‏إظهار الرسائل ذات التسميات الطائفية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الطائفية. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 6 أبريل 2009

عن الهوية والمجتمع



كتب الزميل داود الشريان شاكيا من تفاقم المشاعر القبلية والطائفية وتحولها إلى محرك للحياة الاجتماعية. وكان هذا الموضوع مدار مناقشات كثيرة في السنوات الأخيرة. وكتب زميلنا أحمد عايل في منتصف يناير الماضي داعيا إلى الاهتمام بقيمة الفرد كوسيلة وحيدة لمعالجة المشاعر التي تستوحي هويات دون الهوية الوطنية.

النقاشات العلمية في علاقة الهوية بالواقع الاجتماعي ليست قديمة. فأبرزها يرجع إلى أواخر القرن المنصرم. وبرزت خصوصا بعد ما وصف بانفجار الهوية في الاتحاد السوفيتي السابق.

 ثمة اتجاهان رئيسيان في مناقشة الموضوع، يعالج الأول مسألة الهوية في إطار مدرسة التحليل النفسي التي أسسها سيغموند فرويد، ويركز على العلاقة التفاعلية بين النمو الجسدي والتطور النفسي. بينما يعالجها الثاني في إطار سوسيولوجي يتناول انتقال الثقافة والقيم الاجتماعية إلى الفرد من خلال التربية والمعايشة. كلا الاتجاهين يهتم بدور المجتمع في تشكيل هوية الفرد، من خلال الفعل العكسي، أو الاعتراف بالرغبة الفردية كما في الاتجاه الأول، أو من خلال التشكيل الأولي لشخصية الطفل – المراهق عبر الأدوات الثقافية، كما في الاتجاه الثاني.

هوية الفرد هي جزء من تكوينه النفسي والذهني. وهي الأداة التي تمكن الإنسان من تعريف نفسه والتواصل مع محيطه. إنها نظير للبروتوكول الذي يستعمله الكمبيوتر كي يتعرف على أجزائه وما يتصل به من أجهزة. ولهذا يستحيل إلغاؤها أو نقضها، مثلما يستحيل إلغاء روح الإنسان وعقله. إلغاء الهوية أو إنكارها لن يزيلها من روح الإنسان بل سيدفع بها إلى الاختفاء في أعماقه. وفي وقت لاحق سوف يؤدي هذا التطور إلى ما يعرف بالاغتراب، أي انفصال الفرد روحيا عن محيطه، وانتقاله من الحياة الاعتيادية التي يتناغم فيها الخاص مع العام، إلى حياة مزدوجة، حيث يتعايش مع الناس على النحو المطلوب منه، بينما يعيش حياته الخاصة على نحو متناقض تماما مع الأول، بل رافض أو معاد له في معظم الأحيان.

الهوية الشخصية هي الوصف الذي يرثه الفرد من الجماعة الصغيرة التي ولد فيها، والتي قد تكون قبيلة أو طائفة أو عرقا أو قومية أو قرية أو عائلة أو طبقة اجتماعية. وحين يشب الطفل يبدأ في استيعاب هويات أخرى، أبرزها الهوية الوطنية، كما يطور هوية فردية غير شخصية ترتبط بالمهنة أو الهواية، وفي مرحلة لاحقة يطور هوية أخرى يمكن وصفها بالاجتماعية وتتعلق خصوصا بالمكانة التي يحتلها في المجتمع أو الوصف الذي يقدمه مع اسمه.

لكل فرد -إذن- هويات متعددة، موروثة ومكتسبة. يشير بعضها إلى شخص الفرد، ويشير الآخر إلى نشاطه الحياتي، بينما يشير الثالث إلى طبيعة العلاقة التي تربطه مع المحيط العام، الاوسع من حدود العائلة. يمكن لهذه الهويات أن تتداخل وتتعاضد، ويمكن لها أن تتعارض. في حالات خاصة يخترع الفرد تعارضا بين هوياته. لاحظنا مثلا افرادا يتحدثون عن تعارض بين هويتهم الدينية وهويتهم الوطنية أو القبلية. وقد يقررون – بناء عليه – التنكر لاحداها أو تخفيض مرتبتها، بحيث لا تعود مرجعا لتنظيم العلاقة بينه وبين الغير الذي يشاركه الهوية ذاتها.

لكن المجتمع هو المنتج لأكثر حالات الالتباس بين الهويات الفردية. في تجربة الاتحاد السوفيتي السابق مثلا، جرى إجبار المواطنين على التنكر لهوياتهم القومية والدينية والالتزام بالهوية السوفيتية في التعبير عن الذات. وفي تركيا الأتاتوركية أطلقت الدولة على الأقلية الكردية اسم «أتراك الجبل» ومنع التعليم باللغة الكردية أو استخدامها للحديث في المحافل العامة أو دوائر الدولة.

 وفي كلا المثالين، وجدنا أن النتيجة هي تحول الهوية القومية إلى عنصر تضاد مع الهوية العامة. ولهذا يركز الأكاديميون اليوم على دور الهوية في تحديد مؤثرات الحراك الاجتماعي.. مسألة الهوية لا تعالج بالوعظ الأخلاقي، بل تحتاج في الدرجة الأولى إلى فهم معمق للتنوع القائم في كل قطر وكيفية تأثيره على المجتمع، ثم التعامل معه بمنظور الاستيعاب والتنظيم.
عكاظ 6 ابريل 2009

الخميس، 28 أغسطس 2008

دين يصنع الجماعة ودين تصنعه الجماعة



تجميد اتفاق التفاهم بين حزب الله والجمعيات السلفية في شمال لبنان ينطوي على مدلولات تستحق التأمل . سوف اركز هنا على زاوية محددة تدرس عادة في اطار علم اجتماع الدين. يدرس هذا الحقل كيفية تاثير الدين في افعال الافراد وحياتهم الاجتماعية ، وصولا الى تاثير العوامل الدينية في تنظيم المجتمع وحركته. وهو ينظر الى الطرفين : الدين والجماعة كعاملين متفاعلين ، كل منهما يعيد صياغة الاخر على ضوء التاثيرات التي يتلقاها من العوامل الاخرى خارج اطار كل منهما . وكمثال على ذلك فان دين الجماعة (او مذهبها) يسهم في تمايز هويتها عن الجماعات الاخرى كما يسهم في ترتيب همومها واولوياتها على نحو مختلف عن غيرها. وفي المقابل فان اسلوب حياة الجماعة ، مصادر عيشها ، تراثها الثقافي ، وتجربتها التاريخية والحياتية ، ذات تاثير عميق على فهمها للقيم الدينية . ولهذا السبب نجد مجتمعات تتبنى نفس الدين (او المذهب) لكنها تتفاوت في فهمها للقيم الخاصة بذلك الدين او المذهب ، وتتفاوت في ترتيب نقاط التركيز والاولويات ونطاق المباحات والمحرمات او المكروهات.  من هذه الزاوية يختلف السلفيون اللبنانيون عن نظرائهم السعوديين في تحديد نطاقات الالتزام والامتناع . ترى ذلك واضحا في احكام الستر والنظر وعلاقة الرجال بالنساء ، وفي العلاقة مع غير السلفيين وغير المسلمين بشكل عام. ويختلف الشيعة البحرانيون والسعوديون عن نظرائهم اللبنانيين والايرانيين والعراقيين في تلك الموارد وفي العلاقة مع الدولة ، كما في الاطار القيمي لطرق ومصادر المعيشة ونواظمها. العامل الذي صنع الفرق هو فهم كل من هذه المجتمعات لمقتضيات واولويات دينه (او مذهبه) وكيفية انطباقها على وقائع الحياة اليومية ، وهو فهم متاثر كما اسلفنا بعوامل ثقافية واجتماعية واقتصادية تولدت في مجملها خارج اطار الدين والجماعة.
موضع اهتمامنا هنا هو الشق الثاني ، اي كيف تعيد الجماعة صياغة دينها على ضوء ضرورات ومتغيرات الحياة اليومية . وسوف اركز خصوصا على تصور الجماعة للمصلحة (التي تسند دائما الى مبررات دينية). في تبريره لتجميد اتفاق التفاهم مع حزب الله قال الشيخ حسن الشهال رئيس "جمعية العدل والاحسان" السلفية انه مهتم بتهدئة  "الساحة السلفية" من الخلافات التي اثارها الاتفاق. وفسر ذلك بان الاتفاق كان يستهدف في الاساس اتقاء التناحر والنزاعات ، وتحصين الساحة اللبنانية ، وان التوقيع جاء: "إيمانا منا بالمنهج الإسلامي السلفي الصحيح" . لكنه ادى من جهة ثانية الى اختلاف داخل الطائفة السنية ، وان بعضهم اعتبره تجاوزا لدار الفتوى التي ينظر اليها كراس للهرم الديني السني ولتيار المستقبل وزعيمه سعد الحريري الذي يمثل الطائفة سياسيا ، كما عارضه بعض الزعماء السلفيين . ولهذا فان سلم الاولويات سوف يتغير وينتقل من تحصين الساحة اللبنانية الى تحصين الساحة السنية ولا سيما السلفية.
استقبلت الساحة اللبنانية اتفاق التفاهيم السلفي – الشيعي كخروج معلن من بيت الطاعة الذي تمثله الزعامة التقليدية المتمثلة في دار الفتوى وتيار المستقبل. ونظر اليه كثيرون كتمهيد لدخول التيار السلفي في الانتخابات النيابية القادمة منافسا لتلك الزعامة. وايا كانت نية اطراف الاتفاق ، فان النتيجة النهائية هي تحول التيار السلفي من جماعة دينية خارج السياسة الى جماعة سياسية تهتم باستثمار مخزون العواطف الدينية لصالحها بعدما كان احتياطيا مفتوحا لتيارات اخرى ، من تيار الحريري الى العائلات التقليدية مرورا بالاحزاب المختلفة النشطة على الساحة اللبنانية. بعبارة اخرى نحن نتحدث عن محاولة مقصودة لتحويل العلاقة الدينية من عامل محايد مفتوح للجميع الى فاعل محدد الاتجاه يخدم الجماعة السياسية ومشروعها الخاص. جاء الاتفاق كما قال الشهال تعبيرا عن المنهج الاسلامي السلفي الصحيح ، ولا بد ان تجميده يعبر عن ذات المنهج ، فاصحاب المنهج لا يرون انفسهم مخطئين او خارجين عليه . تكشف هذه المفارقة عن تحول مثير في فهم وتطبيق المنهج ، جرى خلال 48 ساعة فقط. فهل كانت الجمعيات الموقعة على الاتفاق جاهلة واكتشفت خطأها بعد ساعات من التوقيع ؟. ام انها اعادت تحديد المصالح والاولويات على عكس ما كانت قد توصلت اليه سابقا؟. هل كان الاتفاق عملا صالحا وتراجعت عنه ، ام كان فسادا اقدمت عليه ثم تابت الى الله منه ؟.
الواضح ان الحساب هنا ليس بمثل هذا التحديد . فقد وضع الاتفاق وتقرر التراجع عنه على ضوء حسابات عقلية للمصالح الخاصة بالجماعة . ما كان يحرك الجماعة في اول الامر هو مصلحتها الخاصة ، وما حركها في نهاية المطاف هو مصلحتها الخاصة ايضا . لكنها ادخلت القيمة الدينية كعامل تبرير وتسويغ لتلك المصلحة في الحالين. نحن اذن لا نتكلم عن دين يحدد ما هو صالح وما هو فاسد ، بل ارادة بشرية تقرر ما هو ديني ، اي صالح ، وماهو غير ديني ، اي فاسد. بعبارة اخرى فان الدين هنا صنيعة الجماعة وانعكاس لمصالحها ، وليس العكس.
يرفض التيار الاسلامي بجميع فصائله تقريبا العلمانية ويعتبرها خروجا عن الدين . لكن في التحليل العلمي يعتبر السلوك السابق علمانيا . لو قربنا المسألة بجعل العلمانية مساوية لعرف الجماعة ، اي اتخاذ القيم التي يصنعها البشر – وليس الوحي - معيارا للصلاح والفساد في فهم الدين او في تطبيقه ، فان ما حصل ينطبق عليه وصف العلمانية لان راي البشر ومعاييرهم قد طبقت في واحد من الحالين على الاقل ، اي في توقيع الاتفاق او في تجميده. هذه العملية التي يمارسها عامة الناس ، فضلا عن الجماعات السياسية كل يوم تقريبا ، تنطوي على اعادة صياغة للقيمة الدينية كي تطابق العرف مثلما يفصل الخياط الثوب كي ياتي على قياس لابسه . القيمة الدينية هنا مثل الثوب واللابس هو العرف او مصلحة الجماعة.
زبدة القول ان المثال السابق يكشف عن طبيعة التفاعل القائم بين الدين والجماعة ، وكيف ان الجماعة تعيد يوميا صياغة دينها وتؤثر فيه مثلما يؤثر الدين في الجماعة ويسهم في تحديد هويتها وسلوكها.

الأربعاء، 17 يناير 2007

عن طقوس الطائفية وحماسة الاتباع


يقول لي كثير من الناس ان الفتنة المذهبية في العراق سوف تؤدي الى كثير من النتائج الوخيمة. لكني لا اشك ان اسوأ تلك النتائج سوف يكون تراجع الايمان الديني في نفوس الناس. بل قد لا يكون من ضروب المبالغة القول بان هذا التراجع قد بدأ فعلا، رغم ما يظهر على السطح من تضخم في التيار الديني– السياسي وتضخم في ممارسة الطقوس ذات اللون الديني من جانب الجمهور. كثير من الدعاة غافل عن هذه المفارقة، أي تضخم التيار وممارسة الطقوس من جهة وتراجع الايمان من جهة أخرى. وسبب الغفلة هو التباس الايمان الديني بالتدين الطائفي، وتحول الانتماء الديني الى انتماء طائفي.
 ثمة علامات واضحة تسهل التمييز بين الايمان الديني والتدين الطائفي، فالايمان قرين التواضع والمسالمة والمحبة والصبر والايثار، بينما الطائفية قرين الترفع والكبر والكراهية والوجل والاستئثار. المؤمن محب لخير الناس متعاطف معهم في مصابهم ولو كانوا بعيدين عنه او مخالفين له. اما المتدين الطائفي فهو محب لنفسه منحاز لقومه حين يصيبون وحين يخطئون. والمؤمن منشغل بحياة الروح وصيانة جمالها، اما الطائفي فهو منشغل بحسابات الربح والخسارة المادية الدنيوية. من كل هذه الصفات نستطيع التمييز اذن بين دعاة الطائفية ودعاة الإيمان ، فدعوة الطائفيين محورها الصراع مع الغير، وهم لا يرون الدين الا منابذا للغير، اما دعاة الايمان فمحور اهتمامهم هو المسالمة والتقارب والمحبة والحوار.

 في تسعينات القرن المنصرم، اهرق الكتاب والخطباء المسلمون انهارا من الحبر وساعات طويلة من الكلام في تفنيد نظرية المفكر الامريكي صامويل هنتينجتون عن  صدام الحضارات، وهاهم اليوم يتفرجون على انهار من دماء المسلمين تراق في سبيل مقعد اضافي في الحكومة، او مكسب هنا او هناك. والغريب في هذه المقارنة ان  متفرجي اليوم لا يسألون انفسهم عما اذا كان الدين الذي خافوا عليه عندما نشر هينتنجتون نظريته المشهورة هو دين الله الذي يجمع المسلمين كافة، وهو رسالة الرحمة والمحبة لجميع البشر – كما هو المفهوم في العموم-، ام هو الدين الشخصي (او المدني حسب وصف جان جاك روسو) الذي لا يتجاوز حدود الفرد والجماعة الخاصة التي ينتمي اليها.

 يتبارى دعاة الطائفية في تحليل مكاسب وخسائر الصراع الطائفي في العراق وغير العراق، ويستدلون بكل منها على وجوب تشديد النكير على الغريم (أي المسلم من الطائفة الاخرى) والتنكيل به والمبالغة في النيل منه، ويكيلون الشتائم ضد الداعين الى السلام ونبذ العداوة والكف عن العدوان. جميع هؤلاء يعرفون تجاوز اصحابهم لحدود الله بقتل الآمنين وتدمير دورهم ومصادر رزقهم ونيلهم من الضعيف والمسكين، لكنهم يغضون الطرف عن هذا وذاك بينما يضخمون ما فعل الغريم ولو كان تافها او صغيرا، ويصحّ عندهم قول من قال «قتل امرئ في غابة جريمة لا تغتفر وقتل شعب كامل مسألة فيها نظر».

 حين يسيطر الطائفيون على ساحة الفعل يتوارى دعاة الفضيلة والايمان. فاذا سمعت قعقعة السلاح، واذا سمعت الاصوات العالية المنادية بالويل والثبور وعظائم الامور، فاعلم ان الايمان قد انحسر. يُروى في الاثر  ان الله عز اسمه قد اوحى الى احد انبيائه عليهم وعلى نبينا افضل الصلاة والسلام «تجدني عند المنكسرة قلوبهم»، فأين انكسار القلب عند من يدعو الى القتل والتدمير او يبرر القتل والتدمير؟.

 الايمان مثل النسيم يهب على النفوس فينعش فيها الامل و الرغبة في البناء والكمال. والطائفية مثل النار تشعل القلوب والنفوس اينما حلت. وفي مثل هذا العصر الذي تجاور اهله واتصلت اطرافهم وتواصلت احوالهم، فان اندلاع النار الطائفية في أي بلد حري بان يوقظ مخاوف الاباعد فضلا عن اهل الجوار. وحري بنا نحن جيران العراق ان نتبادر الى اطفاء هذه النار قبل امتدادها. ثمة من قومنا من ترك هموم العالم كله وفرغ نفسه كي يستثمر ما يجري في العراق وغير العراق في شحن النفوس بالعداوة والبغضاء لهذه الطائفة او تلك.

اولا يخشى هذا وامثاله من امتداد تلك النار، ام انه لا يفرق بين صراع من اجل الدين وصراع من اجل الطائفة؟، او لعله نسي ما يمتاز به الدين الحنيف من دعوة الى المسالمة والرحمة والحوار والاخوة، مع الابعدين فضلا عن الاقارب. لقد كنا نقارع الذين اتهموا ديننا بالارهاب وتبرير الارهاب بحجج من مثل ان الاسلام الحنيف يحض على السلام وانه دين السلام، فاين هذا الكلام من الخطب النارية التي نسمعها اليوم في بعض المساجد او نقرأها في بعض الصحف ومواقع الانترنت والمجالس من تهجم على بعض طوائف المسلمين وسخرية بمعتقداتهم ونيل من اشخاصهم وتحريض للاتباع والجهال عليهم ؟.

 اول العقل هو التمييز، والعاقل هو من يميز بين الاشياء المختلفة فيضع كلا منها في موضعه، خلافا للجاهل الذي يخلط بين الشيء ونقيضه. بدأ الخصام في العراق بين احزاب وجماعات سياسية يسعى كل منها للحصول على حصة الاسد من الغنيمة وهذا طبع السياسة، واستثمر كل منها بيئته الاجتماعية للوصول الى اغرضه. وقد اثمر هذا عما نعرفه اليوم من اصطفاف طائفي وقبلي يوشك ان يقود الى تقسيم العراق.

وسط هذا الموج المظلم نسي الكثير من الناس ضرورات الايمان وحلت في انفسهم ضرورات القبيلة والطائفة. يفهم العاقل ان هذا شأن يخص العراقيين، وليس له من علاقة ضرورية بمعتقدات او قناعات. انه بعبارة اخرى حراك اجتماعي مرتبط بالشروط الاجتماعية الخاصة بالعراق لا بعقائد اهله. 
ومن العقل حينئذ ان لا نخلط بين هذا وذاك، فضلا عن ان نتلبس بأوصاف لا تخصنا ولا مبرر لها في بلدنا، وهي ليست من الطيبات كي نتشبه بأهلها، وليس اهلها قدوة لنا كي نفعل ما فعلوا.

 بدل نقل النار الى ثيابنا، دعونا نسعى في اطفائها، فهذا خير واقرب لرضا الله من ذاك. واذا لم نسع في اصلاح ذات البين فان الدين سيكون الخاسر الاكبر. ربما يزيد الاتباع ويشتد حماسهم، وربما تتضخم الممارسات الطقوسية، لكن ايا منها لا يدل على ارتقاء الايمان بل هيمنة الطائفية، والفارق بين الطائفية والايمان مثل الفارق بين النار والنسيم.

عكاظ 17 يناير 2007

الثلاثاء، 14 مارس 2006

حزب الطائفة وحزب القبيلة




تعقيبا على مقال الاسبوع الماضي ، كتب لي احد الزملاء قائلا ان الحزب السياسي ليس مفيدا في المجتمعات العربية ، لان نظامها الثقافي والعلائقي لايسمح للحزب بدور كالذي نعرفه في المجتمعات المتقدمة . وبالتالي فان الكلام عن تدريب النخبة والتاثير في الحياة السياسية عن طريق الحزب هو كلام غير واقعي .

هذا الراي ليس جديدا فقد لاحظ باحثون غربيون منذ منتصف القرن الماضي ان كثيرا من احزاب  العالم الثالث هي مجرد صور "حديثة" عن التكوينات الاجتماعية القديمة ، الطائفية او القبلية او الاثنية . وينطلق هذا الراي من مراقبة واقعية لعمل الاحزاب في المجتمعات التقليدية او تلك التي تمر في مرحلة الانتقال نحو الحداثة . لكنه لا يقدم صورة كاملة عن واقع تلك الاحزاب او المجتمعات.
لكي نفهم الدور الممكن للحزب فاننا بحاجة الى فهم الهوية الاجتماعية التي يمثلها . كل مجتمع ، في اي بقعة من العالم ، هو تركيب من مجموعة كتل ، تتمايز عن بعضها بهوية موروثة مثل الدين او العرق ، او هوية مكتسبة مثل المصلحة او الايديولوجيا . تتضح اهمية هذا التقسيم بالنظر الى مكانة الفرد وقدرته على اختيار نوعية حياته . اذا قام النظام الاجتماعي على اساس الهويات الموروثة ، فان حدود حركة الفرد والمجالات المتاحة له ، تتحدد من قبل ان يولد. في لبنان مثلا ، لا يستطيع المسلم ان يسعى الى رئاسة الجمهورية ولا يستطيع السني ان يسعى الى رئاسة البرلمان او الشيعي الى رئاسة الوزراء ، بغض النظر عن مؤهلاته او قوته السياسية ، لان النظام ربط هذه المواقع بهوية موروثة وليس بكفاءة الافراد او جنسيتهم الوطنية .

خلافا لهذا ، فان قيام العلاقة على اساس الهوية المكتسبة سوف يوفر مظلة لجميع لافراد من مختلف الكتل الاجتماعية للسعي المشترك نحو مصلحة حاضرة ، لا علاقة لها بانتماءاتهم الجبرية او بارث الاموات . يمكن اذن تصور التقسيم الاجتماعي على واحد من نسقين : نسق عمودي يضم الهويات الجبرية او الموروثة ، ونسق افقي يضم الهويات الاختيارية او المكتسبة . من الواضح – نظريا على الاقل – ان قيام النظام الاجتماعي على الاساس الثاني هو الفرصة الوحيدة التي تسمح بمنافسة بين الافراد تعتمد اولا واخيرا على مؤهلاتهم وانجازاتهم الفردية . وحينئذ فان الفرد القادم من قبيلة صغيرة او طائفة محدودة العدد او من اقلية عرقية ، مثل الفرد الذي ينتمي لاكثرية دينية او عرقية او قبلية ، سيكون قادرا على التنافس على اي منصب في الدولة او مكان في المجتمع ، وسيكون جواز مروره الوحيد هو كفاءته الشخصية وليس هويته الموروثة. 
من نافل القول ان افضل المجتمعات واقدرها على التقدم ، هي تلك التي تسمح بالمنافسة المتساوية على اساس الكفاءة.

 ولا شك ان اعتبار الكفاءة معيارا اساسيا لنيل المناصب هو الطريق لاجتثاث التوترات الاجتماعية ودفع القوى الاجتماعية للخروج من شرنقة الطائفة او القبيلة . دعنا نتصور ان جمعية سياسية في بلد مثل البحرين اشترطت ان تتالف قيادتها من طيف متنوع فيه المراة والرجل ، الشيعي والسني ، المتدين والعلماني ، الحضري والقبلي . حينئذ سوف نجد عند هذه الجمعية خطابا سياسيا مختلفا ، وسوف نجد اولويات عمل مختلفة ، كما سنجد ان عملها لا ينحصر في منطقة دون اخرى او نطاق اجتماعي دون آخر. رد فعل الشارع على هذا التكوين سيكون مختلفا هو الاخر ، اذ ان كل فرد على امتداد البلد سيجد فيها فرصة للتعبير عن ارادته او نيل تطلعاته .

صحيح ان المجتمعات العربية لا زالت منحازة الى هوياتها الموروثة ، لكن هذا ليس وضعا نهائيا ، بل هو تعبير عن حداثة التجربة السياسية ، وقلة الشعور بالامان . ومن هذه الزاوية فان الرهان على مستقبل افضل هو رهان جدي وينطوي على احتمالات لا يستهان بقوتها .

تدل التجربة الفعلية للعالم العربي ان احزاب الطوائف والقبائل قد ساهمت في تعزيز الانقسام الاجتماعي ، وساهمت احيانا – ربما عن غفلة – في احياء نقاط توتر كانت قد ماتت ، في سبيل الحصول على المزيد من التاييد . وفي ظني ان هذه مرحلة لا مفر من المرور بها قبل نضج التجربة والانتقال من صورة حزب الطائفة او القبيلة الى حزب الوطن . لكن الامر الجدير بالاهتمام في كل الاحوال هو نقد هذه التجربة والتركيز على مرحليتها وضرورة تجاوزها في وقت معلوم . لا يمكن للقبيلة او الطائفة ان تتجاوز حدودها لانها في الاساس قامت للحفاظ على تلك الحدود .

خلافا لذلك فان معظم الاحزاب العربية – الاسلامية والعلمانية – تنكر ان هدفها هو المحافظة على تلك الحدود ، حتى لو كانت قد قامت اصلا في داخلها . واظن ان قادة هذه الاحزاب يشعرون بالحرج لانحصارهم هناك ، حتى لو كانوا مستفيدين منها.  يقدم مثال الهند دليلا على قابلية الحزب لاختراق حدود الطائفة والقبيلة ، فرئيس الجمهورية الحالي مسلم ، ورئيس الوزراء سيخي ، وينتمي كلاهما الى حزب المؤتمر الذي يملك الغالبية في البرلمان . يمثل السيخ اثنين في المائة والمسلمون ستة عشر في المائة من الشعب الهندي ، اي ان المنصبين الرئيسيين في البلاد قد منحا لرجلين يمثلان اقل من خمس السكان ، وقد وصلا الى هذه المكانة باصوات اكثرية من النوب الهندوس الذين تتجاوز نسبتهم سبعين بالمائة من السكان ومن اعضاء البرلمان . مثل هذا الانجاز المثير اصبح ممكنا بفضل وجود حزب يتخذ الهويات المكتسبة معيارا وحيدا للتقدم . ولو كان المعيار هو الهوية الموروثة ، لكان من المستحيل ان يصل مسلم او سيخي الى اي منصب في تلك البلاد.

"الفرج بعد الشدة"

|| ما تحدثه الاوبئة من فتك بالبشر، ومن فوضى واضطراب في نظام العالم، تولد شعورا قويا بالحاجة للتغيير، اي ابتكار بدائل عن نظم عجزت عن احت...