‏إظهار الرسائل ذات التسميات اشعيا برلين. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات اشعيا برلين. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 6 فبراير 2019

الحرية في الفقه.. مشكلة المفهوم


||انفصال المعرفة الدينية عن تيارات الحداثة ، أبقى ثقافتنا العامة اسيرة للتراث القديم بلغته ومفاهيمه وطرق تعبيره الخاصة.||

النقاش حول مقالة الاسبوع الماضي ، لفت انتباهي الى غفلتنا عن التحول التاريخي للمفاهيم والمصطلحات وحتى المعاني الأولية للالفاظ. وذكرني هذا بقصة في بواكير دراستي لاصول الفقه ، قبل اربعة عقود تقريبا. فقد اطنب الاستاذ في شرح العلاقة بين اللفظ و المعنى والفرق بينهما ، وبين العام والمصطلح ، وبين المعنى الحقيقي والمجازي.. الخ.

لا اتذكر الآن مما تعلمته يومذاك ، سوى اشارات بقيت في الذهن ، من بينها تأكيد الاستاذ على ان "التبادر علامة الحقيقة". والمقصود بهذا القول ان لكل لفظ معنى حقيقي ، نعرفه اذا تبادر قبل غيره الى أذهاننا. ووفق ما تعلمته يومئذ فان المعنى الأول للفظ يبقى لصيقا به على الدوام.
ومرت السنين ، فتعلمت ان اللغة ليست كائنا مستقلا ، بل هي جزء من ثقافة المجتمع الذي يتحدثها ، وانها – خلافا لما تعلمته سابقا – لا تنتج المعاني. فالمجتمع هو الذي ينتج المعاني ، ويلصق بكل منها اللفظ الذي يراه قادرا على حمل المعنى وايصاله.
اما المعاني فهي التصوير الذهني لعناصر الواقع ، المادية مثل التعاملات ، والنظرية مثل الاخلاقيات والمعارف والجماليات والمثل والاعراف.

المعاني اذن هي ما نريد التعبير عنه حين نتحدث. اما اللفظ فهو وعاء المعنى او ظرف الرسالة. ونعلم ان الناس لا ياكلون الوعاء ، بل الطعام الذي فيه ، ولا يهتمون بالظرف الذي يحمل الرسالة ، بل بالرسالة التي في الظرف.
بعد هذا الاستطراد  اعود الى مقالة الاسبوع الماضي ، التي ذكرت فيها ان مفهوم الحرية في التراث الفقهي الاسلامي محدود في معنيين ، هما الاسر/السجن والرق/العبودية. فقد اثارت هذه الدعوى جدلا ، فحواه انها تنطوي على رجم للفقه وأهله بالقصور او التقصير.

Image result for ‫أشعيا برلين‬‎
اشعيا برلين
لكن صديقي المهندس فؤاد عسيري لفت انتباهي الى حقيقة غفلت عنها ، وخلاصتها ان مفهوم الحرية الذي نعرفه اليوم ، لم يكن متداولا في غابر الزمان. وقد ذكر المفكر البريطاني-الروسي  اشعيا برلين انه أحصى 200 تعريف للحرية ، يشير كل منها الى معنى متمايز عن نظيره. ذكر برلين هذا في محاضرة شهيرة جدا سنة 1958 عنوانها "مفهومان للحرية" وقد اصبحت نصا مرجعيا في التراث الفلسفي الخاص بالحرية. وفقا لهذا التعداد فان اكثر من ثلاثة ارباع تلك التعريفات/المعاني يرجع الى القرن السابع عشر وما بعده.

بعبارة اخرى فان معظم المعاني التي ينطوي عليها مفهوم الحرية ، لم تكن معروفة أو متداولة في الماضي ، بل تطورت وتبلورت في سياق التطور العام الذي مر به المجتمع الانساني خلال القرون الثلاثة الماضية.

هذا لا يعفينا – على اي حال – من الاشارة الاجمالية الى نقطتين مهمتين:

الاولى: ان اغفال البحث الفقهي لمفهوم الحرية الحديث ، ناتج – حسب ظني – عن اعتزاله لتيارات العلم والفلسفة الجديدة ، رغم سعة تأثيرها في حياة البشر جميعا ، المسلمين وغيرهم. الحرية من القيم المعيارية الكبرى ، وهي تشكل ارضية لشريحة واسعة من احكام الشريعة والقانون. ونعلم ان الزمان متغير اساسي في تشكيل موضوع الحكم الشرعي وأغراضه.

الثانية: ان انفصال المعرفة الدينية عن تيارات الحداثة ، أبقى ثقافتنا العامة اسيرة للتراث القديم بلغته ومفاهيمه وطرق تعبيره الخاصة. هذا احد الاسباب الذي تجعلنا نتعامل مع قيمة عظيمة مثل الحرية بشيء من الارتياب ، وتضطرنا لتبرير ارتيابنا بان معانيها ولدت او تطورت في الاطار المعرفي الغربي ، وندعي ان لدينا مفهوما مختلفا. وهذا بعيد عن الحقيقة. ولو كان لبان.

الشرق الاوسط الأربعاء - 1 جمادى الآخرة 1440 هـ - 06 فبراير 2019 مـ رقم العدد [14680]

الأربعاء، 29 نوفمبر 2017

الحرية بين مفهومين


|| عدالة القانون رهن باحترامه للحقوق والحريات الطبيعية ، لأنها جزء من انسانية الانسان. انها حاكمة على القانون ومعيار لعدالته ||
يقال انه لا يمكن لباحث في الفيزياء ان يغفل البرت اينشتاين او اسحاق نيوتن. هذا صحيح تماما ، لأن أعمال الرجلين ليست مجرد إضافة الى حقل الفيزياء ، بل فاتحة لعصر علمي مختلف عما سبقه. الحقيقة ان لكل حقل علمي أشخاص يشكلون ما يمكن اعتباره نقطة انعطاف في مسيرة العلم.
اظن ان الفيلسوف البريطاني ، الروسي المولد ، اشعيا برلين ، هو واحد من اولئك الاعلام الذين كانت اعمالهم نقطة انعطاف في الفكر السياسي. واشير خصوصا الى مقالته المسماة "مفهومان للحرية" التي قدمها كمحاضرة في العام 1958 وتحولت لاحقا الى مرجع كلاسيكي ، لا يمكن اغفاله في أي بحث حول الحرية.
اشتهر برلين بقدرة هائلة على الربط بين المفاهيم والحوادث والتعبيرات الرمزية والعبور بين الثقافات. وكانت هذه بالتأكيد ثمرة لثقافته الواسعة التي جمعت الادب الى الفلسفة والسياسة. ولعل اطلاعه المتنوع هو الذي قاده للاهتمام بتعريف وتحديد المفاهيم. والحق ان هذا من أبرز ما برع فيه ، رغم انه قدم ايضا مساهمات جليلة في نقد الفكر السياسي وتاريخ المعرفة.
افتتح برلين مقالته عن الحرية بالاشارة الى غزارة البحث في موضوعها ، الأمر الذي جعلها عصية على التعريف. ثمة 200 تعريف على الاقل لمفهوم الحرية ومعناها. حين يكون امامك هذا القدر من التعريفات ، فان الموضوع يزداد غموضا بقدر ما تذهب في تفاصيله. العدد الضخم من التعريفات يعني ببساطة ان الذي امامنا ليس موضوعا واحدا ، وان اتحد في الاسم. حين تتحدث عن الحرية فلن يعرف الناس اي موضع تتحدث عنه ، ما عدا الاسم.
من هنا فقد تمحورت المقالة حول وضع تصنيف للتعريفات السابقة ، وهو تصنيف تحول لاحقا الى تعريف معياري ، اخذ به الاكثرية الساحقة من الباحثين في هذا الحقل ، وشكل بداية لما يمكن اعتباره فهما موحدا لموضوع النقاش. اقترح ايسايا برلين تصنيف الحرية الى نوعين ، سلبية وايجابية. الحرية في المعنى السلبي تعادل عدم تدخل الاخرين اعتباطيا في حياتك ، ويعبر عنها بـ "الحرية من..". أما الحرية في المعنى الايجابي فتعادل قدرتك على فعل شيء يتطلب بشكل مباشر او غير مباشر موافقة الاخرين ، ويعبر عنها بـ "الحرية في..".
يقال عادة ان مفردات الحرية المندرجة في الصنف الاول تندرج ضمن الحقوق الطبيعية التي لا يمكن حجبها بالقانون ، مثل حرية التفكير والتعبير والاعتقاد والعمل والسكن والانتقال. ويصر الفلاسفة على ان عدالة القانون رهن باحترامه لهذه الحريات وصونه لها ، لأنها جزء من انسانية الانسان. انها بعبارة اخرى حاكمة على القانون ومعيار لعدالته. اما الحريات المندرجة في الصنف الثاني ، فأكثرها من نوع الحقوق التي يخلقها القانون او ان وجودها مشروط بالقانون ، مثل حرية الوصول الى المعلومات والوظائف العامة والمنافسة في الحقل السياسي وأمثالها. وقد يطلق عليها – في الجملة – اسم الحريات المدنية.
من المفهوم بطبيعة الحال ان الحرية – في كلا الصنفين – ستكون واقعية وممكنة فقط في مجتمع مدني ، اي مجتمع يحكمه القانون. القانون هو الذي يصون الحريات الطبيعية ، وهو الذي يحدد طرق التوصل الى الحريات المدنية. يمكن للناس – حسبما رأى جان جاك روسو – ان يكونوا احرارا في الغابة أيضا ، لكن حريتهم هنا ستكون مكلفة جدا ، مكلفة جدا الى الحد الذي يختارون معه المشي باقدامهم الى سجن القانون. الحرية لا تكون واقعية الا في ظل القانون ، رغم انه ينطوي دائما على قيود من هذا النوع او ذاك.
الشرق الاوسط 11 شهر ربيع الأول 1439 هـ - 29 نوفمبر 2017 مـ
http://aawsat.com/node/1097661

الأربعاء، 29 يونيو 2016

اشعيا برلين



كان اشعيا برلين في العقد الاخير من عمره ، حين قدم ما اعتبره خلاصة لتأملاته في الحياة. يوم توفي في 1997 قالت الصحافة البريطانية ان برلين كان واحدا من أفضل المتحدثين غزارة في المعلومات وقدرة على ربط الافكار والتحليل الفلسفي للمشكلات.
في محاضرة القاها سنة 1988 قدم اشعيا برلين رؤية يقول انها تشكل الخيط الذي يجمع بين تأملاته لما يزيد عن ستين عاما ، بدءا من قراءته الأولى لرواية تولستوي المشهورة "الحرب والسلم". تتعلق هذه الرؤية بالدوافع الكامنة في اعماق النفس الانسانية ، والتي تجعل البشر يرتكبون اعظم الآثام ، ثم يكررونها مرات عديدة. لكنهم في نهاية المطاف يتمردون على ميلهم الغريزي للاثم والعدوان ، كما يتمردون على نوازع اليأس والاحباط والسخط ، ليتجهوا - من ثم – الى طريق الصلاح والاصلاح. 
عاصر برلين الظروف القاسية لاوربا خلال الحربين العالميتين الاولى والثانية ، ورحل من مسقط رأسه وهو شاب يافع. وكان عاشقا للرواية الكلاسيكية ، سيما كتابات الأدباء الروس التي اتسمت عموما بوصف مشاهد المعاناة والألم في المجتمعات الفلاحية والهامشية. وكان جديرا به ان يميل الى التشاؤم من الطبيعة البشرية. لكنه بدل ذلك نظر الى الصورة الكاملة. وهذا شأن الأذكياء الذين لا يتوقفون عند النقاط السوداء في مسيرة عمرها الاف السنين.
لو نظر برلين الى العالم من زاوية آلامه الخاصة او حتى آلام وطنه وقومه ، لانشغل بالعزاء عليهم او البحث عن معايب اعدائهم. لكنه بدل ذلك نظر الى الصورة الكاملة ، فاكتشف حقيقة ان البشرية تنتكس أحيانا ، لكنها تعود دائما الى الطريق القويم. بل ان معظم الاختراقات العظيمة التي حققها الانسان خلال تاريخه الطويل ، كانت ثمرة لتلك الانتكاسات.
اشعيا برلين
نعرف ان الاختراقات الأولى في مجال الفلسفة ولدت في رحم الحروب الدينية التي تورطت فيها اوربا لما يقرب من مئة عام. كما ان بواكير التقدم الهائل الذي يعرفه عالم اليوم في مجال المواصلات والاتصالات والالكترونيات والاقتصاد والقانون ولد في رحم الحربين العالميتين الاولى والثانية. فكأن الطبيعة الخيرة للبشر تأبى الا ان تستدرك آثامها وانزلاقاتها الكارثية ، فتعود لتصلح ما كان سببا في تلك الآثام.
لا نعرف في الحقيقة كيف سيكون عالمنا لولا القانون الدولي الاخلاقي الذي يحمي المدنيين في ظروف الحرب ، ويعاقب على جرائم الحرب والابادة الجماعية والتعذيب. ولا نعرف كيف ستكون حياتنا لولا السيارات والطائرات والسفن العابرة للمحيطات واجهزة الاتصال والانترنت. ربما كانت البشرية قادرة على التوصل الى هذه المنجزات بطريقة أو بأخرى. لكن الذي نعرفه فعليا هو ان هذه جميعا كانت – بصورة أو بأخرى – رد الانسان على انزلاقه الى الحرب على أخيه الانسان. ربما نعتبرها اعتذارا غير مباشر من جانب الأنا العليا العاقلة السامية ، عن آثام الأنا الدنيا الغريزية المجنونة أو السفيهة.
رأى برلين ان جوهر الكائنات البشرية يكمن في قدرتها على اختيار طريقة للعيش تتلاءم مع حقائق الكون الذي نتشارك الحياة فيه ، والتوصل من وراء هذا الايمان الى التجسيد الأمثل لمقتضيات الفطرة الطيبة التي تشكل ذات الانسان الاصيلة ، قبل ان تتلوث بالمنغصات والنزاعات واسباب القلق.
جوهر انسانية الانسان تكمن في قدرته على التحرر من قيوده ، كما ان عقلانية العقل تكمن في قدرته على العبور من حدود ذاته ، الى ما يختفي وراءها من غيوب واحتمالات لا تسمح بها ظروف الواقع ، لكنها تظل حية وقابلة للادراك او على الاقل للتخيل.
الشرق الاوسط 29 يونيو 2016  http://aawsat.com/node/677336

"الفرج بعد الشدة"

|| ما تحدثه الاوبئة من فتك بالبشر، ومن فوضى واضطراب في نظام العالم، تولد شعورا قويا بالحاجة للتغيير، اي ابتكار بدائل عن نظم عجزت عن احت...