17/07/2025

جزيرة وسط محيط الشر

 كثير من الناس يعتقدون في قرارة انفسهم ان العالم ليس عادلا ، او ان العدالة حلم مثالي لا يمكن تحقيقه في دنيا الانسان. أصحاب هذا الاعتقاد ليسوا من عامة الناس فقط ، فهناك – أيضا – علماء وزعماء واشخاص حصلوا من الدنيا على أفضل ما فيها ، لكنهم عجزوا عن فهم التوازن الطبيعي بين الخير والشر في العالم.

القديس أوغسطين (354-430م) واحد من اكثر الذين أثروا على التفكير المسيحي في أصعب ظروفه. حين غزت القبائل القوطية مدينة روما في 420م ودمرت ابرز قصورها وسلبت مبانيها وكنائسها ، بدأ كثير من الناس في التساؤل: هل تستطيع المسيحية إقامة العدل في هذه الدنيا ، ولو في الحد الأدنى ، أي ضمان دماء الناس واموالهم في مقابل الغزو والعدوان؟.

يقال ان اوغسطين كتب كتابه الشهير "مدينة الله" لمواساة الذين انشغلت أذهانهم بهذا السؤال. وكانت خلاصة الجواب الذي قدمه ، هو ان الكنيسة صورة رمزية عن العدل المتوقع في مدينة الله. اما العدل الكامل والحقيقي ، فهو ممكن فقط حين يتولى السيد المسيح زمام الأمور في الآخرة. بعبارة أخرى فان الشر هو الحاكم في العالم ، وان الكنيسة مثل جزيرة للخير وسط محيط الشر ، انها رمز لمدينة العدل التي لن تقوم في الحياة الدنيا.

هذا التصوير أقرب للتبرير منه الى الجواب الواقعي. وأراه منبعثا من رؤية متشائمة للعالم. ولو أخذنا بموقعه التاريخي ، فقد يوضح ان هذا النوع من القناعات قديم جدا في ثقافة البشر ، رغم انه يخالف القراءة المنصفة للتاريخ.

السؤال الذي يراودني بين حين وآخر: ما الذي يجعل الناس ، في مختلف الأزمان ، على قناعة بأن الشر اقوى من الخير في العالم؟. هذا بالطبع يختلف عن السؤال الفلسفي - الثيولوجي ، الذي يتناول مسألة الشر في العالم بذاتها. فأنا وغيري نعلم ان وجود الشر جزء من طبيعة الكون ، ولولاه لما أمكن تمييز الخير ولما كان للخير والعاملين به ، هذه القيمة الرفيعة في كل مجتمع.

أقول ان التجربة الواقعية للبشر عبر التاريخ ، لا تدعم تلك القناعة. كما يخالفها الواقع الذي نراه أمامنا كل يوم. قارن بين مساحة الشر ومساحة الخير ، بين عدد الأشرار وعدد الاخيار في العالم ، بين الأمناء والسارقين ، بين القتلة والمسالمين ، بين الملتزمين بواجباتهم والفوضويين ، بين من يحبون العلم ومن يستأنسون بالجهل ، في هذا الزمن وفي الأزمنة الماضية. سترى دائما ان الشر ليس سوى نسبة صغيرة ، وجودها يكشف عن حجم الخير في العالم. لأن الأشياء القيمة انما تعرف بالمقارنة مع أضدادها.

وجد عدد من علماء النفس ان الاذلال المتكرر ، إذا ترافق مع العجز عن المقاومة او الرد على العدوان ، يزرع في النفس اعتقادا بأن العدل غير ممكن في هذا العالم. وقد وجدت من خلال مطالعات سابقة أن كافة المجتمعات تقريبا تعرضت ، في فترة من تاريخها ، للقهر والاذلال ، على يد قوة محتلة او على يد حكومة جابرة او على يد عصابات محلية.

هناك بالتأكيد صلة بين تاريخ القهر وبين ثقافة المقهور الحالية. لكن السؤال الذي يبرز دائما: لماذا استطاعت بعض المجتمعات الخلاص من ذلك الشعور ، وبقي غيرها اسيرا له؟.

استطيع القول باختصار شديد ، ان التوجيه الثقافي يتدخل بشكل مؤثر ، في تحويل الشعور بالمهانة الى موقف عام تجاه العالم ، موقف يتسم بالارتياب والميل للقطيعة ، كما قد يفعل العكس ، فيضع اطارا يقيد ذلك الشعور ويعيد تعريفه كجزء من مرحلة تاريخية منتهية ، وبالتالي منعه من اختراق الزمن والتحكم في ثقافة المجتمع الحاضر.

زبدة القول: اذا سمعتم من يكثر الحديث عن الشر وهمينته في العالم ، ويقلل من قيمة الخير المحيط به من كل جانب ، فاعلموا ان وراءه ثقافة متشائمة ، لا تستند الى دليل قدر ما تستند الى انفعالات أو مبالغة في التقدير.

 الشرق الأوسط الخميس - 22 مُحرَّم 1447 هـ - 17 يوليو 2025 م  https://aawsat.com/node/5165543

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

سلوك النكاية

 اطرف رد تلقيته هذا الأسبوع ، سؤال استنكاري يقول صاحبه ".. وهل المركز الصحي او سفلتة الشارع في تلك القرية ، أهم من الوحدة العربية...؟...