الخميس، 18 أكتوبر 2007

الليبرات والليبرون المكبوتون المخدوعون

هذا تقريض لمقال للاستاذ عبد الكريم عائض نشرته جريدة الوطن السعودية في 15/10/2007 ، وهو نموذج عن الطريقة السائدة في معالجة قضايا السياسة والفلسفة في بلادنا.

وقد بدأ زميلنا البارع مقالته بالتاكيد على انه لا يهتم بالليبرالية ولا يأبه لها ، ولعله بهذا التاكيد اراد تلافي سوء الظن بانه ربما يكون من اولئك الطائشين الذين يهتمون بالليبرالية او يأبهون لها . بل انه استدل على ذلك بدليل يفلق الصخر لو تجلى له ، وهو انه لم يطالع حلقة طاش ما طاش المشهورة عن الليبراليين . وهذا لعمري دليل فات كل عالم .
 
 ثم ان الكاتب الكريم رأف بحالنا نحن الذين ابتلينا بالاهتمام بالليبرالية والبحث عنها ، خاصة بعد سقوط سوق الاسهم ثم ارتفاع اسعار الاغذية ، فعوضنا عن كل ذلك بشرح مختصر عن الليبرالية التي لم يأبه بها ابدا ، فاخبرنا ان اصلها كلمة “ليبر” وانها لاتينية تعني الحر ، وان “ليبراليسم” تعني الحرية (او تعين الحرية حسبما ورد في نص المقال – والله العالم ايهما الصحيح). فجزى الله الكاتب خيرا على هذه الفوائد العظيمة التي كان قراء الجريدة ومثقفو البلاد متعطشين لها ، وايما عطش .

 اخبرنا ايضا زاد الله فوائده ان الحرية كلمة ساحرة وان الدعوة اليها بهرت الكثير من المساكين من اخواننا الذين عانوا قبل سفرهم الى بلاد الله البعيدة من كبت جنسي واسري ومن اذى مطوع الحارة ، فاقبلوا عليها اقبال الطفل على جمرة يظنها حلوى ملونة ولا يخفى على القاريء ان الاستاذ عائض قد توصل في هذا التحليل البارع الى تفسير لم يسبقه به احد من فلاسفة الغرب والشرق ، في قديم الزمان وحديثه ، ولهذا فمن الممكن ان يسجل كرأي مرجعي يأخذ به الفلاسفة والباحثون حين يتحدثون عن الليبرالية واسرار افتتان الناس بجمالها ، خاصة بعدما اعرض كثير من العلماء عن نظرية فرويد المعروفة في التحليل النفسي ولا سيما تركيزه على الباعث الجنسي للافعال والميول الانسانية.

ولم ينس الاستاذ عائض تذكيرنا – جزاه الله خيرا – بان الباحثين واساتذة العلوم السياسية السعوديين وغيرهم من المثقفين الذين قرأوا الفلسفة الغربية وربما كتبوا عن الليبرالية ، لم يفهموا الليبرالية ، بل ربما لم يعرفوا حتى معناها ، ولهذا تفضل علينا – اكرمه الله – بتوضيح ان اصل الليبرالية هي كلمة “ليبر” اليونانية اي الحر وان الليبرالية تعني الحرية ، كما اوضحنا اعلاه.

فلله الحمد على ان اكرمني وغيري من طلبة العلوم السياسية بقراءة مقال الاستاذ عائض ، فعرفنا بعد سنين طويلة اضعناها في الدراسة والبحث والكتابة ، ان اصل الليبرالية هي ليبر وانها يونانية وتعني الرجل الحر وان ليبراليسم معناها الحرية. وربما يسمح لنا الاستاذ عائض باضافة المرأة الحرة ايضا ، خاصة للغربيات واشباههن من نسائنا المسترجلات. فيمكن – اذا سمح الاستاذ – ان نقول لهذه : “ياليبره” على وزن “ياحرمه” الذي نقوله لنسائنا العفيفات اللاتي لم ينخدعن بالليبرالية وبلاويها . كما نقول للرجل المخدوع بالغرب والاعيبه : ” ياليبر” ، على وزن “ياولد” الذي يقوله بعضنا للصبيان حين يغضب عليهم.

ولا تنتهي فوائد مقال الاستاذ عائض عند هذا الحد ، فهو يستثمر المناسبة لاخبارنا ايضا بان مباديء الحرية والاخاء والمساواة هي شعارات خداعة انبهرت بها شخصيات فكرية وسياسية فوقعت في فخاخ الماسونية. وهذا لعمري اكتشاف اعظم من سابقه ، فقد ظننت قبل مقال الاستاذ عائض بان السياسي والمفكر لا ينخدع بسهولة ولا ينبهر بجميل الكلام ، بل يجادل كل فكرة قبل تبنيها .

لكني اهتديت الان الى قلة بضاعتي وجهلي بالامور ، فالمفكرون والسياسيون ، حتى الدهاة منهم ، يقعون في شراك الخديعة ، ربما بصورة اسهل من باعة السمك في سوق القطيف لاني اسمع ان احدا لم ينجح حتى اليوم في مخادعة هؤلاء البائعين ، فلله الحمد والمنة على ان عرفنا قبل فوات الاوان بان باعة سوق السمك احسن من مفكرينا ومثقفينا ، لا سيما حين يتعلق الامر بالقيم الانسانية الرفيعة ، مثل الحرية والمساواة والاخاء .

ولا نكرر ذكر الليبرالية لان الاستاذ عائض قد اخبرنا سابقا بان ليبراليسم معناها الحرية ، والظاهر من المقال ان تلك الحرية هي نفس هذه الحرية التي انخدع بها دهاة السياسيين والمفكرين ووقعوا بسببها في حبائل الماسونية واشباهها.

والحقيقة ان فوائد مقال الاستاذ عائض لا تحصى وربما تحتاج الى مجلدات لشرحها ، ولا سيما تعيينه لمعنى الليبر والليبراليسم ، ثم الاسئلة التي طرحها (وربما لم يهتد اليها احد قبله فضلا عن ان يجيب عليها) ، وتاكيده بان الاجوبة لن تاتي من عند ليبراليينا (كتب في نص المقال “من عند ليبراليونا” ولعله يقصد شخصا او مكانا او اناسا اخرين غير “ليبراليينا” الذين نعرفهم ، او ربما هي شيء اخر غير الجمع العربي لكلمة ليبر- ليبرالي المشار اليها اعلاه).

وخلاصة القول ان الاستاذ عائض وجريدة الوطن قد سجلا هدف الموسم في هذا المقال الذي ارى ان تعاد طباعته في اعداد الجريدة القادمة وان يوزع على المثقفين واساتذة الجامعات والكتاب ، حتى يفهموا معنى الليبر والليبراليسم وما تقود اليه الحرية والمساواة من بلاء الانزلاق في شراك الماسونية.

موقع دروب 18 اكتوبر 2007
http://www.doroob.com/archives/?p=21901د
مقال الاستاذ عائض عبد الكريم "الليبرالية التي لم يفهمها احد" نشر في صحيفة الوطن السعودية  15 اكتوبر 2007 واعيد نشره في العربية. نت في 16 اكتوبر 2007 http://www.alarabiya.net/views/2007/10/16/40384.html

مقالات ذات علاقة



الاثنين، 1 أكتوبر 2007

دين البشر


أود ان يشاركني القراء الاعزاء في الاستفادة من هذا الكتاب القيم الذي صدر حديثا للاستاذ حميد المبارك القاضي بمحكمة الاستئناف في البحرين وعنوانه «مقالات في فهم الدين». يطرح الكاتب العديد من القضايا المثيرة للجدل ويُعالجها بأسلوب هادئ متين ويُدلل على آرائه تارة بنصوص من القرآن والسنة وتارة أخرى بأدلة عقلية كما يستشهد بآراء لعلماء اجلاء قدامى ومعاصرين.

يشير عنوان الكتاب الى الإشكالية الرئيسية التي تمثل محور مقالات الكتاب، الا وهي التمييز بين الدين في صيغته الاولى كنص مجرد، وبين الدين بعدما تتناوله الافهام المختلفة والتطبيقات المتباينة للبشر في مختلف الاماكن والازمنة. من الموارد المتفق عليها ان معظم ما يُطبقه الناس ليس النص المجرد، بل هو تفسير ذلك النص، التفسير الذي قدمه أهل العلم والخبراء في الشريعة من فقهاء ومجتهدين في حاضر الزمان او قديمه.
من المعروف ايضا في علم الاجتماع المعاصر ان تفكير الانسان في الأشياء يتأثر بالضرورة بالافق الثقافي والاجتماعي الذي يعيش ضمنه. ولا يختلف الناس في هذا الامر، فعقل الفقيه والمثقف مثل عقل الانسان العادي يتأثر بالبيئة التي هو فيها، بما فيها من افكار وشبكات مصالح ومصادر ضغط وانماط حياة وهموم وتطلعات، وتشترك هذه جميعا في تشكيل انطباعه الاولي عن الموضوعات التي يُفكر فيها، كما تؤثر في تحليله للعلاقة بين الموضوع وبين التكييف النظري (الشرعي او القانوني او العقلي) الذي يسعى للتوصل اليه. ولهذا السبب قيل بأن الاحكام تتغير مع تغير الأزمنة والأمكنة، لأن ظرف الموضوع يُشكل جزءاً من قوامه ومفهومه، كما يُحدد موقعه من منظومة المصالح والمفاسد العرفية التي تختلف بين مجتمع وآخر وبين زمن وآخر.

بذل الكاتب جهدا مشكورا في بيان العوامل المؤدية الى التمايز بين المفاهيم الاصلية المجردة، وبين المفاهيم السائدة عند الناس واهل الشريعة. واشار الى عامل جدير بالتأمل، الا وهو تركيز الفقهاء على استنباط الاحكام واهمالهم دراسة موضوع الحكم. الموضوع الجوهري لجميع التعليمات الدينية هو الانسان. غرض الرسالات جميعا هو الارتقاء بالانسان في حياته المادية الدنيوية. صحيح ان جميع الاديان تركز على تذكير الانسان بالآخرة ووجوب الاعداد والاستعداد لما بعد الموت، لكن الغرض الأساس من هذا التذكير هو تحفيز المؤمن لتقويم حياته وتحسينها والارتقاء بها.

وبالمناسبة فإن هذه النقطة هي واحدة من وجوه التمايز الرئيسية بين الاسلام والمسيحية الكاثوليكية - في نسختها القديمة على الاقل، اي قبل الكالفينية-، فالكاثوليكية تنظر الى الآخرة كنقيض للدنيا وتعتبر الأعلى حظا في الآخرة هو الاقل حظا في الدنيا، بخلاف الاسلام الذي ينظر الى النجاح الدنيوي كمقدمة للفوز الاخروي. ويدعو المسلمين الى التزام الايمان مع السعي نحو التقدم المادي والعلمي والاستقواء والعزة الدنيوية ويعتبر النجاح في الربط بين الجانبين معيارا للصلاح والايمان.

موضوع التشريعات الدينية اذن هو تحرير الانسان والارتقاء بحياته وتوجيهه الى اكتشاف حقائق الكون الكبرى، حتى يقترب من الحقيقة المطلقة. لكن المشهود ان المسلمين، ربما بسبب تخلفهم المادي والعلمي، قد انشغلوا عن دنياهم بالكلام عن دينهم، خلافا لما يظن كثير من الناس من ان المسلمين قد انشغلوا بدنياهم عن الدين. يرى الكاتب ان الفقهاء قد اهملوا التفكير في الانسان، وركزوا بدل ذلك على التفكير في الاحكام. ولهذا فإن معظم الدعاة يجيدون الحديث في الحدود والقيود والضوابط التي «يجب» على الانسان التقيد بها، لكنهم لا يتحدثون، وربما لا يجيدون الحديث عن الانسان نفسه، عن حقوقه وعن حقيقته وعما يحتاج وعما يريد.

 ولهذا السبب ايضا فإن اللغة السائدة بين المؤمنين مُشبعة بالالفاظ التي تشير الى الوجوب والمنع والالزام بشتى اشكاله، لكنها تفتقر الى الالفاظ التي تشير الى الاغراض الدنيوية للدين الحنيف. لا نسمع الدعاة يتحدثون عن حقوق الانسان، وعن ظلم الانسان الفرد، ولا يدعون الناس الى البحث العلمي في الانفس والآفاق والطبيعة، او الهجرة في طلب العلوم المختلفة، ولا يدعون الناس الى تطوير اساليب عيشهم وعملهم، كما لا يسعون الى تطوير نظريات مناسبة في الاستفادة مما يموج في مجتمعات العالم الاخرى من علوم وتقنيات وكشوف واختراعات وتيارات في الفن والفلسفة والادب وغيرها.

 بعبارة اخرى فإن المجتمع الديني قد نسي الدنيا او اغفلها، وانشغل بالكلام في الدين، حتى تضخمت صوره ومعانيه وتطبيقاته وتحول بعضها الى قيد على حركة الانسان بدل ان يكون وسيلة لتحرير الانسان من قيوده الفكرية واغلاله المادية.
تحدث الكاتب عن ضرورة العودة الى مقاصد الشريعة واغنائها بالبحث وايصالها الى المؤمن الفرد باعتباره هو المعني بالدين وهو المخاطب بالنص الديني.

 وهو يؤكد على ان الافراد، ايا كان مستوى معرفتهم الدينية يشتركون في صياغة العرف الديني والفهم الديني، ولهذا فمن الواجب ان يستوعبوا مقاصد التشريع واغراضه الكلية حتى يكون اسهامهم تعزيزا للروح الدينية السامية بدل ان يتحول الى استغراق في الخلط بين التقاليد الاجتماعية والتعاليم الدينية، مآله الزام الفقيه بتكييف آرائه مع ضرورات التقليد الاجتماعي مهما كان متخلفا او غريبا عن روح الدين ومقاصده.

الأربعاء، 19 سبتمبر 2007

إشارات على انهيار النفوذ الاجتماعي للقاعدة


   اعلان الشيخ سلمان العودة البراءة من منهج «القاعدة» وأعمالها هو الخبر الذهبي الذي ينتظره كل مشفق على أهل الاسلام في هذا الزمان. نعلم طبعا ان العودة ومعظم العلماء الآخرين في المملكة وفي البلاد الاسلامية الاخرى يرفضون ذلك المنهج الفظ الذي جعل الرمز الديني مرادفا للقسوة واستمراء القتل والاستهانة بالدم الحرام.
لكن الناس كانوا بانتظار مبادرات محددة من جانب الدعاة وعلماء الدين تعلن قطيعة كاملة مع منهج العنف الذي تسير عليه «القاعدة» وأمثالها ومع شخوص «القاعدة» ورموزها. في السنوات الماضية سمعنا كلاما كثيرا يمكن اعتباره انكارا لهذا المنهج ورفضا لأصحابه. لكنه لم يصل الى التصريح والمباشرة المطلوبة. ولهذا فإننا نقدر مبادرة الشيخ العودة أعظم التقدير.
من المفهوم ان تردد الدعاة في اعلان القطيعة العلنية راجع الى القلق من رد فعل سلبي من جانب انصار القاعدة والمتأثرين بدعاواها. ونفهم ايضا ان مؤيدي «القاعدة» يعرفونها لعامة الناس كرأس حربة في الصراع بين المسلمين واعدائهم.

وخلال السنوات القليلة الماضية نجح هذا التنظيم في ترسيخ معايير جديدة في تقييم الاشخاص والمواقف، تتلخص جميعها في اعتبار القتال ضد الغرب ورموزه ومؤيديه التعبير الوحيد عن التدين الخالص، كما تعتبر كل مهادنة او مساومة او تراخ في هذا الموقف انحرافا عن الدين وركوناً الى زخرف الدنيا وتفريطا في الايمان.

اقتنعت بهذه المعايير الجديدة شريحة معتبرة  هل يعود الرمز الديني نقطة انطلاق وإعلان محبة ورسالة تسامح من شباب المسلمين. بعض هؤلاء طور تلك القناعة الى قرار بالموت، فتحولوا الى جنود في جيوش لا يعرفون من يقودها، ولا يعرفون من يستخدمها، ولا يُدركون الاستراتيجيات الكبرى التي تحدد مساراتها ونهاياتها. ورأينا وراء هؤلاء شريحة اوسع اختارت التخلف عن القتال لكنها شكلت ما يُمكن وصفه بصفوف الامداد والدعم لاولئك، وهو ما وصفته الصحافة احيانا بالحاضن الاجتماعي لتيار العنف السياسي.

لم تأت القاعدة بعلم جديد ولا بمذهب مختلف، بل ركزت اهتمامها على اعادة تفسير النصوص الدينية وآراء الفقهاء التي يعرفها الناس ويتداولونها. وهو منهج معروف بين الجماعات الانشقاقية، التي - في غالب الاحيان - تبرر وجودها ومواقفها بالرجوع الى ذات الارضية الثقافية او القيمية التي يقبلها عامة الناس ويرجعون اليها.

وفي هذه النقطة على وجه التحديد تكمن مشكلة الجدل الفكري مع انصار تنظيمات العنف، فهؤلاء يُجادلون بنفس الآيات والروايات وآراء الفقهاء التي يعتمد عليها معارضوهم من الدعاة والعلماء.

من ناحية اخرى فان اعتماد تنظيمات العنف على هذا النوع من الخطاب جعلها بالضرورة شريكا منافسا في ذات القاعدة الاجتماعية التي يتجه اليها الخطاب الآخر. ورأينا خلال السنوات الماضية شبابا لم يعرفوا من العلم الا القليل يُجادلون علماء، بل ويسخرون منهم ويُوجهون اليهم تهم الخيانة والاقبال على الدنيا والانحراف وامثالها، بناء على ذلك التفسير الخاص للنصوص والآراء.

ليس من المستغرب اذن ان نجد علماء اجلاء ينكرون على «القاعدة» واصحابها، ويُسفهون منهجهم ويستقبحون عواقب اعمالهم، لكنهم يفعلون كل ذلك في مجالسهم الخاصة وبين حواريهم والمخلصين لهم، بينما يتخذون - في العلن - موقفا اقرب الى المداورة والانخراط في العموميات، بدل الصراحة والمباشرة في تحديد المواقف واضدادها. بطبيعة الحال فان هذه المعالجة المزدوجة هي واحدة من تجليات «قهر العامة» الذي يعرفه كل المتصدين للعمل العام ولا سيما التوجيه الديني. اولئك الذين تجنبوا التعامل البراغماتي مع المشكلة دفعوا ثمنا غاليا من مكانتهم الاجتماعية وشعبيتهم.

موقف الشيخ العودة الجديد هو دليل آخر على تراجع شعبية «القاعدة» ونفوذها، وتراجع مصداقية تيار العنف بشكل عام. واظن ان ما جرى في العراق خلال الاشهر القليلة الماضية قد ساهم بشكل كبير في تقويض مصداقية ذلك التيار ومن ثم نفوذه الاجتماعي.

من هنا فقد يكون الوقت مناسبا لعلماء آخرين كي يُبادروا الى اعلان مماثل ببراءة المجتمع المسلم ومؤسسته الدينية ودعاته من تيارات العنف بمنهجها ومبرراتها ورموزها واشخاصها ومواقفها واعمالها. منذ سنوات والمجتمع المسلم يتطلع الى عودة الرمز الديني الى سابق عهده: نقطة التقاء واعلان محبة ورسالة تسامح الى اهله وغير اهله.
وقد آن الاوان كي يبادر اهل العلم الى موقف واضح ينفي عن الدين الحنيف ما لحق به من ظلم على ايدي بعض اهله، حين حولوه الى رمز للقسوة والاحتراب.

الأربعاء، 12 سبتمبر 2007

حتى لا تكون الادارة الحكومية عش دبابير



                                                                                                       ~ينبغي جعل عمل الدوائر الحكومية علنياً ومكشوفاً وتمكين الصحافة والناس من نقد موظفيها }
لا اعرف الذي اطلق على المديرين وكبار الموظفين اسم “المسؤول” ، فهذا اللقب لم يُنقل من تراث العرب القديم . ولعله وضع كترجمة لمسمى الرئيس او المتصدي (officer, principal, director) الذي وصلنا مع انتقال نظم الادارة الاوروبية الى العالم العربي . على اي حال فان اختيار ذلك المسمى ينم عن ذكاء صاحبه ورغبته في نقل جوهر المفهوم الاوروبي الحديث في الادارة الحكومية ، اي كون الوظيفة تكليفا تترتب عليه محاسبة ومساءلة وليست مجرد سلطة للامر والنهي والتصرف.
في سياق نقل التجربة الاوروبية ، تميل معظم الدول العربية اليوم الى اطلاق مسمى “الخدمة المدنية” على منظومة الادارة الحكومية. وقد اقتصر هذا الوصف على العنوان العام ولم يسرِ الى افراد الادارة كما هو الحال في الدول الصناعية . نعرف ان الموظف الحكومي هناك يوصف رسميا بالخادم المدني civil servant ، لكن يبدو ان لهذا المسمى وقعاً ثقيلاً في ثقافتنا ، ولهذا اعرضنا عن استعماله في وصف الموظفين الحكوميين . وعلى اي حال فان اختيار المسميات يعكس رغبة في تحقيق معنى ومضمون الاسم . وفقا لهذا فانه ينبغي ان يعمل موظفو الدوائر الحكومية ، في جميع مراتبهم ، كخدام للشعب ، لا كمتسلطين عليه.
يُعتبر مفهوم “الخدمة العامة” ومفهوم “المسؤولية والمحاسبة” من ابرز ما يميز نظم الادارة الحديثة عن نظيرتها التقليدية.  حين نقول ان فلانا مسؤول ، فهذا يعني – في الاصل النظري على الاقل – انه معرض للمساءلة على اعماله ، اي ان سلطته غير مطلقة . صاحب السلطة المطلقة الوحيد هو رب العالمين الذي “لا يسأل عما يفعل” اما باقي الناس فهم جميعا معرضون للمساءلة والحساب. الموظف الحكومي يقبض راتبه مقابل خدمة الناس وليس مقابل التسلط عليهم ، لأن اموال الحكومة هي في الاصل وفي النهاية اموال عامة ، اي مملوكة لمجموع الشعب . الموظف بهذا المعنى اجير عند المواطنين ، وليس من المعقول ان يستأجر المواطنون من يهينهم او يعطل مصالحهم او يؤذيهم بمثل “تعال بكرة” ، و “شوف لك احد” و “تعرف الطريق” وامثالها
مثل كثير من المفاهيم والانظمة الجيدة التي تطبق بالمقلوب حين تنتقل الى مجتمعات متخلفة ، فان مسمى “المسؤول” اصبح عندنا علامة على صاحب السلطة ، اي الشخص الذي بيده الامر والنهي والقرار ، والذي يستطيع ان يفعل ما يشاء من دون ان يتعرض للمساءلة والمحاسبة . هذه الخلطة المقلوبة هي نتاج للثقافة التقليدية التي يمكن ان نصفها بالسلطوية ، والتي تخلط بين عنصري الادارة المدنية والسلطة السياسية ، وتنظر الى الاولى كامتداد للثانية
هذه الثقافة ليست حكرا على بلدنا او بلدان العالم الثالث ، فهي موجودة في كل بلاد العالم . لكن المجتمعات المتقدمة اكتشفت سوءاتها مبكرا وحاولت توفير علاجات . من ابرز هذه العلاجات هو اختصار مجال التصرف الشخصي للموظفين ، كبارا كانوا او صغارا ، وذلك بالتوسع في وضع القوانين واللوائح لكل كبيرة وصغيرة ، وجعل هذه القوانين – وليس رأي المدير - معيارا وحكما فاصلا بين الدائرة الحكومية وبين الجمهور.
ومن بين العلاجات الفعالة ايضا ، العلنية او الشفافية ، اي جعل عمل الدوائر الحكومية علنيا ومكشوفا للجميع ، وتمكين الصحافة وعامة الناس من مناقشة كل دائرة وتقييم ونقد موظفيها بأشخاصهم ووظائفهم ، بل نقد القوانين واللوائح التي تنظم عملهم. ومن بين العلاجات المؤثرة هو التغيير المنتظم لاصحاب المناصب ، كي لا يتحول المنصب الى عش للدبابير. على ان أبرز علاج هو توزيع السلطة وتوزيع مصادرها في المجتمع ، وبين أبرز آليات هذا التوزيع هو تعزيز منظمات المجتمع المدني ، تخصيص الخدمات العامة ، وتعزيزر اللامركزية الادارية.
تطوير الخدمة العامة يحتاج اذن الى تغيير في فلسفة الادارة الحكومية وفي البيئة الثقافية الحاضنة لها . وهذا يحتاج الى جهد واسع النطاق تشارك فيه اجهزة الاعلام والتعليم والهيئات التشريعية فضلا عن النخبة الاجتماعية ، وهو يحتاج خصوصا الى مُدونّة لحقوق المواطن يكون لها صفة قانونية عليا ويجري تداولها وشرحها حتى تتحول الى عنصر ثابت في ذهنية كل المواطنين.

عكاظ  12 سبتمبر2007  العدد : 2278

الأربعاء، 5 سبتمبر 2007

تحسين الخدمات العامة في المكاتب المهلهلة


معظم الدوائر الحكومية متقشفة وسيئة المظهر كما لو انها تنتمي الى دولة فقيرة. التبرير السريع الذي تسمعه حين تسأل هو ان الدائرة الحكومية «موقع عمل» وليست دارا او استراحة كي تنفق الحكومة على تجميلها. هذا التبرير غير منطقي لان بيئة العمل تمثل عاملا مؤثرا في الارتقاء بمستوى العمل المنجز او العكس.

الموظف الذي يعمل في مكتب مهلهل سوف يتعلم بالتدريج اللاابالية والاهمال واصطناع التبريرات، و سوف ينجز عملا يحمل – على الارجح - نفس الصفات. والحقيقة اننا نواجه على الدوام هذا النوع من الاعمال المنقوصة او المعيبة او البطيئة، ونقول في انفسنا:

 لو كان القطاع الخاص هو الذي ينفذها لكانت افضل واجمل واكمل. ولدينا اليوم امثلة واقعية تشير بوضوح الى ان التقتير والتقشف لم يكن هو الخيار الافضل، ولعل مقارنة خدمة الهاتف السعودي قبل التخصيص وبعد التخصيص هي اوضح الامثلة التي اختبرها كل مواطن وكل مسؤول. رغم الارتفاع الهائل في نفقات شركة الهاتف بعد تخصيصها، الا انها تربح اكثر وتقدم خدمة افضل وتوفر للحكومة اموالا اكثر مما كانت عليه فيما مضى، اي يوم كانت تتبع سياسة التقشف السائدة في الدوائر الحكومية.

التقتير سوف يصيب في المرحلة الاولى بيئة العمل. وفي المرحلة الثانية سيصيب الالتزامات اللاحقة، ولا سيما غير الظاهرة للعيان منها. وفي المرحلة الثالثة سيؤدي التقتير الى وقف او تأخير عمليات التطوير والتحديث وتحسين الكيفية. الامثلة على كل من هذه المراحل واضحة للجميع. المستشفى والمدرسة هي اوضح مثال. فالاغلبية الساحقة من مبانينا المدرسية تفتقر الى اي لمسة فنية او جمالية، انها اشبه بمكعبات من الحجر الترابي اللون القيت خطأ على ناصية الشارع، لا تتناسب شكلا او لونا او تصميما مع البيئة المحيطة ولا تشعر العاملين فيها بالراحة.

داخلها مثل خارجها يشعر بالكآبة احيانا وبالصرامة احيانا اخرى. بينما نحتاج الى بيئة مدرسية تماثل البيئة الطبيعية التي يعيش فيها الطالب، مثل البيت والحديقة والملعب، كي يشعر بالالفة والتناغم وعدم الانفصال عن عالمه الحقيقي حين يعبر بوابة المدرسة. نفس الصورة تجدها في دوائر الحكومة الاخرى. الجدران والابواب تقادم لونها، والاثاث مهلهل، والبناء بشكل عام يعطي انطباعا بأن احدا لا يهتم به.

اوضح الامثلة على الالتزامات اللاحقة التي تتأثر سلبيا بالتقتير، نجده في الشوارع. يتسلم المقاولون الشارع كي ينفذوا خطوط الكهرباء اوالهاتف او المجاري، ثم يعيدونه الى البلدية محطما مليئا بالحفر والمرتفعات والمنخفضات. تسأل اهل البلدية عن السبب وراء هذا فيقولون انه لا يوجد قسم لمراقبة الجودة. والسبب دائما هو عدم توفر ميزانية لتوظيف مهندسين متخصصين في هذا الجانب كي يحاسبوا المقاول ويتأكدوا من وفائه بالشروط المثبتة في العقد. نفس هذه الشوارع لا تحصل على اي صيانة دورية. تنفذ البلدية الشارع، ثم تتركه عشر سنين او ربما عشرين من دون صيانة.

يقول اهل البلدية ان لديهم برنامجا (على الورق) عن مواصفات كل طريق ودورات الصيانة اللازمة له، لكن ميزانية الصيانة لا توضع سلفا كي تتحول الى فرض سنوي لازم مثلها مثل الرواتب والمشروعات الجديدة. ولا يوجد اساسا قسم خاص لمراقبة الشوارع ومتابعة حاجاتها. ولعلنا البلد الوحيد الذي لا يجري فيه تجديد خطوط الطريق وعلامات المرور والارصفة بصورة دورية كما في كل بلدان العالم الاخرى.

وحين تاتي الى التحديث والتطوير تجد الامر نفسه. وقصة توفير انظمة الكمبيوتر لكل الدوائر الحكومية هي ابرز الامثلة على هذا. فالكثير من دوائر الدولة اشترى انظمة قديمة لانها ارخص، لكن الانكى من ذلك ان الجميع متفق على عدم تحديث الاجهزة والبرامج، مع ان دورة التقادم في انظمة الكمبيوتر لا تزيد عن اربع سنوات. كثير من الدوائر الحكومية يشكو من قلة او انعدام الميزانيات المخصصة للتحديث ولهذا فهي تعمل على انظمة انتهت صلاحيتها ولم تعد متوافقة مع اي منتج في السوق.

في هذه الايام يتحدث كثير من المسؤولين عن الحاجة الى مبان ذكية. المباني الذكية يمكن ان توفر الكثير من النفقات غير الضرورية. لكنها لا تفعل ذلك لمجرد اطلاق اسم «المبنى الذكي» عليها. انها تحتاج الى انظمة حديثة وفعالة. وهذا يحتاج الى اموال اضافية في البداية ويحتاج الى صيانة وتحديث مستمر، اي اموال اخرى.

زبدة القول ان الارتقاء بمستوى الخدمات الحكومية يحتاج الى تفكير منفتح، يتضمن بصورة خاصة اعادة النظر في مفاهيم كثيرة سائدة، ومن بينها خصوصا الميل الى التقتير والاقتصاد غير المبرر في النفقات.

وقد اشرنا في مقال الاسبوع الماضى الى بعض النواحي القانونية والادارية، وعرضنا هنا وهناك امثلة على كل جانب. ويبقى الجانب الاكثر اهمية في هذا الموضوع، وهو معالجة الفهم السائد للعمل الحكومي عند بعض الموظفين الذي يميل الى اعتباره نوعا من ممارسة السلطة، واستبداله بمفهوم «الخدمة العامة»، ولهذا حديث آخر ربما نعود اليه لاحقا.


« صحيفة عكاظ » - 5 / 9 / 2007م 

"الفرج بعد الشدة"

|| ما تحدثه الاوبئة من فتك بالبشر، ومن فوضى واضطراب في نظام العالم، تولد شعورا قويا بالحاجة للتغيير، اي ابتكار بدائل عن نظم عجزت عن احت...