الأربعاء، 24 يناير 2001

عن تدخل العامة في سياسة الدولة


تحدثت يوما مع وزير يعتبره الناس مثقفا وصريحا عن مظاهر القصور في وزارته ، فطلب مني تقديم الملاحظات مكتوبة ، ولأني لا اجيد غيرهذا العمل ، فقد قدمت لـه ما ظننت انه صورة وافية عن القصور المزعوم ، مبينا اسبابه وانعكاساته ، كما اقترحت سبلا للعلاج ظننتها غير مكلفة ، وسررت لانه استقبل تلك الملاحظات بترحاب كبير ، وظننت اني قد فعلت شيئا مهما ، لكن بعد نحو عام من ذلك ، لاحظت ان ما شكوت منه لم يتغير فيه شيء ، فتحدثت مرة أخرى إلى الرجل الذي اخبرني ان فلانا - وهو وزير مثله ، لكنه ارفع مقاما - طلب اليه ترك الموضوع ، وفي النقاش طلب مني صراحة عدم التدخل في سياسات الدولة ، لان بعض اولي الامر لا يرحبون بتدخل العامة في امورهم ، وذكرت هذه القصة لرجل من اعيان البلاد ، فقال لي ما هو ادهى ، وذكر انه يلتقي عادة مع كبار القوم في مجالسهم أو مكاتبهم ، وقد تجرأ احيانا فطرق ما يعتبره قضايا سياسية ، وفي ثلاث مرات على الاقل قال لـه صاحب المجلس ان الموضوع معروف لدى اولي الامر ، ولديهم رؤيتهم الخاصة بشأنه ، وهذا كلام فحواه (ان هذا ليس من شأنك) ، وقادني هذا إلى البحث عن اسباب التكتم الشديد لكبار القوم على اعمالهم ، فتتبعت تصريحات ادلى بها احدهم طيلة شهرين ، وفي المحصلة وجدت ان بالامكان تلخيصها جميعا في اقل من عشر كلمات تكررت دائما ، ولم يكن في اي منها خبر جديد مما يرغب الناس في معرفته ، وبكلمة أخرى فان الرجل كان حريصا على ابقاء جميع ما سئل عنه مكتوما رغم الحاح الصحفيين .
لدينا في الخليج عشرات من الصحف ، ولو حسبت صفحاتها لبلغت بضع مئات كل يوم ، لكنك - مع ذلك - لا تجد فيها ما تريد ، فتضطر إلى البحث عن المعلومة والخبر في الصحافة الاجنبية ومصادر المعلومات خارج الحدود ، والطريف في الامر ان الاداريين والمسؤولين في الدولة يعانون من هذه المشكلة - مثل عامة الناس تماما - واعرف عددا كبيرا منهم يهتم بقراءة الصحافة الاجنبية لمعرفة ما يجري في بلده ، كما ان الراديو والتلفزيون المحلي ليس على الاطلاق مصدر الاخبار التي يرغبون في معرفتها .

وكنت اظن دائما ان الامر يتعلق برغبة في العمل واعراض عن الدعاية ، لكني اجد الان ان هؤلاء يتكلمون كثيرا ، لكنهم لا يقولون - في المحصلة - اي شيء ، الوزير يتحدث عن كل شيء ، لكنه لا يتحدث عن عمل وزارته إلا إذا كان مدحا ودعاية ، والسياسي لا يتحدث عما يواجه إلا إذا كان انشاء وبلاغة ، ولهذا السبب فان الناس لا يعرفون حكومتهم على وجه التفصيل ، لا يعرفون ما ذا تفعل ، ولا يعرفون كيف تجري الامور ، لا يعرفون النجاحات الحقيقية ، ولا يعرفون الصعوبات التي تمنع النجاح ، ولهذا ايضا فانهم غير جاهزين للتعاون معها ، لان الانسان يعين فيما يعرف .

وثمة في العالم العربي انطباع شائع مفاده ان الدولة هيئة تخص من يقودونها ، وان السياسة عمل يقوم به هؤلاء ، دون غيرهم ممن هم خارج الاطار الدولتي ، ولهذا فان (التدخل في السياسة) يعتبر تهمة في كثير من اقطار العرب ، وقد اضيفت اليها اخيرا تهمة (ادخال الدين في السياسة) وسبب الاتهام بالطبع هو الوصلة السياسية وليس الدين ، ان ادارات المباحث وامن الدولة والاستخبارات ، التي تنفق عليها الحكومات مبالغ طائلة ، هي منظمات متخصصة في مراقبة واحيانا مكافحة التدخل في السياسة ، ومما يذكر على سبيل الطرفة ان رئيس دولة سابق منح ترحيصا لصحيفة اسبوعية ، وذكر فيه شروطا ، من بينها عدم تدخل الصحيفة في السياسة ، ونعلم الان ان اقطار الخليج جميعا تتشدد في منح تراخيص لصحف أو مجلات سياسية ، بينما تتسامح في غيرها ، وهذا شبيه لحال معظم الاقطار العربية ، حيث تحتكر الدولة أو جهات محددة حق اصدار المطبوعات السياسية .
خلال السنوات الاخيرة اكتشفت وزارات الاعلام والنخبة المثقفة في المنطقة ، ان قنوات الاذاعة والتلفزيون المحلية وكثير من الصحف ، خسرت اهتمام الناس الذين اصبحوا زبائن ثابتين لمصادر المعلومات الخارجية ، وظهر من خلال النقاش ان العلة الرئيسية هي افتقار المصادر المحلية إلى المعلومات الحية ، وافتقارها إلى حرية التعبير ، لكن الكبار قرروا في نهاية المطاف ان خسارة اهتمام الجمهور ، اهون اثرا من خسارة التقليد العريق في التكتم ، اتباعا لمفاد المثل المشهور عندنا في اقفال الباب الذي ياتي منه الريح ، بدل الاستعداد لمقابلة التحدي بما يناسبه ، واتذكر الان طرفة عن صحفي امريكي تحدث مع زميل عراقي ، فقال لـه انهم في واشنطن احرار يستطيعون قول كل شيء ولو كان مدحا لرئيس العراق وقدحا في رئيس الولايات المتحدة ، فقال لـه العراقي انهم في بغداد يفعلون ما هو اكثر، فهم احرار في مدح رئيسهم وقدح الرئيس الامريكي والبريطاني وكل رئيس غربي آخر ، وهي طرفة تعبر عن واقع الحال في المنطقة ايضا ، فانت تستطيع معرفة اخبار العالم كله في الصحافة المحلية ، ما عدا اخبار البلد الذي تصدر فيه الصحيفة .

يفترض - نظريا - ان الدولة جهاز لخدمة الشعب ، وقد بالغ بعضنا فوضع لافتات تقول ان الشرطة ايضا في خدمة الشعب ، مع اني لم اجد اي شرطة في العالم العربي تفعل ذلك ، لا لانها لا تعمل شيئا ، بل لانها لا تصدر في عملها عن منطق الخدمة ، اي كونها جهازا تابعا للمجتمع وخادما لـه ، كذلك فان الدولة في منطقتنا لا تصدر عن هذا المنطق ، فهي ترى نفسها ، واصحابها يرونها ويرون انفسهم - بطبيعة الحال - فوق المجتمع ، يستمدون مشروعية عملهم من الدولة ذاتها ، وليس من التفويض الصريح اوالضمني الذي يحصلون عليه من المجتمع .

هذه الفوقية ، وذلك التكتم - وهما كما قلت من الطبائع السائدة في العالم العربي - ادت إلى تشديد عزلة الدولة ، وفي بعض الاقطار ، إلى قيام علاقة بينها وبين المجتمع مضمونها الاساسي العداوة أو الارتياب ، فالدولة ترتاب من شعبها ، والناس يرتابون في دولتهم ، فكانهما خصمان يراقب كل منهما الآخر قلقا من ان يباغته فينقض عليه .

ومن هنا نجد ان دول المنطقة تخصص جزء كبيرا من مواردها لقطاع الامن ، واعرف شخصيا ان اعضاء جهاز الامن في إحدى اقطار المنطقة ، يزيدون مرتين ونصف عن عدد الجيش النظامي ، ويستأثرون بنحو عشرين بالمائة من النفقات الحكومية ، وهو يكشف عن طبيعة التحديات التي يستشعرها اولو الامر ، مع ان هذا البلد - مثل جميع اقطار الخليج الأخرى - لا يواجه تحديات كبرى على المستوى الداخلي ، لكن الشعور بالعزلة والارتياب المتقابل ، هو الذي يجعل لهذا النوع من السياسات اولوية على غيره .

وزبدة الكلام ان انعدام الشفافية وحجب المعلومات قد ترك انعكاسات سلبية كبيرة على الدولة نفسها وعلى المجتمع وعلى العلاقة بين الطرفين ، وسوف نعرض جوانب أخرى في مقالات لاحقة ، لكننا اليوم بحاجة إلى استعادة الثقة بين المجتمع والدولة ، واول الطريق إليها المكاشفة والمصارحة ، التكتم مريح لصاحبه ، لكنه مدمر للثقة التي تحتاج اليها الدولة ولا سيما في اوقات الازمة ، المصارحة تدعو الناس إلى اعذار المسؤولين وتقدير جهودهم ، والريبة تدعوهم لسوء الظن وتعليق المشكلات ، كبيرها وصغيرها ، على تقصير المسؤولين وانشغالاتهم الشخصية .

الرأي العام 24 يناير 2001

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

"الفرج بعد الشدة"

|| ما تحدثه الاوبئة من فتك بالبشر، ومن فوضى واضطراب في نظام العالم، تولد شعورا قويا بالحاجة للتغيير، اي ابتكار بدائل عن نظم عجزت عن احت...