14/05/2026

التحيز الطبيعي والتحيز المصنوع

زرت هذا الأسبوع مجلسا لأحد الأصدقاء ، فوجدت الحضور مشغولين بالنقاش عن صعوبة الحصول على وظائف في هذه الأيام ، وسمعت بعضهم يلقي باللوم على كثرة العمال الوافدين واحتكارهم لمهن بعينها. وهذا حديث بات معتادا ، في المجالس وفي منصات التواصل الاجتماعي وغيرها.  

ويبدو ان هذا الإحساس (الذي لا أراه صادقا ولا دقيقا) قد بات مشكلة عالمية: في شمال باكستان يشكون من مزاحمة العاملين الأفغان ، وفي الهند يشكون من مزاحمة البنغال ، وفي تركيا يتحدثون عن مزاحمة السوريين ، وفي مصر عن العمال السودانيين ، وفي لبنان عن الفلسطينيين. أما في الولايات المتحدة وأوروبا ، فقد بات موضوع الهجرة محركا لتيار سياسي يتصاعد يوما بعد يوم ، ونعلم ان احدث انعكاساته قد أصابت حزب العمال البريطاني الحاكم ، الذي خسر في الانتخابات البلدية الأخيرة 1200 مقعدا لصالح تيار يعادي المهاجرين. 

قلت للحاضرين أني لا أرى شحا في الوظائف ، على النحو الذي يذكرونه. لكني أردت الحديث عن موضوع التحيز ، وخصوصا النظر الى العاملين الأجانب ، كسبب في بطالة الشباب حديثي التخرج. فقاطعني أحد الحاضرين قائلا ان مجتمعنا ليس فيه تحيز ، لأن الدين يحرمه. 

انكارنا وجود التحيز هنا او هناك ، لا يعني انه غير موجود. ومن يدعي ان انكار الدين للتحيز ، يعني بالضرورة ان المسلم بريء منه ، فهو واهم. اصرارنا على وجود التحيز او على انكاره سيان.. لا هذا مفيد ولا ذاك. المفيد في رأيي هو تحليل ظاهرة التحيز التي نراها أمامنا ، وليس التحيزات التي تحصل في أماكن أخرى من العالم. يجب ان نفهم أسبابها المباشرة والعناصر التي تعززها او تثبطها ، ومستوى تأثيرها المادي او الروحي على العلاقات  الاجتماعية 

ان لم يكن هذا التحيز مؤثرا ، فهو في أسوأ الحالات مجرد وجهة نظر غير مقبولة. يمكننا ان نرفضها ، لكن ليس ثمة داع حثيث لاتخاذ موقف اكثر تشددا. أما لو تبين انه يؤثر جديا على معايش الناس وعلاقاتهم ، أو على الامن والسلام الاجتماعي ، فعلى العقلاء السعي لمنع استشرائه وتفاقم ضرره. 

يمكن من حيث المبدأ تمييز ثلاثة أنواع من التحيز ، أولهما طبيعي ، وقد يكون ضروريا ، والثاني تحيز الازمات ، أما الثالث فهو اصطناعي مقصود ، وهو الأكثر خطورة. 

يرتبط التحيز الطبيعي بمرحلة بناء الهوية الاجتماعية او الوطنية ، حيث تبالغ المجتمعات عن قصد في تمجيد ذاتها وتاريخها وانجازاتها ، من أجل ترسيخ الرابطة التي تشد أبناء المجتمع الى بعضهم ، وصولا الى تكوين المجتمع الواحد او الأمة الواحدة. يتخد هذا التحيز اتجاه توضيح الحدود بين هذه الجهة وتلك ، بالتركيز على الفوارق الإيجابية ، أي الميزات الإضافية التي يتمتع بها هذا الفريق 

ويرتبط النوع الثاني من التحيز بالازمات التي تدفع الناس للبحث عن كبش فداء لاخفاقاتهم ، حتى لو لم يكونوا مقصرين في حق انفسهم او مسؤولين عن ذلك الإخفاق. يظهر هذا في أزمات مثل قلة الاعمال او انخفاض الرواتب ، كما يظهر في الحروب والمشكلات السياسية. ويذكر القراء العادة المشهورة عند السياسيين ، الذين يلقون مسؤولية اخفاقهم على مؤامرات "الخارج".  

أخيرا نصل للتحيز الذي يجري تصنيعه وتعميمه بواسطة فريق اجتماعي ، بقصد وتصميم مسبق ، لخدمة أغراض سياسية او غير سياسية. وقد تعرفت المجتمعات العربية على هذا النوع في أواخر القرن العشرين ، حين بدأت جماعات سياسية تشن حملات تخويف من الغزو الغربي ، وكان الهدف الوحيد هو اضعاف منافسيهم المحليين والانفراد بالتمثيل السياسي للمجتمع. 

زبدة القول اننا بحاجة لتحليل المواقف التي نعتقد انها تعبر عن ظاهرة تحيز ، نحن بحاجة لفهمها ، وفرز ما يشير الى وضع طبيعي غير ضار ، وما يرتبط بأزمة ، قد تتحول سريعا من فورة مشاعر طبيعية الى صدام اجتماعي ، وأخيرا ما هو مخط لسحب المجتمع في اتجاه سياسي بعينه.  

الشرق الاوسط الخميس - 27 ذو القِعدة 1447 هـ - 14 مايو 2026 م  https://aawsat.com/node/5272973 

مقالات ذات علاقة 

 

 

 

 

07/05/2026

تصنيف الناس سلوك طبيعي.. ماذا عن الكراهية؟

"كل المثقفين هكذا .. يتفلسفون في كل مسألة ، يطيلون الكلام في كل زاوية. والنتيجة؟..  تاثيرهم صفر..". هكذا علق أحد القراء الأعزاء على مقالة الأسبوع الماضي ، التي – لسوء الحظ – انتقدت التعميم ، ولا سيما السلبي منه. والتعميم كما أشرت هو ان تأخذ انطباعا عن شخص او عدد من الأشخاص ، ينتمون الى فئة محددة ، ثم تصدر حكما على جميع افراد تلك الفئة. مثال ذلك ان ترى كاتبا او بضعة كتاب يتفلسفون ، او يطيلون القول في مسائل بعينها ، فتحكم بأن كافة الكتاب يفعلون الشيء نفسه ، وان هذا الفعل سيء.

محافظة حولي - الكويت

حسنا .. هل يمكننا الخلاص من ظاهرة التعميم او التنميط المتحيز ، خصوصا الذي ينطوي على محتوى سلبي او معاد لفئات بأكملها؟.

أشار مقال الأسبوع الماضي لشهادة الاديب الإنكليزي "شارلز لام" الذي يقول "أنا كتلة من التحيزات ، من الحب والكراهية والتعاطف واللامبالاة". والحق ان هذا هو وأنا وأنت. انها سمة راسخة عند أغلب الناس ، وربما جميعهم.

يبدأ التحيز بطريقة تنسيق المعلومات في ذهنك. مثلا: حينما ترى سيارتين ، المانية وصينية ، فسوف تستدعي حكما ذهنيا سبق تخزينه في ذاكرتك عن التكنولوجيا الألمانية والصينية ، وسوف تنظر للاولى بوصفها اعلى واقوى من الثانية. ترى .. كيف عرفت ان السيارة التي امامك تحمل نفس الصفات المخزونة في ذاكرتك؟. لعل التي قدرت انها افضل ، أقل من نظيرتها في الواقع.

هذا معروف لنا جميعا. لكننا – مع ذلك – لا نلتفت للاحكام التي نصدرها على الناس والأشياء التي نصادفها كل يوم تقريبا ، أعني  احكامنا المستمدة من قوالب في الذهن ، وليس من ملاحظة عينية مباشرة للشخص او الشيء الذي أمامنا.

التصنيف الذهني للمعلومات والاحكام نشاط عفوي ، لا يمكن تفاديه. لكنه قابل للمراجعة والتحكم. وهكذا يمكن تصفيته بين حين وآخر ، على ضوء ما نتوصل اليه من معلومات أو آراء جديدة ، شرط أن يرغب الانسان في المراجعة والتصحيح.

يصنف العقل ما يصله في قوالب (او أدراج). فكلما وصلته معلومة مقاربة ، اضافها لذلك الدرج وختمها بطابعه.

وأذكر حادثة تشير للتنميط العفوي ، حين ذهبت قبل سنوات الى مدينة "حولّي" في الكويت ، لزيارة صديق. فلم اعثر على مكانه ، فعرضت العنوان على صاحب دكان هناك ، فقال لي ان كان الذي تبحث عنه كويتيا ، فلن تجده هنا مطلقا. الكويتيون لا يسكنون هنا. وحين عثرت على الصديق في نهاية المطاف ، قال لي ان هذا هو الانطباع العام فعلا ، مع انه غير دقيق.

يتجسد التنميط في الحياة الاجتماعية ، على شكل ميل عام لدى الناس للتقارب مع من يشترك معهم في الثقافة او الانتماء العرقي او الديني ، وكذلك الذين لديهم ذاكرة مشتركة ، مثل زمالة دراسية او مهنية.. الخ. وحسب ملاحظة البروفسور البورت الذي اشرت في الأسبوع الماضي الى كتابه "طبيعة التحيز" فان السلوك العام للبشر ، هو انضمام الفرد الى الجماعة التي يجمعه بها عدد اكبر من المشتركات الثقافية او البيولوجية. في كل بقاع الأرض ، يجتمع الناس مع اشباههم "يتزاوجون ، يأكلون ويلعبون ويسكنون في تجمعات متجانسة". يميل الناس الى اشباههم كي يستغنوا عن الجهد الضروري لصناعة علاقاتهم ، وإعادة التفكير في سلوكهم ، او التصرف بتحفظ ، لو كان المحيط من الغرباء.

هذا الميل الطبيعي يؤكد ان الانسان يميل للاتجاه الذي يعرفه سابقا ، او الذي قام بتعريفه سابقا. وينطبق هذا على نظرته للناس والاشياء الذين يصادفهم لأول مرة.

ان وافقتني على هذا التحليل ، فلا بد انك تتساءل: طالما كان التنميط سلوكا طبيعيا عند البشر ، فلماذا نشعر بالقلق ، ولماذا نتحدث عنه كأمر غريب؟.

الجواب هو الذي نعرفه جميعا: ما نخشاه هو التنميط السلبي ، الذي يجعلنا نصدر احكاما تنطوي على كراهية للآخرين ، وتجعلنا نقف في صف اهل الكراهية ، بدل ان نقف مع اهل المحبة ، اليس كذلك؟.

 

الشرق الأوسط الخميس - 20 ذو القِعدة 1447 هـ - 7 مايو 2026 م   https://aawsat.com/node/5270451

مقالات ذات علاقة

 اخبرني من اثق به...

الاصلاح يبدأ من الخارج
أصنام الحياة
حزب الطائفة وحزب القبيلة
كهف الجماعة
كيف تولد الجماعة
الاصلاح يبدأ من الخارج
أصنام الحياة
حزب الطائفة وحزب القبيلة
كهف الجماعة
كيف تولد الجماعة
أين ترى نفسك .. بين المحبين ام الكارهين؟
لماذا تنحاز للرأي السائد بين قومك؟
مجتمع العقلاء
حين تكون في "الجماعة" وحين تصبح خارجها
المساواة: النقاشات الحديثة في المفهوم وتطبيقاته


30/04/2026

أين ترى نفسك .. بين المحبين ام الكارهين؟

الأفكار التي أعرضها اليوم مستقاة من كتاب "طبيعة التحيز The Nature of Prejudice" لعالم النفس الأمريكي غوردون البورت ، وهو مرجع كلاسيكي في هذا الحقل.

غوردون البورت

اطلعت على الكتاب منذ زمن بعيد. وقد ذكرني به ما أرى من ملاسنات على مواقع التواصل الاجتماعي ، حول مسائل معقولة وغير معقولة ، يشارك فيها شبان صغار ، ورجال أو نساء يفترض انهم ناضجون ، من كافة الدولة العربية دون استثناء. وتتداخل فيها موضوعات كالحرب الدائرة بين ايران والولايات المتحدة ، والحرب على غزة ، ومشكلات السودان وسوريا والخلافات الدائرة بين هذه الدولة العربية وتلك. كما تستخدم فيها قصص صحيحة او متخيلة عن نزاعات شخصية ، فتعمم على اهل البلد كله. رأيت – على سبيل المثال - شخصا ينادي بطرد كافة المواطنين الهنود في الخليج ، لأنه خسر وظيفته لصالح شخص هندي. وعلق آخر قائلا أن الأولى طرد مواطني دولة عربية معينة ، لأن حكومتهم لم تتعاطف معنا في الأزمة. ورأيت شخصا يدعو لمنع سفر الفتيات بمفردهن ، لأن فتاة من بلده تصرفت في المطار على نحو يسيء لسمعة البلد. وعلق احدهم على أخبار سحب الجنسيات في الكويت ، بأن على الحكومة اسقاط جنسيات كافة الفنانين والفنانات ، لأن الفقهاء اتفقوا على انكار الفن. لا استطيع بطبيعة الحال ذكر التفاصيل. لكني واثق ان الذين يتابعون وسائل التواصل الاجتماعي يعرفونها. وغرضي هو التنديد بهذه الظاهرة ، وليس التوسع في شرحها. ان اتساع تلك الملاسنات وتنوعها ، دليل على أنها ليست عابرة ، وليست أخطاء فردية او محدودة.  

لا أريد أيضا تهويل الموضوع ، ولا تصوير المجتمع العربي كما لو انه يعيش "حرب الجميع على الجميع"  حسب وصف توماس هوبز. أتفهم حقيقة ان أصحاب الأصوات العالية قلة ، لكن تأثيرهم واسع النطاق.

بالعودة للبروفسور البورت ، فهو يبدأ كتابه بشهادة للأديب الإنكليزي شارلز لام: "أقر بأني ألاحظ الفوارق بين الناس ، القومية والفردية وغيرها. بكلمات بسيطة ، أنا كتلة من التحيزات ، من الحب والكراهية والتعاطف واللامبالاة".

أورد الكاتب هذا الشاهد كي يقول ان التحيز ليس ظاهرة غريبة ، بل سمة طبيعية في البشر. لكن الغريب فيها هو تحولها الى موقف عام ومبرر للعدوان على الغير أو احتقارهم. ويذكر في هذا الصدد قصة (أظن ان كثيرا منا قد لاحظ شبيها لها):

في روديسيا ، مر سائق شاحنة أبيض بجمع من الأفارقة العاطلين عن العمل. فهمس قائلًا: "إنهم كسالى متوحشون". بعد ساعات قليلة ، رأى جمعا مماثلا يرفعون أكياس حبوب يزن بعضها 90 كغم على شاحنة ، وهم يغنون بحماس. فتمتم قائلا: "متوحشون! ماذا تتوقع منهم؟"

هذا السائق كان يحتقر الافارقة ، فحكم عليهم أولا بالكسل والوحشية لانهم لا يعملون ، ثم حكم عليهم بالوحشية لانهم يعملون بحماس. نعلم طبعا ان حكمه مدفوع بالتحيز ، وليس وصفا محايدا او موضوعيا. ولو كان الأشخاص الذين رآهم من نفس عرقه ، فلربما تعاطف معهم. ولو فكر في عملهم بذاته ، دون ملاحظة لون بشرتهم ، فلربما اصدر احكاما متفاوتة في الحالتين.

من هنا يرى البورت ان ابسط تعريف للتحيز ، هو انه "سوء الظن بالآخرين دون مبرر كاف". هذا يركز على التحيز السلبي. كما يستشهد بتعريف قاموسي يذكر الجانبين السلبي والايجابي: "التحيز شعور إيجابي أو سلبي ، تجاه شخص أو شيء ، لا يستند لتجربة فعلية".

الجانب الأكثر سوءا في التعصب او التحيز ، هو تحويل انطباع عن عدد قليل من الأشخاص ، الى موقف عام ضد شعب بأكمله.

نعلم ان مثل هذا الموقف ، مرجعه ميل الانسان للاحكام المبسطة ، طالما كانت مقبولة في المحيط الاجتماعي. المشكل ان التعبير السلبي عن التحيز او التعصب ، يضعه في خانة الكراهية. وهذا يستدعي ان نسأل انفسنا دائما: أين نود الاصطفاف .. بين اهل المحبة او بين اهل الكراهية؟.

الشرق الأوسط الخميس - 13 ذو القِعدة 1447 هـ - 30 أبريل 2026 م https://aawsat.com/node/5268035

مقالات ذات صلة

العدالة الاجتماعية وتساوي الفرص
العدالة كوصف للنظام السياسي
الليبرالية في نسخة جديدة: رؤية جون رولز
مجتمع العقلاء
حين تكون في "الجماعة" وحين تصبح خارجها
المساواة: النقاشات الحديثة في المفهوم وتطبيقاته

23/04/2026

لماذا تنحاز للرأي السائد بين قومك؟

يلفت انتباهي بين حين وآخر ، إصرار الناس على جواب واحد لكل سؤال. وهذا – في ظني – من أهم الأسباب التي تجعلنا غير قادرين على الاستفادة من نقاشاتنا ، او التوصل عبرها الى تفاهمات مفيدة او قناعات جديدة.

جاليليو في المحكمة

ويبدو ان هذه الفكرة ، أي ان لكل سؤال جواب واحد فقط ، راسخة في أذهاننا ، حتى ان تأثيرها يظهر خارج اطار النقاش. فترى الكتاب والخطباء يطلقون احكاما جازمة على الموضوعات التي يبحثونها ، يعرضونها في فترينة الحق الوحيد ، الذي لا يمكن ان يوازيه رأي آخر يخالفه في قليل او كثير. مع ان كل فكرة هي احتمال واحد من بين احتمالات عديدة. فالرأي المنشور يمكن ان يكون احد الاحتمالات ، كما ان الآراء المعارضة له احتمالات ، في نفس المستوى ، وهي قد تكون واحدا او اثنين او عشرة.

في السياسة والصحة والتجارة والتسويق والميكانيكا والفيزياء والأخلاق ، بل كل حقل من حقول المعرفة الإنسانية ، نتوصل الى رأي في موضوع ، ثم يتوصل غيرنا الى رأي مختلف ، ويأتي بعده رأي ثالث ورابع وهكذا. ولا يمكن للعالم ان يسير أو يتقدم ، لو أصر الناس على رأي وحيد. تخيل لو ان معاصري جاليليو  ، المكتشف الإيطالي الشهير ، نجحوا في كبت آرائه ، استنادا الى أقوال العلماء الاقدم منه (وهم يومذاك أشهر منه وأرفع مكانة) نظير كوبرنيكوس أو ابن الهيثم أو ارخميدس أو ارسطو ، فهل كنا سنعرف ما أنتجه من مباديء أساسية في الفيزياء الحديثة ، مثل القصور الذاتي والسقوط الحر ، وحتى مركزية الشمس في الكون ، التي حاكمته الكنيسة لأجلها؟.

ان اعظم التطورات في مجال المعرفة الإنسانية (بما فيها المعرفة الدينية) هي ثمرة القبول بمبدأ تعدد الحقيقة ، او تعدد أوجهها. كما ان تاريخ العلم برهان ساطع على بطلان القول بأن الحقيقة واحدة ، او أنها ذات وجه واحد.

تبدو هذه الرؤية بديهية عند أكثر الناس. لكنهم مع ذلك لا يأخذون بها حين يصل الأمر الى مواضع الاشتباك. الا يستدعي هذا السلوك تساؤلا عن السر وراء إيمان الانسان بشيء ثم العمل بخلافه؟.

ذلك السلوك يرجع – في ظني - لعوامل عديدة ، قد تجتمع عند بعض الأشخاص او يغلب واحد منها عند آخرين. وأول تلك العوامل هو المسافة بين موضوع الرأي وبين الذات. لو قلت مثلا ان المسلمين اقل تسامحا من المسيحيين ، فالمتوقع ان الغالبية الساحقة من اطراف النقاش (المسلمين) سترفض هذا القول من حيث المبدأ ، ولن تسأل عن مبرراته او تفصيله. ولو قلت ان التعاطف والتراحم نادر او منعدم في الغرب ، فان نفس تلك الغالبية سوف تؤيد ، من دون سؤال عن التفاصيل. السر وراء هذا الموقف هو الخلط بين الذات والموضوع.

اما العامل الثاني فهو ثقافي. تراثنا يقول بأن الحق واحد غير متعدد. وهذه للمناسبة استعارة من رؤية مشهورة لارسطو ، فحواها ان كل سؤال له جواب واحد صحيح ، ولا يمكن ان يكون للسؤال الواحد جوابان صحيحان. وهو تفريع عن مبدأ عدم التناقض الشهير في المنطق الارسطي ، وقد تبناه معظم علماء المسلمين القدامى ، وورثناه منهم.

ويرجع العامل الثالث الى ما أسماه الفيلسوف المعاصر توماس كون بالبرادايم ، أي النسق الثقافي/الاجتماعي الذي يشكل طابعا عاما للفكر في زمن محدد او تيار محدد. وهو وان كان معنيا بالعلوم الطبيعية بشكل رئيس ، الا اني وجدت في دراسة قديمة لي ، انه قابل للتطبيق في العلوم الإنسانية أيضا.

حين تكون ضمن نسق معين ، فكل شيء داخله يعد مسلما به او شبه بديهي ، وكل ما هو خارجه مثير للتساؤل. ولهذا نادرا ما يفكر الناس (نقديا) في معتقداتهم ومنطلقاتهم وبنية تفكيرهم ، التي توجه لغتهم ومواقفهم وقناعاتهم الراسخة ، وتؤسس - بالتالي – منظومة المسلمات ، التي يرجعون اليها حين يفكرون او يقررون.

الشرق الأوسط الخميس - 06 ذو القِعدة 1447 هـ - 23 أبريل 2026 م https://aawsat.com/node/5265548 

مقالات ذات علاقة

 "اخبرني من اثق به..."
الاصلاح يبدأ من الخارج
أصنام الحياة
حزب الطائفة وحزب القبيلة
عن الهوية والمجتمع
فقه جــديد لعصر جـديد
القبيلة والطائفة كجماعات متخيلة
كهف الجماعة
كيف تولد الجماعة
لغة ضيقة
من عقلية القطيع الى تصلب الشخصية
مهابهاراتا.. أعظم ملحمة في تاريخ الانسان
 

التعليم الصالح لهذا الزمان

التعليم الذي نحتاجه هو التعليم الذي يدرب الشباب على خلق الفرص ، وتحويل الخيال الى واقع. الفرص التي نريد صناعتها ، ليست موجودة فعلا. والواقع ...