والتراث الإسلامي. وقد استثمر خبرته في إعادة تفسير القرآن والسنة النبوية ، للتدليل على رؤيته المعارضة للفهم الموروث لقصة الخلق الأول. وهو يرجع اهتمامه بهذا الموضوع ، الى رغبته في تنظيف التراث مما أسماه التفسيرات المتأثرة بالاسرائيليات والخرافة ، بالاعتماد على قراءة جديدة لمصادر الدين نفسه. يقول في مقدمته للطبعة الثانية:

"أردت أن أدق رأس الأفعى الإسرائيلية اللابدة في الثقافة الإسلامية القديمة ، ممثلة في ما سمي بالإسرائيليات ، وهي لا تعدو أن تكون أساطير خرافية ، تسللت إلى الفكر الإسلامي ، وإلى عقل الإنسان المسلم ، فاعتمدها أئمة من أهل التفسير. ومن خلال تلك التفاسير ، سكنت في منطقة المسلمات من العقل المسلم ، وهي في الواقع أفعى إسرائيلية ، اعتنقها كثير من الرجال ممن لم يعملوا عقولهم في تحليل نصوص القرآن".

الفرضية المحورية للكتاب ، هي التمييز بين البشر كجنس قديم ، والانسان كجنس حديث. وقال ان آدم ابن لرجل وامرأة من البشر ، وهو أبو الانسان وليس أبا البشر ، ويتميز الانسان عن سلفه البشري بما ذكره القرآن ، من أوصاف كالعقل وحسن التقويم واحتوائه نفحة من روح الله ، وهذه كانت مفقودة في البشر السابق له.

نصر حامد ابو زيد

حديث الدكتور شاهين هذا ليس الأول من نوعه. لكنها على الارجح ، المرة الأولى التي نشهد فيها عالما مسلما ، يعارض علنا التفسير المتوارث لقصة الخلق ، مستندا إلى النص الديني نفسه. وهو في هذا يواجه كافة المفسرين والمؤرخين المسلمين.

ويبدو ان شاهين لم يتوقع رد الفعل العنيف الذي قوبل به ، فهو أكاديمي عريق وكان اماما لمسجد شهير في القاهرة. ولهذه المناسبة قالت الصحف المصرية انه شرب من ذات الكأس التي سقاها زميله د. نصر حامد أبو زيد ، الذي كان قد اقترح قراءة جديدة للنص القرآني ، على ضوء "الأفق التاريخي للمتلقي" وهو المنهج المعروف بالهرمنيوتيك الفلسفي ، الذي يركز على مبدأ التواصل بين النص والقاريء ، وإمكانية العبور من اللفظ الظاهر الى الرسالة الداخلية التي يختزنها النص. المضمون الداخلي – وفقا لهذه الرؤية - متعدد المستويات ، ويتأثر فهمه بالظرف الخاص للقاريء ، أي ظرفه الزماني والاجتماعي والتحديات التي يواجهها ، فضلا عما يتوقعه من وراء القراءة وعلاقته بصاحب النص.

تفجرت قضية أبو زيد حينما قدم طلبا للترقية الى رتبة أستاذ في جامعة القاهرة. فقرأ شاهين ابحاثه ، وقرر انها تنتهك قواعد التفسير والكلام الديني ، وتساوي بين كلام الله وكلام خلقه وتسمح بنقد القرآن. وقيل انه سرب هذه الاتهامات الى الصحافة ، التي حولت أبو زيد الى مرتد ومناويء للدين في نظر عامة الناس. ثم رفع احد المحامين دعوى امام المحكمة ، تطلب إعلان ردته وفسخ زواجه ومصادرة أمواله ، مما اضطر أبو زيد لهجران بلده الى هولندا ، حتى وفاته قبل شهرين من وفاة غريمه.

قبل كتابه "أبي آدم" التزم عبد الصبور شاهين بأعراف التيار الديني التقليدي. ولم يظهر ميلا واضحا لمراجعة التراث الإسلامي او نقد الافهام الموروثة. في شبابه المبكر ترجم كتابين لمالك بن نبي ، يتضمنان رؤية نقدية للثقافة السائدة. لكنه سرعان ما اختلف معه. ولذا يمكن القول ان "ابي آدم" كان استثناء في المسار العام لمنهجه الفكري ، وخصوصا دعوته للتحرر من تقاليد قدامى المفسرين. هذه الدعوة تقارب رؤية نصر حامد أبو زيد. فهل كانت معركته معه مدخلا لتغيير رؤيته لمنهج التفسير بشكل عام؟.

 

الخميس - 13 جمادى الآخرة 1447 هـ - 4 ديسمبر 2025 م

https://aawsat.com/node/5215773

27/11/2025

سيرة الانسان العاقل

 

لفت انتباهي هذا الأسبوع حديث قصير بعنوان "العقل الذي يخدعنا .. هل نثق به" للأكاديمي المعروف الدكتور صالح زياد ، على قناته في يوتيوب. وهذه حلقة في سلسلة حول مفهوم العقل ، خصصها للمقارنة بين مفهوم قديم ، فحواه ان العقل جوهر مستقل عن الجسد والمحيط ، وان استقلاله يتيح له ان يكون حاكما محايدا على ما سواه ، مقابل مفهوم حديث يركز على حدوده ، ولا سيما التأثير العميق لتجربة الانسان الحياتية ، والمحيط العائلي والاجتماعي على ما نسميه "التفكير".

د. صالح زياد

وقد شرح الدكتور صالح الفكرة ، فجعلها سهلة المنال ، مع ما تنطوي عليه من تعقيد في الأصل. وودت ان اضيف شيئا الى تلك المقاربة ، مركزا - كما سيأتي - على التصور الحديث لمفهوم العقل ، وما يواجه من تحديات وقيود ، حيث يشكل الصراع بين إرادة الانسان لادارة حياته ، وبين تلك التحديات والتقييدات ، جوهر النشاط العقلي ، وهو أيضا الحقل الذي يشهد ولادة الأفكار الجديدة. 

السلوك الإنساني ، وهو عفوي في معظمه ، انعكاس لصورة العالم في ذهن الانسان. ان فهم الظواهر الاجتماعية ، أي نتائج السلوك البشري في النطاق الاجتماعي ، يبدأ بافتراض مسبق ، فحواه أن هذا السلوك يتحرك بين دافعين: الاهواء والنزعات الانفعالية ، التي نعرفها عموما باسم "العاطفة" ، والحس السليم ، الذي نعرفه عموما باسم "العقل". ليس من الانصاف ، الادعاء بان العقلاني هو فقط ما ينتجه الحس السليم ، وأن الاهواء والنزعات ينتجان على الدوام قرارات غير عقلانية.

نعلم ان العاطفة هي الهدف الذي تتجه اليه الدعاية بمختلف مقاصدها ، السياسية والتجارية والأيديولوجية وغيرها ، فالدعاية كما نعلم لا تركز على اقناع الناس بقضايا مثبتة علميا او منطقيا ، بل تحاول استثارة عواطفهم وغرائزهم كي يستجيبوا لما تريده منهم. ولهذا أيضا يميل كثيرون الى اعتبار الأهواء والنزعات العاطفية والغريزية ، أقوى أثرا في قرارات الانسان وحياته اليومية. لكن اطلاق هذا القول على عواهنه لا يخلو من مبالغة.

لا نريد هنا نفي التأثير الكبير للعاطفة. بل تأكيد حقيقة ان هيمنة الحس السليم/العقل عليها ، تظل – في الصورة الكبيرة – اقوى واعمق أثرا. إن اقوى دليل على ان الانسان اكثر استجابة لدواعي العقلانية في المعنى الثاني ، أي اتباع الحس السليم ودواعي الخير في نفسه ومحيطه ، هو التقدم الذي حققته البشرية خلال تاريخها الطويل ، التقدم على مستوى العلوم والفنون ونظم المجتمع ، وعلى وجه الخصوص الإقرار المتبادل بحقوق الآخرين ، حتى في حال العداء والحرب ، كما هو الحال في اتفاقيات جنيف لعام 1949 والبروتوكولات الملحقة ، التي تشكل في مجموعها إطار عمل يسنده اتفاق بين جميع دول العالم ، على القواعد الضرورية للتخفيف من وحشية الحرب ، مثل ضمان سلامة الأشخاص الذين لا يشاركون في القتال ، رغم وجودهم في الميدان (المدنيون والمسعفون وموظفو الإغاثة) وكذا الجنود العاجزون عن القتال بسبب الجروح أو الاسر او غيرها. ومثله أيضا التقدم الواسع في مجال التعاقدات والضمانات العرفية والقانونية للعقود ، فضلا عن الإقرار الاجتماعي بحقوق الافراد والجماعات. فهذه وتلك تبرهن على ان الحس السليم واعتماد التضامن والتكافل والانصاف بين البشر ، كان ولا يزال هو الغالب على حياتهم وتعاملاتهم ، اذا أخذنا بعين الاعتبار مسارا تاريخيا طويلا.

ليس مستبعدا إن يكون المسار التقدمي للبشرية عبر التاريخ ، نتاجا لتجربة الصراع بين العاطفة والعقل. وفقا للفيلسوف البريطاني فريدريك فون هايك ، فان السلوكيات التي ترمز للعقلانية ، مثل الوفاء بالعهود ، كانت ثمرة لاكتشاف الانسان مبكرا ، بأن التبادل مع الآخرين يسهل حياته وأن استمراره وتطويره ، يقتضي التزام كافة الأطراف بالواجبات التعاقدية. وفقا لهذه الرؤية فان الهيمنة النسبية للعقل على حياة الانسان اليومية ، مكنته من التكيف مع متطلبات الحياة وما يتولد في سياقها من تحديات ، وجعلت حاضره خيرا من ماضيه.

الخميس - 06 جمادى الآخرة 1447 هـ - 27 نوفمبر 2025     https://aawsat.com/node/5213279

مقالات ذات صلة  

اصلاح العقل الجمعي
اناني وناقص .. لكنه خلق الله
تعريف مختلف للوعي/ تحييد صنم القبيلة
الرزية العظمى
العقل الاخباري
عقل الصبيان
العقل المساير والعقل المتمرد
العقل المؤقت
ما رايك في ماء زمزم؟
من العقل الجمعي الى الجهل الجمعي
من تقليد الى تقليد ، عقل معماري وعقل هدام
هل العقل كاف لانتاج القيم والاحكام؟
هل جربت صنم الكهف؟

20/11/2025

هل نتحدث في الفلسفة ام خدمات البلدية؟

تحدثت يوما الى رئيس بلدية ، في موضوع أظنه معروفا لمعظم القراء الأعزاء ، وهو "تفريغ الميزانية" الذي وجدته متعارفا في العديد من دول العالم ايضا. فحوى هذه الفكرة ان وزارة المالية تمنح رصيدا ماليا محددا للخدمات البلدية لكل مدينة. ويجب ان يصرف الرصيد بكامله قبل نهاية السنة. فاذا تبقى جزء منه ، فسوف تخفض ميزانية البلدية للسنة التالية ، بنفس المقدار.  ويقال عادة ان البلدية التي لا تستطيع صرف ميزانيتها ، قليلة الكفاءة او قليلة العمل. ولهذا السبب يحرص رؤساء البلديات على "تصفير" حساباتهم قبل دخول العام الجديد ، أي جعل المصروف الفعلي مساويا للدخل الفعلي ، خلال العام الجاري.

كنت قد لاحظت في الربع الأخير من العام ، ان معدات المقاولين احتلت شوارع رئيسية ، وبدأت في جرف الاسفلت وفرش اسفلت جديد ، مع ان القديم لم يكن سيئا جدا. قلت لرئيس البلدية انه كان الاجدر توجيه اعمال الصيانة هذه الى شوارع القرى والاحياء المحيطة بالمدينة والطرق الزراعية ، التي لم تحصل على صيانة منذ سنوات. فأجابني بأن الشارع الرئيسي الذي ذكرته ، يخدم مليوني شخص سنويا ، اما طرق القرى فلا تخدم سوى بضعة آلاف. أي ان قيمة الناتج هناك ستكون اكبر قياسا الى نفس المبلغ من المال.

قلت هذه القصة لصديق متخصص في التخطيط العمراني ، فأجابني مؤيدا رأي رئيس البلدية ، لنفس السبب. وكنت يومذاك أتبنى فكرة التوزيع المتوازن للخدمات العامة ، لتقليل النزيف الديمغرافي من الريف نحو المدينة. وكتبت حول اللامركزية الإدارية ، انطلاقا من ضرورة الحفاظ على التوازن السكاني ، ومن ثم التوازن الاقتصادي.

لكني انتبهت حديثا الى أن أكثر المخططين والمدراء ، متأثرون بالرؤية المبنية على معادلة الكلفة-العائد cost-benefit analysis وهي المعادلة التي بنيت عليها الفلسفة النفعية ، وقد أشرت اليها في مقالات سابقة.

جواب رئيس البلدية السابق الذكر ، ترجمة دقيقة للنظرية النفعية ، التي تقول بأن الفعل الصحيح هو الفعل المؤدي الى أكبر منفعة لأكبر عدد من الأشخاص. فاذا كان المليون ريال هنا سيخدم مليون شخص ، بينما يخدم في القرية عشرة آلاف شخص ، فان صرفه في المدينة هو الفعل الخير والصحيح.

أظن ان كثيرا من الناس سيتبنى نفس الرؤية ، لأنها تبدو عقلانية تماما. لكني لا أراها كذلك ، للسبب الذي اشرت اليه ، أي ضرورة التوزيع المتوازن للخدمات العامة. ومبرر هذا لا يخفى على اللبيب. وتكشف تجربة الدول النامية جميعا ، وبينها الدول العربية ، عن المعضلة الكبرى التي اثمر عنها تركيز الخدمات العامة في المدن ، والتقييم المالي (معادلة الكلفة – العائد) لهذه الخدمات. فخلال نصف القرن الأخير هجر الملايين من سكان الريف قراهم ، وأقاموا في أحياء غير منظمة غالبا في حواشي المدن الكبرى. ونعلم ان العديد من العواصم العربية تعاني من العبء الشديد للتوسع الفوضوي الذي ترتب على ذلك. قد رأيت هذا الحال في بغداد ودمشق والقاهرة والجزائر.

التوسع الفوضوي للمدن الكبرى يزيد الأعباء الاقتصادية على البلد ، لأنه يقلص القاعدة الإنتاجية ، ويهدم الأعراف الناظمة للعلاقات الاجتماعية ، والتي تلعب دور الواقي من الانكسارات والانحراف السلوكي للافراد.

-         ما العمل اذن.. هل نضع تفضيلات تحابي اعدادا قليلة من المواطنين ، على حساب الأكثرية؟.

 اظن ان صياغة السؤال على هذا النحو ، مدخل للجواب الخطأ. التوزيع المتوازن للخدمات العامة يؤدي الى نتائج تخدم شرائح كبيرة ، لكن ضمن منظور مختلف ، مثل تقليل الكلف الصحية والوقاية من الجريمة والنزاعات الاجتماعية ، فضلا عن تعزيز القاعدة الإنتاجية للاقتصاد الوطني. عدا هذه الفوائد التي يمكن قياسها بالمال ، فثمة عنصر لا يقل أهمية ، ألا وهو تعزيز الانتماء الوطني ، وإقامة العدالة الاجتماعية التي تعني – بالضرورة – تساوي الجميع في التمتع بالفرص والإمكانات المتاحة في المجال العام.

هذا ليس مجرد رأي في الفلسفة ، بل هو تأكيد على الصلة الوثيقة بين برامج العمل ، والقيم الكبرى الناظمة لعلاقة المجتمع بالدولة.

الخميس - 29 جمادي الأول 1447 هـ - 20 نوفمبر 2025

https://aawsat.com/node/5210716

 

06/11/2025

ماذا يفعل السياسيون؟

"السياسة بوصفها حرفة" رسالة صغيرة الحجم ، وهي في الأصل محاضرة مطولة القاها عالم الاجتماع المعروف ماكس فيبر ، امام اتحاد الطلبة بجامعة ميونيخ في 1919. نالت الرسالة شهرة واسعة في النصف الثاني من القرن العشرين ، مع بروز الدراسات المكرسة لتفسير الفعل السياسي واخلاقياته. ويظهر ان فيبر استهدف في تلك المحاضرة ، تعزيز الاتجاه العقلاني ، في مواجهة الميول المثالية التي تشيع عادة بين الطلبة الجامعيين. وكان هذا ضروريا عقب الهزيمة المذلة لألمانيا في الحرب العالمية الأولى ، حيث شاع اتجاه قومي متطرف ، يقال انه وفر – لاحقا – أرضية ثقافية استثمرتها تيارات سياسية شعبوية ، مثل التيار النازي الذي تزعمه أدولف هتلر.

الرسالة الداخلية لتلك المحاضرة هي: من يريد احتراف العمل

ادولف هتلر
السياسي ، فعليه ان يستوعب الفوارق الجوهرية بين الوعظ والسياسة. ممارسة السياسة شيء مختلف تماما عن الكلام السياسي ، كما انه مختلف عن الحرف الأخرى. ان أردت المحافظة على اخلاقيات بسيطة ، فان السياسة ليست المكان المناسب ، فهي مكان للاخلاقيات المركبة ، حيث يجد المرء نفسه امام خيارات عسيرة بين السيء والأسوأ ، وليس بين الحسن والسيء ، وهو في كل حالة مضطر لاتخاذ قرار ، والا فقد دوره في هذا المجال.

جوهر السياسة – يقول فيبر – هو ارتباطها بأدوات الجبر والعنف. حين تكون في دار العبادة ، ستسمع تحذيرا من الاعمال التي تصنف في خانة الإساءة للغير ، او ظلم الضعيف او تخريب البيئة وأمثالها. وسيخبرك الواعظ ان هذه الأفعال تستدعي غضب الله والعقاب في الآخرة. واذا كنت في المدرسة ، فسوف يخبرك الأستاذ ان مخالفة أنظمة المرور والبناء وأمثالها قد تؤدي الى احتمال غرامات وخسائر ، وربما السجن. في كلا الحالين يركز المتحدث على ارشاد المستمعين ، واقناعهم بتجنب الأفعال التي تعرضهم للاذى. اما رجل السياسة فلا يصرف وقتا في اقناع أحد ، بل يتخذ قرارات توضح بجلاء ان من يخالفها سوف يتعرض للعقاب. الفارق اذن بين رجل السياسة وغيره ، ان هذا يهدد بالعنف المباشر وهو يملك أدواته. أما الواعظ والأستاذ فدورهم يقتصر على "لفت نظر" المستمعين الى العواقب المحتملة لأفعالهم.

بعبارة أخرى فان جوهر العمل في المجال السياسي ، هو الزام الناس بما يريده رجل السياسة ومنعهم مما لا يريده. قد تتوافق هذه الأوامر مع ارادات الناس في بعض الأحيان ، لكنهم في معظم الحالات ، يفعلون ما يأمرهم رجل السياسة خوفا من العقاب.

-         ما الذي يدعو ماكس فيبر لهذا الحديث؟

أشرت في المقدمة الى رغبته في معالجة الميول المثالية التي تلبس ثوب الاخلاق الكاملة. مع انها في حقيقة الأمر بعيدة جدا عن واقع الحياة وحاجاتها. بعبارة أخرى فاننا جميعا نتمنى الخلاص النهائي من الجبر والخشونة في كافة المعاملات: المعاملات بين الآباء والأبناء ، بين الأصدقاء والجيران ، بين التجار والمستهلكين ، بين رجال الدولة والمواطنين ، أو بين مواطني هذه الدولة وغيرهم من مواطني الدول الأخرى. هذه أمنية. لكن في واقع الحياة ، يستحيل إدارة البلاد من دون التلويح بأدوات الجبر ، في بعض الأحيان ، بل في غالب الأحيان.

هذا أمر لا أظن عاقلا ينكره. لكن العاقل سيخشى الانزلاق من "التلويح" بالعنف الى استعماله بشكل مبتذل ، أي تحويله من أداة في الخلفية الى أداة وحيدة للتعامل مع الناس. من ذلك مثلا ان تترك الحديث مع الناس ، الى تهديدهم بالسجن والتغريم وغير ذلك ، في كل صغيرة وكبيرة.

على الجانب الآخر ، فانه ليس متوقعا ان يلبس السياسي ثوب الواعظ ، أي ان يتخلى عن حل المشكلات ولو بالعنف ، لأنه ان فعل ذلك فقد فرط في دوره الرئيس ، أي إدارة البلد ، ولا أظن أحدا يريد أن يرى حاكما منصرفا الى الوعظ بدلا عن ممارسة الحكم ، حتى لو كان العنف مضمونا له.

الشرق الأوسط الخميس - 15 جمادي الأول 1447 هـ - 6 نوفمبر 2025 م https://aawsat.com/node/5205609

30/10/2025

انخفاض الخصوبة وتحدي الهوية


هذه خلاصة نقاش حول العوامل البنيوية التي تضغط على توجهات السياسة في أوروبا الغربية في الوقت الحاضر. وتلعب هذه العوامل أدوارا متفاوتة في كافة المجتمعات الصناعية ، كما انها تمثل تجربة متقدمة للمجتمعات التي تتجه نحو الاقتصاد الحديث بشكل عام.

يجدر الإشارة أولا الى فائدة التمييز بين نوعين من التحليل السياسي ، اكثرهما شيوعا هو الذي يركز على التجاذب بين الاطراف الفاعلة في الميدان ، بناء على ان نتائج التجاذب ، وما يكسبه كل طرف وما يخسره الآخر ، هو الذي يشكل الصورة الواقعية للحياة السياسية. اما النوع الثاني فهو الذي يركز على العناصر الجيوسياسية ، أي مصادر القوة وأسباب الضعف الثابتة ، التي لا تتغير بتغير الحكومة ولا البرامج السياسية. فهذه المصادر والأسباب تواصل تأثيرها في المشهد السياسي ، أيا كانت المجموعة الحاكمة.

سوف أركز في هذه الكتابة على انخفاض معدل الخصوبة. وهو أحد العناصر الجيوسياسية المؤثرة على مسارات السياسة. واشرحه مع الاخذ بعين الاعتبار تفاعله مع نموذج "دولة الرفاه" ، الذي تقوم عليه الدولة الأوروبية. وربما نعود للحديث عنه بشكل مستقل في مقالة قادمة.

معدل الخصوبة هو عدد الولادات المتوقعة لكل امرأة. ويجب ان لا ينزل دون 2.1 مولود لكل امرأة ، للحفاظ على نفس عدد السكان من دون هجرة. ولهذا أطلق على هذا الحد اسم "معدل الخصوبة الاحلالي". ولو اردنا المقارنة ، فان السعودية مثلا تحظى بمعدل مرتفع نسبيا ، أي 2.3 مولود حي لكل امرأة. اما في دول الاتحاد الأوروبي فقد انخفض المعدل الى 1.34 مولود لكل امرأة في عام 2023. معدل الخصوبة مهم ، لأنه هو الذي يحدد قابلية المجتمع لتوفير اليد العاملة الضرورية لتحريك العجلة الاقتصادية. فاذا تناقص عدد المواليد ، تناقص معه عدد الأشخاص المهيئين للعمل ، بينما يزداد بشكل معاكس ، عدد المتقاعدين الذين يحتاجون لم ينفق عليهم. في الوقت الحاضر تصل نسبة كبار السن (65 عاما وأكثر) في الاتحاد الأوربي ، الى 21.6 بالمائة من السكان. وهي نسبة تتصاعد باستمرار.

انخفاض عدد العاملين ، يعني تقلص الحراك الاقتصادي ، ومن ثم انكماش موارد الدولة ، التي تعتمد على الرسوم والضرائب. وهذا يقود طبعا الى زيادة الضغوط على نظام الخدمات العامة ، وتجميد أي توسع او تطوير يتطلب استثمارات كبيرة.

جرب عدد من الدول لا سيما فرنسا والسويد ، تشجيع الانجاب ، لكن هذه السياسات لم تلق نجاحا يذكر. الحل الآخر الذي يبدو معقولا ، هو السماح بالهجرة الواسعة. المانيا مثلا حصلت على 1.5 مليون مهاجر في 2022 و660 الف مهاجر في 2023. وتقول ارقام رسمية ان تدفق 200 الف مهاجر سنويا يضيف للاقتصاد الألماني نحو 100 مليار يورو على المدى الطويل. أي ان الهجرة تولد قيمة اقتصادية صافية ، رغم انها تبدو – في اول الامر – مكلفة. في الوقت الحاضر يمثل المهاجرون 25% من الشعب الألماني.

لكن الهجرة الواسعة ليست بلا تبعات. فقد أطلقت شعورا بالقلق من فقدان الهوية او تحولها. الواقع ان الحكومات الأوروبية تحاول علاج هذا المشكل ، بالتركيز على قيمة التنوع الثقافي باعتباره جزء حيويا من الهوية الوطنية. ولتأكيد هذا الاتجاه تشجع المهاجرين على المشاركة في الحياة السياسية ، وقد تولى بعضهم فعليا مناصب وزارية وعضوية البرلمان. لكن كثيرا من السكان ، لاسيما المحافظين التقليديين ، يتساءلون بقلق: هل سيتحول المهاجرون من محكومين الى حكام او مشاركين في حكم بلدنا؟.

ربما يجيب بعضهم ، لاسيما من السياسيين التقدميين: وماذا في ذلك ، طالما ان المهاجر يعمل مثل المواطن الأصلي ، ويؤدي واجباته الضريبية ، ويشعر ان هذا وطنه ، تماما مثل بقية المواطنين ، فهل نشعر بالقلق لمجرد اختلاف لونه او دينه او طريقة عيشه؟.

على السطح ، تبدو هذه أسئلة بسيطة ويبدو جوابها بديهيا. لكنها تخفي – في واقع الامر – تعقيدا شديدا ، ويختلط فيه المنطق بالعاطفة وانعكاسات التجربة التاريخية ، على نحو يستحيل ان تعالجه الأجوبة البسيطة.

الشرق الأوسط الخميس - 08 جمادي الأول 1447 هـ - 30 أكتوبر 2025 م

https://aawsat.com/node/5203041

16/10/2025

رحلت الحافلة ، فماذا ستفعل؟.

روى شاب مصري موقفا شهده يوم سافر من مكة للرياض في 2023. وخلاصتها انه ذهب للصلاة عندما توقفت الحافلة عند محطة بنزين ، فلما عاد اكتشف انها رحلت ، فاحتار في امره لان حقيبته وأوراقه في الحافلة ، وهو لا يعرف الطريق ولا كيف يتصرف ، فلقيه سائق شاحنة ، سأله عما به ، ثم اخبره ان يهاتف "ادارة امن الطرق". وخلال دقائق وصلت سيارة شرطة ، اخذته الى الحافلة التي اوقفتها الشرطة عند نقطة التفتيش. يقول الرجل في نشرة على "فيس بوك" انه مذهول ، لأن الناس والشرطة كانوا راغبين في مساعدته بكل مودة ، ومن دون ان يعرفوه او يوصي به أحد.

لو سألت أي شخص عن رأيه في هذا الموقف ، لامتدح كافة الأشخاص الذين شاركوا فيه ، وامتدح المجتمع الذي يعزز اخلاقيات الدعم والتكافل هذه. نعلم ان الناس يميلون بقوة للتعاضد حيثما امكنهم ، ويعتبرون هذا من الفضائل والمكارم. وهذا واضح أيضا في عشرات التعليقات على النشرة ، التي أكد أصحابها انهم يعرفون مواقف مماثلة.

هذا لا ينفي طبعا ، ان بعض الناس الذين يحبون سلوكا كهذا ، لن يفعلوه لو كانوا في نفس الموقف ، او لعلهم سيطلبون مقابلا ماليا للمساعدة. وأذكر قصة سمعتها من صاحبها ، وخلاصتها انه يملك سيارة كبيرة يستعملها لسحب السيارات المتعطلة. وقد اعتاد أن يذهب عصر الخميس والجمعة (يوم كان الخميس عطلة) الى منطقة صحراوية يمارس فيها الشباب هواية السباق على الرمال ، التي يسميها اهل بلدنا (التطعيس). يقول الرجل ان عدد السيارات التي تنقلب او تحتاج للمساعدة لايقل عن سبع في كل يوم ، وانه يحدد أجرته عن المساعدة تبعا لماركة السيارة وقيمتها. فالسيارة الغالية يفرض عليها 2000 ريال والرخيصة 500 ريال ، وهكذا. وقال انه يجني معظم دخله من هذا العمل. وفي وسط الكلام ، قال انه كثيرا ما ترك أشخاصا مع سياراتهم ولم يساعدهم ، لانهم لم يدفعوا المبلغ المطلوب. سألته: الم تشعر بتأنيب الضمير حين تترك شابا وراءك وسط الصحراء ، مع سيارة محطمة؟. فاجابني انه لم يندم ابدا ، لأنه في الأساس ذهب للعمل وكسب المال وليس للمساعدة.

افترض ان بعض القراء سيتفهم هذا العذر ، وسيرفضه آخرون ، نظرا للوضع الخاص لطرفي العلاقة ، السائق وطالب العون. سيقول أولئك ان الذين يتسابقون يلهون ويستمتعون بالمخاطرة ، فلماذا نفترض انهم يستحقون العون ، ولا سيما من شخص يعيش على هذا النوع من العمل ، هذا اشبه بصياد سمك ، ندعوه للتبرع بانتاجه لمن يحتاج الاكل ، فاذا فعل ، فمن سيطعم أطفاله؟.

اما الذين يرفضون موقفه ، فسوف ينظرون الى عواقب تركه لاولئك الشبان بمفردهم في الصحراء ، حيث يواجهون مخاطر ، غير مؤكدة لكنها واردة. وهم يفترضون ان على الانسان ان يقدم تنازلات أحيانا ، حتى لو كانت على حساب حاجاته وما هو ضروري له.

أميل الى رؤية المفكر المعاصر "ايزايا برلين" الذي رأى ان الفعل الأخلاقي في موقف كهذا ، ليس واحدا ولا ثابتا. ذلك ان العقلاء يبنون مواقفهم على مزيج من القيم ، مادية ومعنوية ، تتغير مواقعها وتأثير كل منها بحسب تفصيلات المسألة المطروحة فعلا. في المثال الذي امامنا ، يتاثر الموقف بالوقت (ليلا او نهارا) ووجود اشخاص اخرين ، ومدى حاجة الطرف الأول للمال والثاني للعون ، وتوفر البدائل ، ونوعية المخاطبات التي جرت بين الاثنين ، بل حتى طبيعة الأرض والطقس والبعد عن المدينة. تدخل هذه العوامل كلها في تكوين الموقف الأخلاقي الذي يتخذه العقلاء عندما يواجهون حالة كالتي ذكرناها.

ليس من الأخلاقي ان ترهن علاقتك بالناس ، بمقدار ما يدفعون لك. فلعلهم لا يذكرونك يوم يستغنون عنك ، فهل تريد حياة كهذه؟. كما لا يمكن – في واقع الحياة – ان تتحول الحياة كلها الى تطوع وتطوع مقابل ، فهذا يخالف طبيعة الانسان وفطرته.

الشرق الأوسط الخميس - 23 ربيع الثاني 1447 هـ - 16 أكتوبر 2025 م

https://aawsat.com/node/5197804 

09/10/2025

من اقتصاد السوق الى مجتمع السوق

 

في سبتمبر الماضي نشر د. فهد الخضيري ملاحظة للطبيب المصري د. يحي النجار ، يقول فيها انه شهد سيدة فقيرة بحذاء بلاستك تدخل عيادته ، فيصرف خمس دقائق على فحصها ، فتدفع له ما يكسبه زوجها من عمله في أسبوع عمل كامل. ثم يستدرك ان هذا عمل تستحي منه الإنسانية. ولهذا قرر جعل فحص الفقير والطفل اليتيم مجانيا. وقد حصدت الرسالة تفاعلا استثنائيا ، من جانب رواد منصة التواصل الاجتماعي "اكس".

قبل هذا ، في 26 فبراير الماضي ، عثر عامل صيانة ، بمحض الصدفة ، على جثة الممثل الشهير جين هاكمان ، الذي توفي بعد أسبوع تقريبا من وفاة زوجته في الغرفة المجاورة. يرجح ان الزوجة توفيت في 11 فبراير وتوفي هاكمان ، الممثل الحائز على جائزة الاوسكار مرتين ، في 17 فبراير. الجيران الذين تحدثوا للصحفيين ، قالوا ان الزوجين كانا منعزلين ، نادرا ما يزورهما أحد ، رغم ان هاكمان لديه ثلاث بنات من زواج سابق ، وبالطبع ، الكثير من زملاء وأصدقاء العمل. لكن أيا من هؤلاء ومن الجيران ، لم يفتقد الزوجين ولم يسأل عنهما طيلة أسبوعين على الأقل.

جين هاكمان

سيدة على صلة بالزوجين ، قالت فيما يشبه رثاء الذات ، ان حياة الناس تحولت الى ركض وراء المال. حتى العلاقة مع الاهل والأصدقاء باتت تقاس بالعائد او الفاقد المالي ، وكذا الخدمات البسيطة التي اعتاد الناس تقديمها لبعضهم ، تأكيدا للمحبة او الشفقة. فاذا بلغ الشخص خريف العمر ولم يعد مفيدا تجاريا ، فسوف تنتهي حياته الاجتماعية ، وسوف ينتقل الى هامش الحياة ، مثل سيارة قديمة تنقل بعد سنين من الاستعمال ، الى ساحة التشليح او حاشية الطريق.

الذي يجمع بين قصة الطبيب النجار وقصة الممثل هاكمان وامثالها ، هو ان الوقت الاجتماعي بات سلعة. أناس كثيرون باتوا يأبون إنفاق وقتهم في أشياء ضرورية جدا لأشخاص آخرين. يمكن ان يكون هؤلاء الاخرون أبا او اخا او صديقا او مريضا فقيرا او طفلا ، او أي شخص وضعته الحياة في طريقنا ، فهل نحن مستعدون لابطاء حركتنا ، او حتى التوقف من أجل ان نتعرف عليه او نساعده او نعطيه أملا؟.

يعتقد البروفسور مايكل ساندل ، وهو فيلسوف أخلاقي معاصر ، ان المشكل ليس البخل او قلة الأدب او قلة الاكتراث ، بل الانزلاق الذي لا نلاحظه بدقة ، من شعار "اقتصاد السوق" الى واقع "مجتمع السوق".

خلال الخمسين عاما الماضية ، بات اقتصاد السوق قرينا للازدهار والرفاهية. بل ان الفيلسوف المعاصر روبرت نوزيك ، اعتبره سبيلا وحيدا لاقامة العدالة في توزيع الثروة والفرص. وبشكل عام ، ورغم كل عثرات هذا النموذج ، فان التجربة العملية تؤكد فرضية انه الآلية الأكثر كفاءة لتنظيم الإنتاج والتوزيع ، والعون الأكبر لتحويل الأفكار الى محرك للابتكار والثروة.

معظم الناس يدعمون هذه الفكرة. لكن بعضهم أشار دائما الى مجال لا يمكن لاقتصاد السوق ان يعالجه بشكل جيد. خذ مثلا ظاهرة المشردين الذين تعج بهم المدن الكبرى في القارتين الامريكية والأوروبية ، الذين يعيشون في الخرائب او ربما على الرصيف ، لأنهم لا يملكون سكنا ولا المال اللازم لاستئجار مسكن. وخذ أيضا رفض المستشفيات الخاصة علاج حالات طارئة لان المريض ليس مسجلا في نظام التامين الصحي ، حتى ان بعض الناس توفوا في انتظار الموافقات وتأمين الأموال..

يتحول المجتمع الى سوق ، وتمسي الحياة الاجتماعية امتدادا للسوق ، اذا بات كل شيء يشترى بالمال ، بما فيه الصداقة والمحبة والتعاطف والوقت الاجتماعي والكرامة والفرح والحزن والألم والسعادة. قد يبدو هذا الكلام مبالغا نوعا ما. ولحسن الحظ فلازال المجتمع العربي بعيدا عن هذه الحالة. لكن انظر لما تنشره الصحافة ومنصات التواصل الاجتماعي ، من امثلة شبيهة لما ذكرته في السطور السابقة ، ثم سائل نفسك عن مصدر هذه الحالات واسبابها.. سترى الجواب واضحا تماما.

الشرق الاوسط - الخميس - 17 ربيع الثاني 1447 هـ - 9 أكتوبر 2025 م   https://aawsat.com/node/5195279

 

02/10/2025

العقل في المرحلة الأوروبية

العقل المعاصر نتاج لعصر النهضة الأوروبية. لكنه لم ينحصر في أوروبا ، بل بات أقرب الى نموذج كوني ، يمثل حقيقة الانسان في هذه المرحلة من تاريخ البشرية. أعلم ان غير الأوروبيين لا يرتاحون لهذه النسبة. فهي تقلل - ضمنيا - من قيمة اسهامهم  في انتاج الفكر الإنساني والتجربة التاريخية للبشر بشكل عام. وقد يظن بعض المسلمين ان الفارق الديني هو المحرك لكلا الموقفين ، الاستهانة الغربية والرد عليها. لكني وجدت مفكرين من خارج هذين السياقين يعبرون ، صراحة او ضمنيا ، عن موقف مشابه. من يقرأ اعمال امارتيا سن ، الفيلسوف والاقتصادي الهندي الحائز على جائزة نوبل ، سيلاحظ ان الثقافة الهندية حاضرة بكثافة في كل كتاباته تقريبا ، رغم انتمائه للتقليد العلمي الأوروبي.

أمارتيا سن

أردت البدء بهذا التمهيد تنبيها للقاريء الى حدود التعميم الذي سيظهر في ثنايا المقال. والحق اني انظر لتطور مفهوم العقل وانتسابه للحضارات المتعاقبة ، من زاوية لاتتصل ابدا بتقييم تلك الحضارات والمراحل. اعتقد ان تاريخ البشر تجربة واحدة ممتدة ، تتنوع وتتصاعد باستمرار ، وتتشكل في إطارات مختلفة ، لغوية او جغرافية او دينية ، بحسب مايتوفر من عوامل بعث أو خطوط انكسار. من هنا فان الأديان والحضارات والحروب والتجارب العلمية ، تشكل كلها طبقات في بناء واحد. لا شك عندي ان جانبا مهما من نضج الثقافة الإسلامية القديمة وعمقها ، ثمرة لاتصال المسلمين بالثقافات السابقة ، كاليونانية والصينية والهندية والفارسية والافريقية وغيرها. وبالمثل فان الثقافة الاوربية المعاصرة امتداد لتلك الثقافات ومنها الإسلامية. نعلم أيضا ان قابلية الثقافة للتطور ، رهن بقدرتها على التفاعل مع الثقافات المختلفة وإعادة انتاج مفاهيمها ضمن نسيجها المحلي. ولهذا السبب خصوصا ، ذكرت في كتابة سابقة ان ضعف النشر العلمي باللغة العربية ، يرجع في جانب منه ، الى ما أظنه تعقيدا مبالغا فيه للشكل اللغوي والقواعد النحوية والبلاغية ، بحيث باتت فرصة الكتابة العلمية بالعربية ، قصرا على من يجيد قواعدها النحوية والبيانية اجادة تامة.

بالعودة الى صلب الموضوع ، فان العقل المعاصر  يمتاز بسمات أساسية يشكل مجموعها خطا فاصلا عن عصور العقل السابقة. أذكر هنا ثلاثا من تلك السمات:

1-     الفصل بين المعرفة والقيمة. اذ لم يعد التفكير في القضايا ، متقيدا بقيمتها المستمدة من موقعها الاجتماعي او التاريخي او الديني. ربما يتقيد الباحث بقيمه الخاصة في مرحلة مابعد الاستنتاج ، لكنه في مرحلة الملاحظة والبحث وصناعة الفكرة ، ينبغي ان يتحرر من كل قيد. تتعاضد هذه المقولة مع قاعدة ان حرية التفكير والاعتقاد والتعبير ، جزء أساسي في مفهوم كرامة الانسان وقيمته كموجود عاقل.

2-     العقل نفسه ينظر اليه الآن ككون مستقل عن الأرضية الثقافية التي ولد فيها (او بالأحرى ينبغي ان يكون هكذا). لكن نتاج العقل لا يعد مطلقا ولا مستقلا. بات متفقا عليه ان العقل يتشكل بتأثير تجربة الانسان الحياتية ، التي تعكس الى حد كبير شروط بيئته وما يتجاذب فيها من تيارات. من هنا فان نتاج العقل لم يعد تعبيرا عن الحقيقة ، بل هو معرفة مؤقتة او رأي شخصي ، قد يتحول الى توافق عام اذا عبر القنوات الخاصة بتعميم الأفكار ، كمؤسسات الصناعة والبحث العلمي والهيئات التشريعية.

3-     التمييز بين استقلال العقل في الأصل ، وتبعيته الواقعية لشروط البيئة الاجتماعية ، تظهر أهميته في التمييز الضروري بين دورين يقوم بهما ، دور يسمى "العقل العملي" ووظيفته فيه هي ربط الانسان بما حوله وتيسير حياته ، أي ادراجه في شبكة الأعراف السائدة ، ودور يسمى "العقل النظري" ووظيفته نقد اعراف وتقاليد البيئة والثقافة ، ومحاولة تحرير الانسان من قيودها بإنتاج بدائل لها ، تتحول بالتدريج الى تقاليد في دورة اعلى ، وهكذا. العقل اذن تابع في مرحلة ومتمرد في مرحلة تالية.

 هذا ما اتسع له المقام. ولعلنا نعود للموضوع في قادم الأيام.

 الشرق الاوسط الخميس - 10 ربيع الثاني 1447 هـ - 2 أكتوبر 2025 م   https://aawsat.com/node/5192734

مقالات ذات صلة

اسطورة العقل الصريح والنقل الصحيح
اصلاح العقل الجمعي
اناني وناقص .. لكنه خلق الله
تعريف مختلف للوعي/ تحييد صنم القبيلة
الثقافة كصنعة حكومية
الرزية العظمى
العقل الاخباري
عقل الصبيان
العقل المساير والعقل المتمرد
العقل المؤقت
ما رايك في ماء زمزم؟
من العقل الجمعي الى الجهل الجمعي
من تقليد الى تقليد ، عقل معماري وعقل هدام
هل العقل كاف لانتاج القيم والاحكام؟
هل جربت صنم الكهف؟
اليد الخفية التي تدير العالم

25/09/2025

العقل الناقص .. العقل المخيف

 بعض القراء الأعزاء افترض ان ما ورد في مقال الأسبوع الماضي ، يدحض حجة الذين انكروا دور العقل في صناعة القيم ، سواء كانت دينية او غير دينية. وقد ذكرت هناك ان العقل هو الذي مهد للإنسان طريق الايمان ، حين اكتشف التوحيد وانطلق منه لفهم الكون والطبيعة. فكيف اتكلنا على العقل في اعظم القيم واعلاها ، وانكرنا دوره في الفرعيات وتفاصيل الحياة؟.

مايكل ساندل

ان التأكيد على محورية العقل وأهمية دوره ، لا يعني ان منكري هذا الدور جهلة او متنطعين. فهم كغيرهم من أهل العلم ، يتبعون منهجا محددا في الوصول للحقائق ، وعلى أرضية هذا المنهج أقاموا حججا قد لا ترضي مخالفيهم ، لكنها ليست بلا أساس. أقول هذا طمعا في اقناع أصدقائي بالانصاف ، حين يجادلون فكرة او يتخذون موقفا. مجادلة الأفكار ليست حربا مع المخالف. ومثلما أعطيت نفسك حقا في تبني فكرة او موقف دون استئذان مخالفيك ، فجدير بك – ان كنت محبا للعدل – ان تقر لهم بنفس الحق ، بلا نقص ولا تطفيف.

الذين أنكروا دور العقل في صناعة القيم الأخلاقية والدينية ، لديهم نوعان من الحجج ، بينهما تداخل واضح. النوع الأول خلاصته ان تلك القيم وظيفتها توجيه الانسان نحو الكمال. فينبغي ان تصدر عن كامل. ونعلم أن  العقل البشري ليس كاملا ولايدعي الكمال. فكيف يكون هذا الناقص صانعا للقيم وميزانا لقياس جودة الصناعة في آن واحد. هذا اشبه بجعل المدعي قاضيا ، او نظيرا لحبيب المتنبي الذي قال فيه "فيك الخصام وانت الخصم والحكم". هذه الرؤية شائعة بين الاتجاهات الدينية ، التي تنادي بجعل تعاليم الوحي مصدرا وحيدا او مرجعا أعلى للقيم الدينية والأخلاقية. لكنهم يتساهلون في منح العقل دورا كاملا خارج هذا الاطار.

اما النوع الثاني من الحجج ، فخلاصته ان عمل العقل يتسم – عموما – بأنه تجريبي ، يتعلم الصحيح بعد ارتكاب الخطأ. الحياة عموما تجربة متصلة ، تتألف من عشرات التجارب الصغيرة تشكل حياة الانسان اليومية. أخطاء التجارب قابلة للاحتمال ، طالما بقيت في إطار الحياة الفردية ، او حتى حياة عدد قليل من الناس. لكن هل يصح تحويل حياة البشرية كلها ، أو حياة بلد بكامله ، الى موضوع لتجربة ذهنية أو مادية ، يجريها شخص واحد او بضعة اشخاص؟.

كنت قد نقلت في نوفمبر الماضي القصة التي ذكرها برنارد ويليامز ، الفيلسوف المعاصر ، عن "جيم" الرحالة الذي وضعته أقداره امام خيار مرير: ان يقتل شخصا واحدا بلا ذنب ، كي ينجو 19 من رفاقه ، او يمتنع فيموت الجميع. أورد ويليامز القصة في سياق نقده للفلسفة النفعية التي تعتبر الفعل صحيحا (أو عادلا) اذا حقق منفعة اعظم لعدد اكبر من الناس ، ولو تضرر جراءه عدد قليل او كان الضرر بسيطا. مثل هذه القصة يتكرر كثيرا في الحياة العامة. وتحدث عن نظائر لها مايكل والزر في مقالته الشهيرة "الفعل السياسي: مشكلة الايدي القذرة" وقد عرضنا لبعض ما ذكره في مقال سابق. كما تحدث عن الموضوع نفسه مايكل ساندل في سلسلة محاضرات بعنوان "ما الذي يصح فعله". والحق ان مواجهة هذا الخيار ليس بالأمر الهين ، لكنه يمثل تجسيدا لنوع من التجارب الحياتية التي يواجهها الناس يوميا في اطار حياتهم الخاصة ، ويواجهها السياسيون والعلماء حين يخوضون تجارب يتأثر بها ملايين من الناس.

ترى ما الذي ينبغي للرحالة ان يختار. اعلم ان كثيرا من الناس سيختار قتل فرد واحد كي ينجو البقية. لكن هل هذا هو الفعل الصحيح؟. مثل هذه التجارب العسيرة التي تتداخل فيها مبررات عقلية وعاطفية وإرادات متباينة ، هي التي تدعو الاخباريين الى اعفاء العقل من هذه المهمة وايكالها الى قوة أعلى يقبل الناس جميعا بخياراتها. هذه القوة هي الخالق سبحانه او قانون الطبيعة ، او أي قوة أخرى لديها مسطرة واحدة لا ترجح أحدا على احد حين تختار.

الشرق الأوسط - الخميس - 03 ربيع الثاني 1447 هـ - 25 سبتمبر 2025 م  https://aawsat.com/node/5190079

مقالات ذات علاقة

"اخبرني من اثق به..."

ثنائية الاتباع والابتداع
حين تكره الدنيا: طريق البشر من الخرافة الى العلم

طرائف التاريخ وأساطيره
عقل الاولين وعقل الاخرين
عن الحاجة إلى تجديد الفقه الإسلامي
عن الدين والخرافة والخوف من مجادلة المسلمات
الفكــرة وزمن الفكـرة

العقل الاخباري

الفعل السياسي: مشكلة الأيدي القذرة

كهف الجماعة
مهابهاراتا.. أعظم ملحمة في تاريخ الانسان
هل العقل كاف لانتاج القيم والاحكام؟
هل جربت صنم الكهف؟

هيمنة الاتجاه الاخباري على الفقه

18/09/2025

العقل الاخباري

 منذ قديم الزمان وحتى اليوم ، عرف المجتمع البشري أشخاصا ، يرون الكون فوضى: أجزاء تتحرك في كل اتجاه ، من دون ترابط بين حركة وأخرى أو تفاعل بين جزء وآخر ، أو سبب أو علة تفسر هذه الحركة او تلك. في الماضي السحيق ظن بعض البشر ان آلهة تغضب او ترضى أو تتصارع ، فينعكس ذلك في حركة النظام الكوني. إله البحر يغضب فيحرك الأمواج العاتية كي تغرق السفن ، أو يرضى فيأتي السمك قريبا من الشواطيء. ويتفاهم إله المطر مع إله الريح فيأتي المطر خفيفا لطيفا ليسقى الأرض العطشى ، فاذا تخاصما تحول المطر سيولا جارفة تهلك البشر والشجر.  

ساهمت الأديان التوحيدية ، ثم الفلسفة ، في اقناع البشر بأن الكون نظام واحد ، متكامل ومعقول ، الامر الذي سمح بالتفكير فيه وفهم العلاقة بين أجزائه. هذه الفكرة حررت العقل البشري من خوف الطبيعة ، وسمحت له بالتطلع لاستثمارها وتسخيرها لتحسين مصادر عيشه. تطور العلوم كان ثمرة لتعمق العقل في فهم الطبيعة ونفوذه الى أعماق قوانينها ، واستيعابه لكيفية انتظامها وتفاعلها مع بعضها.

حين انشق حجاب الغيب وانكشفت أسرار الكون ، برز العقل كقائد لحياة البشر ، فاستبشر به معظمهم. لكن بعضهم شعر بالحيرة إزاء ما سيأتي لاحقا ، وشعر آخرون بالرعب من ان يستثمر فريق منهم القوة الهائلة التي وفرتها عقولهم ، للتحكم في الضعفاء أو حتى استعبادهم. صعود العقل لم يكن مريحا لكثير من الناس.

حوالي القرن الرابع عشر الميلادي ، شهد العالم القديم كله تقريبا ، من غرب اوربا الى الهند ، تراجعا في حركة العلم (ومن ضمنه علم الدين) وصعودا مفرطا في أهمية القوة العسكرية. ونعرف أن هذا النوع من التطورات يؤدي لانحسار الأمان النفسي (الطمأنينة) عند عامة الناس ، فيجري التعويض عنه بنمط ثقافي يلعب دور السلوى والمواساة.

يؤدي بروز هذا النمط الثقافي (نمط السلوى والمواساة) الى شيوع الوظائف التي تخدمه ، وأبرزها تأليف وتلاوة القصص الشعبي (السوالف حسب التعبير الدارج في الخليج) وممارسة السحر وادعاء قدرات خارقة. ويجري تسويق هذا النمط بتضمينه مواعظ وتوجيهات او اقاصيص منتقاة من حوادث التاريخ. ان العامل الأكثر تأثيرا في شيوع ثقافة السلوى وازدهار عمل القصاصين ، هو اخفاق المجتمعات في حل مشكلاتها ، من الفقر الى القهر او الشعور بانسداد الآفاق.

هذه هي الأرضية التي ينبت فيها العقل الاخباري. منطلق العقل الاخباري هو التسليم بمعيارية النص المروي ، وكونه تلخيصا صادقا للنموذج الأمثل. انه عقل ينشد الكمال. لكن ليس من خلال اجتهاده الخاص ، ولا مكابدة الاكتشاف والتعمق في فهم العالم ، بل من خلال مطابقة السلوك الحياتي الحاضر ، بالنموذج الذي جرى تبجيله ، لسبب ديني او دنيوي. جوهر الخطاب هنا يعبر عنه القول المنسوب الى الامام مالك "لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها". وللمناسبة ، فهذا المسلك ليس حكرا على المسلمين ، فكل الأمم فيها تيار واسع يذهب هذا المذهب. ولدى كل منهم مبررات جديرة بالتأمل.

يتسلح العقل الاخباري بمكتبة ضخمة ، مليئة بتراث الأقدمين من نصوص معيارية وآراء وأحكام وتجارب حياتية. هذه المكتبة تحولت الى حياة كاملة عند بعض الناس ، يتحدث بها وعنها ، ويجادل دونها ، ويعيد قراءتها وشرحها ، وتحقيق شروحات السابقين عليها. وثمة جدال ينهض فترة ويتراخى فترة أخرى ، محوره سؤال متكرر بنفس الشكل والجوهر ، فحواه: هل ثمة شيء وراء هذه المكتبة ، نبحث فيه عما يصلح حياتنا ، ام ان معرفة الدين ومراداته وأسراره ، كلها مخزونة في رفوفها؟.

العقل الاخباري شديد الفخر بمكتبته ، فكلما ناقش أحد مسألة من مسائل الدنيا ، استل الاخباري رواية من هنا او هناك ، فشهرها امام المتحدث لايقافه عن كل قول مختلف عما ورد في الرواية. اليس "كل الصيد في جوف الفرا"  كما قال العربي القديم؟.

الشرق الأوسط الخميس - 26 ربيع الأول 1447 هـ - 18 سبتمبر 2025 م

https://aawsat.com/node/5187446

مقالات ذات علاقة

"اخبرني من اثق به..."
الاستدلال العقلي كاساس للفتوى
أصنام الحياة
الاموات الذين يعيشون في بيوتنا
ثنائية الاتباع والابتداع
حين تكره الدنيا: طريق البشر من الخرافة الى العلم
دور الفقيه ، وجدلية العلم والحكم
الـدين والمعـرفة الدينـية
رأي الفقيه ليس حكم الله
طرائف التاريخ وأساطيره
عقل الاولين وعقل الاخرين
عن الحاجة إلى تجديد الفقه الإسلامي
عن الدين والخرافة والخوف من مجادلة المسلمات
الفكــرة وزمن الفكـرة
في رثاء د. طه جابر العلواني
كهف الجماعة
مهابهاراتا.. أعظم ملحمة في تاريخ الانسان
هل العقل كاف لانتاج القيم والاحكام؟
هل جربت صنم الكهف؟
هيمنة الاتجاه الاخباري على الفقه



من يصنع هويتك: انت أم الآخرون؟

توصل البروفسور يوناس فريسن ، بمعهد كاروليسكا في ستوكهلم ، الى أن اجسامنا تتغير كل يوم . ويتغير جسم الشخص البالغ كله تقريبا ، خلال فترة تتراو...