04/12/2025

قصة أبينا آدم

في يناير 1998 نشر الدكتور عبد الصبور شاهين كتابه "أبي آدم.. قصة الخليقة بين الأسطورة والحقيقة" فأثار ضجة واسعة بين الملتزمين بالرؤية التقليدية للخلق. ورفعت دعاوى عديدة أمام المحاكم ، طالب بعضها بمنع الكتاب ومصادرته ، وطالبت أخرى بالحكم على المؤلف بالردة أو الاستتابة من الكفر. ونقل شاهين طرفا من هذا الجدل في الطبعات التالية للكتاب.

لم يكن شاهين متخصصا في البيولوجيا أو الوراثة أو تاريخ الانسان. ولذا يصعب اعتبار عمله علميا ، من هذه الزاوية. لكنه خبير في اللغويات والتراث الإسلامي. وقد استثمر خبرته في إعادة تفسير القرآن والسنة النبوية ، للتدليل على رؤيته المعارضة للفهم الموروث لقصة الخلق الأول. وهو يرجع اهتمامه بهذا الموضوع ، الى رغبته في تنظيف التراث مما أسماه التفسيرات المتأثرة بالاسرائيليات والخرافة ، بالاعتماد على قراءة جديدة لمصادر الدين نفسه. يقول في مقدمته للطبعة الثانية:

"أردت أن أدق رأس الأفعى الإسرائيلية اللابدة في الثقافة الإسلامية القديمة ، ممثلة في ما سمي بالإسرائيليات ، وهي لا تعدو أن تكون أساطير خرافية ، تسللت إلى الفكر الإسلامي ، وإلى عقل الإنسان المسلم ، فاعتمدها أئمة من أهل التفسير. ومن خلال تلك التفاسير ، سكنت في منطقة المسلمات من العقل المسلم ، وهي في الواقع أفعى إسرائيلية ، اعتنقها كثير من الرجال ممن لم يعملوا عقولهم في تحليل نصوص القرآن".

الفرضية المحورية للكتاب ، هي التمييز بين البشر كجنس قديم ، والانسان كجنس حديث. وقال ان آدم ابن لرجل وامرأة من البشر ، وهو أبو الانسان وليس أبا البشر ، ويتميز الانسان عن سلفه البشري بما ذكره القرآن ، من أوصاف كالعقل وحسن التقويم واحتوائه نفحة من روح الله ، وهذه كانت مفقودة في البشر السابق له.

نصر حامد ابو زيد

حديث الدكتور شاهين هذا ليس الأول من نوعه. لكنها على الارجح ، المرة الأولى التي نشهد فيها عالما مسلما ، يعارض علنا التفسير المتوارث لقصة الخلق ، مستندا إلى النص الديني نفسه. وهو في هذا يواجه كافة المفسرين والمؤرخين المسلمين.

ويبدو ان شاهين لم يتوقع رد الفعل العنيف الذي قوبل به ، فهو أكاديمي عريق وكان اماما لمسجد شهير في القاهرة. ولهذه المناسبة قالت الصحف المصرية انه شرب من ذات الكأس التي سقاها زميله د. نصر حامد أبو زيد ، الذي كان قد اقترح قراءة جديدة للنص القرآني ، على ضوء "الأفق التاريخي للمتلقي" وهو المنهج المعروف بالهرمنيوتيك الفلسفي ، الذي يركز على مبدأ التواصل بين النص والقاريء ، وإمكانية العبور من اللفظ الظاهر الى الرسالة الداخلية التي يختزنها النص. المضمون الداخلي – وفقا لهذه الرؤية - متعدد المستويات ، ويتأثر فهمه بالظرف الخاص للقاريء ، أي ظرفه الزماني والاجتماعي والتحديات التي يواجهها ، فضلا عما يتوقعه من وراء القراءة وعلاقته بصاحب النص.

تفجرت قضية أبو زيد حينما قدم طلبا للترقية الى رتبة أستاذ في جامعة القاهرة. فقرأ شاهين ابحاثه ، وقرر انها تنتهك قواعد التفسير والكلام الديني ، وتساوي بين كلام الله وكلام خلقه وتسمح بنقد القرآن. وقيل انه سرب هذه الاتهامات الى الصحافة ، التي حولت أبو زيد الى مرتد ومناويء للدين في نظر عامة الناس. ثم رفع احد المحامين دعوى امام المحكمة ، تطلب إعلان ردته وفسخ زواجه ومصادرة أمواله ، مما اضطر أبو زيد لهجران بلده الى هولندا ، حتى وفاته قبل شهرين من وفاة غريمه.

قبل كتابه "أبي آدم" التزم عبد الصبور شاهين بأعراف التيار الديني التقليدي. ولم يظهر ميلا واضحا لمراجعة التراث الإسلامي او نقد الافهام الموروثة. في شبابه المبكر ترجم كتابين لمالك بن نبي ، يتضمنان رؤية نقدية للثقافة السائدة. لكنه سرعان ما اختلف معه. ولذا يمكن القول ان "ابي آدم" كان استثناء في المسار العام لمنهجه الفكري ، وخصوصا دعوته للتحرر من تقاليد قدامى المفسرين. هذه الدعوة تقارب رؤية نصر حامد أبو زيد. فهل كانت معركته معه مدخلا لتغيير رؤيته لمنهج التفسير بشكل عام؟.

 

الخميس - 13 جمادى الآخرة 1447 هـ - 4 ديسمبر 2025 م

https://aawsat.com/node/5215773

27/11/2025

سيرة الانسان العاقل

 

لفت انتباهي هذا الأسبوع حديث قصير بعنوان "العقل الذي يخدعنا .. هل نثق به" للأكاديمي المعروف الدكتور صالح زياد ، على قناته في يوتيوب. وهذه حلقة في سلسلة حول مفهوم العقل ، خصصها للمقارنة بين مفهوم قديم ، فحواه ان العقل جوهر مستقل عن الجسد والمحيط ، وان استقلاله يتيح له ان يكون حاكما محايدا على ما سواه ، مقابل مفهوم حديث يركز على حدوده ، ولا سيما التأثير العميق لتجربة الانسان الحياتية ، والمحيط العائلي والاجتماعي على ما نسميه "التفكير".

د. صالح زياد

وقد شرح الدكتور صالح الفكرة ، فجعلها سهلة المنال ، مع ما تنطوي عليه من تعقيد في الأصل. وودت ان اضيف شيئا الى تلك المقاربة ، مركزا - كما سيأتي - على التصور الحديث لمفهوم العقل ، وما يواجه من تحديات وقيود ، حيث يشكل الصراع بين إرادة الانسان لادارة حياته ، وبين تلك التحديات والتقييدات ، جوهر النشاط العقلي ، وهو أيضا الحقل الذي يشهد ولادة الأفكار الجديدة. 

السلوك الإنساني ، وهو عفوي في معظمه ، انعكاس لصورة العالم في ذهن الانسان. ان فهم الظواهر الاجتماعية ، أي نتائج السلوك البشري في النطاق الاجتماعي ، يبدأ بافتراض مسبق ، فحواه أن هذا السلوك يتحرك بين دافعين: الاهواء والنزعات الانفعالية ، التي نعرفها عموما باسم "العاطفة" ، والحس السليم ، الذي نعرفه عموما باسم "العقل". ليس من الانصاف ، الادعاء بان العقلاني هو فقط ما ينتجه الحس السليم ، وأن الاهواء والنزعات ينتجان على الدوام قرارات غير عقلانية.

نعلم ان العاطفة هي الهدف الذي تتجه اليه الدعاية بمختلف مقاصدها ، السياسية والتجارية والأيديولوجية وغيرها ، فالدعاية كما نعلم لا تركز على اقناع الناس بقضايا مثبتة علميا او منطقيا ، بل تحاول استثارة عواطفهم وغرائزهم كي يستجيبوا لما تريده منهم. ولهذا أيضا يميل كثيرون الى اعتبار الأهواء والنزعات العاطفية والغريزية ، أقوى أثرا في قرارات الانسان وحياته اليومية. لكن اطلاق هذا القول على عواهنه لا يخلو من مبالغة.

لا نريد هنا نفي التأثير الكبير للعاطفة. بل تأكيد حقيقة ان هيمنة الحس السليم/العقل عليها ، تظل – في الصورة الكبيرة – اقوى واعمق أثرا. إن اقوى دليل على ان الانسان اكثر استجابة لدواعي العقلانية في المعنى الثاني ، أي اتباع الحس السليم ودواعي الخير في نفسه ومحيطه ، هو التقدم الذي حققته البشرية خلال تاريخها الطويل ، التقدم على مستوى العلوم والفنون ونظم المجتمع ، وعلى وجه الخصوص الإقرار المتبادل بحقوق الآخرين ، حتى في حال العداء والحرب ، كما هو الحال في اتفاقيات جنيف لعام 1949 والبروتوكولات الملحقة ، التي تشكل في مجموعها إطار عمل يسنده اتفاق بين جميع دول العالم ، على القواعد الضرورية للتخفيف من وحشية الحرب ، مثل ضمان سلامة الأشخاص الذين لا يشاركون في القتال ، رغم وجودهم في الميدان (المدنيون والمسعفون وموظفو الإغاثة) وكذا الجنود العاجزون عن القتال بسبب الجروح أو الاسر او غيرها. ومثله أيضا التقدم الواسع في مجال التعاقدات والضمانات العرفية والقانونية للعقود ، فضلا عن الإقرار الاجتماعي بحقوق الافراد والجماعات. فهذه وتلك تبرهن على ان الحس السليم واعتماد التضامن والتكافل والانصاف بين البشر ، كان ولا يزال هو الغالب على حياتهم وتعاملاتهم ، اذا أخذنا بعين الاعتبار مسارا تاريخيا طويلا.

ليس مستبعدا إن يكون المسار التقدمي للبشرية عبر التاريخ ، نتاجا لتجربة الصراع بين العاطفة والعقل. وفقا للفيلسوف البريطاني فريدريك فون هايك ، فان السلوكيات التي ترمز للعقلانية ، مثل الوفاء بالعهود ، كانت ثمرة لاكتشاف الانسان مبكرا ، بأن التبادل مع الآخرين يسهل حياته وأن استمراره وتطويره ، يقتضي التزام كافة الأطراف بالواجبات التعاقدية. وفقا لهذه الرؤية فان الهيمنة النسبية للعقل على حياة الانسان اليومية ، مكنته من التكيف مع متطلبات الحياة وما يتولد في سياقها من تحديات ، وجعلت حاضره خيرا من ماضيه.

الخميس - 06 جمادى الآخرة 1447 هـ - 27 نوفمبر 2025     https://aawsat.com/node/5213279

مقالات ذات صلة  

اصلاح العقل الجمعي
اناني وناقص .. لكنه خلق الله
تعريف مختلف للوعي/ تحييد صنم القبيلة
الرزية العظمى
العقل الاخباري
عقل الصبيان
العقل المساير والعقل المتمرد
العقل المؤقت
ما رايك في ماء زمزم؟
من العقل الجمعي الى الجهل الجمعي
من تقليد الى تقليد ، عقل معماري وعقل هدام
هل العقل كاف لانتاج القيم والاحكام؟
هل جربت صنم الكهف؟

20/11/2025

هل نتحدث في الفلسفة ام خدمات البلدية؟

تحدثت يوما الى رئيس بلدية ، في موضوع أظنه معروفا لمعظم القراء الأعزاء ، وهو "تفريغ الميزانية" الذي وجدته متعارفا في العديد من دول العالم ايضا. فحوى هذه الفكرة ان وزارة المالية تمنح رصيدا ماليا محددا للخدمات البلدية لكل مدينة. ويجب ان يصرف الرصيد بكامله قبل نهاية السنة. فاذا تبقى جزء منه ، فسوف تخفض ميزانية البلدية للسنة التالية ، بنفس المقدار.  ويقال عادة ان البلدية التي لا تستطيع صرف ميزانيتها ، قليلة الكفاءة او قليلة العمل. ولهذا السبب يحرص رؤساء البلديات على "تصفير" حساباتهم قبل دخول العام الجديد ، أي جعل المصروف الفعلي مساويا للدخل الفعلي ، خلال العام الجاري.

كنت قد لاحظت في الربع الأخير من العام ، ان معدات المقاولين احتلت شوارع رئيسية ، وبدأت في جرف الاسفلت وفرش اسفلت جديد ، مع ان القديم لم يكن سيئا جدا. قلت لرئيس البلدية انه كان الاجدر توجيه اعمال الصيانة هذه الى شوارع القرى والاحياء المحيطة بالمدينة والطرق الزراعية ، التي لم تحصل على صيانة منذ سنوات. فأجابني بأن الشارع الرئيسي الذي ذكرته ، يخدم مليوني شخص سنويا ، اما طرق القرى فلا تخدم سوى بضعة آلاف. أي ان قيمة الناتج هناك ستكون اكبر قياسا الى نفس المبلغ من المال.

قلت هذه القصة لصديق متخصص في التخطيط العمراني ، فأجابني مؤيدا رأي رئيس البلدية ، لنفس السبب. وكنت يومذاك أتبنى فكرة التوزيع المتوازن للخدمات العامة ، لتقليل النزيف الديمغرافي من الريف نحو المدينة. وكتبت حول اللامركزية الإدارية ، انطلاقا من ضرورة الحفاظ على التوازن السكاني ، ومن ثم التوازن الاقتصادي.

لكني انتبهت حديثا الى أن أكثر المخططين والمدراء ، متأثرون بالرؤية المبنية على معادلة الكلفة-العائد cost-benefit analysis وهي المعادلة التي بنيت عليها الفلسفة النفعية ، وقد أشرت اليها في مقالات سابقة.

جواب رئيس البلدية السابق الذكر ، ترجمة دقيقة للنظرية النفعية ، التي تقول بأن الفعل الصحيح هو الفعل المؤدي الى أكبر منفعة لأكبر عدد من الأشخاص. فاذا كان المليون ريال هنا سيخدم مليون شخص ، بينما يخدم في القرية عشرة آلاف شخص ، فان صرفه في المدينة هو الفعل الخير والصحيح.

أظن ان كثيرا من الناس سيتبنى نفس الرؤية ، لأنها تبدو عقلانية تماما. لكني لا أراها كذلك ، للسبب الذي اشرت اليه ، أي ضرورة التوزيع المتوازن للخدمات العامة. ومبرر هذا لا يخفى على اللبيب. وتكشف تجربة الدول النامية جميعا ، وبينها الدول العربية ، عن المعضلة الكبرى التي اثمر عنها تركيز الخدمات العامة في المدن ، والتقييم المالي (معادلة الكلفة – العائد) لهذه الخدمات. فخلال نصف القرن الأخير هجر الملايين من سكان الريف قراهم ، وأقاموا في أحياء غير منظمة غالبا في حواشي المدن الكبرى. ونعلم ان العديد من العواصم العربية تعاني من العبء الشديد للتوسع الفوضوي الذي ترتب على ذلك. قد رأيت هذا الحال في بغداد ودمشق والقاهرة والجزائر.

التوسع الفوضوي للمدن الكبرى يزيد الأعباء الاقتصادية على البلد ، لأنه يقلص القاعدة الإنتاجية ، ويهدم الأعراف الناظمة للعلاقات الاجتماعية ، والتي تلعب دور الواقي من الانكسارات والانحراف السلوكي للافراد.

-         ما العمل اذن.. هل نضع تفضيلات تحابي اعدادا قليلة من المواطنين ، على حساب الأكثرية؟.

 اظن ان صياغة السؤال على هذا النحو ، مدخل للجواب الخطأ. التوزيع المتوازن للخدمات العامة يؤدي الى نتائج تخدم شرائح كبيرة ، لكن ضمن منظور مختلف ، مثل تقليل الكلف الصحية والوقاية من الجريمة والنزاعات الاجتماعية ، فضلا عن تعزيز القاعدة الإنتاجية للاقتصاد الوطني. عدا هذه الفوائد التي يمكن قياسها بالمال ، فثمة عنصر لا يقل أهمية ، ألا وهو تعزيز الانتماء الوطني ، وإقامة العدالة الاجتماعية التي تعني – بالضرورة – تساوي الجميع في التمتع بالفرص والإمكانات المتاحة في المجال العام.

هذا ليس مجرد رأي في الفلسفة ، بل هو تأكيد على الصلة الوثيقة بين برامج العمل ، والقيم الكبرى الناظمة لعلاقة المجتمع بالدولة.

الخميس - 29 جمادي الأول 1447 هـ - 20 نوفمبر 2025

https://aawsat.com/node/5210716

 

06/11/2025

ماذا يفعل السياسيون؟

"السياسة بوصفها حرفة" رسالة صغيرة الحجم ، وهي في الأصل محاضرة مطولة القاها عالم الاجتماع المعروف ماكس فيبر ، امام اتحاد الطلبة بجامعة ميونيخ في 1919. نالت الرسالة شهرة واسعة في النصف الثاني من القرن العشرين ، مع بروز الدراسات المكرسة لتفسير الفعل السياسي واخلاقياته. ويظهر ان فيبر استهدف في تلك المحاضرة ، تعزيز الاتجاه العقلاني ، في مواجهة الميول المثالية التي تشيع عادة بين الطلبة الجامعيين. وكان هذا ضروريا عقب الهزيمة المذلة لألمانيا في الحرب العالمية الأولى ، حيث شاع اتجاه قومي متطرف ، يقال انه وفر – لاحقا – أرضية ثقافية استثمرتها تيارات سياسية شعبوية ، مثل التيار النازي الذي تزعمه أدولف هتلر.

الرسالة الداخلية لتلك المحاضرة هي: من يريد احتراف العمل

ادولف هتلر
السياسي ، فعليه ان يستوعب الفوارق الجوهرية بين الوعظ والسياسة. ممارسة السياسة شيء مختلف تماما عن الكلام السياسي ، كما انه مختلف عن الحرف الأخرى. ان أردت المحافظة على اخلاقيات بسيطة ، فان السياسة ليست المكان المناسب ، فهي مكان للاخلاقيات المركبة ، حيث يجد المرء نفسه امام خيارات عسيرة بين السيء والأسوأ ، وليس بين الحسن والسيء ، وهو في كل حالة مضطر لاتخاذ قرار ، والا فقد دوره في هذا المجال.

جوهر السياسة – يقول فيبر – هو ارتباطها بأدوات الجبر والعنف. حين تكون في دار العبادة ، ستسمع تحذيرا من الاعمال التي تصنف في خانة الإساءة للغير ، او ظلم الضعيف او تخريب البيئة وأمثالها. وسيخبرك الواعظ ان هذه الأفعال تستدعي غضب الله والعقاب في الآخرة. واذا كنت في المدرسة ، فسوف يخبرك الأستاذ ان مخالفة أنظمة المرور والبناء وأمثالها قد تؤدي الى احتمال غرامات وخسائر ، وربما السجن. في كلا الحالين يركز المتحدث على ارشاد المستمعين ، واقناعهم بتجنب الأفعال التي تعرضهم للاذى. اما رجل السياسة فلا يصرف وقتا في اقناع أحد ، بل يتخذ قرارات توضح بجلاء ان من يخالفها سوف يتعرض للعقاب. الفارق اذن بين رجل السياسة وغيره ، ان هذا يهدد بالعنف المباشر وهو يملك أدواته. أما الواعظ والأستاذ فدورهم يقتصر على "لفت نظر" المستمعين الى العواقب المحتملة لأفعالهم.

بعبارة أخرى فان جوهر العمل في المجال السياسي ، هو الزام الناس بما يريده رجل السياسة ومنعهم مما لا يريده. قد تتوافق هذه الأوامر مع ارادات الناس في بعض الأحيان ، لكنهم في معظم الحالات ، يفعلون ما يأمرهم رجل السياسة خوفا من العقاب.

-         ما الذي يدعو ماكس فيبر لهذا الحديث؟

أشرت في المقدمة الى رغبته في معالجة الميول المثالية التي تلبس ثوب الاخلاق الكاملة. مع انها في حقيقة الأمر بعيدة جدا عن واقع الحياة وحاجاتها. بعبارة أخرى فاننا جميعا نتمنى الخلاص النهائي من الجبر والخشونة في كافة المعاملات: المعاملات بين الآباء والأبناء ، بين الأصدقاء والجيران ، بين التجار والمستهلكين ، بين رجال الدولة والمواطنين ، أو بين مواطني هذه الدولة وغيرهم من مواطني الدول الأخرى. هذه أمنية. لكن في واقع الحياة ، يستحيل إدارة البلاد من دون التلويح بأدوات الجبر ، في بعض الأحيان ، بل في غالب الأحيان.

هذا أمر لا أظن عاقلا ينكره. لكن العاقل سيخشى الانزلاق من "التلويح" بالعنف الى استعماله بشكل مبتذل ، أي تحويله من أداة في الخلفية الى أداة وحيدة للتعامل مع الناس. من ذلك مثلا ان تترك الحديث مع الناس ، الى تهديدهم بالسجن والتغريم وغير ذلك ، في كل صغيرة وكبيرة.

على الجانب الآخر ، فانه ليس متوقعا ان يلبس السياسي ثوب الواعظ ، أي ان يتخلى عن حل المشكلات ولو بالعنف ، لأنه ان فعل ذلك فقد فرط في دوره الرئيس ، أي إدارة البلد ، ولا أظن أحدا يريد أن يرى حاكما منصرفا الى الوعظ بدلا عن ممارسة الحكم ، حتى لو كان العنف مضمونا له.

الشرق الأوسط الخميس - 15 جمادي الأول 1447 هـ - 6 نوفمبر 2025 م https://aawsat.com/node/5205609

30/10/2025

انخفاض الخصوبة وتحدي الهوية


هذه خلاصة نقاش حول العوامل البنيوية التي تضغط على توجهات السياسة في أوروبا الغربية في الوقت الحاضر. وتلعب هذه العوامل أدوارا متفاوتة في كافة المجتمعات الصناعية ، كما انها تمثل تجربة متقدمة للمجتمعات التي تتجه نحو الاقتصاد الحديث بشكل عام.

يجدر الإشارة أولا الى فائدة التمييز بين نوعين من التحليل السياسي ، اكثرهما شيوعا هو الذي يركز على التجاذب بين الاطراف الفاعلة في الميدان ، بناء على ان نتائج التجاذب ، وما يكسبه كل طرف وما يخسره الآخر ، هو الذي يشكل الصورة الواقعية للحياة السياسية. اما النوع الثاني فهو الذي يركز على العناصر الجيوسياسية ، أي مصادر القوة وأسباب الضعف الثابتة ، التي لا تتغير بتغير الحكومة ولا البرامج السياسية. فهذه المصادر والأسباب تواصل تأثيرها في المشهد السياسي ، أيا كانت المجموعة الحاكمة.

سوف أركز في هذه الكتابة على انخفاض معدل الخصوبة. وهو أحد العناصر الجيوسياسية المؤثرة على مسارات السياسة. واشرحه مع الاخذ بعين الاعتبار تفاعله مع نموذج "دولة الرفاه" ، الذي تقوم عليه الدولة الأوروبية. وربما نعود للحديث عنه بشكل مستقل في مقالة قادمة.

معدل الخصوبة هو عدد الولادات المتوقعة لكل امرأة. ويجب ان لا ينزل دون 2.1 مولود لكل امرأة ، للحفاظ على نفس عدد السكان من دون هجرة. ولهذا أطلق على هذا الحد اسم "معدل الخصوبة الاحلالي". ولو اردنا المقارنة ، فان السعودية مثلا تحظى بمعدل مرتفع نسبيا ، أي 2.3 مولود حي لكل امرأة. اما في دول الاتحاد الأوروبي فقد انخفض المعدل الى 1.34 مولود لكل امرأة في عام 2023. معدل الخصوبة مهم ، لأنه هو الذي يحدد قابلية المجتمع لتوفير اليد العاملة الضرورية لتحريك العجلة الاقتصادية. فاذا تناقص عدد المواليد ، تناقص معه عدد الأشخاص المهيئين للعمل ، بينما يزداد بشكل معاكس ، عدد المتقاعدين الذين يحتاجون لم ينفق عليهم. في الوقت الحاضر تصل نسبة كبار السن (65 عاما وأكثر) في الاتحاد الأوربي ، الى 21.6 بالمائة من السكان. وهي نسبة تتصاعد باستمرار.

انخفاض عدد العاملين ، يعني تقلص الحراك الاقتصادي ، ومن ثم انكماش موارد الدولة ، التي تعتمد على الرسوم والضرائب. وهذا يقود طبعا الى زيادة الضغوط على نظام الخدمات العامة ، وتجميد أي توسع او تطوير يتطلب استثمارات كبيرة.

جرب عدد من الدول لا سيما فرنسا والسويد ، تشجيع الانجاب ، لكن هذه السياسات لم تلق نجاحا يذكر. الحل الآخر الذي يبدو معقولا ، هو السماح بالهجرة الواسعة. المانيا مثلا حصلت على 1.5 مليون مهاجر في 2022 و660 الف مهاجر في 2023. وتقول ارقام رسمية ان تدفق 200 الف مهاجر سنويا يضيف للاقتصاد الألماني نحو 100 مليار يورو على المدى الطويل. أي ان الهجرة تولد قيمة اقتصادية صافية ، رغم انها تبدو – في اول الامر – مكلفة. في الوقت الحاضر يمثل المهاجرون 25% من الشعب الألماني.

لكن الهجرة الواسعة ليست بلا تبعات. فقد أطلقت شعورا بالقلق من فقدان الهوية او تحولها. الواقع ان الحكومات الأوروبية تحاول علاج هذا المشكل ، بالتركيز على قيمة التنوع الثقافي باعتباره جزء حيويا من الهوية الوطنية. ولتأكيد هذا الاتجاه تشجع المهاجرين على المشاركة في الحياة السياسية ، وقد تولى بعضهم فعليا مناصب وزارية وعضوية البرلمان. لكن كثيرا من السكان ، لاسيما المحافظين التقليديين ، يتساءلون بقلق: هل سيتحول المهاجرون من محكومين الى حكام او مشاركين في حكم بلدنا؟.

ربما يجيب بعضهم ، لاسيما من السياسيين التقدميين: وماذا في ذلك ، طالما ان المهاجر يعمل مثل المواطن الأصلي ، ويؤدي واجباته الضريبية ، ويشعر ان هذا وطنه ، تماما مثل بقية المواطنين ، فهل نشعر بالقلق لمجرد اختلاف لونه او دينه او طريقة عيشه؟.

على السطح ، تبدو هذه أسئلة بسيطة ويبدو جوابها بديهيا. لكنها تخفي – في واقع الامر – تعقيدا شديدا ، ويختلط فيه المنطق بالعاطفة وانعكاسات التجربة التاريخية ، على نحو يستحيل ان تعالجه الأجوبة البسيطة.

الشرق الأوسط الخميس - 08 جمادي الأول 1447 هـ - 30 أكتوبر 2025 م

https://aawsat.com/node/5203041

16/10/2025

رحلت الحافلة ، فماذا ستفعل؟.

روى شاب مصري موقفا شهده يوم سافر من مكة للرياض في 2023. وخلاصتها انه ذهب للصلاة عندما توقفت الحافلة عند محطة بنزين ، فلما عاد اكتشف انها رحلت ، فاحتار في امره لان حقيبته وأوراقه في الحافلة ، وهو لا يعرف الطريق ولا كيف يتصرف ، فلقيه سائق شاحنة ، سأله عما به ، ثم اخبره ان يهاتف "ادارة امن الطرق". وخلال دقائق وصلت سيارة شرطة ، اخذته الى الحافلة التي اوقفتها الشرطة عند نقطة التفتيش. يقول الرجل في نشرة على "فيس بوك" انه مذهول ، لأن الناس والشرطة كانوا راغبين في مساعدته بكل مودة ، ومن دون ان يعرفوه او يوصي به أحد.

لو سألت أي شخص عن رأيه في هذا الموقف ، لامتدح كافة الأشخاص الذين شاركوا فيه ، وامتدح المجتمع الذي يعزز اخلاقيات الدعم والتكافل هذه. نعلم ان الناس يميلون بقوة للتعاضد حيثما امكنهم ، ويعتبرون هذا من الفضائل والمكارم. وهذا واضح أيضا في عشرات التعليقات على النشرة ، التي أكد أصحابها انهم يعرفون مواقف مماثلة.

هذا لا ينفي طبعا ، ان بعض الناس الذين يحبون سلوكا كهذا ، لن يفعلوه لو كانوا في نفس الموقف ، او لعلهم سيطلبون مقابلا ماليا للمساعدة. وأذكر قصة سمعتها من صاحبها ، وخلاصتها انه يملك سيارة كبيرة يستعملها لسحب السيارات المتعطلة. وقد اعتاد أن يذهب عصر الخميس والجمعة (يوم كان الخميس عطلة) الى منطقة صحراوية يمارس فيها الشباب هواية السباق على الرمال ، التي يسميها اهل بلدنا (التطعيس). يقول الرجل ان عدد السيارات التي تنقلب او تحتاج للمساعدة لايقل عن سبع في كل يوم ، وانه يحدد أجرته عن المساعدة تبعا لماركة السيارة وقيمتها. فالسيارة الغالية يفرض عليها 2000 ريال والرخيصة 500 ريال ، وهكذا. وقال انه يجني معظم دخله من هذا العمل. وفي وسط الكلام ، قال انه كثيرا ما ترك أشخاصا مع سياراتهم ولم يساعدهم ، لانهم لم يدفعوا المبلغ المطلوب. سألته: الم تشعر بتأنيب الضمير حين تترك شابا وراءك وسط الصحراء ، مع سيارة محطمة؟. فاجابني انه لم يندم ابدا ، لأنه في الأساس ذهب للعمل وكسب المال وليس للمساعدة.

افترض ان بعض القراء سيتفهم هذا العذر ، وسيرفضه آخرون ، نظرا للوضع الخاص لطرفي العلاقة ، السائق وطالب العون. سيقول أولئك ان الذين يتسابقون يلهون ويستمتعون بالمخاطرة ، فلماذا نفترض انهم يستحقون العون ، ولا سيما من شخص يعيش على هذا النوع من العمل ، هذا اشبه بصياد سمك ، ندعوه للتبرع بانتاجه لمن يحتاج الاكل ، فاذا فعل ، فمن سيطعم أطفاله؟.

اما الذين يرفضون موقفه ، فسوف ينظرون الى عواقب تركه لاولئك الشبان بمفردهم في الصحراء ، حيث يواجهون مخاطر ، غير مؤكدة لكنها واردة. وهم يفترضون ان على الانسان ان يقدم تنازلات أحيانا ، حتى لو كانت على حساب حاجاته وما هو ضروري له.

أميل الى رؤية المفكر المعاصر "ايزايا برلين" الذي رأى ان الفعل الأخلاقي في موقف كهذا ، ليس واحدا ولا ثابتا. ذلك ان العقلاء يبنون مواقفهم على مزيج من القيم ، مادية ومعنوية ، تتغير مواقعها وتأثير كل منها بحسب تفصيلات المسألة المطروحة فعلا. في المثال الذي امامنا ، يتاثر الموقف بالوقت (ليلا او نهارا) ووجود اشخاص اخرين ، ومدى حاجة الطرف الأول للمال والثاني للعون ، وتوفر البدائل ، ونوعية المخاطبات التي جرت بين الاثنين ، بل حتى طبيعة الأرض والطقس والبعد عن المدينة. تدخل هذه العوامل كلها في تكوين الموقف الأخلاقي الذي يتخذه العقلاء عندما يواجهون حالة كالتي ذكرناها.

ليس من الأخلاقي ان ترهن علاقتك بالناس ، بمقدار ما يدفعون لك. فلعلهم لا يذكرونك يوم يستغنون عنك ، فهل تريد حياة كهذه؟. كما لا يمكن – في واقع الحياة – ان تتحول الحياة كلها الى تطوع وتطوع مقابل ، فهذا يخالف طبيعة الانسان وفطرته.

الشرق الأوسط الخميس - 23 ربيع الثاني 1447 هـ - 16 أكتوبر 2025 م

https://aawsat.com/node/5197804 

09/10/2025

من اقتصاد السوق الى مجتمع السوق

 

في سبتمبر الماضي نشر د. فهد الخضيري ملاحظة للطبيب المصري د. يحي النجار ، يقول فيها انه شهد سيدة فقيرة بحذاء بلاستك تدخل عيادته ، فيصرف خمس دقائق على فحصها ، فتدفع له ما يكسبه زوجها من عمله في أسبوع عمل كامل. ثم يستدرك ان هذا عمل تستحي منه الإنسانية. ولهذا قرر جعل فحص الفقير والطفل اليتيم مجانيا. وقد حصدت الرسالة تفاعلا استثنائيا ، من جانب رواد منصة التواصل الاجتماعي "اكس".

قبل هذا ، في 26 فبراير الماضي ، عثر عامل صيانة ، بمحض الصدفة ، على جثة الممثل الشهير جين هاكمان ، الذي توفي بعد أسبوع تقريبا من وفاة زوجته في الغرفة المجاورة. يرجح ان الزوجة توفيت في 11 فبراير وتوفي هاكمان ، الممثل الحائز على جائزة الاوسكار مرتين ، في 17 فبراير. الجيران الذين تحدثوا للصحفيين ، قالوا ان الزوجين كانا منعزلين ، نادرا ما يزورهما أحد ، رغم ان هاكمان لديه ثلاث بنات من زواج سابق ، وبالطبع ، الكثير من زملاء وأصدقاء العمل. لكن أيا من هؤلاء ومن الجيران ، لم يفتقد الزوجين ولم يسأل عنهما طيلة أسبوعين على الأقل.

جين هاكمان

سيدة على صلة بالزوجين ، قالت فيما يشبه رثاء الذات ، ان حياة الناس تحولت الى ركض وراء المال. حتى العلاقة مع الاهل والأصدقاء باتت تقاس بالعائد او الفاقد المالي ، وكذا الخدمات البسيطة التي اعتاد الناس تقديمها لبعضهم ، تأكيدا للمحبة او الشفقة. فاذا بلغ الشخص خريف العمر ولم يعد مفيدا تجاريا ، فسوف تنتهي حياته الاجتماعية ، وسوف ينتقل الى هامش الحياة ، مثل سيارة قديمة تنقل بعد سنين من الاستعمال ، الى ساحة التشليح او حاشية الطريق.

الذي يجمع بين قصة الطبيب النجار وقصة الممثل هاكمان وامثالها ، هو ان الوقت الاجتماعي بات سلعة. أناس كثيرون باتوا يأبون إنفاق وقتهم في أشياء ضرورية جدا لأشخاص آخرين. يمكن ان يكون هؤلاء الاخرون أبا او اخا او صديقا او مريضا فقيرا او طفلا ، او أي شخص وضعته الحياة في طريقنا ، فهل نحن مستعدون لابطاء حركتنا ، او حتى التوقف من أجل ان نتعرف عليه او نساعده او نعطيه أملا؟.

يعتقد البروفسور مايكل ساندل ، وهو فيلسوف أخلاقي معاصر ، ان المشكل ليس البخل او قلة الأدب او قلة الاكتراث ، بل الانزلاق الذي لا نلاحظه بدقة ، من شعار "اقتصاد السوق" الى واقع "مجتمع السوق".

خلال الخمسين عاما الماضية ، بات اقتصاد السوق قرينا للازدهار والرفاهية. بل ان الفيلسوف المعاصر روبرت نوزيك ، اعتبره سبيلا وحيدا لاقامة العدالة في توزيع الثروة والفرص. وبشكل عام ، ورغم كل عثرات هذا النموذج ، فان التجربة العملية تؤكد فرضية انه الآلية الأكثر كفاءة لتنظيم الإنتاج والتوزيع ، والعون الأكبر لتحويل الأفكار الى محرك للابتكار والثروة.

معظم الناس يدعمون هذه الفكرة. لكن بعضهم أشار دائما الى مجال لا يمكن لاقتصاد السوق ان يعالجه بشكل جيد. خذ مثلا ظاهرة المشردين الذين تعج بهم المدن الكبرى في القارتين الامريكية والأوروبية ، الذين يعيشون في الخرائب او ربما على الرصيف ، لأنهم لا يملكون سكنا ولا المال اللازم لاستئجار مسكن. وخذ أيضا رفض المستشفيات الخاصة علاج حالات طارئة لان المريض ليس مسجلا في نظام التامين الصحي ، حتى ان بعض الناس توفوا في انتظار الموافقات وتأمين الأموال..

يتحول المجتمع الى سوق ، وتمسي الحياة الاجتماعية امتدادا للسوق ، اذا بات كل شيء يشترى بالمال ، بما فيه الصداقة والمحبة والتعاطف والوقت الاجتماعي والكرامة والفرح والحزن والألم والسعادة. قد يبدو هذا الكلام مبالغا نوعا ما. ولحسن الحظ فلازال المجتمع العربي بعيدا عن هذه الحالة. لكن انظر لما تنشره الصحافة ومنصات التواصل الاجتماعي ، من امثلة شبيهة لما ذكرته في السطور السابقة ، ثم سائل نفسك عن مصدر هذه الحالات واسبابها.. سترى الجواب واضحا تماما.

الشرق الاوسط - الخميس - 17 ربيع الثاني 1447 هـ - 9 أكتوبر 2025 م   https://aawsat.com/node/5195279

 

02/10/2025

العقل في المرحلة الأوروبية

العقل المعاصر نتاج لعصر النهضة الأوروبية. لكنه لم ينحصر في أوروبا ، بل بات أقرب الى نموذج كوني ، يمثل حقيقة الانسان في هذه المرحلة من تاريخ البشرية. أعلم ان غير الأوروبيين لا يرتاحون لهذه النسبة. فهي تقلل - ضمنيا - من قيمة اسهامهم  في انتاج الفكر الإنساني والتجربة التاريخية للبشر بشكل عام. وقد يظن بعض المسلمين ان الفارق الديني هو المحرك لكلا الموقفين ، الاستهانة الغربية والرد عليها. لكني وجدت مفكرين من خارج هذين السياقين يعبرون ، صراحة او ضمنيا ، عن موقف مشابه. من يقرأ اعمال امارتيا سن ، الفيلسوف والاقتصادي الهندي الحائز على جائزة نوبل ، سيلاحظ ان الثقافة الهندية حاضرة بكثافة في كل كتاباته تقريبا ، رغم انتمائه للتقليد العلمي الأوروبي.

أمارتيا سن

أردت البدء بهذا التمهيد تنبيها للقاريء الى حدود التعميم الذي سيظهر في ثنايا المقال. والحق اني انظر لتطور مفهوم العقل وانتسابه للحضارات المتعاقبة ، من زاوية لاتتصل ابدا بتقييم تلك الحضارات والمراحل. اعتقد ان تاريخ البشر تجربة واحدة ممتدة ، تتنوع وتتصاعد باستمرار ، وتتشكل في إطارات مختلفة ، لغوية او جغرافية او دينية ، بحسب مايتوفر من عوامل بعث أو خطوط انكسار. من هنا فان الأديان والحضارات والحروب والتجارب العلمية ، تشكل كلها طبقات في بناء واحد. لا شك عندي ان جانبا مهما من نضج الثقافة الإسلامية القديمة وعمقها ، ثمرة لاتصال المسلمين بالثقافات السابقة ، كاليونانية والصينية والهندية والفارسية والافريقية وغيرها. وبالمثل فان الثقافة الاوربية المعاصرة امتداد لتلك الثقافات ومنها الإسلامية. نعلم أيضا ان قابلية الثقافة للتطور ، رهن بقدرتها على التفاعل مع الثقافات المختلفة وإعادة انتاج مفاهيمها ضمن نسيجها المحلي. ولهذا السبب خصوصا ، ذكرت في كتابة سابقة ان ضعف النشر العلمي باللغة العربية ، يرجع في جانب منه ، الى ما أظنه تعقيدا مبالغا فيه للشكل اللغوي والقواعد النحوية والبلاغية ، بحيث باتت فرصة الكتابة العلمية بالعربية ، قصرا على من يجيد قواعدها النحوية والبيانية اجادة تامة.

بالعودة الى صلب الموضوع ، فان العقل المعاصر  يمتاز بسمات أساسية يشكل مجموعها خطا فاصلا عن عصور العقل السابقة. أذكر هنا ثلاثا من تلك السمات:

1-     الفصل بين المعرفة والقيمة. اذ لم يعد التفكير في القضايا ، متقيدا بقيمتها المستمدة من موقعها الاجتماعي او التاريخي او الديني. ربما يتقيد الباحث بقيمه الخاصة في مرحلة مابعد الاستنتاج ، لكنه في مرحلة الملاحظة والبحث وصناعة الفكرة ، ينبغي ان يتحرر من كل قيد. تتعاضد هذه المقولة مع قاعدة ان حرية التفكير والاعتقاد والتعبير ، جزء أساسي في مفهوم كرامة الانسان وقيمته كموجود عاقل.

2-     العقل نفسه ينظر اليه الآن ككون مستقل عن الأرضية الثقافية التي ولد فيها (او بالأحرى ينبغي ان يكون هكذا). لكن نتاج العقل لا يعد مطلقا ولا مستقلا. بات متفقا عليه ان العقل يتشكل بتأثير تجربة الانسان الحياتية ، التي تعكس الى حد كبير شروط بيئته وما يتجاذب فيها من تيارات. من هنا فان نتاج العقل لم يعد تعبيرا عن الحقيقة ، بل هو معرفة مؤقتة او رأي شخصي ، قد يتحول الى توافق عام اذا عبر القنوات الخاصة بتعميم الأفكار ، كمؤسسات الصناعة والبحث العلمي والهيئات التشريعية.

3-     التمييز بين استقلال العقل في الأصل ، وتبعيته الواقعية لشروط البيئة الاجتماعية ، تظهر أهميته في التمييز الضروري بين دورين يقوم بهما ، دور يسمى "العقل العملي" ووظيفته فيه هي ربط الانسان بما حوله وتيسير حياته ، أي ادراجه في شبكة الأعراف السائدة ، ودور يسمى "العقل النظري" ووظيفته نقد اعراف وتقاليد البيئة والثقافة ، ومحاولة تحرير الانسان من قيودها بإنتاج بدائل لها ، تتحول بالتدريج الى تقاليد في دورة اعلى ، وهكذا. العقل اذن تابع في مرحلة ومتمرد في مرحلة تالية.

 هذا ما اتسع له المقام. ولعلنا نعود للموضوع في قادم الأيام.

 الشرق الاوسط الخميس - 10 ربيع الثاني 1447 هـ - 2 أكتوبر 2025 م   https://aawsat.com/node/5192734

مقالات ذات صلة

اسطورة العقل الصريح والنقل الصحيح
اصلاح العقل الجمعي
اناني وناقص .. لكنه خلق الله
تعريف مختلف للوعي/ تحييد صنم القبيلة
الثقافة كصنعة حكومية
الرزية العظمى
العقل الاخباري
عقل الصبيان
العقل المساير والعقل المتمرد
العقل المؤقت
ما رايك في ماء زمزم؟
من العقل الجمعي الى الجهل الجمعي
من تقليد الى تقليد ، عقل معماري وعقل هدام
هل العقل كاف لانتاج القيم والاحكام؟
هل جربت صنم الكهف؟
اليد الخفية التي تدير العالم

من يصنع هويتك: انت أم الآخرون؟

توصل البروفسور يوناس فريسن ، بمعهد كاروليسكا في ستوكهلم ، الى أن اجسامنا تتغير كل يوم . ويتغير جسم الشخص البالغ كله تقريبا ، خلال فترة تتراو...