‏إظهار الرسائل ذات التسميات محمد رضا المظفر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات محمد رضا المظفر. إظهار كافة الرسائل

17/09/2026

الرؤية النسبية صالحة للتحليل.. ولكن..!

 مشكلة النسبية المتطرفة في الفلسفة والأخلاق ، انها تؤول - منطقيا - الى العدمية. والنسبية ، كما ذكرت في مقال سابق ، هي المذهب القائل بأنه لا توجد قيم واخلاقيات او معارف متعالية ، أي ثابتة عبر الزمان والمكان. وفقا لهذه الرؤية فان قيما مثل العدل والحرية والاخوة والاحسان والنظام ، لها مفهوم خاص بكل جماعة او بلد او زمن او دين ، فلا تعد معيارا عاما يلزم الجميع. والسبب في ذلك انها منتجات بشرية ، تتأثر بما يحمله المنتجون من معارف وتجارب ، وما يعتقدونه من قيم وقواعد عيش.

لو أخذنا هذه الرؤية الى نهاياتها المنطقية ، فسوف توصلنا لاستحالة وصف الأفعال بالحسن او القبح ، أو العدل والظلم. لأن ما تعتبره ظالما ، قد يعد في زمن آخر ، او مجتمع آخر ، فعلا عاديا. وما تعتبره حسنا قد يراه الآخرون قبيحا. وهكذا تتحول القيم والمفاهيم الرفيعة ، الى مجرد آراء أو اعراف محلية ، لا أكثر.

ربما يرى بعض القراء هذا الموقف طبيعيا. لأننا نعرف أفعالا كثيرة عدها الاقدمون عادية ، بينما نراها اليوم ظالمة وقبيحة ، مثل تجارة البشر ، والاخذ بالثأر ، والغارات على المدن والاقاليم الخارجة عن سلطتنا.. وأمثال ذلك.

لكن دعنا نتذكر أيضا أن البشرية لا تستغني عن القيم المتعالية. وكمثال ، فان اتفاق أمم العالم المعاصر على المنظومة المسماة بالقانون الدولي ، هو الذي جعل حياة البشر آمنة ، ووفر الحماية للاجيال الحالية والقادمة من القتل والعذاب. ومنها مثلا المواثيق الدولية التي تنظم سلوك الجيوش في الحرب ، والتي تحرم الإبادة وتدمير الموارد الضرورية للحياة ، وقتل الاسرى والجرحى والمدنيين ، وكذا مواثيق حقوق الانسان ، ومثلها اتفاقيات التجارة الدولية ، واتفاقات المحافظة على المناخ والبيئة. فهذه وأشباهها ، عقدت وأقيمت على القاعدة الفلسفية ، القائلة بأن هناك مجموعة من القيم العليا لا بد ان يتوافق عليها البشر ، ومنها العدل وصيانة الحياة الإنسانية ، واحترام الحقوق الأساسية لكافة الناس ، وشراكة البشر في موارد الكرة الارضية.. الخ. هذه القيم باتت – مع اتفاق الأمم عليها - مسلمات حقيقية قائمة بذاتها ، وهي كونية ، بمعنى انها عابرة للازمان والثقافات والجغرافيا ، يلتزم بها الجميع ويحترمها الجميع.

ومنذ قديم الزمان ، تنبه الفلاسفة الى مشكلة القول بالنسبية الأخلاقية. فذهب أرسطو الى ان الاخلاق والقيم العليا قائمة خارج الوعي ، وان كل انسان يتلقاها مثلما يتلقاها غيره. وان لها صورة واحدة صحيحة  في كل الأزمان ، وكل صورة أخرى هي دعوى كاذبة. وبعبارة أخرى ، فان على الانسان ان يأخذ بما هو متعارف من الفضائل فيطبقها على نفسه وحياته ، وليس متوقعا ان يسعى لتعديلها او استبدالها ، بل حتى مساءلتها أو مجادلتها او التشكيك في صوابها ، لأنها متعالية على الوقائع وآراء الناس.

والتفت الفلاسفة المسلمون الى تلك المشكلة أيضا. لكنهم وجدوا ان القول بعدم وقوع القيم والأخلاق في نطاق اختيار الانسان ، يفتقر الى دليل قوي قادر على حمل مؤونتها الثقيلة. فذهبوا – كما ذكر الشيخ محمد رضا المظفر – الى ان أيا من هذه القيم ، ليس من نوع البديهيات التي تحمل دليلها في ذاتها ، ولا هو مما يمكن اثباته بدليل قبل انشائه ، بل هي من نوع الاجماعات الممتدة ، أي تلك التي اتفق الناس على صحتها وضرورتها ، في مختلف الازمان والامكنة ، وقبلوها على هذا النحو ، حتى لو لم يكن لديهم دليل عليها ، سابق لوجودها وظهور نتائجها. وانما اجمعوا عليها بعدما اكتشفوا ضرورتها لسلامة الانسان وصون كرامته.

هذا إذن الموقف المقابل للنسبية ، التي لا شك في سلامتها من حيث الأساس ومن حيث التحليل. لكن يصعب جدا اعتبارها منهجا وحيدا لتحديد قيمة الاخلاقيات والمفاهيم ، سيما ما تعارف البشر على كونه مجردا متعاليا.

الشرق الأوسط الخميس - 06 ربيع الثاني 1448 هـ - 17 سبتمبر 2026 م

https://aawsat.com/node/5319256

مقالات ذات صلة:

اخبرني من اثق به

تأملات في حدود الفردانية
العقل العملي
العقل المساير والعقل المتمرد
عن العالم المحبوب
مجتمع العقلاء
 مغامرات العقل وتحرر الانسان - كلمة في تكريم الاستاذ ابراهيم البليهي
تعريف مختلف للوعي/ تحييد صنم القبيلة
تكون الهوية الفردية
حول الانقسام الاجتماعي
حين تكون في "الجماعة" وحين تصبح خارجها
العقل المؤقت
كهف الجماعة
لماذا تنحاز للرأي السائد بين قومك؟
من العقل الجمعي الى الجهل الجمعي

الرؤية النسبية صالحة للتحليل.. ولكن..!

  مشكلة النسبية المتطرفة في الفلسفة والأخلاق ، انها تؤول - منطقيا - الى العدمية . والنسبية ، كما ذكرت في مقال سابق ، هي المذهب القائل بأنه...