عرض المشاركات المصنفة بحسب التاريخ لطلب البحث العقل الجمعي. تصنيف بحسب مدى الصلة بالموضوع عرض جميع المشاركات
عرض المشاركات المصنفة بحسب التاريخ لطلب البحث العقل الجمعي. تصنيف بحسب مدى الصلة بالموضوع عرض جميع المشاركات

12/02/2026

السؤال: هل تنفع الخطب؟

ذكرت في الأسبوع الماضي ان الرئيس الفرنسي السابق فرنسوا هولاند ، رد على الهجمات الإرهابية بتذكير الفرنسيين بوحدتهم الوطنية وقيم الجمهورية: الحرية والمساواة والاخاء. فعلق احد الزملاء قائلا: "معنى هذا ان الإرهاب علاجه الخطب...". وكدت ان أرد قائلا: نعم ، فهذا ما اعتقده فعلا ، لكني ترددت ثم فضلت السكوت ، خشية ان يفهم خارج السياق المقصود.

ثم سألت نفسي: هل يمكن - حقا - للخطب ان تعالج ظاهرة خطيرة كظاهرة الإرهاب؟. وسألت نفسي أيضا.. لماذا لا يتحدث المحللون والمفكرون عن الخطابة كأداة في السياسة ، هل يشكون في جدواها ، ام يخشون ان يفعلوا ذلك فيزدهر سوق الكلام ، ويتحول السياسيون الى فن القول بدل احسان الفعل؟.

حسنا.. لم يكن غرضي الحديث عن الظواهر العنيفة ، نظير الإرهاب او الجريمة ومعالجتها ، بل عن علاقة الدولة بالمجتمع ، وأريد التركيز على ضرورة ان تكون هذه العلاقة منفتحة وإيجابية وصريحة. هذه هي العوامل التي – في رأيي - تحرم أرباب العنف ، سواء كان سياسيا او اجتماعيا ، من البيئة الداعمة له او المتساهلة معه.

أميل الى الظن بان الميول الإرهابية ، تتبلور في المجتمعات التي اعتادت التساهل مع الممارسات العنيفة ، نظير الدعوة لأخذ الثأر في حالات القتل او في حالات إهانة العرض والشرف. وهي ممارسات معروفة في المجتمعات التي تسودها الروح العشائرية كما نعرف. وأذكر قصة شهدت بعض تفاصيلها ، خلاصتها ان عائلة كبيرة في قرية شمال باكستان ، حاصرت عائلة أخرى ، وهددت باقتحام بيتها ، وقتل من فيه ، ان لم يأت ابنهم ويتزوج بنت العائلة الأولى. أما السبب فهو ان هذا الابن تحدث مع البنت ، ووعدها بالزواج ، لكنه سافر للعمل في الخليج. فلما عرف اهل البنت ، اعتبروا ان شرفهم قد أهين ، وان الإهانة لا يغسلها الا الدم. وقد اضطر الشاب فعلا لترك عمله ، والزواج دون تحضير ، حفاظا على حياة أهله. واخبرني ان حوادث مماثلة قد جرت في قريتهم سابقا ، وقتل فيها نساء ورجال ، لنفس الأسباب.

ان مجتمعا كهذا يمثل بيئة مناسبة لتبلور الإرهاب ، أي العنف الذي تحركه دوافع أيديولوجية. إن العنف بمختلف اشكاله ليس من الطبائع الاصيلة في البشر ، بل هو من منتجات البيئة الاجتماعية التي تتسرب لعقل الفرد في مراحل التربية المبكرة او فترة النضج ، ويظهر على شكل عقائد نظير "من لم يكن ذئبا اكلته الذئاب" ، ونظير "ما حك جلدك غير ظفرك" وغيرها من المعتقدات التي تنفي قيمة "راس المال الاجتماعي" الذي يدعم الفرد عند الحاجة ، كما تنفي قيمة القانون ، وكونه سيدا وملجأ للضعفاء والمظلومين.

مجتمع كهذا ، يكون في الغالب منغلقا – ثقافيا – على نفسه ، يتعامل مع الغير بارتياب ، ويشعر على الدوام انه مهدد في معيشته او هويته.

اذا ظهر العنف في المجتمع ، سياسيا او اجتماعيا او جنائيا ، فان الرد الفوري هو "إطفاء الحريق" كما قال لي احد قادة الأمن في بلادنا ، في مناسبة قديمة. لكن العلاج الطويل الأمد ، يكمن في اقناع هذه الجماعة بكسر جدار العزلة الثقافية من حولها ، والانفتاح على المحيط الاوسع. هذا لا يستوى بالكلام ، بل بفتح الأبواب امامهم ، والاستماع اليهم ومناقشتهم في مطالبهم ، كي يقتنعوا بأنهم يمكن ان يتمتعوا بالمساواة التامة مع بقية المواطنين ، اذا كانوا متواصلين فعلا معهم ومع الإدارة الرسمية ، ثم اثبات ان القانون أداة فعالة في الحصول على حقوقهم ، وانه خير من ممارسة العنف او البكاء على الاطلال.

ينبغي لرجال الدولة ان يتحدثوا للناس ، ليس فقط عن بطولاتهم ونجاحاتهم ، بل – في المقام الأول – عما يريدون فعله ، والصعوبات التي يواجهونها ، والدعم الشعبي الذي يتطلعون اليه.

سيكون المجتمع معارضا للعنف ، رافضا لأربابه ودعاته ، اذا آمن بأن الحكومة حكومته وليست حكومة الآخرين التي تتحكم في أقداره.

الخميس - 24 شَعبان 1447 هـ - 12 فبراير 2026 م

https://aawsat.com/node/5239910

مقالات ذات صلة

الاثم الاصلي 
 اصلاح العقل الجمعي
الاموات الذين يعيشون في بيوتنا
اناني وناقص .. لكنه خلق الله 
الانسان الذئب؟....
بقية من رواية قديمة الازمان الفاسدة والناس الفاسدون 
بين العقل الجمعي وسلوك القطيع
ثقافة المجتمع.. كيف تحفز النمو الاقتصادي او تعيقه
الثقافة المعوقة للنهضة
الحق في ارتكاب الخطأ 
رأس المال الاجتماعي
صناعة الكآبة
صورتان عن الانسان والقانون 
في معنى الردع وعلاقته بالطبع الاولى للبشر 
القانون للصالحين من عباد الله 
كيف تقبلنا فكرة الانسان الذئب؟ 
كيف تكون رجعيا.. دليل مختصر
لو كان الانسان ذئبا لما تحضر 

27/11/2025

سيرة الانسان العاقل

 

لفت انتباهي هذا الأسبوع حديث قصير بعنوان "العقل الذي يخدعنا .. هل نثق به" للأكاديمي المعروف الدكتور صالح زياد ، على قناته في يوتيوب. وهذه حلقة في سلسلة حول مفهوم العقل ، خصصها للمقارنة بين مفهوم قديم ، فحواه ان العقل جوهر مستقل عن الجسد والمحيط ، وان استقلاله يتيح له ان يكون حاكما محايدا على ما سواه ، مقابل مفهوم حديث يركز على حدوده ، ولا سيما التأثير العميق لتجربة الانسان الحياتية ، والمحيط العائلي والاجتماعي على ما نسميه "التفكير".

د. صالح زياد

وقد شرح الدكتور صالح الفكرة ، فجعلها سهلة المنال ، مع ما تنطوي عليه من تعقيد في الأصل. وودت ان اضيف شيئا الى تلك المقاربة ، مركزا - كما سيأتي - على التصور الحديث لمفهوم العقل ، وما يواجه من تحديات وقيود ، حيث يشكل الصراع بين إرادة الانسان لادارة حياته ، وبين تلك التحديات والتقييدات ، جوهر النشاط العقلي ، وهو أيضا الحقل الذي يشهد ولادة الأفكار الجديدة. 

السلوك الإنساني ، وهو عفوي في معظمه ، انعكاس لصورة العالم في ذهن الانسان. ان فهم الظواهر الاجتماعية ، أي نتائج السلوك البشري في النطاق الاجتماعي ، يبدأ بافتراض مسبق ، فحواه أن هذا السلوك يتحرك بين دافعين: الاهواء والنزعات الانفعالية ، التي نعرفها عموما باسم "العاطفة" ، والحس السليم ، الذي نعرفه عموما باسم "العقل". ليس من الانصاف ، الادعاء بان العقلاني هو فقط ما ينتجه الحس السليم ، وأن الاهواء والنزعات ينتجان على الدوام قرارات غير عقلانية.

نعلم ان العاطفة هي الهدف الذي تتجه اليه الدعاية بمختلف مقاصدها ، السياسية والتجارية والأيديولوجية وغيرها ، فالدعاية كما نعلم لا تركز على اقناع الناس بقضايا مثبتة علميا او منطقيا ، بل تحاول استثارة عواطفهم وغرائزهم كي يستجيبوا لما تريده منهم. ولهذا أيضا يميل كثيرون الى اعتبار الأهواء والنزعات العاطفية والغريزية ، أقوى أثرا في قرارات الانسان وحياته اليومية. لكن اطلاق هذا القول على عواهنه لا يخلو من مبالغة.

لا نريد هنا نفي التأثير الكبير للعاطفة. بل تأكيد حقيقة ان هيمنة الحس السليم/العقل عليها ، تظل – في الصورة الكبيرة – اقوى واعمق أثرا. إن اقوى دليل على ان الانسان اكثر استجابة لدواعي العقلانية في المعنى الثاني ، أي اتباع الحس السليم ودواعي الخير في نفسه ومحيطه ، هو التقدم الذي حققته البشرية خلال تاريخها الطويل ، التقدم على مستوى العلوم والفنون ونظم المجتمع ، وعلى وجه الخصوص الإقرار المتبادل بحقوق الآخرين ، حتى في حال العداء والحرب ، كما هو الحال في اتفاقيات جنيف لعام 1949 والبروتوكولات الملحقة ، التي تشكل في مجموعها إطار عمل يسنده اتفاق بين جميع دول العالم ، على القواعد الضرورية للتخفيف من وحشية الحرب ، مثل ضمان سلامة الأشخاص الذين لا يشاركون في القتال ، رغم وجودهم في الميدان (المدنيون والمسعفون وموظفو الإغاثة) وكذا الجنود العاجزون عن القتال بسبب الجروح أو الاسر او غيرها. ومثله أيضا التقدم الواسع في مجال التعاقدات والضمانات العرفية والقانونية للعقود ، فضلا عن الإقرار الاجتماعي بحقوق الافراد والجماعات. فهذه وتلك تبرهن على ان الحس السليم واعتماد التضامن والتكافل والانصاف بين البشر ، كان ولا يزال هو الغالب على حياتهم وتعاملاتهم ، اذا أخذنا بعين الاعتبار مسارا تاريخيا طويلا.

ليس مستبعدا إن يكون المسار التقدمي للبشرية عبر التاريخ ، نتاجا لتجربة الصراع بين العاطفة والعقل. وفقا للفيلسوف البريطاني فريدريك فون هايك ، فان السلوكيات التي ترمز للعقلانية ، مثل الوفاء بالعهود ، كانت ثمرة لاكتشاف الانسان مبكرا ، بأن التبادل مع الآخرين يسهل حياته وأن استمراره وتطويره ، يقتضي التزام كافة الأطراف بالواجبات التعاقدية. وفقا لهذه الرؤية فان الهيمنة النسبية للعقل على حياة الانسان اليومية ، مكنته من التكيف مع متطلبات الحياة وما يتولد في سياقها من تحديات ، وجعلت حاضره خيرا من ماضيه.

الخميس - 06 جمادى الآخرة 1447 هـ - 27 نوفمبر 2025     https://aawsat.com/node/5213279

مقالات ذات صلة  

اصلاح العقل الجمعي
اناني وناقص .. لكنه خلق الله
تعريف مختلف للوعي/ تحييد صنم القبيلة
الرزية العظمى
العقل الاخباري
عقل الصبيان
العقل المساير والعقل المتمرد
العقل المؤقت
ما رايك في ماء زمزم؟
من العقل الجمعي الى الجهل الجمعي
من تقليد الى تقليد ، عقل معماري وعقل هدام
هل العقل كاف لانتاج القيم والاحكام؟
هل جربت صنم الكهف؟

02/10/2025

العقل في المرحلة الأوروبية

العقل المعاصر نتاج لعصر النهضة الأوروبية. لكنه لم ينحصر في أوروبا ، بل بات أقرب الى نموذج كوني ، يمثل حقيقة الانسان في هذه المرحلة من تاريخ البشرية. أعلم ان غير الأوروبيين لا يرتاحون لهذه النسبة. فهي تقلل - ضمنيا - من قيمة اسهامهم  في انتاج الفكر الإنساني والتجربة التاريخية للبشر بشكل عام. وقد يظن بعض المسلمين ان الفارق الديني هو المحرك لكلا الموقفين ، الاستهانة الغربية والرد عليها. لكني وجدت مفكرين من خارج هذين السياقين يعبرون ، صراحة او ضمنيا ، عن موقف مشابه. من يقرأ اعمال امارتيا سن ، الفيلسوف والاقتصادي الهندي الحائز على جائزة نوبل ، سيلاحظ ان الثقافة الهندية حاضرة بكثافة في كل كتاباته تقريبا ، رغم انتمائه للتقليد العلمي الأوروبي.

أمارتيا سن

أردت البدء بهذا التمهيد تنبيها للقاريء الى حدود التعميم الذي سيظهر في ثنايا المقال. والحق اني انظر لتطور مفهوم العقل وانتسابه للحضارات المتعاقبة ، من زاوية لاتتصل ابدا بتقييم تلك الحضارات والمراحل. اعتقد ان تاريخ البشر تجربة واحدة ممتدة ، تتنوع وتتصاعد باستمرار ، وتتشكل في إطارات مختلفة ، لغوية او جغرافية او دينية ، بحسب مايتوفر من عوامل بعث أو خطوط انكسار. من هنا فان الأديان والحضارات والحروب والتجارب العلمية ، تشكل كلها طبقات في بناء واحد. لا شك عندي ان جانبا مهما من نضج الثقافة الإسلامية القديمة وعمقها ، ثمرة لاتصال المسلمين بالثقافات السابقة ، كاليونانية والصينية والهندية والفارسية والافريقية وغيرها. وبالمثل فان الثقافة الاوربية المعاصرة امتداد لتلك الثقافات ومنها الإسلامية. نعلم أيضا ان قابلية الثقافة للتطور ، رهن بقدرتها على التفاعل مع الثقافات المختلفة وإعادة انتاج مفاهيمها ضمن نسيجها المحلي. ولهذا السبب خصوصا ، ذكرت في كتابة سابقة ان ضعف النشر العلمي باللغة العربية ، يرجع في جانب منه ، الى ما أظنه تعقيدا مبالغا فيه للشكل اللغوي والقواعد النحوية والبلاغية ، بحيث باتت فرصة الكتابة العلمية بالعربية ، قصرا على من يجيد قواعدها النحوية والبيانية اجادة تامة.

بالعودة الى صلب الموضوع ، فان العقل المعاصر  يمتاز بسمات أساسية يشكل مجموعها خطا فاصلا عن عصور العقل السابقة. أذكر هنا ثلاثا من تلك السمات:

1-     الفصل بين المعرفة والقيمة. اذ لم يعد التفكير في القضايا ، متقيدا بقيمتها المستمدة من موقعها الاجتماعي او التاريخي او الديني. ربما يتقيد الباحث بقيمه الخاصة في مرحلة مابعد الاستنتاج ، لكنه في مرحلة الملاحظة والبحث وصناعة الفكرة ، ينبغي ان يتحرر من كل قيد. تتعاضد هذه المقولة مع قاعدة ان حرية التفكير والاعتقاد والتعبير ، جزء أساسي في مفهوم كرامة الانسان وقيمته كموجود عاقل.

2-     العقل نفسه ينظر اليه الآن ككون مستقل عن الأرضية الثقافية التي ولد فيها (او بالأحرى ينبغي ان يكون هكذا). لكن نتاج العقل لا يعد مطلقا ولا مستقلا. بات متفقا عليه ان العقل يتشكل بتأثير تجربة الانسان الحياتية ، التي تعكس الى حد كبير شروط بيئته وما يتجاذب فيها من تيارات. من هنا فان نتاج العقل لم يعد تعبيرا عن الحقيقة ، بل هو معرفة مؤقتة او رأي شخصي ، قد يتحول الى توافق عام اذا عبر القنوات الخاصة بتعميم الأفكار ، كمؤسسات الصناعة والبحث العلمي والهيئات التشريعية.

3-     التمييز بين استقلال العقل في الأصل ، وتبعيته الواقعية لشروط البيئة الاجتماعية ، تظهر أهميته في التمييز الضروري بين دورين يقوم بهما ، دور يسمى "العقل العملي" ووظيفته فيه هي ربط الانسان بما حوله وتيسير حياته ، أي ادراجه في شبكة الأعراف السائدة ، ودور يسمى "العقل النظري" ووظيفته نقد اعراف وتقاليد البيئة والثقافة ، ومحاولة تحرير الانسان من قيودها بإنتاج بدائل لها ، تتحول بالتدريج الى تقاليد في دورة اعلى ، وهكذا. العقل اذن تابع في مرحلة ومتمرد في مرحلة تالية.

 هذا ما اتسع له المقام. ولعلنا نعود للموضوع في قادم الأيام.

 الشرق الاوسط الخميس - 10 ربيع الثاني 1447 هـ - 2 أكتوبر 2025 م   https://aawsat.com/node/5192734

مقالات ذات صلة

اسطورة العقل الصريح والنقل الصحيح
اصلاح العقل الجمعي
اناني وناقص .. لكنه خلق الله
تعريف مختلف للوعي/ تحييد صنم القبيلة
الثقافة كصنعة حكومية
الرزية العظمى
العقل الاخباري
عقل الصبيان
العقل المساير والعقل المتمرد
العقل المؤقت
ما رايك في ماء زمزم؟
من العقل الجمعي الى الجهل الجمعي
من تقليد الى تقليد ، عقل معماري وعقل هدام
هل العقل كاف لانتاج القيم والاحكام؟
هل جربت صنم الكهف؟
اليد الخفية التي تدير العالم

21/08/2025

ماذا يقول العربي.. ماذا يقول الأوروبي؟

الثقافة ، المعرفة ، والوعي ، عناوين لموضوعات مختلفة عن بعضها ، لكنها متداخلة ، تداخلا أدى لخلط معانيها ، ومن ثم إعاقة النقاش السليم في كل منها. اتحدث هذا اليوم عن الأولى (الثقافة) مقارنا بين مفهومها العربي ونظيره الأوروبي ، طمعا في إيضاح واحد من أسباب تفارق الافهام بين المتحدثين.

حين تقرأ في الاعمال المترجمة لباحثين أوروبيين ، تجدهم يتحدثون عن ثقافة المجتمعات التقليدية ، وثقافة البدو والارياف..الخ. وحين تأتي الى أحاديث العرب المعاصرين ، تجدهم يطلقون وصف "المثقف" على نخبة المجتمع المتعلمة ، بل ربما قصروها أحيانا على المشتغلين بالثقافة ، أو الذين تتصل مهنتهم بالإنتاج الثقافي ، من كتاب وأدباء وأمثالهم.

وتتساءل: هل ترى ان الجماعة الأمية ، أي التي لا تكتب ولا تقرأ ، لديها ثقافة؟. فيجيبك الباحث الأوروبي: نعم ، ويجيبك القاريء العربي: لا.

وفقا لمفهوم الثقافة المتعارف في الغرب ، فان كل انسان يحمل ثقافة المجتمع الذي ينتمي اليه ، ويتلقاها منذ لحظة اتصاله بالمحيط الاجتماعي. الثقافة عنوان لمحتوى واسع النطاق ، يشمل التقاليد التي ورثها المجتمع ، او طورها من خلال احتكاكه بضرورات الحياة.  كما يشمل الاخلاقيات والأعراف والفولكلور والأدب والحكايات الشعبية وانماط المعيشة والتعامل ، ومنظومات القيم الخاصة والمعتقدات وتطبيقاتها ، وكل ما يشير الى شخصية المجتمع وطريقة حياته. ولا يهم بعد ذلك ان يكون هذا المجتمع متعلما (بمعنى انه تلقى التعليم وفق النظم الحديثة) او يكون أميا (بمعنى ان غالبية اعضائه لا يقرأون او يكتبون).

هذا يوضح ان مفهوم "ثقافة" عندنا ، مختلف عن نظيره الأوروبي. ومن هنا فان الحديث عن الثقافة من زاوية علم الاجتماع ، يستدعي بالضرورة المفهوم الأوروبي ، لأن علم الاجتماع الذي نتداوله ، نشأ وتطور هناك.

قلت ان وصف الثقافة والمثقف يشير  ، وفق المعنى الشائع في التداول العربي ، الى النخبة وأصحاب المهن الثقافية. وهو بعيد جدا عن المفهوم الغربي السابق الذكر.

يظهر أثر هذا المشكل حين تعالج – من زاوية علمية – الموضوعات الاجتماعية المتصلة بالثقافة ، كما فعلت في مقال الأسبوع الماضي ، حين تحدثت عن الثقافة السياسية. فالواضح ان بعض القراء فهموا الثقافة في معنى نوعية المعرفة الجديدة المتاحة للمجتمع ، ولذا نسبوا المشكلة الى التأثير الأيديولوجي ، وقرر آخرون ان المشكلة في التعليم. والحق ان كلا العاملين مؤثر الى حد معين. لكن جوهر المشكل في مكان آخر ، هو التاريخ الثقافي (بالمفهوم الغربي للثقافة) أي انعكاسات التجربة التاريخية على ذهنية المجتمع وذاكرته. ومثال ذلك المجتمعات التي تتعرض للقمع الشديد ، فهي تميل للارتياب في المستقبل ، ولذا لا تخوض مغامرات مكلفة ، وهذا يبرز خاصة في قلة الميل للاستثمار الاقتصادي في المشروعات طويلة الأمد. ويتحدث علماء الاجتماع أيضا عن فروق سلوكية بين المجتمعات الزراعية وتلك الصناعية او التجارية ، بل وحتى بين مجتمعات الريف والمدن.

بهذا المعنى فان "الثقافة" عنوان لمحتويات الذهن والذاكرة ، التي توجه السلوك العفوي للفرد والجماعة ، كما تؤثر بقوة على رؤيته لعالمه والناس والاشياء من حوله ، فضلا عن طريقة تعامله مع المستجدات والحوادث. لا يحتاج المرء الى الكتاب او المدرسة كي يحمل هذا النوع من الثقافة ، بل يحتاج الى التواصل مع المجتمع الذي ينتمي إليه ، وسوف يأخذ نسخة من الذاكرة الاجتماعية خلال تعامله اليومي. وعندما يتقدم في العمر ، سيجد ان ذهنه بات نسخة من العقل الجمعي ، ولهذا فهو يحمل هوية الجماعة ويمسي عضوا فيها.

نحن نمتص ذاكرة آبائنا ومجتمعنا بشكل تدريجي وعفوي ، لا نشعر به وهو يحدث. لكن بعد مرور سنوات ، سوف نتيقن ان تاريخنا الشخصي هو تاريخ الجماعة ، وسنرى ان لهجتنا ومفرداتنا وفهمنا للعالم ، هو ذات الفهم السائد في الجماعة. هذه – ببساطة – طريقة انتقال الثقافة ، وهذا هو معناها ، أي الذهن والذاكرة التي تشير – غالبا – للماضي.

الخميس - 27 صفَر 1447 هـ - 21 أغسطس 2025 م       https://aawsat.com/node/5177411

مقالات ذات صلة

 استمعوا لصوت التغيير

 الاموات الذين يعيشون في بيوتنا

انهيار الاجماع القديم

بين العقل الجمعي وسلوك القطيع

ثقافة المجتمع.. كيف تحفز النمو الاقتصادي او تعيقه

الثقافة المعوقة للنهضة

الثقافة كصنعة حكومية

حول جاهزية المجتمع للمشاركة السياسية

رأس المال الاجتماعي

سلوك النكاية

صناعة الكآبة

عقل الاولين وعقل الاخرين

عقل العرب ، عقل العجم

العقل المؤقت

عقل في السجن

فتش عن الماسونية!

فكرة التقدم باختصار

في جذور الاختلاف

في معنى "الدروشة" وتطبيقاتها

القيم الثابتة وتصنيع القيم

كفوا السنتكم.. اصلحكم الله

كيف نجعل الثقافة محركا للاقتصاد؟

مجتمعات متحولة

من العقل الجمعي الى الجهل الجمعي

هكذا خرج العقل من حياتنا 

الهندسة الثقافية: تمهيد موجز

الهوية المتأزمة

هيروهيتو ام عصا موسى؟

24/04/2025

وسخ الدنيا.. بين صاحب المال والساعي إليه

للتوسع في موضوع المقالة ، ربما ترغب في الاطلاع على البحث المنشور هنا ايضا :

|ثقافة المجتمع.. كيف تحفز النمو الاقتصادي او تعيقه|

 الداعي لتدوين هذه السطور ، نقاش جرى مع زميل من اهل العلم ، حول ما ظننته فهما متناقضا للمال والملكية الفردية ، كامنا في تكويننا الثقافي ، على نحو يجعلنا نستقتل في طلب المال ، لكننا – في ذات الوقت – نتهم من يفعل هذا ، غيرنا طبعا ، بعبادة المال والطمع في الدنيا وزخرفها.

وتحفل الادبيات التراثية بذم الدنيا ، التي يجري تجسيدها دائما أو غالبا في تملك المال. والحق ان أدبيات السلف لا تخلو من تقبيح الفقر وتبجيل الغني ، إلا ان هذا من قبيل الاستثناء. أما القاعدة العامة فهي تميل للنظر السلبي الى المال والدنيا في  الجملة.

حين توفر الذاكرة التاريخية/الثقافية قيمتين متعارضتين ، يمكن لهما ان تعملا في نفس الواقعة والزمان ، فان عقل الانسان سيختار القيمة التي تلائم التوقعات السائدة في المحيط في تلك اللحظة. وهذا يظهر واضحا في تقييم صاحب المال والساعي اليه. فواحد يمدحه لان المحيط راغب فيه ، وآخر يشكك في نزاهته ، لأن المستمعين كارهون له. وقد يكون الظرف العام في زمن او مكان بعينه ، محفزا للقدح او العكس. لكن نستطيع القول بصورة عامة ، ان عامة الناس لا يخفون رغبتهم في الاقتراب من اصحاب الاموال وكسب رضاهم ، وفي الوقت نفسه كراهيتهم والارتياب في مصادر اموالهم ، بل النزوع الى اعتبارهم سارقين ، ما لم يتأكد العكس. وتشيع روايات تدعم هذا الاتجاه مثل القول المنسوب للامام علي بن ابي طالب "ما جاع فقير الا بما متع به غني".

ويبدو لي ان الجذر العميق لهذي الازدواجية ، متصل بالمبدأ الذي يدعي ان الفساد هو الطبع الاولي للإنسان ، بمعنى انه لو ترك من غير قياد ولا رقابة ، فسيعمد للافساد وارتكاب المنكرات. ولهذا فان مناهج التربية والتعليم ، فضلا عن ثقافة الوعظ الديني والإرشاد الأخلاقي ، ركزت جميعا على تقبيح الأدوات التي ربما تعزز قدرة الافساد في الانسان ، وأبرزها المال. ونعرف ان الصورة الذهنية الموروثة ، تنظر للمال بصفته "وسخ دنيا" ، بدل اعتباره ضرورة للعمران والارتقاء المادي والمعنوي. وثمة عشرات من النصوص التي تؤكد ذلك المعنى بصور مختلفة ، مثل وصفه كعرض دنيوي ، هو النقيض الطبيعي للآخرة ، ومثل الربط بين امتلاك الثروة ، وبين الاستئثار والتكبر ، والتمرد على أمر الله.

ومما يثير العجب ان كثيرا مما ورد في القرآن في ذم المال ، مربوط بالدنيا عموما وبالبنين خصوصا ، نظير قوله "إنما أموالكم وأولادكم فتنةٌ - التغابن: 15". لكن لسبب ما ، ركزت الثقافة الموروثة على سلب قيمة المال ، بينما اتخذت اتجاها معاكسا حين يتعلق الامر بالابناء ، الذين اصبحوا مصدر اعتزاز وتفاخر. وتبعا لهذا جرى ابراز الروايات التي تدعو لاكثار النسل.

احتمل ان هذا التوجيه ، مع ما ينطوي عليه من ظلال دينية ، تمنع تقييده بظرف زماني او مكاني او عرف محلي ، قد ساهم في تشكيل  موقف مرتاب من المال ، في الذهنية العميقة للجمهور العربي والمسلم ، تنعكس بشكل فوري تقريبا على من يتمثل فيه ، أي الأثرياء والساعين للثروة وكذلك المؤسسات العاملة في حقل المال ، مثل البنوك ، بل أي رمز للمال. ولعلي لا أبالغ لو قلت ان حوادث مصادرة الاموال التي تكررت في تاريخ العرب الحديث ، لاسيما في القرن المنصرم ، ربما تشير الى التأثير القوي لتلك الذهنية ، وان تلبست مبررات وصورا مختلفة.

كان عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر قد عرض صورة شبيهة لهذا ، شائعة في الادبيات الكاثوليكية خصوصا. فهو يقول ان النص الديني هناك يركز كثيرا على تذكير الانسان بخطاياه ، وشحنه بالقلق على مصيره الاخروي. وحين يسائل نفسه أو يسأل مفسري التراث عن السبب الذي ربما يودي به الى الهلاك ، يخبره التراث المقدس بانه الاغترار بالمال وزينة الدنيا.

الخميس - 26 شوّال 1446 هـ - 24 أبريل 2025 م   https://aawsat.com/node/5135713

مقالات ذات صلة

02/01/2025

تأثير الحرارة على العقل الاوروبي

كرس د. محمد عابد الجابري (1935-2010) جانبا هاما من أبحاثه ، لدراسة الفارق بين الذهنية العربية ونظيرتها الغربية. ومثل سائر الذين درسوا تاريخ المعرفة ، يعتقد الجابري ان كلا من العقلين العربي والغربي ، تشكل في سياق تجربة تاريخية طويلة ، أعطت لكل منهما بنيته الخاصة المتمايزة عن غيره.

نعرف أن بعض الباحثين حاول النظر في فوارق بيولوجية بين الأعراق والاقوام ، تؤثر على حجم الدماغ وطريقة عمله. بل ان بعض قدامى الكتاب المسلمين اعتقد ان المناخ ، ولاسيما مدة الليل والنهار ودرجة الحرارة ، يؤثر هو الآخر على القابليات العقلية. ومن هذا القبيل ما ذكره أبو الحسن المسعودي في "التنبيه والاشراف" من ان أفهام الاوروبيين بليدة ، بسبب شدة البرد عندهم ، فكلما اتجهنا شمالا ، حيث البرد اشد ، وجدنا سكانه أكثر غباء وجفوة. وأرى ان قول المسعودي – ومثله ابن خلدون واخرون – منقول عن آخرين ، او هو كلام سائر في المجتمع ، وليس نتاج ملاحظة مباشرة او دراسة ميدانية.

وعلى أي حال فهذه التقديرات لم تثبت ابدا ، رغم انها كانت تبرز بين حين وآخر ، ولا سيما في ظروف الأزمة. ولهذا فليست ذات شأن او تأثير. اما الرأي المرجح في الوسط العلمي ، فهو الأول الذي ينسب تشكل الذهنية الخاصة للمجتمع ، أي ما يسمى "العقل الجمعي" ، الى التجربة التاريخية لهذا المجتمع. وهذا أيضا سبب التمايز بين المجتمعات التي تتفق في الذهنية العامة ، لكنها تختلف في بعض التفاصيل ، مثل اختلاف المجتمعات العربية في طرق العيش والتعبير عن الذات ، رغم انها جميعا تتفق في الخطوط العامة للثقافة والتفكير ومعايير السلوك.

تحدث الجابري عن ثلاثة اركان ساهمت في صنع العقل العربي ، هي العقيدة والقبيلة والغنيمة. وأريد التركيز في هذه السطور على الركن الثاني (القبيلة) الذي يرمز لمعنى يتجاوز وصف القبيلة السائد اليوم ، فهو يشير ، في الجوهر ، الى معنى الجماعة المترابطة ، ذات الهيكلية الهرمية / الأبوية ، التي يشد أجزاءها تصور عن الذات المشتركة والتاريخ المشترك ، وليس بالضرورة عن التوافق الفكري او الأهداف ، انها اذن أقرب الى نظام بيولوجي (عائلات متحدة) وليس شرائح او اطيافا متوافقة.

النظر من هذه الزاوية ، ربما يسهل فهم السر وراء صرف معنى "العقل" عند علماء اللغة العرب ، الى الربط والعقد ، وليس التفكيك وإعادة التركيب ، كما هو المتبادر من معنى التفكير. وهي – إضافة لذلك – تكشف عن سبب الحساسية الشديدة التي تظهرها الذهنية العربية إزاء مخالفة التيار العام أو التمرد على التوافقات الاجتماعية. بعبارة أخرى فان هذه الذهنية مشغولة ، في المقام الأول ، بالمحافظة على الوحدة والانسجام ، وليس بصناعة الفكرة الجديدة ، التي ينبغي ان تنطوي – بالضرورة – على تعارض مع السائد والمتعارف.

الجماعة والمحافظة على وجودها ، هو محور التفكير العربي في الذات. الذات هنا لا تتجلى الا بوصفها ذاتا جمعية. وبهذا المضمون فان الرابطة التي تجمع أعضاءها الى بعضهم ، تشكلت في الماضي ، وهم حريصون على عدم مساءلتها او تحديها ، لأنهم بهذا يهددون وحدتهم والرابطة التي تجمع بينهم. من هنا نعرف لماذا لا يتقبل المجتمع العربي الأفراد المستقلين والأفكار المعارضة للقيم السائدة والموروثة ، ولماذا يتهم الذين يخالفون اعراف المجتمع وقناعاته ، بأنهم معقدون او مرضى نفسيون او عملاء للأجانب او ساعون للشهرة ، ولماذا يتقبل عامة الناس هذه الاتهامات ولا يستنكرونها ، رغم انها قد تطالهم بالسوء إذا تجرأوا على الاختلاف.

- حسنا.. هل هذا امر طيب ام سيء؟

اظن ان الجواب يبدأ بتحديد الأولويات ، أي ما الذي نريده أولا: وحدة الجماعة وراحة بالها ، ام استنهاض العقول وتجديد الفكر والحياة. ربما نقول ان لكل من الخيارين زمنه ، لكن المؤكد ان جمعهما مستحيل. اختيار العقل يعني اختيار الفرقة ، واختيار الوحدة يعني تقبل الجمود.

الخميس - 02 رَجب 1446 هـ - 2 يناير 2025 م

https://aawsat.com/node/5097210

 مقالات ذات صلة

اصلاح العقل الجمعي

الانشغال بالعلم والانشغال بالجن

أين تضع المرحوم محمد عابد الجابري

بقية من ظلال الماضين

تعقيب على استاذنا البليهي

ثقافة المجتمع.. كيف تحفز النمو الاقتصادي او تعيقه

الثقافة كصنعة حكومية

حول البيئة المحفزة للابتكار

عقل الصبيان

العقل المساير والعقل المتمرد

لماذا يرفضون دور العقل؟

مشكلة الثقافة الدولتية

مغامرات العقل وتحرر الانسان - كلمة في تكريم الاستاذ ابراهيم البليهي

من المناكفة الى النهضة

الهجوم على الثوابت .. اين هي الثوابت ؟

اليد الخفية التي تدير العالم 

26/12/2024

من تقليد الى تقليد ، عقل معماري وعقل هدام

 قلت قبل أسبوعين أن "العقل العملي" يهتم في المقام الأول بتمهيد العلاقة بين الفرد ومحيطه الاجتماعي. وضربت مثالا باختيار نوع الملابس واللغة وطريقة الكلام ، وبقية العادات التي تجعل الفرد شبيها بمن بالآخرين في محيطه. وبهذا المعنى فالعقل لا يبدع شيئا ، بل يعيد انتاج الثقافة الموروثة ، وما يستند اليها من أعراف وعادات وطرائق عيش.

لا بأس هنا باستدراك أظنه ضروريا كي لا يظن قاريء ان عقلا كهذا لا نفع فيه: فالجانب الأعظم من حياة الانسان ، مؤلف من تفاعلات مادية او فكرية مع الناس والطبيعة. وهو في كلا الحالين محتاج الى تقبل الاخرين لشخصه وتصرفاته. وفي هذه العملية يلعب العقل العملي دورا مؤثرا ، فهو يصمم الطرق المناسبة للتعامل مع الغير على نحو يحقق الهدف المنشود. ان افتقار الانسان للعقل العملي ، يماثل تماما افتقار المسافر لوسيلة السفر التي تحمله الى مقصده. بهذا المعنى فان العقل العملي هو أداة العيش ، وهو ضرورة للعيش ، ولولاه ربما بات الانسان غريبا منفردا ، او دائم الهروب مثل حيوان متوحش.

أما وقد وصلنا الى هذه النقطة ، فقد حان الوقت لبيان ان هذا المعنى على وجه التحديد ، هو الذي يوجب على الانسان ان يكون متواضعا ، اذا خالفه الآخرون في فكرة أو رأي أو مذهب. الأفكار التي نحملها أنا وأنت وغيرنا من الناس ، تنتمي في الأعم الأغلب الى توافقات اجتماعية ، أخذنا بها لأننا نعيش في وسط جماعة ، فلم نبتكرها بأنفسنا ولا وضعناها على طاولة المقارنة مع الأنماط البديلة ، كي نختار ما هو أفضل. بل حتى لو اخترنا ما نظنه أفضل ، فما هو الميزان الذي نرجع اليه في تحديد القيم التي نلقيها على هذا الجانب او ذاك ، قبل ان نقارن بينهما... اليس هو ذات الميزان الذي تشكل في ذهني وذهنك تحت تأثير المحيط الاجتماعي؟.

منذ نعومة أظفاره ، يتشرب الفرد الثقافة السائدة والأعراف والعادات المستقرة ، والاخلاقيات المعيارية التي تتبناها الجماعة ، فيتشكل على ضوئها عقله وذاكرته ، أي الطريقة التي يفكر بها ويعيش ، والمعايير التي يرجع اليها في الحكم على الأشياء. وحتى حين ينتقل الفرد الى جماعة جديدة ، كأن يتحول من دين الى آخر ، او من مذهب الى آخر ، أو يهاجر من بلد إلى آخر ، فانه يعيد تشكيل ذهنه وذاكرته ، أي منظومته العقلية ، على ضوء الثقافة السائدة في بيئته الاجتماعية الجديدة ، أي انه – بعبارة أخرى – ينتقل من تقليد الى تقليد. هذا حالي وحالك وحال الأغلبية الساحقة من سكان هذا الكوكب.

أقول الأغلبية الساحقة وليس الجميع. لأن هذا الكوكب يحوي أيضا أقلية صغيرة من السكان ، يمثلون "العقل المنشيء" بحسب تعبير اندريه لالاند ، او العقل النظري بحسب التعريف الموروث من فلاسفة اليونان. واضح من اسمه انه عقل لا يلتزم بالتوافقات الاجتماعية ، بل ربما كان شغله هو نقض الأساس الفلسفي /المنطقي الذي تقوم عليه تلك التوافقات وما يتعلق بها من معايير وقواعد.

لا يتسع المجال لتفصيل القول عن العقل في هذا الدور. لكن يهمني الإشارة الى فارق هام بين تعريف لالاند وتعريفات من سبقه. فهؤلاء قرروا ان العقل "نظري" بمعنى انه منشغل بمعادلات ذهنية ، لا يترتب عليها أي عمل ولا ترتبط بقضايا الواقع ، ربطا مباشرا. اما لالاند فقال انه "منشيء" بمعنى انه يخلق الأفكار الجديدة من عدم ، او انه ينطلق من فكرة قائمة ، فيتجاوزها الى مسافات وراءها لم تكن موجودة قبلئذ ، أي انه يخلق المسافات والمساحات ويملأها بالسكان ، أي الأفكار.

على أي حال فان تلك الأفكار النظرية ، هي التي تشكل الأساس للتطبيقات وعلوم الواقع ، مثل الرياضيات التي على ارضها بني الكمبيوتر وتطبيقاته وحسابات السفر والاحصاء وامثالها. واظن ان الفكرة قد اتضحت بما يغني عن مزيد البيان.

الخميس - 24 جمادى الآخرة 1446 هـ - 26 ديسمبر 2024 م

https://aawsat.com/node/5095226

مقالات ذات صلة:

الانشغال بالعلم والانشغال بالجن

تعقيب على استاذنا البليهي

لماذا يرفضون دور العقل؟

اليد الخفية التي تدير العالم

اصلاح العقل الجمعي

مشكلة الثقافة الدولتية

الثقافة كصنعة حكومية

العقل المساير والعقل المتمرد

عقل الصبيان

 

 

 

 

 

 

 

السؤال: هل تنفع الخطب؟

ذكرت في الأسبوع الماضي ان الرئيس الفرنسي السابق فرنسوا هولاند ، رد على الهجمات الإرهابية بتذكير الفرنسيين بوحدتهم الوطنية وقيم الجمهورية: ال...