الثلاثاء، 28 أغسطس 2012

نحتاج إلى قانون يحمي السلم الأهلي وحقوق المواطن


دعوة خادم الحرمين الشريفين لإنشاء مركز للحوار بين المذاهب الإسلامية يمكن أن تكون مفتاحا لاستراتيجية موسعة للتعامل مع النزاعات المذهبية في العالم العربي. لا أشعر بالقلق إزاء الاختلافات بين الأديان والمذاهب والأيديولوجيات، فالاختلاف بذاته ليس مشكلة. ما يقلقني هو التنازع الطائفي، وهو شيء مختلف تماما عن الاختلاف المذهبي أو الديني أو الأيديولوجي.

يميل الناس إلى التبرير المذهبي لخلافاتهم لأنه بسيط ومقنع. وليس ثمة مشكلة هنا، طالما فهم الناس هذه الخلافات في إطارها الطبيعي، أي حرية الرأي والاجتهاد. فكلنا ذاهب إلى الله وهو حسيبه. يكمن الخطر حين يتخذ بعض الناس من هذا الخلاف مبررا للعدوان على الآخرين أو هضم حقوقهم، أو يتخذوه وسيلة لشحن الاتباع بالحماسة من أجل استثمارهم لاحقا في الصراع على النفوذ. وأذكر أن أحد الدعاة نظم قبل سنوات دورة لطلابه في ''فنون مجادلة المخالفين''. وكانت الحلقة الأولى من هذه الدورة في مجادلة النصارى وآخر حلقاتها في مجادلة أتباع الشيخ فلان، وهو أستاذه ومرشده السابق.
الحلقة الأخيرة هي بيت القصيد، وما سبقها مجرد تمهيد. ويبدو أن هدف الدورة هو ''تحرير'' جانب من المساحة الاجتماعية التي يحتلها الأستاذ. محرك هذا النزاع لم يكن اختلاف الاجتهاد بين الرجلين، بل التنافس على النفوذ الاجتماعي، الذي يمكن تحويله – لاحقا – إلى نفوذ سياسي.
لا نستطيع إلغاء الاختلافات المذهبية والدينية والأيديولوجية، ولا نستطيع الحيلولة دون تحولها إلى خلافات نظرية، لكننا بالتأكيد قادرون على إبقائها ضمن هذه الحدود، والحيلولة دون تحولها إلى نزاع سياسي، يهدد السلم الأهلي والوحدة الوطنية، ويعوق تقدم البلاد.

الطريق إلى هذا هو القانون. المدنية ترقق الطباع - كما عبر الشيخ القرني في مقال عن رحلته الباريسية - الفارق الأهم بين مجتمع المدينة ومجتمع الصحراء هو سيادة القانون. القانون الذي يشكل مسطرة واحدة يحتكم إليها الجميع ويخضع لها الكل.

نتحدث كثيرا عن عدل الإسلام ومساواته بين الناس، وسبقه أمم الشرق والغرب إلى حقوق الإنسان، لكن هذا الكلام الطيب لا جدوى وراءه ما لم يتحول إلى قواعد قانونية ملزمة، يمكن للضعيف والمظلوم الاستناد إليها في المطالبة بحقه. ولا معنى له إن لم يشعر الأقوياء بأنه حد يحول بينهم وبين الاستقواء على الضعفاء والمساكين.

بلادنا – مثل كل بلد آخر – في حاجة إلى نظام قانوني يجرم استغلال الخلافات في إثارة الكراهية والبغضاء بين الناس، ويمنع التمييز بين الناس على أساس مذاهبهم وأديانهم وقبائلهم. من المؤسف أننا لم نبادر بوضع قانون كهذا في الماضي، ولهذا نشعر اليوم بضرورته أكثر من أي وقت مضى. نحن في حاجة إلى قانون يستطيع الناس الاستناد إليه إذا شعروا بأنهم يتعرضون لتمييز سلبي أيا كان مصدره أو مبرره، ونحتاج إلى هيئة متخصصة للإشراف على تطبيق هذا القانون، وإرشاد الجهات الرسمية والأهلية والأفراد، حتى يترسخ مبدأ التسامح، ويعتاد الناس جميعا حقيقة أنهم مواطنون أولا ومواطنون أخيرا، أيا كانت انتماءاتهم وأصولهم وأجناسهم.

الاقتصادية 28 اغسطس 2012

الثلاثاء، 21 أغسطس 2012

في ان الخلاف هو الاصل وان الوحدة استثناء



الثقافة في معناها الضيق هي مجموع المعارف التي يتلقاها الفرد بشكل نظامي ، من خلال القراءة والنقاش والتفكير الخ. ولذا يطلقون صفة "المثقف" على شريحة من الاشخاص المهتمين بالمعرفة والممارسين لها بصورة منتظمة ، ولا سيما من خلال القراءة والنقاش.
اما المعنى الموسع للثقافة فيشمل مجموع التجارب الفردية والجمعية التي شارك فيها الفرد مباشرة او تلقاها على شكل مستخلصات مشروحة او رمزية. وهي تشمل التجارب المعرفية والفنية والحياتية والروحية ، كما تشمل اشكال المعاناة والفرح. ويعبر عن الثقافة من خلال اللغة وطرق الكلام او في اطار الفعل والممارسة الحياتية اليومية والتقاليد الاجتماعية. الثقافة في هذا المعنى هي الخلفية الذهنية المسؤولة عن 90%  عىلى الاقل من افعال الانسان الاعتيادية ، لاسيما افعاله العفوية.
رؤية الانسان لنفسه وللعالم من حوله ، رؤيته لموقعه في هذا العالم ، وتعامله مع الاخرين ، هي – الى حد كبير – ثمرة لخلفيته الذهنية ، او – بحسب تعبير استاذنا ابراهيم البليهي – البرمجة الذهنية. حقيقة الامر انه لا يوجد انسان في العالم الا وهو مبرمج على نحو ما. قليل من الناس يساهم هو في برمجة نفسه وتحديد مكونات ذهنيته . اما الاكثرية الساحقة من البشر فان ذهنيتها تتشكل في حالة اللاوعي.
لا يعيش الانسان في فراغ ، فهو اشبه بسمكة في بحر ، يتاثر بتيارات هذا البحر وبالاختلافات الفيزيائية للماء والاشياء السابحة او الهائمة فيه وحواليه. الكلام والاصوات التي يسمعها الفرد ، والمشاهد التي يراها ، والالوان التي يميزها ، والخواطر التي تراود ذهنه ، والمخاوف التي تنتابه ، ومشاعر الفرح والاسى التي تعتمل في داخله ، اشواقه وامانيه ورغباته ، كلها تسهم في تشكيل ذهنيته ، اي تصوره عن نفسه وعن العالم. نادرا ما يتحكم الانسان في هذه المصادر او في تاثيرها عليه ، فهي تحدث امامه او في داخله دون ان تستأذنه ، وهي تتفاعل مع نفسه ، مع عقله وقلبه ، سواء احبها او كرهها. محبة الاشياء وكره الاشياء ، ارادته لها او عجزه عنها ، تسهم ايضا في تشكيل ذهنيته.
هذا يفسر لنا اختلاف اراء الناس بحسب انتماءاتهم الاثنية والثقافية واطاراتهم الاجتماعية ومواقعهم ومهنهم. لو كنت رجل دين فسوف تكون لغتك واطار علاقاتك الاجتماعية وهمومك مختلفة عن الطبيب والمهندس. ولو كنت عربيا فستكون مختلفا على الارجح عن الامريكي والياباني ، ولو كنت امراة فانشغالاتك ونطاق علاقاتك ستكون بالتاكيد مختلفة عن الرجال.
هل يكفي هذا للقول ان اختلاف الناس هو الظرف الطبيعي؟. هل يكفي هذا لتبرير الدعوة الى حرية التفكير وحرية التعبير؟. هل نقول ان التسامح لا يعني فقط اللين في التعامل مع الاخرين ، بل يعني تحديدا الايمان بان لهم الحق في ان يختلفوا عنك مثلما انت – بطبيعتك – مختلف عنهم؟.
الاقتصادية 21 اغسطس 2012

الثلاثاء، 14 أغسطس 2012

ما الذي يجعل الانترنت مخيفا للزعماء التقليديين ومحبوبا للشباب ؟



- اي فتنة هذي التي تجعل الناس يقضون ساعات امام شاشات الكمبيوتر يسبحون في فضاء افتراضي؟
- أهو سحر المعرفة ، ام جاذبية الاكتشاف ، ام مجرد الاستمتاع بقتل الوقت من دون جهد؟
انفق المفكر الاسباني مانويل كاستلز نحو عقدين من الزمن في دراسة "المجتمع الشبكي" و"السلوك الشبكي" ودور الشبكات الالكترونية في اعادة صوغ هوية الافراد على امتداد العالم. طبقا لراي كاستلز فان جاذبية العالم الافتراضي تكمن في قدرته على تلبية الحاجة الى اكتشاف الذات وتحقيق الذات. كل انسان يواجه في شبابه المبكر سؤال "من انا؟" و "ماهو موقعي ضمن شبكة العلاقات الاجتماعية؟".
كل مجتمع يضع امام ابنائه جوابا عن هذين السؤالين وعن غيرهما من الاسئلة في سياق التربية الابوية والاجتماعية الهادفة لادماج الشاب في النظام الاجتماعي القائم. في المجتمعات المغلقة والمحافظة ، تتم هذه العملية بشكل شبه قسري. لان شبكة العلاقات الاجتماعية التقليدية هي وسيلة التواصل الوحيدة بين الفرد والعالم. اكتشاف الفرد للعالم هو الخطوة الضرورية لتكوين منظومة المعاني التي يبني الفرد على ارضيتها تصوره لذاته وللاخرين ، اي جوابه على سؤال "من انا" و"ماهو موقعي".
مع انتشار الانترنت ، لم تعد التربية العائلية والاجتماعية قناة وحيدة للتعرف على العالم. اكتشاف العالم لم يعد مشروطا بالمعاني التي يقدمها الابوان او المجتمع. يمكن للفرد الان ان يختار بين المعاني التي يتوارثها المجتمع او تلك التي يجدها في العالم الافتراضي. وتبعا لذلك فقد اصبح الفرد مساهما في توليف هويته الشخصية ، التي قد تتوافق مع منظومات المعنى السائدة او تخالفها.

- حسنا ... ماذا يجعل الانترنت مختلفا واكثر جاذبية من ادوات التواصل الاخرى؟
يتحدث كاستلز عن "قوة التدفق=the power of flows". حين يصل عامة الناس الى مصادر المعلومات من خلال الانترنت ، ثم يعيدون انتاجها ونشرها عبر العالم ، فانهم يطلقون سلسلة هائلة من قوى صغيرة كامنة في داخلهم ، تترابط وتتكثف في شكل شبكي ، مولدة قوة ضخمة لكنها منتشرة. يقود هذا بالضرورة الى تبعثر عناصر القوة التي كانت مركزة ومحتكرة في جهات محددة. تمرد احد الضعفاء على القوة الكبيرة هو الخطوة الاولى ، او النموذج. الاستجابات والتفاعلات التي يلاقيها هذا النموذج تولد شبكة من التمردات المماثلة، تتسع وتتعمق بسرعة ، تتجاوز – عادة – قدرة القوى المركزية او التقليدية على الرد.
القوة – كما نعرف – مفهوم مقارن. ازدياد قوة احد اطراف المعادلة السياسية – الاجتماعية يعني انكماش قوة الاطراف الاخرى ، والعكس بالعكس. مصادر القوة الجديدة المتأتية من التطورات المذكورة اعلاه ، تقود بالضرورة الى تقليص القوى السائدة او تقييدها. هذا ما يسميه كاستلز "تدفق القوة = flow of power".
الانترنت ليس مجرد وسيلة تسلية يستمتع بها شباب اليوم ، انها وسيلة لاستنباط القوة ، تؤدي بالضرورة الى تفكيك او بعثرة القوى السائدة.
الاقتصادية 14 اغسطس 2012

الثلاثاء، 7 أغسطس 2012

سوريا ليست معركتنا



اشعر احيانا اننا نمارس السياسة مثل متفرجين في ملعب كرة. ثلاثون لاعبا يصنعون الحدث ، والاف الناس على المدرجات يهتفون لهذا الفريق او ذاك. في نهاية اللعبة يفوز طرف فيحصد المال والشهرة ، أما الاف المشجعين فيخرجون من المولد بلا حمص كما يقول المصريون. لا يكسبون شيئا من الغنيمة ، ولا أحد يسأل عنهم. خلاصة مكسبهم "شعور" مؤقت بانهم كانوا الى صف المنتصر او المهزوم.
الاغلبية الساحقة منا متفرج على لعبة السياسة. ثمة عشرون او ثلاثون لاعبا يتصارعون في ميادينها ، فيكسبون المال والسلطة والقوة. اما نحن ، ملايين الناس ، فتتقطع اعصابنا وحناجرنا تاييدا لهذا الفريق او ذاك. ندفع المال ، ونصارع اخوتنا واصدقاءنا. لكن حصتنا في نهاية اللعبة تتلخص في "شعور" باننا وقفنا الى جانب الاقوياء ، مثل طفل يقاتل كي يحصل على صورة مع ممثل مشهور.
خلال الايام الماضية امتلأت صحافتنا بالتحذير من تصاعد المشاعر الطائفية بين الشباب. تحذيرات جاءت كرد على التجييش المتصاعد للمشاعر في مواقع التواصل الاجتماعي وغيرها من دوائر اللقاء بين الناس.
نشعر جميعا بالالم للتدهور المريع في اخلاقيات العلاقة بين ابناء الوطن. لكن ما نشهده اليوم ليس حدثا جديدا. مجتمعنا مدمن على خوض معارك الاخرين من مقاعد المتفرجين. كنا دائما الطرف الذي يمول الاخرين ويشجع الاخرين ويختلق التبريرات للاخرين. فعلنا ذلك في افغانستان ، وفي البلقان واسيا الوسطى ، وفعلناه في العراق ، ونفعله اليوم في سوريا ، وسنفعله غدا في بلدان اخرى.
ستنتهي الازمة في سوريا وتهدأ النفوس ، مثلما حصل في سابقاتها. لكن ما يستحق التوقف هو سلوك بعض النخبة، من كتاب ودعاة وناشطين، اتخذوا التجييش الطائفي مصعدا للنفوذ الاجتماعي. هذا سلوك ينطوي على مخاطرة شديدة قد تطيح بوحدة البلد وسلامه الاجتماعي واستقراره.
تستطيع استعمال فنون البلاغة كلها في تجييش مشاعرالمتفرجين. لكن هل ستتحمل المسؤولية عن عواقب هذا المسار .. انقسام المجتمع واندلاع الصراع بين شبابه؟.
ما يحدث في سوريا ليس معركتنا ، وما حدث في العراق وافغانستان والبوسنة واسيا الوسطى لم تكن حروبنا. غيرنا قرر الحرب وغيرنا سيكسب المعركة او يخسرها. لسنا سوى متفرجين في ملعب لكرة القدم. فلماذا ننقل هذه المعارك الى مجتمعنا ؟ لماذا نحارب بعضنا في معركة قررها الاخرون؟. اليس بلدنا يكفينا ، اليست مشاكلنا تكفينا؟. اي واحدة من اولوياتنا تمثل سوريا او غيرها ؟. اهي مقدمة على تحدي البناء والتنمية والوحدة الوطنية والاستقرار في بلدنا؟.
ايها المغامرون بوحدة الوطن ومستقبله وسلامه.. تأملوا في عواقب افعالكم .. وخافوا الله في وطنكم ومستقبل شبابكم.
الاقتصادية 7 اغسطس 2012






الثلاثاء، 31 يوليو 2012

تجارة الخوف




لو جاء رجل غريب الى بلادنا واطلع على ما يقال ويكتب حول اوضاع المجتمع لظن ان السعوديين على وشك ان ينقلبوا كفارا. لا يمر اسبوع دون ان نسمع او نقرأ تحذيرات عن انفلات اخلاقي او هجر للدين الحنيف او مؤامرات داخلية وخارجية تستهدف افساد الشباب.

لسنا مجتمعا ملائكيا . ولسنا في الوقت نفسه دار الشيطان. نحن مجتمع اعتيادي ، يعيش مثلما يعيش خلق الله ، ويفكر مثل سائر خلق الله ، يصيب ويخطيء. هذا لن يقودنا الى اقامة المدينة الفاضلة التي يتخيلها بعض الناس ، وهي على اي حال لن تتجاوز مكانها الطبيعي كخيال على ورق. وجود المخطيء والآثم لا يبرر رجم المجتمع كله ولا يبرر تسفيه احلامه ولا اتهامه بما يشير الى انه قاب قوسين او ادنى من السقوط في وحل الخطيئة. 

لكن هذا ليس سوى نصف القصة. بقية القصة تقول ان من يبالغون في تصوير الاثم في المجتمع ، يشيرون ضمنا الى فشلهم هم ، الى فشل خطابهم وفشل ثقافتهم. 

يصل عدد المساجد في المملكة الى 72 الفا. وتدير هيئة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر 470 مكتبا في انحاء المملكة يشغلها قرابة 5000 موظف. وفي العام  2010 كان في البلاد مايزيد قليلا عن 25 الف حلقة تحفيظ قرآن ، تستوعب 515 ألف طالب في كل عام ، ويعمل فيها 26,500 معلم وموظف ، عدا 2077 مدرسة تحفيظ متخصصة تدقريرها زارة التربية. ونعلم ان جميع المدارس العامة تخصص نحو 15 بالمائة من جهد التعليم للثقافة الدينية . وذكر تقرير لوزارة الاوقاف انها اقامت ما يزيد عن 8 ملايين منشط دعوي في عام واحد. اضف الى ذلك نحو 60 ساعة بث اذاعي وتلفزيوني يوميا مخصصة للبرامج الدينية. 

هذه النشاطات الدعوية تستهدف كما هو واضح اقناع الناس بالمحافظة على دينهم والالتزام بتعاليمه. وهي تجري دون توقف في جميع ايام السنة . بكلمة اخرى فان اي شاب سعودي وصل سن الخامسة والعشرين يكون قد تعرض للتثقيف الديني  المباشر او الضمني بنسبة لا تقل عن ساعة يوميا طوال عشرين سنة من حياته . فهل يعقل ان يثمر كل هذا عن شخص منفلت او معاد للدين او سريع الاستجابة لدعاة الشيطان؟. 

من ينادي بهذه الدعوى فهو يقول ضمنا ان تلك النشاطات الضخمة فارغة وفاشلة ، وان وجودها مثل عدمها. فهل نقبل هذه النتيجة؟.
اظن ان "تيار التخويف" يعلم جيدا ان مجتمعنا ليس بيئة اثمة. اظنهم يعلمون ان شبابنا ليسوا فرائس الشيطان. لكن التخويف تحول الى بضاعة رابحة لهم. يعرف السياسيون ان التخويف من المجهول اقوى وسيلة للسيطرة على قلوب الناس. ولهذا فاني ادعو "تيار التخويف" هذا للحديث بصراحة عما يريدون ، بدل اللعب على اوتار العاطفة الانسانية. فليقولوا بصراحة انهم يسعون وراء النفوذ الاجتماعي. سيقبل بهم بعض الناس وسيرفضهم اخرون. وهذا هو منطق الامور. هذا خير من تمزيق المجتمع وبث الريبة في اوساطه.
ايها الساعون للنفوذ لا تتوسلوا بعباءة الدين ، دعوا ديننا في مكانه الرفيع وابتكروا وسيلة اخرى ، او صارحو الناس بما تريدون وكفى.

الاقتصادية 31 يوليو 2012
http://www.aleqt.com/2012/07/31/article_679075.html

الثلاثاء، 24 يوليو 2012

اليوم التالي: ماذا سيجري لو سقط النظام السوري غدا


وجود السيناريو البديل ، او "الخطة ب" كما يسمونها احيانا ، هو الفارق بين من يهمهم فعلا كسب المعارك ، وبين من يكتفون بانتظار النتائج.
خلافا لسيرتها المعتادة لم تقف الجامعة العربية موقف المتفرج على الازمة السورية ، كما حصل في قضايا سابقة. دورها الايجابي يشجعنا اليوم لدعوتها لوضع خطة عمل تستجيب للتطورات المتوقعة في حال انهارت الحكومة السورية. اقول هذا لان الاحتمالات تبدو محصورة بين اثنين: حرب اهلية واسعة في حال صمدت الحكومة ، او انهيار شامل للنظام العام في حال سقطت. ثمة احتمال ثالث ، قائم لكنه مستبعد ، وهو نجاح الثوار ، او نجاح قوة ثالثة في السيطرة على زمام الامور ، وتامين انتقال سريع للسلطة يحول دون انهيار مؤسسة الدولة.
خلال الاسبوع المنصرم ، بدا واضحا ان الواجهة السياسية للثورة السورية لم تعد جزء من اللعبة. المجلس الوطني وهيئة التنسيق وتنسيقيات الثورة وبقية الفصائل ، تحولت الى ما يشبه المراكز الاعلامية التي تعلن مواقف وتنقل اخبار ما يجري على الارض ، لكنها ليست صاحبة قرار ولا هي جزء من القرار. الجيش السوري الحر الذي ظهر في الاشهر الماضية كمؤسسة تتمتع بتسلسل قيادي واضح ، كان في الاسابيع الاربعة الماضية اشبه بعنوان لعشرات من المجموعات المحلية المستقلة التي لا يربط بينها غير 
الاسم.
Syria Map
من المحتمل ان يتجه الجميع ، في نقطة معينة ، الى التلاقي والتوافق على المرحلة التالية. لكن هذا مستبعد من دون تدخل خارجي ضاغط. كانت الجامعة العربية قد عقدت اجتماعا في القاهرة لاقناع المعارضة بتشكيل جهة موحدة تقدم بديلا مقبولا عن النظام القائم ، الا ان هذا المسعى لم يكتب له النجاح. رفض العسكريون الخضوع للسياسيين، واخفق السياسيون في الاتفاق على الخطوط الاساسية للعمل.
في الاسبوع الماضي قدم المجلس الوطني الكردي نموذجا عن الوضع في اليوم التالي لسقوط النظام. سيطر الاكراد على اربع مدن ، عند مثلث الحدود مع العراق وتركيا. هذه المنطقة ستكون قاعدة لكردستان سوريا. هذا النموذج قابل للتكرار في منطقتين اخريين على الاقل هما منطقة الساحل وجبل العرب. هذا تطور يشير لانهيار الدولة المركزية ، وربما يجعل الحرب الاهلية خطرا داهما. المعلومات التي تنقل عن عمليات تطهير قومي وطائفي تجعل فكرة الانقسام البغيض ملجأ لا بديل عنه.
من هنا فان الضرورة تقضي بقيام الجامعة العربية ومن ورائها الدول الاعضاء بوضع خطة عاجلة للتعامل مع الاحتمالين المذكورين بما يحفظ وحدة الاراضي السورية ويحول دون الحرب الاهلية او انهيار النظام العام. رغم تشعبات الازمة فان بعض الدول العربية تملك اوراقا مؤثرة على اطراف الازمة ، وهي قادرة فيما اظن على اقناع الثوار بالتوافق على استراتيجية خروج ، تؤمن انتقالا الى نظام جديد بحد ادنى من الخسائر. لو وقعت الحرب الاهلية لا سمح الله. فان نارها لن تحرق السوريين فقط ، بل قد تطال ايضا لبنان والاردن ، وهذا ما لا يريده احد.
الاقتصادية 24- يوليو - 2012

الثلاثاء، 17 يوليو 2012

الطائفية ظاهرة سياسية معاكسة للدين


يبدو حتى الان ان اشقاءنا المصريين قد نجحوا في تخفيف القلق من مخاطر المشكل الطائفي ، بعدما بدا – خلال ايام الثورة – قريبا من لحظة الانفجار.

معظم البلدان العربية تواجه مشكلا طائفيا كالذي واجه المصريين. واتمنى بكل صدق ان يأخذ هذا الملف حظه من الاهتمام قبل ان يصبح معضلة مستحيلة. اتمنى ان يدرك اخوتنا في سوريا ان المشكل الطائفي هو اخطر ما يهدد فرصتهم في اقامة "سوريا الجديدة".

 لا يهتم العالم بدين الشخص الذي سيحكم دمشق او طائفته. يهم الولايات المتحدة ان لا ينفرط عقد الدولة السورية فتصبح بعض اراضيها "وزيرستان" اخرى ، تأوي مجموعات شبيهة بطالبان او القاعدة. وهي بالتاكيد تخشى ان يتمدد الانفراط لو حدث – لا سمح الله – الى الاردن والعراق. تركيا هي الاخرى تخشى من قيام "كردستان سوريا" ، على غرار كردستان العراق. يعتقد الاتراك ان قيام فدرالية كردية في سوريا سيفجر المشكلة الكردية في الاناضول بعدما هدأت قليلا في السنوات الاخيرة.
اني واثق في وعي قادة الثورة السورية – بعضهم على الاقل – بهذا المشكل. قدم د. برهان غليون معالجات تحليلية متقدمة تنبيء عن ادراك عميق لجذور المسالة الطائفية في العالم العربي ، ولا سيما في بلد مثل سوريا. كنت اتمنى ان يبقى زعيما للمعارضة ، لان كتاباته تنبيء عن استعداد ذهني وروحي للتعاطي مع الجميع بمنطق الشراكة في تراب الوطن وليس منطق حكم الاكثرية او الاقلية.

عرف د. غليون الطائفية السياسية  بانها استعمال الاجماع الديني الخاص بشريحة من المجتمع كارضية للولاء السياسي . هذا ينتج نظاما لتوزيع المنافع يحابي هذه الشريحة على بقية المجتمع ، انطلاقا من كونها اصفى ولاء ، نظام  يحول العصبية الدينية او القبلية او القومية الى عصبية اجتماعية – سياسية.

يرى غليون ان الدين بذاته ليس منتجا للطائفية. على العكس ، فان الروح الطائفية تعاكس الايمان. يوظف الدين الثروة والسلطة لتدعيم الرابطة الانسانية والتكافل بين الافراد . بينما تستثمر الطائفية الروابط الاجتماعية والراسمال الروحي للمجتمع في تعزيز احتكار السلطة والثروة.

الطائفية اذن ظاهرة سياسية في الجوهر . ولا علاقة لها بالتمايز الديني او الثقافي او العرقي ، الا كعلاقة النار بالحطب. ندرك ان الحطب ليس سبب الحريق ، رغم ان الحريق لا يشتعل من دونه. تنشط الطائفية في الحياة العامة حين تقوم فئة اجتماعية بتحويل الاختلافات الطبيعية بين الناس الى خطوط فصل ، تميز من يعتبر حسنا عن من يعتبر سيئا ، من يعتبر مواليا ومن يعتبر معاديا ، من يستحق الشراكة في المنافع العامة ومن يحرم منها .

الطائفية ليست ظاهرة عرضية اوبسيطة العلاج. لكنها ايضا ليست من المستحيلات. تركها تتفشى هو الذي يجعل علاجها موجعا وعسيرا. ما لم يعالج المشكل الطائفي من جذوره فسيبقى العدل حلما مستحيلا او مؤجلا.

الاقتصادية – 17- يوليو 2012  http://www.aleqt.com/2012/07/17/article_675054.html

"الفرج بعد الشدة"

|| ما تحدثه الاوبئة من فتك بالبشر، ومن فوضى واضطراب في نظام العالم، تولد شعورا قويا بالحاجة للتغيير، اي ابتكار بدائل عن نظم عجزت عن احت...