عرض المشاركات المصنفة بحسب التاريخ لطلب البحث دور العقل. تصنيف بحسب مدى الصلة بالموضوع عرض جميع المشاركات
عرض المشاركات المصنفة بحسب التاريخ لطلب البحث دور العقل. تصنيف بحسب مدى الصلة بالموضوع عرض جميع المشاركات

02/10/2025

العقل في المرحلة الأوروبية

العقل المعاصر نتاج لعصر النهضة الأوروبية. لكنه لم ينحصر في أوروبا ، بل بات أقرب الى نموذج كوني ، يمثل حقيقة الانسان في هذه المرحلة من تاريخ البشرية. أعلم ان غير الأوروبيين لا يرتاحون لهذه النسبة. فهي تقلل - ضمنيا - من قيمة اسهامهم  في انتاج الفكر الإنساني والتجربة التاريخية للبشر بشكل عام. وقد يظن بعض المسلمين ان الفارق الديني هو المحرك لكلا الموقفين ، الاستهانة الغربية والرد عليها. لكني وجدت مفكرين من خارج هذين السياقين يعبرون ، صراحة او ضمنيا ، عن موقف مشابه. من يقرأ اعمال امارتيا سن ، الفيلسوف والاقتصادي الهندي الحائز على جائزة نوبل ، سيلاحظ ان الثقافة الهندية حاضرة بكثافة في كل كتاباته تقريبا ، رغم انتمائه للتقليد العلمي الأوروبي.

أمارتيا سن

أردت البدء بهذا التمهيد تنبيها للقاريء الى حدود التعميم الذي سيظهر في ثنايا المقال. والحق اني انظر لتطور مفهوم العقل وانتسابه للحضارات المتعاقبة ، من زاوية لاتتصل ابدا بتقييم تلك الحضارات والمراحل. اعتقد ان تاريخ البشر تجربة واحدة ممتدة ، تتنوع وتتصاعد باستمرار ، وتتشكل في إطارات مختلفة ، لغوية او جغرافية او دينية ، بحسب مايتوفر من عوامل بعث أو خطوط انكسار. من هنا فان الأديان والحضارات والحروب والتجارب العلمية ، تشكل كلها طبقات في بناء واحد. لا شك عندي ان جانبا مهما من نضج الثقافة الإسلامية القديمة وعمقها ، ثمرة لاتصال المسلمين بالثقافات السابقة ، كاليونانية والصينية والهندية والفارسية والافريقية وغيرها. وبالمثل فان الثقافة الاوربية المعاصرة امتداد لتلك الثقافات ومنها الإسلامية. نعلم أيضا ان قابلية الثقافة للتطور ، رهن بقدرتها على التفاعل مع الثقافات المختلفة وإعادة انتاج مفاهيمها ضمن نسيجها المحلي. ولهذا السبب خصوصا ، ذكرت في كتابة سابقة ان ضعف النشر العلمي باللغة العربية ، يرجع في جانب منه ، الى ما أظنه تعقيدا مبالغا فيه للشكل اللغوي والقواعد النحوية والبلاغية ، بحيث باتت فرصة الكتابة العلمية بالعربية ، قصرا على من يجيد قواعدها النحوية والبيانية اجادة تامة.

بالعودة الى صلب الموضوع ، فان العقل المعاصر  يمتاز بسمات أساسية يشكل مجموعها خطا فاصلا عن عصور العقل السابقة. أذكر هنا ثلاثا من تلك السمات:

1-     الفصل بين المعرفة والقيمة. اذ لم يعد التفكير في القضايا ، متقيدا بقيمتها المستمدة من موقعها الاجتماعي او التاريخي او الديني. ربما يتقيد الباحث بقيمه الخاصة في مرحلة مابعد الاستنتاج ، لكنه في مرحلة الملاحظة والبحث وصناعة الفكرة ، ينبغي ان يتحرر من كل قيد. تتعاضد هذه المقولة مع قاعدة ان حرية التفكير والاعتقاد والتعبير ، جزء أساسي في مفهوم كرامة الانسان وقيمته كموجود عاقل.

2-     العقل نفسه ينظر اليه الآن ككون مستقل عن الأرضية الثقافية التي ولد فيها (او بالأحرى ينبغي ان يكون هكذا). لكن نتاج العقل لا يعد مطلقا ولا مستقلا. بات متفقا عليه ان العقل يتشكل بتأثير تجربة الانسان الحياتية ، التي تعكس الى حد كبير شروط بيئته وما يتجاذب فيها من تيارات. من هنا فان نتاج العقل لم يعد تعبيرا عن الحقيقة ، بل هو معرفة مؤقتة او رأي شخصي ، قد يتحول الى توافق عام اذا عبر القنوات الخاصة بتعميم الأفكار ، كمؤسسات الصناعة والبحث العلمي والهيئات التشريعية.

3-     التمييز بين استقلال العقل في الأصل ، وتبعيته الواقعية لشروط البيئة الاجتماعية ، تظهر أهميته في التمييز الضروري بين دورين يقوم بهما ، دور يسمى "العقل العملي" ووظيفته فيه هي ربط الانسان بما حوله وتيسير حياته ، أي ادراجه في شبكة الأعراف السائدة ، ودور يسمى "العقل النظري" ووظيفته نقد اعراف وتقاليد البيئة والثقافة ، ومحاولة تحرير الانسان من قيودها بإنتاج بدائل لها ، تتحول بالتدريج الى تقاليد في دورة اعلى ، وهكذا. العقل اذن تابع في مرحلة ومتمرد في مرحلة تالية.

 هذا ما اتسع له المقام. ولعلنا نعود للموضوع في قادم الأيام.

 الشرق الاوسط الخميس - 10 ربيع الثاني 1447 هـ - 2 أكتوبر 2025 م   https://aawsat.com/node/5192734

مقالات ذات صلة

اسطورة العقل الصريح والنقل الصحيح
اصلاح العقل الجمعي
اناني وناقص .. لكنه خلق الله
تعريف مختلف للوعي/ تحييد صنم القبيلة
الثقافة كصنعة حكومية
الرزية العظمى
العقل الاخباري
عقل الصبيان
العقل المساير والعقل المتمرد
العقل المؤقت
ما رايك في ماء زمزم؟
من العقل الجمعي الى الجهل الجمعي
من تقليد الى تقليد ، عقل معماري وعقل هدام
هل العقل كاف لانتاج القيم والاحكام؟
هل جربت صنم الكهف؟
اليد الخفية التي تدير العالم

25/09/2025

العقل الناقص .. العقل المخيف

 بعض القراء الأعزاء افترض ان ما ورد في مقال الأسبوع الماضي ، يدحض حجة الذين انكروا دور العقل في صناعة القيم ، سواء كانت دينية او غير دينية. وقد ذكرت هناك ان العقل هو الذي مهد للإنسان طريق الايمان ، حين اكتشف التوحيد وانطلق منه لفهم الكون والطبيعة. فكيف اتكلنا على العقل في اعظم القيم واعلاها ، وانكرنا دوره في الفرعيات وتفاصيل الحياة؟.

مايكل ساندل

ان التأكيد على محورية العقل وأهمية دوره ، لا يعني ان منكري هذا الدور جهلة او متنطعين. فهم كغيرهم من أهل العلم ، يتبعون منهجا محددا في الوصول للحقائق ، وعلى أرضية هذا المنهج أقاموا حججا قد لا ترضي مخالفيهم ، لكنها ليست بلا أساس. أقول هذا طمعا في اقناع أصدقائي بالانصاف ، حين يجادلون فكرة او يتخذون موقفا. مجادلة الأفكار ليست حربا مع المخالف. ومثلما أعطيت نفسك حقا في تبني فكرة او موقف دون استئذان مخالفيك ، فجدير بك – ان كنت محبا للعدل – ان تقر لهم بنفس الحق ، بلا نقص ولا تطفيف.

الذين أنكروا دور العقل في صناعة القيم الأخلاقية والدينية ، لديهم نوعان من الحجج ، بينهما تداخل واضح. النوع الأول خلاصته ان تلك القيم وظيفتها توجيه الانسان نحو الكمال. فينبغي ان تصدر عن كامل. ونعلم أن  العقل البشري ليس كاملا ولايدعي الكمال. فكيف يكون هذا الناقص صانعا للقيم وميزانا لقياس جودة الصناعة في آن واحد. هذا اشبه بجعل المدعي قاضيا ، او نظيرا لحبيب المتنبي الذي قال فيه "فيك الخصام وانت الخصم والحكم". هذه الرؤية شائعة بين الاتجاهات الدينية ، التي تنادي بجعل تعاليم الوحي مصدرا وحيدا او مرجعا أعلى للقيم الدينية والأخلاقية. لكنهم يتساهلون في منح العقل دورا كاملا خارج هذا الاطار.

اما النوع الثاني من الحجج ، فخلاصته ان عمل العقل يتسم – عموما – بأنه تجريبي ، يتعلم الصحيح بعد ارتكاب الخطأ. الحياة عموما تجربة متصلة ، تتألف من عشرات التجارب الصغيرة تشكل حياة الانسان اليومية. أخطاء التجارب قابلة للاحتمال ، طالما بقيت في إطار الحياة الفردية ، او حتى حياة عدد قليل من الناس. لكن هل يصح تحويل حياة البشرية كلها ، أو حياة بلد بكامله ، الى موضوع لتجربة ذهنية أو مادية ، يجريها شخص واحد او بضعة اشخاص؟.

كنت قد نقلت في نوفمبر الماضي القصة التي ذكرها برنارد ويليامز ، الفيلسوف المعاصر ، عن "جيم" الرحالة الذي وضعته أقداره امام خيار مرير: ان يقتل شخصا واحدا بلا ذنب ، كي ينجو 19 من رفاقه ، او يمتنع فيموت الجميع. أورد ويليامز القصة في سياق نقده للفلسفة النفعية التي تعتبر الفعل صحيحا (أو عادلا) اذا حقق منفعة اعظم لعدد اكبر من الناس ، ولو تضرر جراءه عدد قليل او كان الضرر بسيطا. مثل هذه القصة يتكرر كثيرا في الحياة العامة. وتحدث عن نظائر لها مايكل والزر في مقالته الشهيرة "الفعل السياسي: مشكلة الايدي القذرة" وقد عرضنا لبعض ما ذكره في مقال سابق. كما تحدث عن الموضوع نفسه مايكل ساندل في سلسلة محاضرات بعنوان "ما الذي يصح فعله". والحق ان مواجهة هذا الخيار ليس بالأمر الهين ، لكنه يمثل تجسيدا لنوع من التجارب الحياتية التي يواجهها الناس يوميا في اطار حياتهم الخاصة ، ويواجهها السياسيون والعلماء حين يخوضون تجارب يتأثر بها ملايين من الناس.

ترى ما الذي ينبغي للرحالة ان يختار. اعلم ان كثيرا من الناس سيختار قتل فرد واحد كي ينجو البقية. لكن هل هذا هو الفعل الصحيح؟. مثل هذه التجارب العسيرة التي تتداخل فيها مبررات عقلية وعاطفية وإرادات متباينة ، هي التي تدعو الاخباريين الى اعفاء العقل من هذه المهمة وايكالها الى قوة أعلى يقبل الناس جميعا بخياراتها. هذه القوة هي الخالق سبحانه او قانون الطبيعة ، او أي قوة أخرى لديها مسطرة واحدة لا ترجح أحدا على احد حين تختار.

الشرق الأوسط - الخميس - 03 ربيع الثاني 1447 هـ - 25 سبتمبر 2025 م  https://aawsat.com/node/5190079

مقالات ذات علاقة

"اخبرني من اثق به..."

ثنائية الاتباع والابتداع
حين تكره الدنيا: طريق البشر من الخرافة الى العلم

طرائف التاريخ وأساطيره
عقل الاولين وعقل الاخرين
عن الحاجة إلى تجديد الفقه الإسلامي
عن الدين والخرافة والخوف من مجادلة المسلمات
الفكــرة وزمن الفكـرة

العقل الاخباري

الفعل السياسي: مشكلة الأيدي القذرة

كهف الجماعة
مهابهاراتا.. أعظم ملحمة في تاريخ الانسان
هل العقل كاف لانتاج القيم والاحكام؟
هل جربت صنم الكهف؟

هيمنة الاتجاه الاخباري على الفقه

18/09/2025

العقل الاخباري

 منذ قديم الزمان وحتى اليوم ، عرف المجتمع البشري أشخاصا ، يرون الكون فوضى: أجزاء تتحرك في كل اتجاه ، من دون ترابط بين حركة وأخرى أو تفاعل بين جزء وآخر ، أو سبب أو علة تفسر هذه الحركة او تلك. في الماضي السحيق ظن بعض البشر ان آلهة تغضب او ترضى أو تتصارع ، فينعكس ذلك في حركة النظام الكوني. إله البحر يغضب فيحرك الأمواج العاتية كي تغرق السفن ، أو يرضى فيأتي السمك قريبا من الشواطيء. ويتفاهم إله المطر مع إله الريح فيأتي المطر خفيفا لطيفا ليسقى الأرض العطشى ، فاذا تخاصما تحول المطر سيولا جارفة تهلك البشر والشجر.  

ساهمت الأديان التوحيدية ، ثم الفلسفة ، في اقناع البشر بأن الكون نظام واحد ، متكامل ومعقول ، الامر الذي سمح بالتفكير فيه وفهم العلاقة بين أجزائه. هذه الفكرة حررت العقل البشري من خوف الطبيعة ، وسمحت له بالتطلع لاستثمارها وتسخيرها لتحسين مصادر عيشه. تطور العلوم كان ثمرة لتعمق العقل في فهم الطبيعة ونفوذه الى أعماق قوانينها ، واستيعابه لكيفية انتظامها وتفاعلها مع بعضها.

حين انشق حجاب الغيب وانكشفت أسرار الكون ، برز العقل كقائد لحياة البشر ، فاستبشر به معظمهم. لكن بعضهم شعر بالحيرة إزاء ما سيأتي لاحقا ، وشعر آخرون بالرعب من ان يستثمر فريق منهم القوة الهائلة التي وفرتها عقولهم ، للتحكم في الضعفاء أو حتى استعبادهم. صعود العقل لم يكن مريحا لكثير من الناس.

حوالي القرن الرابع عشر الميلادي ، شهد العالم القديم كله تقريبا ، من غرب اوربا الى الهند ، تراجعا في حركة العلم (ومن ضمنه علم الدين) وصعودا مفرطا في أهمية القوة العسكرية. ونعرف أن هذا النوع من التطورات يؤدي لانحسار الأمان النفسي (الطمأنينة) عند عامة الناس ، فيجري التعويض عنه بنمط ثقافي يلعب دور السلوى والمواساة.

يؤدي بروز هذا النمط الثقافي (نمط السلوى والمواساة) الى شيوع الوظائف التي تخدمه ، وأبرزها تأليف وتلاوة القصص الشعبي (السوالف حسب التعبير الدارج في الخليج) وممارسة السحر وادعاء قدرات خارقة. ويجري تسويق هذا النمط بتضمينه مواعظ وتوجيهات او اقاصيص منتقاة من حوادث التاريخ. ان العامل الأكثر تأثيرا في شيوع ثقافة السلوى وازدهار عمل القصاصين ، هو اخفاق المجتمعات في حل مشكلاتها ، من الفقر الى القهر او الشعور بانسداد الآفاق.

هذه هي الأرضية التي ينبت فيها العقل الاخباري. منطلق العقل الاخباري هو التسليم بمعيارية النص المروي ، وكونه تلخيصا صادقا للنموذج الأمثل. انه عقل ينشد الكمال. لكن ليس من خلال اجتهاده الخاص ، ولا مكابدة الاكتشاف والتعمق في فهم العالم ، بل من خلال مطابقة السلوك الحياتي الحاضر ، بالنموذج الذي جرى تبجيله ، لسبب ديني او دنيوي. جوهر الخطاب هنا يعبر عنه القول المنسوب الى الامام مالك "لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها". وللمناسبة ، فهذا المسلك ليس حكرا على المسلمين ، فكل الأمم فيها تيار واسع يذهب هذا المذهب. ولدى كل منهم مبررات جديرة بالتأمل.

يتسلح العقل الاخباري بمكتبة ضخمة ، مليئة بتراث الأقدمين من نصوص معيارية وآراء وأحكام وتجارب حياتية. هذه المكتبة تحولت الى حياة كاملة عند بعض الناس ، يتحدث بها وعنها ، ويجادل دونها ، ويعيد قراءتها وشرحها ، وتحقيق شروحات السابقين عليها. وثمة جدال ينهض فترة ويتراخى فترة أخرى ، محوره سؤال متكرر بنفس الشكل والجوهر ، فحواه: هل ثمة شيء وراء هذه المكتبة ، نبحث فيه عما يصلح حياتنا ، ام ان معرفة الدين ومراداته وأسراره ، كلها مخزونة في رفوفها؟.

العقل الاخباري شديد الفخر بمكتبته ، فكلما ناقش أحد مسألة من مسائل الدنيا ، استل الاخباري رواية من هنا او هناك ، فشهرها امام المتحدث لايقافه عن كل قول مختلف عما ورد في الرواية. اليس "كل الصيد في جوف الفرا"  كما قال العربي القديم؟.

الشرق الأوسط الخميس - 26 ربيع الأول 1447 هـ - 18 سبتمبر 2025 م

https://aawsat.com/node/5187446

مقالات ذات علاقة

"اخبرني من اثق به..."
الاستدلال العقلي كاساس للفتوى
أصنام الحياة
الاموات الذين يعيشون في بيوتنا
ثنائية الاتباع والابتداع
حين تكره الدنيا: طريق البشر من الخرافة الى العلم
دور الفقيه ، وجدلية العلم والحكم
الـدين والمعـرفة الدينـية
رأي الفقيه ليس حكم الله
طرائف التاريخ وأساطيره
عقل الاولين وعقل الاخرين
عن الحاجة إلى تجديد الفقه الإسلامي
عن الدين والخرافة والخوف من مجادلة المسلمات
الفكــرة وزمن الفكـرة
في رثاء د. طه جابر العلواني
كهف الجماعة
مهابهاراتا.. أعظم ملحمة في تاريخ الانسان
هل العقل كاف لانتاج القيم والاحكام؟
هل جربت صنم الكهف؟
هيمنة الاتجاه الاخباري على الفقه



11/09/2025

هل العقل كاف لانتاج القيم والاحكام؟

 النقاش الدائر حول "اصنام العقل" الأربعة ، الذي عرضنا طرفا منه في الأسبوعين الماضيين ، محركه سؤال محوري ، شغل بال المفكرين قرونا متطاولة. فحوى السؤال: هل يمكن الاعتماد التام على العقل في انتاج القيم الأخلاقية؟.

سقراط

افترض ان غالبية الناس ، سيضحكون ساخرين. ولعل بعضهم يقول: ان لم نثق بالعقل ، فما الذي نثق فيه ، وهل توجد وسيلة أخرى لانتاج المعرفة والمعنى ، غير العقل؟.

الحقيقة ان أناسا آخرين قد أجابوا فعلا ، قائلين انه يوجد مصدر آخر اعلى من العقل ، أو ان العقل بحاجة الى ميزان يرجع اليه ، كي يتحقق من صحة احكامه.

من الواضح ان الشك في كفاية العقل ، راجع لوجود عوامل تؤثر عليه ، فتجعله منحازا في أحكامه او متعثرا في فهمه للموضوعات. إن "أصنام العقل" المذكورة ، مثال على تلك العوامل التي تأخذ العقل بعيدا عن الصواب. وقد أسلفنا القول بان بعضها كامن في نفس الانسان ، وبعضها في محيطه الثقافي/الاجتماعي ، وهي تتعاضد في توجيه العقل نحو مسار محدد ، منحاز غالبا ، وبالتالي فلن نتيقن من سلامة ما يتوصل اليه.

نعرف من الفلسفة القديمة رؤية سقراط وتلاميذه ، التي أقامت منظومات الاحكام والقيم على أرضية القانون الطبيعي. وخلاصة هذه الفكرة ان العالم نظام متقن ، تتحرك اجزاؤه في مسارات دقيقة ، كي تحقق غايات وأغراضا ذات أهمية لحياة البشر. هذه الغايات هي التي تضفي على النظام قيمته وهي التي تخبرنا عن حقيقته.

انطلاقا من هذه الرؤية ، قالوا ان أفضل نظام اجتماعي ، هو الذي يستلهم مسارات النظام الكوني وأغراضه. بعبارة أخرى فاننا نحكم بصحة المعارف التي ينتجها العقل ، إذا تلاءمت مع نظام الطبيعة ، الذي نعرف سلفا انه صحيح وكامل.

بنفس المقياس ، فقد افترض هذا التيار الفلسفي ان القيم الأخلاقية الكبرى ، موجودة في نظام الطبيعة ، من قبل ان يتوصل اليها الانسان. لان الاخلاق في أبسط صورها ، هي الملاءمة بين ما يريد الانسان فعله ، وبين ما ينبغي له فعله ، أي بين الصورة الواقعية والصورة النموذجية للفعل. هذه الصورة النموذجية هي التماثل التام مع متطلبات النظام الطبيعي. من هنا قالوا بأن العقل لا ينتج القيم الكبرى والاخلاقيات ، بل يستمدها من النظام الطبيعي.

انتقلت هذه الرؤية الى المجتمع المسلم ، حين انفتح على علوم الأمم الأخرى. وقد أثرت بقدر ما. لكن المفكرين المسلمين طوروا نموذجا بديلا ، حين أضافوا الوحي كمصدر للمعرفة والاخلاقيات ، وقللوا بقدر ما من دور النظام الطبيعي. ثم انقسم الفكر الإسلامي الى اتجاهين: اتجاه "اخباري" شدد على محورية الوحي ونصوصه الصريحة ، واتجاه اعلى من شأن العقل ، وربما قدمه على نصوص الوحي. وابرز رموز هذا الاتجاه هم "المعتزلة" الذين قالوا ان العقل دليل كامل ، ولولاه ما عرفنا الله ولا وجوب طاعته ، ولا عرفنا ضرورة الرسل  وصدق الرسالات. ان الله خلق العقل وجعله رأس كل الموجودات في العالم ، وأرجع اليه قيمة الانسان. فالانسان العاقل هو المخاطب بأوامر الله وتعاليمه ، وهو خليفته في أرضه. كما قالوا بان الخلق والرزق والعقائد واحكام الشرع ، ترجع في منطلقاتها وبنيتها ومبرراتها ، الى قواعد علمية او منطقية يقبلها العقلاء. ولذا فالعقل مصدر منفرد للتشريع. ولتبرير هذا الرأي الخطير ، توسعوا في التأسيس المنطقي لقاعدة "التحسين والتقبيح العقليين". وخلاصتها ان كل فعل بشري ينطوي في ذاته على قبح او حسن ، قابل للادراك بواسطة العقل. فاذا تعرف  العقل على حسن الفعل أو قبحه ، بات قادرا على الحكم بالمكافأة او العقاب. وهذا هو جوهر فكرة الامر والنهي الإلهي.

هذا ما اتسع له المقام اليوم ، وآمل ان نعرض رؤية الاخباريين ، والمرحلة الأوروبية في قادم الأيام بعون الله.

الشرق الأوسط الخميس - 19 ربيع الأول 1447 هـ - 11 سبتمبر 2025 م

https://aawsat.com/node/5185007

مقالات ذات صلة

 

29/05/2025

هل يمكن للذكاء الصناعي ان يكون بديلا عن عقل البشر؟

النقاش حول الذكاء الاصطناعي يدور غالبا حول التحديات التي يمثلها هذا الوافد الجديد ، لنا ولمفاهيمنا ونظم معيشتنا. هذا النقاش يتسم بتعبيرات مكررة الى حد كبير. مما يوهم بأننا نتحدث حول موضوع واحد. واقع الامر اننا نناقش موضوعات تنتمي لحقول معرفية متباينة ، حتى لو عبرنا عنها بكلمات متماثلة. لدي أسئلة ثلاثة ، تتناول الانعكاسات الحياتية لانتشار الذكاء الصناعي ، وتأثيره على التنظيم الاجتماعي والأعراف الناظمة له. لكني سوف أترك هذين لمناسبة أخرى ، واخصص هذه الكتابة للسؤال الثالث الأكثر إثارة للجدل ، أي: هل يمكن للذكاء الاصطناعي ان يحتل مكانة الذكاء البشري فيكون بديلا عنه ، جزئيا او كليا؟.

الان تورينغ (1012-1954)

يهتم غالبية الناس بهذا السؤال ، لأنه ينطوي على اتهام بأن عقولنا ناقصة. ومحور الجدل هو: هل يمكن للمصنوع أن يتجاوز صانعه ، ليس في الامكانية العامة ، بل في الخاصية التي تميز الصانع ، أي الخلق والابداع؟.

مناقشة هذا السؤال تبدأ بتعريف العمليات الذهنية مثل التفكير (التفكيك والربط) والتعلم (التقليد ، المقارنة وإعادة الإنتاج) والذاكرة (الحفظ والتصنيف والتقعيد والتنميط) وحل المشكلات ، ولاسيما اختبار الاحتمالات والنتائج. هذه المناقشة محلها علم النفس المعرفي.

بعد التوصل الى نتائج شبه رقمية ، سنحتاج للتعرف على المسارات المتبعة فعليا في تطوير أنظمة الذكاء الصناعي ، وأبرزها:

أ- اختبار تورينغ ، نسبة الى عالم الرياضيات والحوسبة البريطاني آلان تورينغ. وهو يركز على اختبار قدرة الآلة على محاكاة الذكاء البشري ، ولا سيما في المحادثة والاستذكار ، ثم قياس سرعة المحاكاة ومدى مطابقتها. لعل اشهر تطبيقات هذا الاختبار ، هي روبوتات المحادثة المدعومة بالذكاء الصناعي.

ب- تعلم الآلة: وتركز على إعادة انتاج الحلول ، من خلال المقارنة والتعرف على الأنماط الرئيسية والفرعية والمفاضلة بينها ، إضافة الى القدرة على البرمجة الذاتية والتكيف مع البيانات الجديدة من دون تدخل بشري مباشر. وبين أشهر الأمثلة على هذا المسار نظام الفا-زيرو Alpha-Zero الذي طورته شركة تابعة لغوغل ، ونجح في اتقان لعبة الشطرنج خلال اربع ساعات من التعلم الذاتي. ويقال انه طور أساليب جديدة في اللعب ، لم يسبق ان استعملها أبطال اللعبة.

ت- الابتكار وابداع معلومات جديدة لم تكن معروفة أو مؤكدة سابقا. وهو يشمل انتاج محتوى ابداعي ، مثل رواية او شعر او لوحة فنية او حل هندسي أو رياضي. وتوجد الآن تطبيقات تنشيء لوحات فنية او مقاطع فيديو ، اعتمادا على نصوص مكتوبة أو محكية. كما ان البروفسور جيوفاني ساجيو ، وهو عالم إيطالي ، طور تطبيقا يكشف عن الامراض ، بتحليل صوت المريض ، ويقال ان هذا البرنامج نجح في تقديم نتائج مطابقة لنتائج الفحوص السريرية بنسبة عالية جدا ، رغم ان توصله للنتائج يستغرق دقائق معدودة.

توضح مسارات التطوير السابقة الذكر ، الإطارات الواقعية للنقاش. الخبراء لا يتحدثون عن امكان مطلق او استحالة مطلقة ، بل عن درجات الإمكان. حين يقولون ان الذكاء الصناعي يستطيع تجاوز نظيره البشري ، فهم لا يقصدون الامكانية المطلقة لاستبدال احدهما بالآخر ، بل درجة متقدمة في جانب بعينه. هذا يشبه مثلا السيارة التي يصنعها الانسان فتسير اسرع منه. هذا لا يعني ان السيارة بديل عن الانسان ، بل هي قادرة على تجاوز حدوده في مجال بعينه. كذلك الذكاء الصناعي الذي برهن فعليا على إمكانية تجاوز حدود البشر ، لكن ليس الى حد الغاء دور الانسان.

يمتاز العقل البشري بالقدرة على اكتشاف مسارات وضروب حياة ، لازالت بعيدة عن حدود الخيال. ولأن الذكاء الصناعي ليس – من حيث المبدأ – مجهزا للتخيل ولا يعتقد انه قادر على التخيل ، فان الوصول الى تلك المسارات ، سيبقى – على الأرجح - حكرا على الانسان ، الى ان يكشفها ويقدمها للآلة التي نسميها الذكاء الصناعي.

الخميس - 02 ذو الحِجّة 1446 هـ - 29 مايو 2025 م   https://aawsat.com/node/5148493

 

مقالات ذات صلة

استمعوا لصوت التغيير

تجربة تستحق التكرار

الذكاء الصناعي وعالمه المجهول

عالم افتراضي يصنع العالم الواقعي

على اعتاب الثورة الصناعية الرابعة

العولمة فرصة ام فخ ؟

غدا نتحرر من الخوف

لماذا ينبغي ان نطمئن الى تطور الذكاء الصناعي؟

ما الذي يجعل الانترنت مخيفا للزعماء التقليديين ومحبوبا للشباب ؟

معنى ان يكون التعليم العام واسع الافق

النقلة الحتمية : يوما ما ستنظر الى نفسك فتراها غير ما عرفت

هل يمثل الذكاء الصناعي تهديدا للهوية؟

02/01/2025

تأثير الحرارة على العقل الاوروبي

كرس د. محمد عابد الجابري (1935-2010) جانبا هاما من أبحاثه ، لدراسة الفارق بين الذهنية العربية ونظيرتها الغربية. ومثل سائر الذين درسوا تاريخ المعرفة ، يعتقد الجابري ان كلا من العقلين العربي والغربي ، تشكل في سياق تجربة تاريخية طويلة ، أعطت لكل منهما بنيته الخاصة المتمايزة عن غيره.

نعرف أن بعض الباحثين حاول النظر في فوارق بيولوجية بين الأعراق والاقوام ، تؤثر على حجم الدماغ وطريقة عمله. بل ان بعض قدامى الكتاب المسلمين اعتقد ان المناخ ، ولاسيما مدة الليل والنهار ودرجة الحرارة ، يؤثر هو الآخر على القابليات العقلية. ومن هذا القبيل ما ذكره أبو الحسن المسعودي في "التنبيه والاشراف" من ان أفهام الاوروبيين بليدة ، بسبب شدة البرد عندهم ، فكلما اتجهنا شمالا ، حيث البرد اشد ، وجدنا سكانه أكثر غباء وجفوة. وأرى ان قول المسعودي – ومثله ابن خلدون واخرون – منقول عن آخرين ، او هو كلام سائر في المجتمع ، وليس نتاج ملاحظة مباشرة او دراسة ميدانية.

وعلى أي حال فهذه التقديرات لم تثبت ابدا ، رغم انها كانت تبرز بين حين وآخر ، ولا سيما في ظروف الأزمة. ولهذا فليست ذات شأن او تأثير. اما الرأي المرجح في الوسط العلمي ، فهو الأول الذي ينسب تشكل الذهنية الخاصة للمجتمع ، أي ما يسمى "العقل الجمعي" ، الى التجربة التاريخية لهذا المجتمع. وهذا أيضا سبب التمايز بين المجتمعات التي تتفق في الذهنية العامة ، لكنها تختلف في بعض التفاصيل ، مثل اختلاف المجتمعات العربية في طرق العيش والتعبير عن الذات ، رغم انها جميعا تتفق في الخطوط العامة للثقافة والتفكير ومعايير السلوك.

تحدث الجابري عن ثلاثة اركان ساهمت في صنع العقل العربي ، هي العقيدة والقبيلة والغنيمة. وأريد التركيز في هذه السطور على الركن الثاني (القبيلة) الذي يرمز لمعنى يتجاوز وصف القبيلة السائد اليوم ، فهو يشير ، في الجوهر ، الى معنى الجماعة المترابطة ، ذات الهيكلية الهرمية / الأبوية ، التي يشد أجزاءها تصور عن الذات المشتركة والتاريخ المشترك ، وليس بالضرورة عن التوافق الفكري او الأهداف ، انها اذن أقرب الى نظام بيولوجي (عائلات متحدة) وليس شرائح او اطيافا متوافقة.

النظر من هذه الزاوية ، ربما يسهل فهم السر وراء صرف معنى "العقل" عند علماء اللغة العرب ، الى الربط والعقد ، وليس التفكيك وإعادة التركيب ، كما هو المتبادر من معنى التفكير. وهي – إضافة لذلك – تكشف عن سبب الحساسية الشديدة التي تظهرها الذهنية العربية إزاء مخالفة التيار العام أو التمرد على التوافقات الاجتماعية. بعبارة أخرى فان هذه الذهنية مشغولة ، في المقام الأول ، بالمحافظة على الوحدة والانسجام ، وليس بصناعة الفكرة الجديدة ، التي ينبغي ان تنطوي – بالضرورة – على تعارض مع السائد والمتعارف.

الجماعة والمحافظة على وجودها ، هو محور التفكير العربي في الذات. الذات هنا لا تتجلى الا بوصفها ذاتا جمعية. وبهذا المضمون فان الرابطة التي تجمع أعضاءها الى بعضهم ، تشكلت في الماضي ، وهم حريصون على عدم مساءلتها او تحديها ، لأنهم بهذا يهددون وحدتهم والرابطة التي تجمع بينهم. من هنا نعرف لماذا لا يتقبل المجتمع العربي الأفراد المستقلين والأفكار المعارضة للقيم السائدة والموروثة ، ولماذا يتهم الذين يخالفون اعراف المجتمع وقناعاته ، بأنهم معقدون او مرضى نفسيون او عملاء للأجانب او ساعون للشهرة ، ولماذا يتقبل عامة الناس هذه الاتهامات ولا يستنكرونها ، رغم انها قد تطالهم بالسوء إذا تجرأوا على الاختلاف.

- حسنا.. هل هذا امر طيب ام سيء؟

اظن ان الجواب يبدأ بتحديد الأولويات ، أي ما الذي نريده أولا: وحدة الجماعة وراحة بالها ، ام استنهاض العقول وتجديد الفكر والحياة. ربما نقول ان لكل من الخيارين زمنه ، لكن المؤكد ان جمعهما مستحيل. اختيار العقل يعني اختيار الفرقة ، واختيار الوحدة يعني تقبل الجمود.

الخميس - 02 رَجب 1446 هـ - 2 يناير 2025 م

https://aawsat.com/node/5097210

 مقالات ذات صلة

اصلاح العقل الجمعي

الانشغال بالعلم والانشغال بالجن

أين تضع المرحوم محمد عابد الجابري

بقية من ظلال الماضين

تعقيب على استاذنا البليهي

ثقافة المجتمع.. كيف تحفز النمو الاقتصادي او تعيقه

الثقافة كصنعة حكومية

حول البيئة المحفزة للابتكار

عقل الصبيان

العقل المساير والعقل المتمرد

لماذا يرفضون دور العقل؟

مشكلة الثقافة الدولتية

مغامرات العقل وتحرر الانسان - كلمة في تكريم الاستاذ ابراهيم البليهي

من المناكفة الى النهضة

الهجوم على الثوابت .. اين هي الثوابت ؟

اليد الخفية التي تدير العالم 

26/12/2024

من تقليد الى تقليد ، عقل معماري وعقل هدام

 قلت قبل أسبوعين أن "العقل العملي" يهتم في المقام الأول بتمهيد العلاقة بين الفرد ومحيطه الاجتماعي. وضربت مثالا باختيار نوع الملابس واللغة وطريقة الكلام ، وبقية العادات التي تجعل الفرد شبيها بمن بالآخرين في محيطه. وبهذا المعنى فالعقل لا يبدع شيئا ، بل يعيد انتاج الثقافة الموروثة ، وما يستند اليها من أعراف وعادات وطرائق عيش.

لا بأس هنا باستدراك أظنه ضروريا كي لا يظن قاريء ان عقلا كهذا لا نفع فيه: فالجانب الأعظم من حياة الانسان ، مؤلف من تفاعلات مادية او فكرية مع الناس والطبيعة. وهو في كلا الحالين محتاج الى تقبل الاخرين لشخصه وتصرفاته. وفي هذه العملية يلعب العقل العملي دورا مؤثرا ، فهو يصمم الطرق المناسبة للتعامل مع الغير على نحو يحقق الهدف المنشود. ان افتقار الانسان للعقل العملي ، يماثل تماما افتقار المسافر لوسيلة السفر التي تحمله الى مقصده. بهذا المعنى فان العقل العملي هو أداة العيش ، وهو ضرورة للعيش ، ولولاه ربما بات الانسان غريبا منفردا ، او دائم الهروب مثل حيوان متوحش.

أما وقد وصلنا الى هذه النقطة ، فقد حان الوقت لبيان ان هذا المعنى على وجه التحديد ، هو الذي يوجب على الانسان ان يكون متواضعا ، اذا خالفه الآخرون في فكرة أو رأي أو مذهب. الأفكار التي نحملها أنا وأنت وغيرنا من الناس ، تنتمي في الأعم الأغلب الى توافقات اجتماعية ، أخذنا بها لأننا نعيش في وسط جماعة ، فلم نبتكرها بأنفسنا ولا وضعناها على طاولة المقارنة مع الأنماط البديلة ، كي نختار ما هو أفضل. بل حتى لو اخترنا ما نظنه أفضل ، فما هو الميزان الذي نرجع اليه في تحديد القيم التي نلقيها على هذا الجانب او ذاك ، قبل ان نقارن بينهما... اليس هو ذات الميزان الذي تشكل في ذهني وذهنك تحت تأثير المحيط الاجتماعي؟.

منذ نعومة أظفاره ، يتشرب الفرد الثقافة السائدة والأعراف والعادات المستقرة ، والاخلاقيات المعيارية التي تتبناها الجماعة ، فيتشكل على ضوئها عقله وذاكرته ، أي الطريقة التي يفكر بها ويعيش ، والمعايير التي يرجع اليها في الحكم على الأشياء. وحتى حين ينتقل الفرد الى جماعة جديدة ، كأن يتحول من دين الى آخر ، او من مذهب الى آخر ، أو يهاجر من بلد إلى آخر ، فانه يعيد تشكيل ذهنه وذاكرته ، أي منظومته العقلية ، على ضوء الثقافة السائدة في بيئته الاجتماعية الجديدة ، أي انه – بعبارة أخرى – ينتقل من تقليد الى تقليد. هذا حالي وحالك وحال الأغلبية الساحقة من سكان هذا الكوكب.

أقول الأغلبية الساحقة وليس الجميع. لأن هذا الكوكب يحوي أيضا أقلية صغيرة من السكان ، يمثلون "العقل المنشيء" بحسب تعبير اندريه لالاند ، او العقل النظري بحسب التعريف الموروث من فلاسفة اليونان. واضح من اسمه انه عقل لا يلتزم بالتوافقات الاجتماعية ، بل ربما كان شغله هو نقض الأساس الفلسفي /المنطقي الذي تقوم عليه تلك التوافقات وما يتعلق بها من معايير وقواعد.

لا يتسع المجال لتفصيل القول عن العقل في هذا الدور. لكن يهمني الإشارة الى فارق هام بين تعريف لالاند وتعريفات من سبقه. فهؤلاء قرروا ان العقل "نظري" بمعنى انه منشغل بمعادلات ذهنية ، لا يترتب عليها أي عمل ولا ترتبط بقضايا الواقع ، ربطا مباشرا. اما لالاند فقال انه "منشيء" بمعنى انه يخلق الأفكار الجديدة من عدم ، او انه ينطلق من فكرة قائمة ، فيتجاوزها الى مسافات وراءها لم تكن موجودة قبلئذ ، أي انه يخلق المسافات والمساحات ويملأها بالسكان ، أي الأفكار.

على أي حال فان تلك الأفكار النظرية ، هي التي تشكل الأساس للتطبيقات وعلوم الواقع ، مثل الرياضيات التي على ارضها بني الكمبيوتر وتطبيقاته وحسابات السفر والاحصاء وامثالها. واظن ان الفكرة قد اتضحت بما يغني عن مزيد البيان.

الخميس - 24 جمادى الآخرة 1446 هـ - 26 ديسمبر 2024 م

https://aawsat.com/node/5095226

مقالات ذات صلة:

الانشغال بالعلم والانشغال بالجن

تعقيب على استاذنا البليهي

لماذا يرفضون دور العقل؟

اليد الخفية التي تدير العالم

اصلاح العقل الجمعي

مشكلة الثقافة الدولتية

الثقافة كصنعة حكومية

العقل المساير والعقل المتمرد

عقل الصبيان

 

 

 

 

 

 

 

15/12/2024

اطلالة على عالم د. محمد الرميحي

تعرفت على الدكتور محمد الرميحي حوالي العام 1977 من خلال ترجمته لكتاب فريد هاليدي "المجتمع والسياسة في الجزيرة العربية". ثم في سنوات تالية قرأت العديد من كتبه ومقالاته. وبدا لي أنه أكثر علماء السياسة المعاصرين إحاطة بقضايا الخليج العربي. اني لا أعرف شخصا آخر تمحض لهذا العمل طوال نصف قرن ، وعالجه من زوايا مختلفة ، باخلاص وتمعن قل نظيره.

ينتمي د. الرميحي الى شريحة من الاكاديميين الذين حافظوا على التوازن الصعب بين الالتزام العلمي/الاكاديمي ومتطلبات الحديث في المنابر العامة ، لا سيما الصحافة اليومية. هذا ليس بالأمر اليسير في الظروف السياسية والاجتماعية التي نعرفها. فالذين ارادوا الالتزام بالمعايير العلمية للكتابة ، لم يحصلوا على مستمع او قاريء ، فنحن نعيش في زمن سريع جدا ، لا يرغب أهله في المطولات ولا يحتملون التركيز على نصوص عسيرة.

لكن الكتابة "الأخف وزنا" تضعك امام مشكلتين أخريين: رقابة الرقباء والتفريط في معايير العلم. والرقباء ليسوا واحدا ، فثمة رقابة رسمية وثمة رقابة شعبية ، وثمة فيما بينهما رقابة المنافسين والناشطين في المجتمع او في السياسة. هذه الرقابة قد تدفع الكاتب رغما عن انفه ، نحو كتابة لا تشير الى أحد فلا تزعج احدا ، كتابة رمادية لا تقول شيئا وان ملأت الصفحات.

من السهل ان تعلق الثياب الممزقة على مشاجب الاخرين وتمشي خفيفا. هكذا فعل العديد من الكتاب: رموا مشكلات بلدانهم على مشجب التدخل الأجنبي او الظروف الدولية ، او حتى المؤامرات المتعددة الأطراف ، وارتاحوا. اما المفكرين الذين على شاكلة الرميحي ، فقد وضعوا اصبعهم على الجرح من دون مداورة. في تقديمه لكتاب "اولويات العرب.. قراءة في المعكوس" ، يقول ان: "الركود السياسي في بلادنا يؤدي الى عدم الاستقرار الداخلي ، وتظهر آثاره في أعمال الارهاب من جانب ، او الهجرة المتدفقة الى الغرب من جانب آخر". ومن علامات هذا الركود ، ان العرب اعتادوا تجنب النقاش في مشكلاتهم الواقعية ، مع انهم يناقشون مشكلات العالم كله. يقول الرميحي ان البيئة السياسية العربية متأزمة. لكن بؤرة التأزم ليست قضايا يمكن للمجتمع ان يشارك في حلها ، أو انها في الأساس ليست جوهرية. العرب مشغولون بالجدل حول من يتولى رئاسة الولايات المتحدة الامريكية ، أكثر من اهتمامهم بسيادة القانون في بلادهم ، على سبيل المثال ، وهم مشغولون بتحولات القضية الفلسطينية ، اكثر من انشغالهم بالمساواة والتنمية في مجتمعاتهم. ولهذا فهم متشبعون بالسياسة ، لكنهم بعيدون جدا عنها.

من الاسئلة التي شغلت جانبا كبيرا من اهتمام د. محمد الرميحي ، سؤال النهضة والتخلف ، ولا سيما حصة المجتمع العربي من المسؤولية ، اي: ما الذي يجعل المواطن العربي هامشيا ، لا دور له ولا فاعلية ولا تأثير في حركة السياسة ، على المستوى المحلي والخارجي؟.

يعتقد الرميحي ان النظام السياسي يتحمل جانبا من اللوم. لكن الثقافة الموروثة تتحمل الجانب الاعظم منه. عقولنا مثقلة بالأوهام حتى لا نكاد نرى الواقع الذي أمامنا. كان الاجتياح العراقي للكويت من الصدمات البليغة. ويحز في النفس ان الذين قاموا بالاجتياح والذين أيدوه كانوا من دعاة الوحدة العربية. فاذا كنا عاجزين عن اقامة هدنة فيما بيننا ، اي وقف اطلاق النار ، فكيف نتحدث عن الوحدة؟. لماذا لا نناقش الاسباب التي تجعلنا عاجزين عن التسالم ، ثم عن التعاون ، حتى نصل الى مرحلة النقاش في الوحدة. لكن الرميحي يعتقد ، كما في كتابه المثير "سقوط الأوهام .. العروبة بعد غز العراق للكويت" ان ثقافتنا هي مصدر العجز ، أو هي احد المصادر المؤثرة ، على أقل التقادير "لدينا ذاكرة عربية مثقلة بكل مرارات الماضي وثارات التاريخ ، محتشدة بأسباب العصبيات والطائفيات والنزعات العرقية والدينية ، وكلما وقفنا على أبواب المستقبل ، ردتنا هذه الذاكرة الى الخلف – سقوط الاوهام 254".

لو سألت الرميحي : ما الذي علينا ان نفعل؟

لأجابك بأن المهمات كثيرة ، لأن جوانب التقصير عديدة متنوعة. لكن دعنا نبدأ من مسارين: مسار يؤسس واقعا كريما ، ومسار يؤسس مستقبلا منيرا. أما الاول فيتجلى في ضمان الحريات العامة وتوسيع مشاركة الجمهور في الشأن العام (مجلس التعاون العربي ص 46) وأما الثاني فمحوره تصحيح الثقافة ، من خلال التعليم وبقية المنابر المؤثرة. ثقافتنا الراهنة مصابة بخلط مضر بين ثلاثة مفاهيم ، هي الهوية والمعرفة والثقافة. وثمة من يتوهم ان الانفتاح على معارف الانسان خارج حدودنا ، سوف يجرح الهوية او يزاحمها. كما ان هناك من يعتقد انه قادر على تحجيم التحولات الثقافية التي يعرفها عالم اليوم ، وحشرها في قوالب يتوهم انها حدود الهوية. لكن الواقع ان ما يفعله مجرد انفصال عن عالم اليوم ، انفصال يتعاظم حتى يصبح جزءا من التاريخ. نحن بحاجة الى تصحيح ثقافتنا ، كي نستطيع فهم العالم بصورة صحيحة.

الجزيرة. الأحد 15 ديسمبر 2024    https://www.al-jazirah.com/2024/20241215/ca11.htm

مقالات ذات علاقة

اصلحوا دنيانا ودعوا لنا الآخرة

إعادة إنتاج التخلف

انهيار الاجماع القديم

بقية من ظلال الماضين

تفاح الرميحي وتفاح سعد الدين

التفكير الامني في قضايا الوحدة الوطنية

الحداثة التي لا نراها

عالمنا القائم على تاريخ مكذوب

في ان الخلاف هو الاصل وان الوحدة استثناء

كيف تعمل الثقافة الكسولة

للخروج من حالة الاحتباس

مغامرات العقل وتحرر الانسان - كلمة في تكريم الاستاذ ابراهيم البليهي

 

 

قصة مكررة

نهاية العام الميلادي ، موعد ثابت للجدل حول جواز او عدم جواز الفرح بعيد الميلاد وراس السنة والتهنئة بهما. ويتبارى المتحدثون والخطباء ، بعضهم...