27/11/2025

سيرة الانسان العاقل

 

لفت انتباهي هذا الأسبوع حديث قصير بعنوان "العقل الذي يخدعنا .. هل نثق به" للأكاديمي المعروف الدكتور صالح زياد ، على قناته في يوتيوب. وهذه حلقة في سلسلة حول مفهوم العقل ، خصصها للمقارنة بين مفهوم قديم ، فحواه ان العقل جوهر مستقل عن الجسد والمحيط ، وان استقلاله يتيح له ان يكون حاكما محايدا على ما سواه ، مقابل مفهوم حديث يركز على حدوده ، ولا سيما التأثير العميق لتجربة الانسان الحياتية ، والمحيط العائلي والاجتماعي على ما نسميه "التفكير".

د. صالح زياد

وقد شرح الدكتور صالح الفكرة ، فجعلها سهلة المنال ، مع ما تنطوي عليه من تعقيد في الأصل. وودت ان اضيف شيئا الى تلك المقاربة ، مركزا - كما سيأتي - على التصور الحديث لمفهوم العقل ، وما يواجه من تحديات وقيود ، حيث يشكل الصراع بين إرادة الانسان لادارة حياته ، وبين تلك التحديات والتقييدات ، جوهر النشاط العقلي ، وهو أيضا الحقل الذي يشهد ولادة الأفكار الجديدة. 

السلوك الإنساني ، وهو عفوي في معظمه ، انعكاس لصورة العالم في ذهن الانسان. ان فهم الظواهر الاجتماعية ، أي نتائج السلوك البشري في النطاق الاجتماعي ، يبدأ بافتراض مسبق ، فحواه أن هذا السلوك يتحرك بين دافعين: الاهواء والنزعات الانفعالية ، التي نعرفها عموما باسم "العاطفة" ، والحس السليم ، الذي نعرفه عموما باسم "العقل". ليس من الانصاف ، الادعاء بان العقلاني هو فقط ما ينتجه الحس السليم ، وأن الاهواء والنزعات ينتجان على الدوام قرارات غير عقلانية.

نعلم ان العاطفة هي الهدف الذي تتجه اليه الدعاية بمختلف مقاصدها ، السياسية والتجارية والأيديولوجية وغيرها ، فالدعاية كما نعلم لا تركز على اقناع الناس بقضايا مثبتة علميا او منطقيا ، بل تحاول استثارة عواطفهم وغرائزهم كي يستجيبوا لما تريده منهم. ولهذا أيضا يميل كثيرون الى اعتبار الأهواء والنزعات العاطفية والغريزية ، أقوى أثرا في قرارات الانسان وحياته اليومية. لكن اطلاق هذا القول على عواهنه لا يخلو من مبالغة.

لا نريد هنا نفي التأثير الكبير للعاطفة. بل تأكيد حقيقة ان هيمنة الحس السليم/العقل عليها ، تظل – في الصورة الكبيرة – اقوى واعمق أثرا. إن اقوى دليل على ان الانسان اكثر استجابة لدواعي العقلانية في المعنى الثاني ، أي اتباع الحس السليم ودواعي الخير في نفسه ومحيطه ، هو التقدم الذي حققته البشرية خلال تاريخها الطويل ، التقدم على مستوى العلوم والفنون ونظم المجتمع ، وعلى وجه الخصوص الإقرار المتبادل بحقوق الآخرين ، حتى في حال العداء والحرب ، كما هو الحال في اتفاقيات جنيف لعام 1949 والبروتوكولات الملحقة ، التي تشكل في مجموعها إطار عمل يسنده اتفاق بين جميع دول العالم ، على القواعد الضرورية للتخفيف من وحشية الحرب ، مثل ضمان سلامة الأشخاص الذين لا يشاركون في القتال ، رغم وجودهم في الميدان (المدنيون والمسعفون وموظفو الإغاثة) وكذا الجنود العاجزون عن القتال بسبب الجروح أو الاسر او غيرها. ومثله أيضا التقدم الواسع في مجال التعاقدات والضمانات العرفية والقانونية للعقود ، فضلا عن الإقرار الاجتماعي بحقوق الافراد والجماعات. فهذه وتلك تبرهن على ان الحس السليم واعتماد التضامن والتكافل والانصاف بين البشر ، كان ولا يزال هو الغالب على حياتهم وتعاملاتهم ، اذا أخذنا بعين الاعتبار مسارا تاريخيا طويلا.

ليس مستبعدا إن يكون المسار التقدمي للبشرية عبر التاريخ ، نتاجا لتجربة الصراع بين العاطفة والعقل. وفقا للفيلسوف البريطاني فريدريك فون هايك ، فان السلوكيات التي ترمز للعقلانية ، مثل الوفاء بالعهود ، كانت ثمرة لاكتشاف الانسان مبكرا ، بأن التبادل مع الآخرين يسهل حياته وأن استمراره وتطويره ، يقتضي التزام كافة الأطراف بالواجبات التعاقدية. وفقا لهذه الرؤية فان الهيمنة النسبية للعقل على حياة الانسان اليومية ، مكنته من التكيف مع متطلبات الحياة وما يتولد في سياقها من تحديات ، وجعلت حاضره خيرا من ماضيه.

الخميس - 06 جمادى الآخرة 1447 هـ - 27 نوفمبر 2025     https://aawsat.com/node/5213279

مقالات ذات صلة  

اصلاح العقل الجمعي
اناني وناقص .. لكنه خلق الله
تعريف مختلف للوعي/ تحييد صنم القبيلة
الرزية العظمى
العقل الاخباري
عقل الصبيان
العقل المساير والعقل المتمرد
العقل المؤقت
ما رايك في ماء زمزم؟
من العقل الجمعي الى الجهل الجمعي
من تقليد الى تقليد ، عقل معماري وعقل هدام
هل العقل كاف لانتاج القيم والاحكام؟
هل جربت صنم الكهف؟

20/11/2025

هل نتحدث في الفلسفة ام خدمات البلدية؟

تحدثت يوما الى رئيس بلدية ، في موضوع أظنه معروفا لمعظم القراء الأعزاء ، وهو "تفريغ الميزانية" الذي وجدته متعارفا في العديد من دول العالم ايضا. فحوى هذه الفكرة ان وزارة المالية تمنح رصيدا ماليا محددا للخدمات البلدية لكل مدينة. ويجب ان يصرف الرصيد بكامله قبل نهاية السنة. فاذا تبقى جزء منه ، فسوف تخفض ميزانية البلدية للسنة التالية ، بنفس المقدار.  ويقال عادة ان البلدية التي لا تستطيع صرف ميزانيتها ، قليلة الكفاءة او قليلة العمل. ولهذا السبب يحرص رؤساء البلديات على "تصفير" حساباتهم قبل دخول العام الجديد ، أي جعل المصروف الفعلي مساويا للدخل الفعلي ، خلال العام الجاري.

كنت قد لاحظت في الربع الأخير من العام ، ان معدات المقاولين احتلت شوارع رئيسية ، وبدأت في جرف الاسفلت وفرش اسفلت جديد ، مع ان القديم لم يكن سيئا جدا. قلت لرئيس البلدية انه كان الاجدر توجيه اعمال الصيانة هذه الى شوارع القرى والاحياء المحيطة بالمدينة والطرق الزراعية ، التي لم تحصل على صيانة منذ سنوات. فأجابني بأن الشارع الرئيسي الذي ذكرته ، يخدم مليوني شخص سنويا ، اما طرق القرى فلا تخدم سوى بضعة آلاف. أي ان قيمة الناتج هناك ستكون اكبر قياسا الى نفس المبلغ من المال.

قلت هذه القصة لصديق متخصص في التخطيط العمراني ، فأجابني مؤيدا رأي رئيس البلدية ، لنفس السبب. وكنت يومذاك أتبنى فكرة التوزيع المتوازن للخدمات العامة ، لتقليل النزيف الديمغرافي من الريف نحو المدينة. وكتبت حول اللامركزية الإدارية ، انطلاقا من ضرورة الحفاظ على التوازن السكاني ، ومن ثم التوازن الاقتصادي.

لكني انتبهت حديثا الى أن أكثر المخططين والمدراء ، متأثرون بالرؤية المبنية على معادلة الكلفة-العائد cost-benefit analysis وهي المعادلة التي بنيت عليها الفلسفة النفعية ، وقد أشرت اليها في مقالات سابقة.

جواب رئيس البلدية السابق الذكر ، ترجمة دقيقة للنظرية النفعية ، التي تقول بأن الفعل الصحيح هو الفعل المؤدي الى أكبر منفعة لأكبر عدد من الأشخاص. فاذا كان المليون ريال هنا سيخدم مليون شخص ، بينما يخدم في القرية عشرة آلاف شخص ، فان صرفه في المدينة هو الفعل الخير والصحيح.

أظن ان كثيرا من الناس سيتبنى نفس الرؤية ، لأنها تبدو عقلانية تماما. لكني لا أراها كذلك ، للسبب الذي اشرت اليه ، أي ضرورة التوزيع المتوازن للخدمات العامة. ومبرر هذا لا يخفى على اللبيب. وتكشف تجربة الدول النامية جميعا ، وبينها الدول العربية ، عن المعضلة الكبرى التي اثمر عنها تركيز الخدمات العامة في المدن ، والتقييم المالي (معادلة الكلفة – العائد) لهذه الخدمات. فخلال نصف القرن الأخير هجر الملايين من سكان الريف قراهم ، وأقاموا في أحياء غير منظمة غالبا في حواشي المدن الكبرى. ونعلم ان العديد من العواصم العربية تعاني من العبء الشديد للتوسع الفوضوي الذي ترتب على ذلك. قد رأيت هذا الحال في بغداد ودمشق والقاهرة والجزائر.

التوسع الفوضوي للمدن الكبرى يزيد الأعباء الاقتصادية على البلد ، لأنه يقلص القاعدة الإنتاجية ، ويهدم الأعراف الناظمة للعلاقات الاجتماعية ، والتي تلعب دور الواقي من الانكسارات والانحراف السلوكي للافراد.

-         ما العمل اذن.. هل نضع تفضيلات تحابي اعدادا قليلة من المواطنين ، على حساب الأكثرية؟.

 اظن ان صياغة السؤال على هذا النحو ، مدخل للجواب الخطأ. التوزيع المتوازن للخدمات العامة يؤدي الى نتائج تخدم شرائح كبيرة ، لكن ضمن منظور مختلف ، مثل تقليل الكلف الصحية والوقاية من الجريمة والنزاعات الاجتماعية ، فضلا عن تعزيز القاعدة الإنتاجية للاقتصاد الوطني. عدا هذه الفوائد التي يمكن قياسها بالمال ، فثمة عنصر لا يقل أهمية ، ألا وهو تعزيز الانتماء الوطني ، وإقامة العدالة الاجتماعية التي تعني – بالضرورة – تساوي الجميع في التمتع بالفرص والإمكانات المتاحة في المجال العام.

هذا ليس مجرد رأي في الفلسفة ، بل هو تأكيد على الصلة الوثيقة بين برامج العمل ، والقيم الكبرى الناظمة لعلاقة المجتمع بالدولة.

الخميس - 29 جمادي الأول 1447 هـ - 20 نوفمبر 2025

https://aawsat.com/node/5210716

 

06/11/2025

ماذا يفعل السياسيون؟

"السياسة بوصفها حرفة" رسالة صغيرة الحجم ، وهي في الأصل محاضرة مطولة القاها عالم الاجتماع المعروف ماكس فيبر ، امام اتحاد الطلبة بجامعة ميونيخ في 1919. نالت الرسالة شهرة واسعة في النصف الثاني من القرن العشرين ، مع بروز الدراسات المكرسة لتفسير الفعل السياسي واخلاقياته. ويظهر ان فيبر استهدف في تلك المحاضرة ، تعزيز الاتجاه العقلاني ، في مواجهة الميول المثالية التي تشيع عادة بين الطلبة الجامعيين. وكان هذا ضروريا عقب الهزيمة المذلة لألمانيا في الحرب العالمية الأولى ، حيث شاع اتجاه قومي متطرف ، يقال انه وفر – لاحقا – أرضية ثقافية استثمرتها تيارات سياسية شعبوية ، مثل التيار النازي الذي تزعمه أدولف هتلر.

الرسالة الداخلية لتلك المحاضرة هي: من يريد احتراف العمل

ادولف هتلر
السياسي ، فعليه ان يستوعب الفوارق الجوهرية بين الوعظ والسياسة. ممارسة السياسة شيء مختلف تماما عن الكلام السياسي ، كما انه مختلف عن الحرف الأخرى. ان أردت المحافظة على اخلاقيات بسيطة ، فان السياسة ليست المكان المناسب ، فهي مكان للاخلاقيات المركبة ، حيث يجد المرء نفسه امام خيارات عسيرة بين السيء والأسوأ ، وليس بين الحسن والسيء ، وهو في كل حالة مضطر لاتخاذ قرار ، والا فقد دوره في هذا المجال.

جوهر السياسة – يقول فيبر – هو ارتباطها بأدوات الجبر والعنف. حين تكون في دار العبادة ، ستسمع تحذيرا من الاعمال التي تصنف في خانة الإساءة للغير ، او ظلم الضعيف او تخريب البيئة وأمثالها. وسيخبرك الواعظ ان هذه الأفعال تستدعي غضب الله والعقاب في الآخرة. واذا كنت في المدرسة ، فسوف يخبرك الأستاذ ان مخالفة أنظمة المرور والبناء وأمثالها قد تؤدي الى احتمال غرامات وخسائر ، وربما السجن. في كلا الحالين يركز المتحدث على ارشاد المستمعين ، واقناعهم بتجنب الأفعال التي تعرضهم للاذى. اما رجل السياسة فلا يصرف وقتا في اقناع أحد ، بل يتخذ قرارات توضح بجلاء ان من يخالفها سوف يتعرض للعقاب. الفارق اذن بين رجل السياسة وغيره ، ان هذا يهدد بالعنف المباشر وهو يملك أدواته. أما الواعظ والأستاذ فدورهم يقتصر على "لفت نظر" المستمعين الى العواقب المحتملة لأفعالهم.

بعبارة أخرى فان جوهر العمل في المجال السياسي ، هو الزام الناس بما يريده رجل السياسة ومنعهم مما لا يريده. قد تتوافق هذه الأوامر مع ارادات الناس في بعض الأحيان ، لكنهم في معظم الحالات ، يفعلون ما يأمرهم رجل السياسة خوفا من العقاب.

-         ما الذي يدعو ماكس فيبر لهذا الحديث؟

أشرت في المقدمة الى رغبته في معالجة الميول المثالية التي تلبس ثوب الاخلاق الكاملة. مع انها في حقيقة الأمر بعيدة جدا عن واقع الحياة وحاجاتها. بعبارة أخرى فاننا جميعا نتمنى الخلاص النهائي من الجبر والخشونة في كافة المعاملات: المعاملات بين الآباء والأبناء ، بين الأصدقاء والجيران ، بين التجار والمستهلكين ، بين رجال الدولة والمواطنين ، أو بين مواطني هذه الدولة وغيرهم من مواطني الدول الأخرى. هذه أمنية. لكن في واقع الحياة ، يستحيل إدارة البلاد من دون التلويح بأدوات الجبر ، في بعض الأحيان ، بل في غالب الأحيان.

هذا أمر لا أظن عاقلا ينكره. لكن العاقل سيخشى الانزلاق من "التلويح" بالعنف الى استعماله بشكل مبتذل ، أي تحويله من أداة في الخلفية الى أداة وحيدة للتعامل مع الناس. من ذلك مثلا ان تترك الحديث مع الناس ، الى تهديدهم بالسجن والتغريم وغير ذلك ، في كل صغيرة وكبيرة.

على الجانب الآخر ، فانه ليس متوقعا ان يلبس السياسي ثوب الواعظ ، أي ان يتخلى عن حل المشكلات ولو بالعنف ، لأنه ان فعل ذلك فقد فرط في دوره الرئيس ، أي إدارة البلد ، ولا أظن أحدا يريد أن يرى حاكما منصرفا الى الوعظ بدلا عن ممارسة الحكم ، حتى لو كان العنف مضمونا له.

الشرق الأوسط الخميس - 15 جمادي الأول 1447 هـ - 6 نوفمبر 2025 م https://aawsat.com/node/5205609

من يصنع هويتك: انت أم الآخرون؟

توصل البروفسور يوناس فريسن ، بمعهد كاروليسكا في ستوكهلم ، الى أن اجسامنا تتغير كل يوم . ويتغير جسم الشخص البالغ كله تقريبا ، خلال فترة تتراو...