‏إظهار الرسائل ذات التسميات فونز الدرز. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات فونز الدرز. إظهار كافة الرسائل

24/09/2026

مجادلة حول الانسان

في أكتوبر 1971 أقامت جامعة آيندهوفن الهولندية ، مناظرة بين اثنين من أكثر المفكرين إثارة للجدل يومئذ: نعوم شومسكي وميشيل فوكو. وأدارها الفيلسوف الهولندي فونز إلدرز. وقيل يومئذ انها كانت بين أهم اللحظات الفكرية في القرن العشرين.

نعوم شومسكي 

طرحت في المناظرة قضايا عديدة ، في فلسفة العلم والطبيعة البشرية ومفاهيم السلطة والعدالة والأخلاق. ونعلم ان كلا الرجلين ، فوكو وشومسكي ، ينتميان لاتجاه اليسار الداعي للتغيير ، لكنهما في الوقت نفسه ، يقفان على طرفي نقيض تقريبا ، في الموقف من قضايا أساسية في الفلسفة والأخلاق. ولذا قيل ان المناظرة منحت فوكو فرصة نادرة ، لطرح آرائه الأكثر إثارة للجدل ، بطريقة مقنعة وقريبة من الاذهان ، وقدمته خصوصا لجمهور المهتمين بالفلسفة وعلم الاجتماع خارج فرنسا.

والراجح ان الجدل السابق حول آرائه ، هو الذي جعل المناظرة مثيرة للاهتمام ، سيما وان الطرف الثاني ، شومسكي ، معروف أيضا بثقافته الموسوعية وصلابته في النقاش الفكري.

كانت مسألتا الأخلاق والمعارف الانسانية الأساسية ، هما الجانب الذي استحوذ على الجانب الأكبر من اهتمام المتابعين. فالمعروف ان فوكو يميل للتشاؤم إزاء علاقة الانسان بعالمه. ويبدأ هذا بدعوى أثارت جدلا واسعا منذ ظهورها في 1966 ، وخلاصتها ان "انسان العصر الراهن هو اختراع حديث".

مراد فوكو بطبيعة الحال ليس الانسان بشكل عام ، بل الانسان بالمفهوم الذي نتداوله الآن: الانسان الذي هو محور الحق والفكر والايديولوجيا والسياسة والاقتصاد والعلم ، الانسان الذي ينظر اليه كسيد للكون وهدف لكل حركة او اختلاف او اتفاق فيه. لم يعرف العالم هذا المفهوم قبل القرن التاسع عشر. لكن الذي تغير ليس موقع الفرد بالنسبة للجماعة. فالجماعة لازالت – حسب رؤية فوكو – تسير الفرد وتصوغ شخصيته ، من خلال الثقافة واللغة وتقسيم الأدوار وصناعة المعاني ووسائل الإنتاج وطريقة تظهير السلطة والنفوذ. الذي تغير في هذه المعادلة هو فهم الانسان لنفسه ، ثم ترتب عليه تغير اتجاه المعرفة والقيم.

بناء على رؤية فوكو ، يمكن القول ان الانسان اقرب الى نسخة مكررة ، يشكلها المجتمع ومنظومة السلطة التي ينطوي عليها. وحين ينهض بنفسه فسوف يكون تجسيدا للانساق التي تشكلت حولها وعلى أساسها الجماعة ، وليس الشخص الذي يصنع ذاته وأقداره او يؤثر بعمق في محيطه.  ينطبق هذا على انسان ما قبل القرن 19 والانسان المعاصر. لكن هذا التاريخ كان نقطة فاصلة بين مفهومين مختلفين تماما.

خلافا لهذا الموقف ، رأى شومسكي ان فوكو أخطأ أولا في تعريفه لطبيعة الانسان ، حين قرر انه يأتي الى هذا العالم صفحة بيضاء ، لا يعرف شيئا على الاطلاق. ومنذ اللحظة الأولى يتولى المجتمع صياغته وتشكيله. رأى شومسكي ان الانسان يخرج من رحم أمه مزودا ببنية عقلية ، تمكنه من الفهم المتدرج لعالمه ، والتفاعل معه. كما تمكنه من اكتساب أدوات التواصل مع البشر الآخرين ، ولا سيما اللغة والحدس الذي يمكنه من ادراك المعاني المتولدة عن الأفعال. يستطيع الانسان في تلك المرحلة المبكرة تلمس الحرية ، بل وممارستها حيثما اتيحت الفرصة. هذه البنية هي التي مكنتنا من فهم العالم الذي نحن فيه ، واكتشاف بدائله ، وتغيير ما يمكننا تغييره. لولا قابلية استيعاب الواقع وبدائله ، ولولا قابلية التغيير عند الانسان ، لبقي العالم على صورته التي عرفها أقدم أسلاف البشر.

ومن هنا فان الحديث عن تغيير العالم نحو صورة أفضل مما ورثناه ، ليس شكلا من اشكال التوهم الآيديولوجي ، كما رأى فوكو ، بل هو دعوة للإنسان كي يكتشف جوهره الخلاق ويحرر طاقاته المبدعة. عندها سيعيد صياغة عالمه ، على النحو الذي يحقق غاياته في تلك اللحظة. هذا خلق جديد وليس مجرد تأكيد لرؤية الاسلاف ، كما يفهم من رؤية ميشيل فوكو. ولذا يمكن الادعاء بان الانسان ليس مجرد تكثيف لحقيقة الجماعة التي ينتمي اليها ، بل هو أقرب الى جسر بين عالمها وعالم جديد لا زال في رحم الغيب. هذا العالم الجديد يصنعه الأفراد ، لأنهم في الجوهر ذوات عارفة ومتحولة ، تتطلع دائما الى ما وراء المشهد.

الشرق الأوسط الخميس - 12 ربيع الثاني 1448 هـ - 24 سبتمبر 2026 م

https://aawsat.com/node/5321894

مقالات ذات صلة

"اخبرني من اثق به..."
 اصلاح العقل الجمعي 
الاموات الذين يعيشون في بيوتنا
تعريف مختلف للوعي/ تحييد صنم القبيلة
  حكم الآلات 
العقل المساير والعقل المتمرد
عقلك المحافظ وعقلك المتمرد
ما رايك في ماء زمزم؟
هل جربت صنم الكهف؟

مجادلة حول الانسان

في أكتوبر 1971 أقامت جامعة آيندهوفن الهولندية ، مناظرة بين اثنين من أكثر المفكرين إثارة للجدل يومئذ: نعوم شومسكي و ميشيل فوكو . وأدارها الفي...