مشكلة النسبية المتطرفة في الفلسفة والأخلاق ، انها تؤول - منطقيا - الى العدمية. والنسبية ، كما ذكرت في مقال سابق ، هي المذهب القائل بأنه لا توجد قيم واخلاقيات او معارف متعالية ، أي ثابتة عبر الزمان والمكان. وفقا لهذه الرؤية فان قيما مثل العدل والحرية والاخوة والاحسان والنظام ، لها مفهوم خاص بكل جماعة او بلد او زمن او دين ، فلا تعد معيارا عاما يلزم الجميع. والسبب في ذلك انها منتجات بشرية ، تتأثر بما يحمله المنتجون من معارف وتجارب ، وما يعتقدونه من قيم وقواعد عيش.
لو أخذنا هذه الرؤية الى نهاياتها المنطقية ، فسوف توصلنا
لاستحالة وصف الأفعال بالحسن او القبح ، أو العدل والظلم. لأن ما تعتبره ظالما ، قد
يعد في زمن آخر ، او مجتمع آخر ، فعلا عاديا. وما تعتبره حسنا قد يراه الآخرون
قبيحا. وهكذا تتحول القيم والمفاهيم الرفيعة ، الى مجرد آراء أو اعراف محلية ، لا
أكثر.
ربما يرى بعض القراء هذا الموقف طبيعيا. لأننا نعرف أفعالا
كثيرة عدها الاقدمون عادية ، بينما نراها اليوم ظالمة وقبيحة ، مثل تجارة البشر ، والاخذ
بالثأر ، والغارات على المدن والاقاليم الخارجة عن سلطتنا.. وأمثال ذلك.
لكن دعنا نتذكر أيضا أن البشرية لا تستغني عن القيم
المتعالية. وكمثال ، فان اتفاق أمم العالم المعاصر على المنظومة المسماة بالقانون
الدولي ، هو الذي جعل حياة البشر آمنة ، ووفر الحماية للاجيال الحالية والقادمة من
القتل والعذاب. ومنها مثلا المواثيق الدولية التي تنظم سلوك الجيوش في الحرب ،
والتي تحرم الإبادة وتدمير الموارد الضرورية للحياة ، وقتل الاسرى والجرحى
والمدنيين ، وكذا مواثيق حقوق الانسان ، ومثلها اتفاقيات التجارة الدولية ،
واتفاقات المحافظة على المناخ والبيئة. فهذه وأشباهها ، عقدت وأقيمت على القاعدة
الفلسفية ، القائلة بأن هناك مجموعة من القيم العليا لا بد ان يتوافق عليها البشر
، ومنها العدل وصيانة الحياة الإنسانية ، واحترام الحقوق الأساسية لكافة الناس ،
وشراكة البشر في موارد الكرة الارضية.. الخ. هذه القيم باتت – مع اتفاق الأمم
عليها - مسلمات حقيقية قائمة بذاتها ، وهي كونية ، بمعنى انها عابرة للازمان
والثقافات والجغرافيا ، يلتزم بها الجميع ويحترمها الجميع.
ومنذ
قديم الزمان ، تنبه الفلاسفة الى مشكلة القول بالنسبية الأخلاقية. فذهب أرسطو الى
ان الاخلاق والقيم العليا قائمة خارج الوعي ، وان كل انسان يتلقاها مثلما يتلقاها
غيره. وان لها صورة واحدة صحيحة في كل
الأزمان ، وكل صورة أخرى هي دعوى كاذبة. وبعبارة أخرى ، فان على الانسان ان يأخذ
بما هو متعارف من الفضائل فيطبقها على نفسه وحياته ، وليس متوقعا ان يسعى لتعديلها
او استبدالها ، بل حتى مساءلتها أو مجادلتها او التشكيك في صوابها ، لأنها متعالية
على الوقائع وآراء الناس.
والتفت
الفلاسفة المسلمون الى تلك المشكلة أيضا. لكنهم وجدوا ان القول بعدم وقوع القيم
والأخلاق في نطاق اختيار الانسان ، يفتقر الى دليل قوي قادر على حمل مؤونتها
الثقيلة. فذهبوا – كما ذكر الشيخ محمد رضا المظفر – الى ان أيا من هذه القيم ، ليس من نوع البديهيات التي تحمل
دليلها في ذاتها ، ولا هو مما يمكن اثباته بدليل قبل انشائه ، بل هي من نوع الاجماعات
الممتدة ، أي تلك التي اتفق الناس على صحتها وضرورتها ، في مختلف الازمان والامكنة
، وقبلوها على هذا النحو ، حتى لو لم يكن لديهم دليل عليها ، سابق لوجودها وظهور
نتائجها. وانما اجمعوا عليها بعدما اكتشفوا ضرورتها لسلامة الانسان وصون كرامته.
هذا
إذن الموقف المقابل للنسبية ، التي لا شك في سلامتها من حيث الأساس ومن حيث
التحليل. لكن يصعب جدا اعتبارها منهجا وحيدا لتحديد قيمة الاخلاقيات والمفاهيم ،
سيما ما تعارف البشر على كونه مجردا متعاليا.
الشرق الأوسط الخميس - 06 ربيع الثاني 1448 هـ - 17 سبتمبر
2026 م
https://aawsat.com/node/5319256
مقالات ذات صلة:
