‏إظهار الرسائل ذات التسميات الديمقراطية الدينية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الديمقراطية الدينية. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 12 أبريل 2013

مكانة "العامة" في التفكير الديني

حتى اواخر السبعينات الميلادية ، كان الكتاب الاسلاميون يشككون في مشروعية المشاركة الشعبية في السياسة. وكانوا يتساءلون عن امكانية تحكيم (العامة، الجاهلة او التي لا تعرف الشريعة، في امر الدولة التي تسيرها الشريعة السماوية. وكان بعضهم يتساءل مستنكرا: كيف يستطيع (العامي) ان يختار الامام الصالح، وكيف يمكن السماح لهذا العامي بالتصويت (مع او ضد) سياسة او قانون يفترض انه مطابق لاحكام الله ؟ .
ويبدو لي ان اشكالية تدخل العامة في السياسة، لم تنشأ من افتراض سماوية النظام السياسي وسياساته، وان كان هذا الافتراض قد ساعد لاحقا ----في تبرير وجودها. ترجع الاشكالية في ظني الى غياب أي تصور ايجابي عن دور الجمهور في التراث الثقافي الاسلامي.
تراثنا هو خلاصة تجربتنا التاريخية في السياسة وغيرها. وهو مرتبط بوقائع هذا التاريخ اكثر من ارتباطه بالنظرية الدينية في صورتها الاولى او المجردة.  ويشكل هذا التراث خلفية ثقافية لكل المسلمين المعاصرين، وليس فقط اعضاء الجماعات الاسلامية. ولذا فان غياب مبدا المشاركة الشعبية ليس قصرا عليها، بل هو مشهود عند كل التيارات الاجتماعية العاملة في ميدان السياسة العربية .
ركزت تعاليم الاسلام الاولى -  كما تظهر في الكتاب والسنة -  على انصاف الضعفاء (وهم عامة الناس يومئذ)  وحق الجمهور، ومسؤولية كل فرد منهم عن امته، وقيام الدين على اكتافهم، ورجوع الامر العام اليهم، يقول علي بن ابي طالب في وصيته لاحد ولاته "انما عماد الدين وجماع المسلمين والعدة للاعداء العامة من الامة، فليكن صغوك لهم وميلك معهم -  نهج البلاغة 624".  الا ان الممارسة السياسية الفعلية، سيما بعد عهد الخلافة الراشدة، اعادت احياء القيم الاجتماعية القديمة التي  اعتمدت الفصل بين عامة الناس وخاصتهم، بناء على دعوى التفاضل الطبيعي في المكانة والدور بين الخاصة والعامة. بكلمة اخرى فان التراتب الاجتماعي القديم قد اعاد بعث نفسه في اطار السياسة الاسلامية، بينما توارى --، الى حد بعيد ،  منهج التفاضل الديني الذي يعتمد القيمة الذاتية للشخص، المتاتية عن علمه اوكفاءته او سبق خدمته، بغض النظر عن انتمائه القبلي او العرقي .
وقد جرى تنظير هذه الممارسة فاصبحت معلما من معالم التفكير الاسلامي. طبقا للدكتور حسن الترابي فقد "كان الائمة الاوائل يذكرون في كتبهم ان هذا الراي هو ما راينا عليه الجماعة، فكان تعبيرا عن الراي العام، ثم اصبح الراي للشيوخ وحدهم، وهذا يعني ان اصل الفقه قد تبدل تماما".
ولو نظرت في كتابات قدامى الفقهاء الذين تعرضوا للشأن السياسي، لوجدتهم ينظرون الى الدولة باعتبارها ملخصة في الوالي. وهم مع دعوتهم الولاة الى الانصاف والرحمة بعامة الناس، اغفلوا الحديث عن موقع الجمهور في النظام السياسي. بل ان كثيرا منهم انكر حق العامة في التعبير عن خياراتهم اذا خالفت الخيارات الرسمية، خوفا من الفتنة، او اختلال نظام الامة .
وقد بقي اشكال التفاضل الطبيعي سائدا حتى في وسط الحركات النهضوية المعاصرة. وفي اوائل القرن العشرين، راى الشيخ محمد عبده ان الخطوة الاولى لاخراج الامة الاسلامية من مأزقها، هي اقامة مدرسة لتخريج نخبة جديدة (اي خاصة بديلة) تقود المجتمعات الاسلامية. ولا يزال كثير من المثقفين يتحدث عن المستبد العادل باعتباره خيارا مثاليا.  كما نستطيع ملاحظة ان التاريخ المسجل عن المحاولات الاصلاحية، ومحاولات النهوض التحرري في العالم الاسلامي، لا تتحدث عن دور لعامة الناس خارج الدور الاساسي والمطلق للخاصة.
 ويظهر انعكاس هذا التفكير حتى اواسط القرن العشرين. تحدثت فصائل حركة التحرر العربية عن تحرير الاوطان واستنقاذ حقوق الشعب، ودعت الى الاطاحة بالطبقات المتنفذة (الخاصة). لكنها توجهت في وقت لاحق الى ممارسة لا تختلف كثيرا عن تلك التي ورثناها عن التجربة القديمة . فالذي جرى بالفعل هو تاسيس نخبة (خاصة) جديدة بدلا عن النخبة القديمة، بينما لم يحصل الجمهور (باعتباره عامة) على أي من الحقوق المقررة له، او المزعوم السعي لاعادتها اليه .
لهذا بقي الجمهور العربي والمسلم غائبا عن مسرح الاحداث، ضئيل التاثير في الشأن العام، تابعا للسياسة اليومية للدولة، متاثرا بما يقوله اهل الخاصة  الجدد، او سلبيا قانعا بحياة هي الى قتل الوقت اقرب منها الى استثماره. تجربة الحكم القومي في مصر ايام الرئيس الاسبق جمال عبد الناصر مثال بارز على هذا. دافع المصريون بحرارة عن سياسات الدولة وتحملوا لاجلها عسرا شديدا، ووقفوا مع حكومتهم حتى في هزائمها واخفاقاتها. لكن هذا الموقف المخلص لم يكافأ من جانب النخبة باعادة تنظيم الحياة السياسية على نحو يجعل المجتمع سيدا للدولة وصانعا للقرار او شريكا فيه. ومثلها تجربة الثورة الجزائرية، وجميع تجارب النهوض التي جرت في اكثر من قطر عربي او مسلم .

مفهوم مستورد

معظم التجارب السياسية التي شهدها العالم العربي منذ منتصف القرن العشرين وحتى اليوم تظهر ان دور الجمهور في الحياة السياسية، ليس من الافكار الراسخة في الثقافة العامة. وجود هذه الفكرة وممارستها الراهنة، انما هو واحد من وجوه التاثير الثقافي للغرب على العالم الاسلامي. فنحن قد استوردناها كما استوردنا الكثير من عناصر التفكير والمباديء السياسية التي نتداولها اليوم او ندعو اليها. ولانها مستوردة فسوف تبقى امدا طويلا، محل جدل بين اهل الفكر والسياسيين، حتى تعثر على اطار نظري يعيد تنسيجها ضمن الثقافة الاسلامية السائدة.
مناداة السياسيين بالحضور الفاعل للشعب في ميدان السياسة لا يعني - بالضرورة – ان الشعب سيصبح شريكا في صناعة القرار، يوم يؤول الامر اليهم ويصبحون اهل الحول والطول. فهم - بالنظر الى الخلفية الثقافية التي سبق ذكرها - قد لا يرون الجمهور الا تابعا او مؤيدا متأثرا، لا سيدا للدولة  كما يقتضي مبدا المشاركة السياسية . لقد رأينا تحولا مثل هذا في ايران ورايناه في السودان. وكلاهما بدأ بدعوى المشاركة الفاعلة للجمهور في الحياة السياسية، لكنه – من ثم – قيد تلك المشاركة بموافقة النخبة . بعبارة اخرى، فانه ما عاد يريد الجمهور مقررا وصانعا للسياسة، قدر ما يريده داعما ومؤيدا لصناعها الفعليين، اي النخبة الحاكمة او "الخاصة"
تحقيق المشاركة الشعبية يتوقف على عدد من المقدمات، اهمها العلانية وحرية الوصول الى المعلومات، وحرية التعبير، واعتبار الحزب السياسي، سواء كان في المعارضة او السلطة، مسؤولا امام جمهوره، وارجحية الشعب كمجموع على الدولة او الحزب. وهذا يتعارض مع التقليد الجاري في جميع المجتمعات المسلمة، والقاضي باعتبار السياسة كنزا للاسرار، واعتبار التعبير الحر عن الراي المختلف ذريعة للفتنة .
حتى منتصف السبعينات، كان يبدو ان معظم الجماعات الاسلامية الحديثة متفق - تصريحا او تلويحا - على الافتراضات السابقة ونتائجها، وخصوصا دعوى عدم اهلية الجمهور العام لتقييم كفاءة المرشحين للولاية، وعدم اهلية لمناقشة وتقرير المناهج المقترحة لادارة وتسيير الحياة السياسية. لكن الامر ما كان مورد جدل، لان ايا من تلك الجماعات ما كانت تتوقع الوصول الى السلطة على النحو الذي نعرفه اليوم.
اما في السنوات الاخيرة، سيما منذ اوائل الثمانينات، فقد اصبح الامر موضوعا لجدل حقيقي، بعدما اكتشف الاسلاميون ان الشعب عامل حاسم في ترجيح قوة هذا الطرف السياسي او ذاك، وان الجمهور (العامي) يمكن ان يلعب دورا حاسما في رفع كلمة الاسلام، واقامة دولته المنشودة. ويبدو ان الجدل قد حسم عند الجميع – ربما بشكل عفوي -  لصالح القبول باعتماد القوة الشعبية بديلا عن القوى الاخرى التي احتكرها المنافسون، مثل قوة الاعلام والتنظيم فضلا عن القوى التي يتيحها امتلاك الدولة .
لكن الامر الذي لم يحسم هو المكانة الحقيقية لهذا الجمهور في المعادلة السياسية. فهل سيقتصر دوره على تقديم التضحيات من اجل انتصار الحزب الذي يرفع الشعار الديني؟. ام سيكون هذا الانتصار اشارة الانطلاق نحو المرحلة الاهم والاكثر جذرية، في السباق من اجل تجديد الحياة السياسية، المرحلة التي عنوانها استعادة المجتمع لمكانته الطبيعية كسيد للدولة، بعد ان بقي طوال قرون تابعا لها في احسن الاحوال، واسيرا في معظم الاحوال؟.

الثلاثاء، 5 يونيو 2012

التحدي الذي يواجه الاخوان المسلمين

سواء فاز المرشح الاخواني او مرشح العسكر في الانتخابات الرئاسية المصرية الوشيكة ، فالمؤكد ان الاخوان سيشكلون الحكومة القادمة ، نظرا لهيمنتهم على البرلمان. هذا يضعنا امام تجربة فريدة. سيكون على الاسلاميين القادمين الى السلطة مواجهة اشكالات عديدة ، نشير هنا الى اثنين منها : الطائفية والسياحة.
منذ عهد الرئيس الاسبق انور السادات ، شكا الاقباط المصريون من سياسة تمييز رسمي معلنة حينا ومكتومة في اغلب الاحيان ، جعلتهم – بحسب منطق الامور – مواطنين من الدرجة الثانية. كانت السلطة - يومئذ - علمانية فلم يكن بالوسع اتهامها بالتحيز الديني.
اما اليوم فان على حكومة خرجت من صناديق الانتخاب ان تقدم نموذجا مختلفا. نموذج يتعامل مع المسلم والمسيحي باعتبارهم مواطنين لا اتباع ديانات. لم استغرب الميل الجارف عند الاقباط للتصويت ضد مرشح الاخوان. فالتراث الذي ينتمي اليه ، والثقافة السائدة في بيئته الاجتماعية ، تنظر لكل مختلف باعتباره ادنى شأنا. ولهذا لا يلام "المختلف" اذا شعر بالقلق على مستقبله ، حتى لو كان ماضيه سيئا وبغيضا.
تقول بعض التقارير ان المرشح الاخواني وعد بتعيين قبطي نائبا للرئيس. وهذه خطوة ستكون مؤثرة بالتاكيد في تطمين هذه الشريحة. لكنها خطوة واحدة فحسب. يتوجب على حزب العدالة والتنمية ومرشحه ان يقدم وعدا قطعيا باصلاح القانون على نحو يحول دون التمييز بين المصريين ، والغاء جميع اللوائح والتعليمات التي تجيزه او تسهل ممارسته.
التحدي الثاني الذي يتوجب على الاخوان مواجهته هو الاقتصاد. سيكون على رجال الحكومة الجديدة ممارسة ضغط شديد على انفسهم حين يضعون السياسات الخاصة بحماية وتشجيع السياحة مثلا. يساهم هذا القطاع بنحو 12% من الناتج القومي الاجمالي  ، و نحو 20% من الدخل الخارجي للبلاد ، وهي توفر نحو 4 ملايين وظيفة.
لم يكن قطاع السياحة محبوبا عند الاسلاميين . وقد نظروا اليه دائما كبؤرة للفساد . لكنهم مضطرون اليوم الى التعامل معه كمورد اقتصادي يستحيل الاستهانة به ، اذ يستحيل عمليا التعويض عنه في المدى القصير والمتوسط.
افترض ان الحكام الجدد مؤمنون بالواقعية السياسية . فهم بالتاكيد يعرفون ان العمل في السلطة لا يشابه الحديث في المساجد وحلقات التربية الحركية. لكن هذه لن تكون مهمة سهلة. فلديهم جمهور سبق اقناعه بان "الحكم الاسلامي" سياتي بالمن والسلوى ، وسيكون "نظيفا" من كل مكروه. ويظن كثير من هذا الجمهور ان مهمة كهذه لا بد ان تتحقق في اسابيع اذا امتلكت صولجان الحكم.
خلاصة القول ان الاسلاميين المصريين ، ومن يتاثر بهم خارج الحدود ، يبنون قصورا من الامال. لكنهم سيواجهون تحديات صعبة ، وقد تكون قاتلة. لهذا فمن الخير لهم ان يضعوا في اعتبارهم اسوأ السيناريوهات ، وان يتحاشوا الانفراد بالقرار ، كي لا يتحملوا وحدهم ثمن الاخفاقات ، وبعضها متحقق دون شك ، في هذه الظروف التي تتسم بانعدام اليقين.



الاقتصادية 5 يونيو 2012

الاثنين، 24 أكتوبر 2011

الديمقراطية في بلد مسلم- الفصل الاول



            د . محمد مجتهد شبستري
(  1  )   الديمقراطية كحاجة للحياة الدينية


القضايا التي نناقشها اليوم كان ينبغي ان تناقش منذ ربع قرن على الاقل . مسائل مثل نوع الحكومة التي نريدها والتنظيم السياسي المناسب لبلدنا هي مسائل اولية ما كان ينبغي ان تترك من دون معالجة جدية حتى اليوم . لو اجرينا مناقشة معمقة ، تحليلية وعقلانية عند تاسيس نظامنا السياسي ، لكان معظم المسائل المثيرة للجدل اليوم قد وجد حلا . لحسن الحظ على اي حال ان هذه المسائل تطرح اليوم ، ومن بينها المسألة التي تناقشها هذه المقالة ، اي "الديمقراطية في مجتمع ديني" .
من المهم تحديد زاوية البحث في سؤال الديمقراطية والديمقراطية الدينية . بديهي ان كل مقاربة للموضوع سوف تعالج جانبا مختلفا عن ذلك الذي تعالجه المقاربات الاخرى . كل مقاربة تنتمي الى اطار علمي مختلف وتستخدم استدلالات ومناهج بحث وزوايا تركيز متمايزة . يمكن مناقشة السؤال من زاوية مفهومية ، فلسفية ، قانونية ، سوسيولوجية ، او سياسية . .الخ .
ربما ظن بعضنا ان سؤال "هل تتلاءم الديمقراطية مع الدين؟" يلخص كل المشكلة ، والحقيقة ان هذا سؤال عن زاوية واحدة من الموضوع فقط . وحتى لو اجبنا عليه فسوف يتوجب معالجة العديد من الاسئلة الاخرى مثل : ما هي الديمقراطية ؟ ، هل نظامنا ديمقراطي ؟ ، هل نحتاج الى الديمقراطية ؟ . كيف نصل الى الديمقراطية ؟ . وهذا يقودنا الى السؤال الذي نحن بصدده ، اي : ماذا يعني وصف الديمقراطية بالدينية ، وهل نتحدث عن ديمقراطية دينية ام ديمقراطية المتدينين ؟ ، وهل يجوز لعامة المسلمين ان يختاروا لانفسهم نظاما سياسيا مثل الديمقراطية ، ام ان الامر متروك لزعمائهم السياسيين والدينيين كي يختاروا النظام المناسب ؟ .
الديمقراطية هي احد المفاهيم الجديدة التي تولدت في اطار المدنية الغربية المعاصرة ، ودخلت حيز النقاش بين المسلمين في السنوات الاخيرة . معظم هذا النقاش يستهدف الحصول على تطمينات حول قدرة الديمقراطية على حل مشكلاتنا ، والتأكد من ملاءمة القيم الديمقراطية لمعتقداتنا الدينية ، اي امكانية اعتبارها خيارا مناسبا لمجتمعاتنا . فيما يتعلق بالتوليف بين الدين والديمقراطية ، ثمة اراء عديدة يدعي بعضها توفر ادلة في النصوص الاسلامية تدعم القيم والمباديء الديمقراطية ، بينما يقتصر الاخر على القول بامكانية الجمع بينهما ، اي وجود فرصة او وسيلة لحل التعارض المحتمل بين الطرفين .
بعض الاسئلة المطروحة في هذا النقاش يعبر عن انشغال ذهني او روحي لعامة الناس ، وبعضها يشغل السياسيين ، او المثقفين او المفكرين وهكذا . ما يشغلني شخصيا هو علاقة هذا السؤال بمعرفتنا الدينية . افترض ان بوسعنا توليف الديمقراطية مع الدين في اطار فهم عقلاني للدين ، وهذا يتوقف على توفر مناهج فهم وتفسير عقلانية . من هنا فسوف اعيد صياغة سؤال العلاقة بين الدين والديمقراطية على النحو التالي : هل لدينا فعلا ، او هل يمكن لنا تطوير فهم جديد للدين قابل لاستيعاب تحديات العصر وتطور الانسان المعاصر ؟ .
الديمقراطية هي سؤال واحد فقط من اسئلة كثيرة مطروحة بالحاح على المسلمين المعاصرين وعلى الفكر الاسلامي ، وبقاؤها مطروحة لزمن طويل يدل صراحة على ان هذا الفكر يفتقر الى منهجية مناسبة لاستيعاب ومعالجة التحديات النظرية وغير النظرية التي تولدت عن تطور الفكر الانساني في العصور الاخيرة . اذا اراد المسلمون ان يردموا الهوة الواسعة التي تفصلهم عن عصرهم ، ويلتحقوا بركب المدنية الحديثة من دون ان يضحوا بايمانهم ، فانهم بحاجة الى ثقافة جديدة قادرة على التسوية بين الدين والمدنية . تأخر المسلمين عن عصرهم هو ثمرة للممانعة التي يجدوتها في قيمهم الدينية ، اي ما يتخيلونه من استحالة الجمع بين ايمانهم من جهة والتقدم العلمي والاجتماعي من جهة اخرى . لكي لا نقع في منزلق التبرير ، فيحب ان نقر صراحة بان ما يفصلنا عن المدنية المعاصرة ليس المسافات ولا مؤامرات الاعداء ، بل عجزنا عن تطوير ارضية ذهنية وثقافية مناسبة تسمح بالتوليف بين متطلبات التقدم ومتطلبات الايمان . سر هذا العجز يكمن في هيمنة مناهج في فهم الدين غير عقلائية ، او غير قادرة على فهم العصر الحاضر وما فيه من قضايا وموضوعات وتحديات .
 المنهج السائد في الساحة الدينية ومجامع العلم الشرعي ، منهج متخلف يقود الى تفسيرات للقيم الدينية غير عقلائية ولا يمكن الدفاع عنها . كما ان الكثير مما يسمى اليوم قيما دينية ، ليس دينيا بالمعنى الدقيق ، كثير من هذه القيم ليس وحيا منزلا ، ولا هي تفسيرات قطعية ونهائية للوحي او القواعد الدينية الاصلية . بل تنظيرات لاعراف وتقاليد وسلائق توافق عليها المجتمع او النخبة الدينية في ازمان معينة او ضمن ظروف خاصة باعتبارها ضرورات للنظام الاجتماعي او مصلحة للمؤمنين ، وبناء على هذه الاعتبارات جرى ضمها الى منظومة القيم الدينية ، وترسخت بمرور الزمن وتلقيها بالقبول من جانب اجيال المسلمين او نخبتهم .
نحن نتفهم بطبيعة الحال الاسباب التي قادت الى تلك التفسيرات والظروف التي فرضتها ، فالازمان الماضية التي شهدت ولادتها لم تعرف مثل ما نواجهه اليوم من تحديات فكرية واجتماعية ، ولم يصل اهلها الى المستوى الذي يعرفه انسان هذا العصر من ثقافة وعلم وتكنولوجيا وانفتاح وسرعة . وعلى اي حال فلم تكن المشكلة يومذاك قصرا على المجتمعات الاسلامية ، فالتفكير الديني في مختلف بلاد العالم كان متخلفا او منفصلا عن الحراك العلمي والتطور العقلي الذي اوجد المدنية المعاصرة .
 ادى ظهور وتطور العلم الحديث خلال القرون الاربعة الاخيرة الى تقدم هائل في مجال العلوم الانسانية والتجريبية ، تغيرت على اثره حياة الانسان ، كما تغيرت ثقافته وتغير فهمه للعالم . وظهرت في هذا السياق مناهج جديدة للمعرفة والتفسير والتفكير ، تسعى لتمكين الانسان من اعادة فهم ما يجده في عالمه وما ورثه عن اسلافه من تراث وافكار وقيم وتجارب ، ونشير هنا خصوصا الى تبلور مناهج جديدة لفهم النص الديني على اسس عقلانية . ولا شك ان المؤمنين بالاديان قد استفادوا من هذه المناهج . وهذا ما يفسر الميل المتصاعد في عالم اليوم لاستبعاد التفسيرات العرفية او الخرافية للدين . واستطيع القول من دون تحفظ ان توفر العلم والمناهج الفلسفية الحديثة وتطور التجربة العقلية للانسان لم تترك اي مبرر لتلك الشريحة من دارسي العلوم الدينية التي غضت الطرف عما توفره المناهج العلمية الجديدة من امكانات هائلة لفهم وتفسير النص الديني ، وكرست نفسها لحراسة المناهج القديمة التي اكل عليها الدهر وشرب ، وظهر عجزها عن الوفاء بحاجات المسلمين الروحية والدنيوية الراهنة .
كثير من مشكلاتنا الثقافية هي نتاج لترددنا في تطوير مناهج الفهم والاستدلال التي يتعارف عليها العلماء باسم الاستنباط او الاجتهاد ، ولا سيما التردد في الاخذ بالمناهج الجديدة في فهم النص واستنطاق مضمونه . وللاسف فعلى الرغم من توفر هذه المناهج ورغم قدرتنا على تطويرها ، الا ان الاهتمام بهذا الامر في مجامعنا العلمية ضئيل او ربما معدوم . في سنوات الثورة الاسلامية الاولى أتاحت الظروف السريعة التغير مجالا للدعوة الى تجديد الفكر الديني ولاسيما مناهج الاستنباط ، ومساءلة اولئك الذين يتصدون للاجتهاد والفتوى عن منهجهم في البحث ، والمعايير التي يقررون على ضوئها خياراتهم . لكن هذه الدعوة واجهت في كل الاحوال معارضة غير منصفة ، وواجه اصحابها انواعا من العنت حتى اضطروا الى السكوت عنها .
زبدة القول ان الاجابة على سؤال العلاقة بين الديمقراطية والدين يتوقف الى حد كبير على المنهج الذي نتبعه في فهم الدين واستنباط قواعد العمل من نصوصه . وارى انه لا يمكن في ظل المناهج الموروثة التوصل الى جواب مناسب ، لان هذه المناهج ليست مؤهلة من الاساس للتعامل مع اسئلة من هذا النوع . ومن هنا فانه لا الديمقراطية ولا القيم والافكار الاخرى التي انتجتها المدنية المعاصرة ، قابلة للفهم او الملاءمة مع تفكيرنا الديني في ظل تلك المناهج . دعنا على اي حال ننتقل من هذه المقدمة الى مسألة اخرى ، احسبها تمهيدا ضروريا للتفكير في العلاقة بين الدين والديمقراطية ، اعني بها الارضية التي يقوم عليها كل من الطرفين .
 قيم الدين وقيم الديمقراطية
حديثنا عن "الديمقراطية" يأخذ بعين الاعتبار كونها مفهوما محددا جرى تعريفه على نحو دقيق من خلال التجربة الفعلية في العالم فضلا عن الابحاث والدراسات في المحافل العلمية المتخصصة . بتعبير اخر فاننا لا نسعى من وراء هذا النقاش الى تخليق مفهوم جديد نطلق عليه اسم "الديمقراطية" ، بل معالجة المفهوم المعروف في العالم وربما تعديل بعض اطرافه بما لا يؤثر على قوامه الاساسي والمباديء الكبرى التي تمثل جوهره . بالنظر لتطورها في محيط معرفي مختلف فان "القيم الديمقراطية" هي تركيب منظومي متمايز عن "القيم الدينية" التي تمثل هي الاخرى تركيبا منظوميا خاصا وقائما على ارضية مختلفة عن تلك التي تقوم عليها القيم الديمقراطية . من ابرز موارد الاختلاف بين المنظومتين على سبيل المثال ، هو ان قيم الديمقراطية تمثل قيما توافقية- ضمنية ، بمعنى انها ثمرة لنوع من التوافق الاجتماعي على معناها ومؤدياتها . وفي الحقيقة فان معظم القيم الديمقراطية – فوق قيامها على التوافق – تستهدف ايضا تعزيز وتعميق علاقات التوافق والتعاقد بين الافراد . من بين القيم التي يظهر فيها كلا البعدين مثلا اصالة التعاقد ، الرضا والقبول الشعبي كمصدر للشرعية ، المساواة المدنية ، حق الفرد في الاختيار المستقل لنمط حياته الاجتماعية والسياسية ، سيادة القانون ، ارتباط الحقوق الدستورية بالمواطنة ، ضمان حقوق الانسان ، حاكمية الشعب . الخ . هذه المفاهيم تنطوي في داخلها على محتوى قيمي – توجيهي ، ومن هنا فان تفعيلها في الحياة العامة هو الذي يعطي للديمقراطية شكلها ومضمونها الخاص .
لا اريد الان الدخول في بحث حول الارضية الفلسفية او الاخلاقية لتلك المفاهيم ، وما اذا كانت مستمدة من القانون الطبيعي او الفطرة او غير ذلك من المصادر . الامر المسلم به هو ان تلك القيم قد حصلت على مكانتها الرفيعة نتيجة لـ "توافق" اعضاء المجتمع على معياريتها ، بعبارة اخرى فان اعضاء مجتمع ما قد "توافقوا" على هذه القيم و "تعاقدوا" على جعلها اساسا للقانون الذي يحكم حياتهم  . تحول هذه القيم النظرية الى معايير حاكمة ومنظمة للعلاقات الاجتماعية هو اذن نتيجة للتوافق والتعاقد بين اعضاء الجماعة ، وليس بفرض او الزام من جانب احدهم او من جانب قوة خارجية فوقهم . من هنا فان الخطوة الاولى التي تمهد لقيام حكومة ديمقراطية ، هو توفر هذا النوع من التوافقات (او القيم الديمقراطية) بين الشعب .
لم يكن توصل المجتمعات الديمقراطية الى تلك التوافقات ثمرة للتامل الفكري المجرد ، بل نتيجة لتحولات في الحياة الاجتماعية واحيانا ازمات طاحنة اوجبت على الناس التفكير في بدائل ومخارج من تلك الازمات . ومن هنا يمكن القول ان ظهور هذا النوع من التوافقات والقيم ، وقبول الناس بها وتعايشهم مع مستلزماتها ، يتطلب تحولات من نوع ما ، اقتصادية او سياسية او ثقافية ، توفر ما يمكن وصفه بتمهيد نفسي او ذهني يسهل على اعضاء المجتمع القبول بمبدأ التوافق كوسيلة قطعية ووحيدة لحل الخلافات والتعارضات في المصالح وادارة الموارد والثروات الطبيعية المشتركة ، ثم الانتقال الى مرحلة التعاقد بين افراده على صورة النظام السياسي الذي يأملون العيش في ظله .
من الممكن بطبيعة الحال ان يعيش الناس من دون هذه القيم . من الممكن مثلا ان يعيش الناس في مجتمع لا يعرف مفهوم المواطنة وما يترتب عليها من حقوق دستورية ، او لا يعرف مفهوم الارادة العامة ، او حقوق الانسان ، او التمييز بين المجال الشخصي والعام ، الخ . . من الانصاف ايضا القول بانه لا يمكن البرهنة باي طريقة فلسفية او تاريخية او غيرها على ان المجتمعات التي لم تتوصل الى تلك التوافقات والقيم ، كانت على خطأ او كانت سيئة او غير متحضرة او غير طبيعية ، او ان حياة الناس فيها كانت خالية من المعاني الانسانية . واقع الامر ان التحولات الاجتماعية والعلمية قد وضعت امام الناس حقائق جديدة على مستوى المعرفة او على مستوى السياسة والاقتصاد ، اي حقائق ذهنية وحقائق مادية . ونتيجة لتعرف الناس على تلك الحقائق ، توصلوا الى قناعة ضمنية او صريحة بان الاخذ بالقيم والمفاهيم الديمقراطية المذكورة اعلاه سوف يجعل حياتهم اكثر انسانية .
خلافا لهذا المعنى فان القيم الدينية ليست توافقية ، اي ان اعتبارها الديني والاخلاقي ليس منبعثا من اتفاق الجماعة على دينيتها او معياريتها . الدين ليس من ذلك النوع من سبل الحياة الذي يتوافق اعضاء المجتمع على صناعة مضمونه او منحه القيمة المعيارية . ربما يقول بعضنا بان القيم الدينية يمكن ان تتولد بصورة من الصور من تجربة روحية . ونقصد بالتجربة هنا معناها العرفاني وليس المادي . التجربة بالمعنى المادي قد تنحصر في ممارسة الشعائر ومظاهر السلوك اليومي التي يقوم بها كل المتدينين . اما المعنى العرفاني الذي يتحدث عنه الفلاسفة والعارفون ، فهو يشير الى نوع خاص من التفاعل بين الانسان والكون ينبعث من وحدة الاصل الذي يرجع اليه الطرفان . هذا التفاعل ينتج معرفة وعلاقة بين داخل الانسان وخارجه ، بينه وبين النظام الكوني الذي يعيش فيه ، وهو قريب من معنى الفطرة الى حد ما . وعليه فاذا كان منشأ الدين هو هذا النوع من التجربة الروحية ، فانه يمكن ان يكون ايضا منشأ للقيم الدينية . لكن حتى لو قلنا بهذا المنشأ للدين او القيم الدينية ، فانه لا يمكن ان يكون من نوع المفاهيم التوافقية ، فالتجربة الروحية بهذا المعنى هي – بالضرورة - تجربة فردية لا يمكن للانسان ان يشرك فيها غيره بل ولا يمكن ان تكون مشتركة مع الغير .
يتميز الدين عن سائر الممارسات الحياتية الاخرى بانطوائه على جانب قدسي هو مصدر فعال للالزام ، بمعنى ان الايمان بذاته يولد في داخل النفس معنى خاصا للافعال ، ويترتب عليه شعور عند المؤمن بان عملا ما هو واجب يلزمه القيام به ، وان عملا اخر ينبغي اجتنابه . القبول بالايمان ومقتضياته وممارستها من جانب الفرد ، تشكل ما يمكن وصفه بتجربة دينية بالمعنى العام للكلمة ، فهي تولد قيما او تسبغ قيمة على اشياء ، وتسلبها من اخرى ، فهي مثلا تلقي رداء القداسة على اماكن او اعمال او اشخاص او كلام ، فتجعلها ذات قيمة استثنائية . توليد هذه القيم لا يجري نتيجة لتوافق اجتماعي كما هو واضح ، بل من خلال علاقة مباشرة بين الفرد وبين المصدر الاعلى الذي ينتسب اليه دينه ، اي من خلال تجربة روحية فردية .
زبدة القول اذن ان الديمقراطية هي منظومة قيمية تقوم على ارضية التوافق الاجتماعي ، فالارادة العامة للمجتمع هي مصدر شرعيتها ومعياريتها . خلافا لهذا فان القيم الدينية مستمدة من الايمان الديني ، وهو ليس قائما على توافق بين الناس ، بل ثمرة للاتصال بين الفرد وربه . حتى لو قلنا بان الدين هو تجربة روحية ، فانها ايضا لا تخرج عن ذلك الوصف ، ذلك ان التجربة الروحية هي في نهاية المطاف تجربة فردية وليست موضوعا للتوافق .
 الديمقراطية كضرورة للحياة الدينية
فيما يتعلق بالتركيب المفهومي "الديمقراطية الدينية" يمكننا تصور معنيين للوصف الديني :
المعنى الاول : ان الديمقراطية الدينية هي اطار يضم في داخله منظومة من القيم الدينية ، اي ان المحتوى القيمي والاخلاقي للديمقراطية هو امتداد للنص الديني او للتجربة الدينية . اذا كان هذا المعنى هو الصحيح فان وصف الديني هو قيد للديمقراطية وليس شرحا عليها . وبالتالي فان اهمية الديمقراطية او قيمتها تنبع من كونها تكليفا دينيا . كما ان قبول المؤمن بها راجع الى ورودها في النص الديني او ارتباطها بالتجربة الدينية .
المعنى الثاني : ان الديمقراطية التي نتحدث عنها (الدينية) هي ذات الديمقراطية المعروفة في العالم من دون ان نتدخل او نغير في مفهومها . اي انها غير مستنبطة من النص الديني وليست موضوعا للاجتهاد والاستنباط على النحو المتعارف اليوم في الحوزة العلمية وغيرها من مجامع العلم الشرعي . مفاد هذا القول انه لا يمكن الحصول على قيم الديمقراطية في الكتاب والسنة او سيرة المعصومين ولا يمكن تاسيس شرعيتها او معياريتها على هذا الاساس . وبالتالي فان الاقتناع بها او التعويل عليها لا يستند الى آية في القرآن او رواية من المأثورات او عملا مسجلا كسيرة للمعصوم .
في رأينا ان المعنى الثاني هو الصحيح . لكن يجب الانتباه الى ان عدم الاشارة الى القيم الديمقراطية في التراث الديني لا يعني ابدا انها مقولة باطلة او مضادة للدين . فورود مفهوم ما في التراث يرتبط بالظرف الزمني والموضوعي الذي شهد ولادة ذلك التراث . بديهي ان المفاهيم والافكار الجديدة ومن بينها الديمقراطية لم تكن سؤالا مطروحا في الزمن الذي نعتبره مرجعيا ، اي زمن حضور المعصوم . وقد اشرنا في السطور السابقة الى ان ظهور قيم الديمقراطية وامثالها من القيم التوافقية رهن بتحولات خاصة في حياة المجتمعات ، وما لم تتحقق هذه التحولات البنيوية فان ظهور تلك القيم ، وخصوصا تحولها الى ضرورة للحياة ، هو امر مستبعد . نعلم ايضا ان مجتمع المسلمين لم يتعرض خلال العصور السابقة التي نرجع اليها في دراسة النصوص الدينية ، لتلك التحولات التي اثرت في وعي الانسان . نحن نعيش اليوم في عالم جديد ، ولدت فيه الكثير من المفاهيم الجديدة ، كما تغيرت كثير من المفاهيم المعروفة سابقا . انظر مثلا الى مفهوم "الدولة" المعاصر وكيف انه مختلف تماما عن مفهومه المتداول في كتب التراث ، وانظر ايضا الى مفهوم القانون ، المواطنة ، حاكمية الشعب ... الخ . هذه المفاهيم وامثالها لم تكن موجودة او معروفة في نظامنا الاجتماعي وثقافتنا السائدة قبل العصور الحديثة . هذه مفاهيم جديدة للحياة الانسانية وعلينا ان نسعى لفهمها ونقدها وتنسيجها في نظامنا الثقافي . اما البحث عن نظائرها في كتب التراث او في تجربة المسلمين الاوائل فهو عمل لا طائل تحته ، لانها بذاتها لم تكن موجودة او ان موضوعاتها لم تكن مطروحة فيما سبق .
السؤال الذي يواجهنا عند هذه النقطة هو : اذا لم يكن ممكنا العثور على دليل يدعم الديمقراطية في النصوص الدينية ، فهل ثمة مرجعية بديلة يمكن الاستناد اليها في الاخذ بالنظام الديمقراطي؟ . بعبارة اخرى كيف نتصور ديمقراطية دينية دون ان يكون لها مرجعية في النص الديني ؟ .
 للجواب على هذا السؤال نحن بحاجة الى التفسير العقلاني للدين الذي سبق الحديث عنه . صحيح انه لا يمكن التوصل الى مرجعية دينية للديمقراطية بالاعتماد على منهج الاجتهاد والاستنباط الموروث ، لكن يمكن العودة الى القيم الدينية والى روح الدين بشكل عام للبرهنة على انه لا يوجد تعارض بين الدين والديمقراطية ، بمعنى انه يمكن لنا ان ناخذ بالنظام الديمقراطي دون ان نخسر ايماننا ، بل يمكن البرهنة على ان الاخذ بالديمقراطية سوف يجعل تطبيق مقتضيات الايمان اكثر يسرا واقرب منالا . المشكلة اذن لا تتعلق بقابلية الدين او الديمقراطية للتلاؤم مع بعضهما ، بل بالمنهج المتبع في فهم وتفسير الدين .
نحن بحاجة الى رصد راسمال كبير في مناقشة هذه المقولات ، فمن دون الانخراط في بحث عميق ومتعدد الابعاد فان مشكلات مثل ما نحن بصدده (اي ما هي الديمقراطية الدينية) لن تكون قابلة للحل . اذا تحدثنا عن الاصلاح في امثال مجتمعنا ، فلا شك ان الافكار الاصلاحية لا يمكن ان تصل الى نتيجة من دون بحوث عقلانية معمقة ومتواصلة في النص الديني وتفسيره .
يجدر الاشارة هنا الى ان مجتمعنا ليس الوحيد الذي تثار فيه هذه الاسئلة او تظهر في صفوفه الحاجة الى مثل هذا البحث . فهي مطروحة حتى في المجتمعات الغربية التي قطعت شوطا بعيدا في الاصلاح السياسي . بالنسبة للمؤسسات الدينية المسيحية مثلا ، نشير الى ان الفاتيكان كان حتى منتصف الستينات من القرن العشرين يتخذ موقفا مرتابا واحيانا معاديا لمواثيق حقوق الانسان الدولية باعتبارها نقيضا للمسيحية . لكنه اقتنع منذ العام 1964 بان اعتماد هذه المواثيق يوفر فرصة افضل للتدين والايمان . الاستدلال الذي جرى الاخذ به يومئذ هو ان هذه المواثيق تعين لكل انسان حريما لا يمكن تجاوزه من جانب اي سلطة ، ويضم هذا الحريم منظومة من الحريات الطبيعية التي ترتبط بانسانية الانسان ، وابرزها حرية الاعتقاد والعبادة وحرية التفكير والعمل الخ . اذا تمتع كل انسان بهذا الحريم فانه – كمتدين ، سواء كان مسيحيا او غيره - يمكن ان يعيش حياته الدينية ويمارس مقتضيات ايمانه بحرية وأمان . ومن هنا فان اي نظام سياسي يحترم حقوق الانسان هو بالضرورة اكثر انسانية واقرب الى جوهر الدين من اي نظام قاهر او شمولي لا يقيم حرمة لحياة الافراد الشخصية ولا يحترم حقوقهم .
حسنا ، لو اتبعنا هذه الطريقة التجريبية في الاستدلال ، فهل ستوصلنا الى توليف مناسب بين الدين والديمقراطية ؟ .
دعنا نفترض ان المسلمين وجهوا هذا السؤال لانفسهم : ما هو ظرف الحياة الاكثر تناسبا مع هويتنا كمسلمين ، العيش في ظل حكومة ديمقراطية ام العيش في ظل حكومة استبدادية او شمولية؟ .
 يمكن صياغة هذا السؤال على نحو آخر : ما هو نوع النظام السياسي – الاجتماعي الذي يوفر فرصة اكبر لنا كي نعيش في انسجام مع ايماننا ومعتقداتنا وقيمنا الدينية ، هل هو النظام الديمقراطي ام الاستبداد ؟ .
نفترض ان كل عاقل سيفضل – بصورة مبدئية على الاقل - الديمقراطية على الاستبداد . اذا اخذنا بهذه الرؤية فلن يكون ثمة حاجة الى تغيير في محتوى مفهوم الديمقراطية او استبدال القيم التي يقوم على اساسها او يسعى الى ترسيخها . من ناحية اخرى فان هذه الرؤية لا تأخذ بالديمقراطية من منطلق الانفلات من حدود الدين واحكامه . على العكس من ذلك فاننا نطرح ذلك السؤال ، وناخذ بهذه الرؤية انطلاقا من كوننا مسلمين مؤمنين ، نريد ان نعيش حياتنا من دون ان نتخلى عن ايماننا . ولهذا فان سؤالنا يدور في جوهره حول البيئة التي توفر فرصة اكبر وافضل للعيش كمؤمنين . رؤيتنا تقول ان القبول التوافقي بقيم الديمقراطية واقامة الحكومة التي تجسدها ، سوف يوفر ظرفا افضل للاعتقاد الحر والممارسة الحرة لمقتضيات الايمان ، ومن هنا فان هذا النظام اكثر انسانية كما انه اكثر دينية من اي نظام استبدادي .
الاخذ بالديمقراطية وتفضيلها على ما سواها ينطلق اذن من مبررات دينية بحتة . لكن هذا ليس نهاية القصة . فالنظام الديمقراطي يوفر - اضافة الى ما سبق - فرصا لتحقيق اغراض الدين واهدافه . من الامور البديهية عندنا ان الدين يسعى الى محو الظلم والقهر وترسيخ العدالة الاجتماعية باعتبارها اهدافا اولية لاي مجتمع ديني . وينظر الى هذه الاغراض كمسؤولية مشتركة يساهم في انجازها جميع الناس . يريد الدين ايضا ان يؤمن به الناس مختارين لا مضطرين او مجبرين ، وان يعيشوا احرارا في دنياهم غير مرتهنين او مقموعين ، لان الحرية هي البيئة التي يزدهر فيها الايمان وتتبلور فيها الطاقات الانسانية ، وتتقدم الحياة . هذه الاغراض هي بعض الثمرات النسبية لنظام ديمقراطي ، ولهذا فان قبولنا بمثل هذا النظام ينطلق من ايماننا الديني ، وهو مبرر على ارضيته . نقبل بالديمقراطية لانها تمكننا من تحقيق الاغراض التي يسعى اليها الدين ونريد تحقيقها كمؤمنين .
ليس ثمة تناقض بين ان نكون مسلمين وان نستعير نظاما حياتيا تبلور خارج اطار الاسلام . في الماضي فعل المسلمون الشيء نفسه واستعاروا انظمة حياة تبلورت خارج اطارهم لانهم وجدوها اكثر تناسبا مع اسلامهم ومع نوعية الحياة التي يريدون ان يحيوها كمسلمين .
من الواضح ان قبول الديمقراطية بالاستناد الى قيم دينية توافقية وتنسيجها ضمن ثقافة المسلمين يستوجب مراجعة وتعديل نظام القيم الخاص بالثقافة الاسلامية لتمكينها من استيعاب القيم الجديدة وهضمها وادراجها ضمن منظوماتها القيمية الخاصة . من ذلك مثلا موقفنا من القهر والعنف ، اذ ليس من المعقول ان تندرج قيم الديمقراطية في نظامنا الثقافي بينما لا نزال نروج للعنف وفرض الاراء والقناعات بالقوة والقهر ونلقي عليها اوصافا قيمية او دينية من نوع اعتبارها امرا بالمعروف ونهيا عن المنكر او جهادا في سبيل الله ، لايمكن ان نقدس الجبر والقهر ونستوعب الديمقراطية في الوقت نفسه . هذا لا يعني بطبيعة الحال التخلي عن المباديء الاسلامية مثل الجهاد او الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ، بل التخلي عن استخدام مثل هذه المباديء في القهر والتجبر او ممارستهما بطريقة تحتوي على قهر او عنف ، مثل قمع حرية التعبير او منع الافراد من ممارسة شعائر او انماط حياة تخالف السياسات الرسمية . اول شروط الديمقراطية هو الاعتراف بالمجال الخاص للانسان الذي هو حريم شخصي لا سلطة للدولة فيه ، ولا يجوز خرقه من جانب اي طرف .
ليس من العسير على اي مجتمع ان يراجع منظوماته القيمية . في الحقيقة فان هذه العملية تجري في كل الاوقات في كل مجتمع . الناس يتفاعلون مع التحولات التي تجري في حياتهم ومن حولهم ، كما يتفاعلون مع التحديات التي تواجههم ، فيغيرون اراءهم وقناعاتهم ، اي يستبدلون قيما قائمة باخرى جديدة من اجل تحسين كفاءة نظامهم الاجتماعي وتحسين مستوى معبشتهم ، وهكذا تجري الامور على الدوام ، وبصورة عفوية في الغالب . القيم الدينية التي نتحدث عنها ولدت قبل اربعة عشر قرنا ، لكنها تعرضت طوال هذه الفترة لمراجعات عديدة حتى وصلت الينا على الصورة التي نعرفها اليوم ، وهي صورة تختلف قطعا عما كانت عليه قبل قرون . لا يوجد اي مانع شرعي او عقلي يحول دون مراجعة القيم التي نرجع اليها في تنظيم حياتنا ، بل يمكن القول ان هذا هو موطن الاجتهاد في معناه الدقيق .
لو نظرنا الى ثقافتنا السائدة وما ينطوي عليه تراثنا ، نظرة نقدية ، فسوف نجد الكثير مما يحتاج الى اصلاح في نظامنا القيمي وفي اعرافنا وتقاليدنا . هناك على سبيل المثال تمييز بين الناس وتصنيف لهم كمواطنين من الدرجة الاولى والثانية . ثمة طبقات او اصناف اجتماعية تعتبر نفسها ممتازة على غيرها ، وتحسب لنفسها حقوقا على الاخرين ، وهذا بطبيعة الحال خلاف اصل التكافؤ والتساوي بين بني الانسان . هذه القيم وامثالها تحتاج الى اصلاح يقود الى الاقرار بالتكافؤ التام بين الناس والمساواة المدنية بينهم كمواطنين اكفاء لبعضهم . لا يمكن اغفال هذه العيوب في نظامنا الثقافي لان التغافل لا يحل اي مشكلة .
زبدة القول اذن ان التوليف بين الدين والديمقراطية ليس بالامر العسير . لكنه مشروط بالنظر في الاسلام ، في روحه وفي قيمه ، وانتهاج منهج عقلاني انساني في فهمه وتفسيره . وهذا يتطلب بالضرورة عدم الاقتصار على اراء الفقهاء ، وعدم الاخذ بمنهج الاجتهاد والاستنباط الموروث . ان رؤية جديدة وانسانية للدين سوف تمكننا من بسط ارضية فكرية وقيمية دينية جديدة تستوعب التحديات الفكرية والحياتية التي تتجه الينا . نحن في امس الحاجة الى هذه الارضية كي نعيش عصرنا ونحافظ على ايماننا في الوقت ذاته .


بقية فصول الكتاب


تقــــــــــــــــــــــــــــــــديم 
http://talsaif.blogspot.com/2011/10/1.html
1)  الديمقراطية كحاجة للحياة الدينية                                                         محمد مجتهد شبستري
http://talsaif.blogspot.com/2011/10/blog-post_8707.html
2) الديمقراطية والديمقراطية الدينية : المباديء الاساسية                                 محسن كديور
http://talsaif.blogspot.com/2011/10/blog-post_9060.html
3) الديمقراطية الدينية: حاكمية العقل الجمعي وحقوق الانسان                           عبد الكريم سروش
http://talsaif.blogspot.com/2011/10/blog-post_6931.html
4) من المدينة الفاضلة الى مدينة الانسان :
 الفرضيات الاولية لبحث الديمقراطية الدينية                                             علي رضا علوي تبار
http://talsaif.blogspot.com/2011/10/blog-post_7868.html
5) في معنى الوصف الديني للديمقراطية                                                  علي بايا
http://talsaif.blogspot.com/2011/10/blog-post_24.html
6) جدل فقهي حول الدولة الحديثة                                                          توفيق السيف
http://talsaif.blogspot.com/2011/10/blog-post.html      


الأربعاء، 3 أغسطس 2011

توفيق السيف مع د. الهتلان في حديث الخليج


الكاتب والمفكر السعودي الدكتور توفيق السيف يؤكد في برنامج حديث الخليج أن "الربيع العربي" ظاهرة جديدة متصلة بما قبلها، ويوضح أن التغيير حتمي لأنه حتى الثورات التي فشلت قديما استطاعت أن تغيّر. ويرى أن السياسة هي التي تعيق التوجه نحو الحداثة أكثر من مواقف التيارات الدينية. ويقترح تكوين كتلة إصلاحية تتعاون مع الحكومات والنخب على المستوى الخليجي لتوضيح طريق مناسب للإصلاح التدريجي.




Saudi writer and thinker, Dr. Tawfeek Al Saif confirms in Gulf Talks that the "Arab spring" is a new phenomenon related to what came before it, illustrates that change is inevitable for even the revolutions that failed was able to change. He believes that it is politics that hinder the move towards modernity over the positions of religious trends. Cluster configuration and suggests reform to work with governments and elites on the Gulf to clarify the appropriate way for the gradual reform.

تسجيل المقابلة على يوتيوب 

نص المقابلة 
نقلا عن "شبكة راصد الاخبارية 26 / 8 / 2011م  www.rasid.com

قال المفكر السياسي الدكتور توفيق السيف ان دول الخليج ليست في منأى عن تأثير الثورات العربية وأن السعودية مضطرة لاجراء اصلاحات سياسية "كبيرة جدا ومؤلمة.. وإلا فقد تواجه انهيارا شاملا".
واشار في لقاء سابق على "قناة الحرة" ان دول الخليج ليست في منأى عن الربيع العربي "وقد تأثر الخليجيون جدا بهذا المناخ".
وشدد السيف خلال برنامج "حديث الخليج" الذي يعده ويقدمه د. سليمان الهتلان بأن منطقة الشرق الأوسط والعالم العربي تغير بعد الثورة التونسية ولن يعود إلى سابق عهده.
 نص اللقاء:
 في مقال لك نشر في جريدة عكاظ "عن اللبرالية وتوق الانسان للتحرر" في 02/12/2010 ، تقول في مقدمته "لو أردنا ان نلخص تاريخ الانسان منذ بدايته وحتى اليوم في جملة واحدة لقلنا انه كفاح لاجل التحرر والانعتاق" هل هذه الجملة كافية لتلخيص الثورات العربية المعاصرة؟
 هي كافية لتلخيص تاريخ البشر كله. اعتقد حقيقة الانسان منذ طفولته بشكل غريزي وطبيعي يسعى للتحرر من القيود التي تقيده، الفقر والجهل والمرض والطغيان السياسي كلها قيود تقيد حركة الانسان، اذا تعلم الانسان يتحرر ، اذا استغنى يتحرر ، اذا تخلص من الطغيان السياسي يتحرر. الانسان يسعى الى الانعتاق. يسعى الى اخراج افضل ما فيه. يسعى الى تجاوز قدراته ، حدوده الجسدية ، قدراته المادية. الانسان بشكل دائم هو اكبر من حجمه الجسدي،  اكبر من حجمه المادي. والانسان يسعى الى بلوغ ذلك الحجم الحقيقي ، الذي هو اكبر من الحجم المادي البشري. الكشوفات ، الاختراعات ، السفر ، تعلم التجارب ، اللغة ، الصراعات ، الحروب ، السعي الى المال ، كلها محاولات للخروج من الحدود الضيقة التي هو فيها ... الانعتاق والتحرر.
 نعم ولكن اذا طبقنا هذه المقولة على ما شهده الشارع العربي في الاشهر الماضية هل هناك اسباب فكرية غير البعد الاقتصادي الذي نتحدث عنه الكثير كتحليل سياسي لما يحدث اليوم في الشارع ما هي في ظنك ابرز المسببات او التراكمات التي قادت ما نشهده اليوم من حراك؟
 انقل عن استاذنا الدكتور تركي الحمد كلاما خلاصته - واظن ان اصله ذكره جان جاك روسو المفكر الفرنسي المعروف - ان الفقر بمفرده لا يفجر ثورة، هنالك الملايين من الفقراء لا يسعون للثورة ، ولكن الاحساس السياسي بالفقر ، يعني شعور الانسان ان هذا الفقر هو جزء من بنية النظام ، وانه لا يمكن ان يتخلص من حالة الفقر مع وجود هذا التنظيم السياسي الذي يعيش في ظله، هذا هو الفقر الذي يفجر الثورة . مجرد وجود الفقر لا يفجر ثورة . لذلك اقول ان وجود الفقر في العالم العربي، انخفاض المستوى المعيشي لم يكن بمفرده كافيا لتفجير الثورة، شعور الناس انهم يستطيعون تغيير حالهم ، وكون هذا النظام يمنعهم من تغير حالهم بانفسهم ، يعني بحسب تعبيرنا لا يرحم ولا يخلي رحمة الله تنزل عليك، هذا الذي يجعلهم يشعرون ان الفقر مشكلة سياسية وليست اقتصادية.
 نعم لكن في بعدها كظاهرة وبعدها الفلسفي ، انت قلت لي الربيع العربي باعتباره ظاهرة ، ماهي هذه الظاهرة وكيف نفسرها؟
  نحاول ان نصف ما يحدث هنا ، ويمكن ان نختلف في تفسيره مع اخرين.  لكن الحركات الاجتماعية والتحولات الاجتماعية هي عبارة عن ظواهر تحل محل النسق العام الساكن . على سبيل المثال منذ 1974 الى 1979 كان لدينا الظاهرة الاسلامية ، الاسلام السياسي ، بداية بما نسمية الصحوة الاسلامية الذي بلغت ذروتها مع انتصار الثورة الاسلامية في ايران سنة 1979. هذه الظاهرة استمرت ثم بدأت تنزل حتى 1991 واحتلال الكويت ، حيث بدأت ظاهرة جديدة . في بواكيرها صغيرة محصورة على النخبة ، وهي محاولة طرح اللبرالية كبديل عن الاسلام السياسي، طبعا ليس عن الاسلام كدين بل عن التصور السياسي للاسلام الذي كان مطروحا في الثورة الاسلامية في ايران وما جاء انعكاسا لها. بعد 2001 والهجوم على نيويورك ، ثم بعد 2003 بشكل محدد ، بدأت محاولة التخلص من اعباء الاسلام السياسي. كان لدينا بديل هو اللبرالية التي تتمثل بشكل ملخص في الحريات المدنية والشخصية والمشاركة الشعبية والانتخاب كوسيلة لنيل المشروعية السياسية. وكان لدينا شعور بالحاجة للخلاص من عبء فحواه اننا كلنا مجبورون ان نكون سياسيين اسلامين لانا مسلمين.
 يعني ان هذا المشروع كان سيد المشهد في وقت من الاوقات وكانوا هم من يقود الحدث بهذا الخطاب..
 المشكلة ان كل واحد بدا يشعر انه حتى يصبح متدينا حقيقة او مسلما حقيقة ، يجب ان يؤمن بالمنظور السياسي الذي طرحه التيار الاسلامي وسمي بالاسلام السياسي. منذ 2003 بدأ الناس يتخلصون من هذه الملازمة، يعني بدأ بعض الناس يشعر انه قادر على ان يكون متدينا جدا وليبراليا جدا. لا يشعر بالتناقض بينهما فأصبحنا نستطيع ان نتحدث عن الحرية باعتبارها قيمة مستقلة عن الديموقراطية ، باعتباره مبدأ مستقلا لا يتناقص مع الاسلام ، ولا نشعر بالحاجة الى تبربر عدم تعارضه مع الاسلام، اما الربيع العربي فهو ظاهرة جديدة متصلة بحد كبير بما قبلها.
 هذا السؤال الذي كنت اريد ان اطرحه كان البعض مثلا من التيار المسمى بالصحوة الاسلامية ربما يريد ان يزعم انما حدث هو من تراكمات خطابه السياسي والاسلام السياسي هيأ لها.  في المقابل ايضا دعاة الديموقراطية والليبرالية في المنطقة يقولون هذا حصادنا ، بينما ربما مراقب اخر يقول الربيع العربي ورواد الربيع العربي وبداياته وانطلاقاته ورموزه ، ربما هو خارج عن هذين الحراكين ، بمعنى انه بين قوسين (الشارع العربي خرج ليعبر بتلقائية عن رغبته للتحرر من قيود الفقر والاستبداد.... الخ) اليست انتهازية من بعض التيارات انها تزعم انها كانت المسبب لربيع العربي؟
 اظن انهما سؤالان مختلفان. سؤال: هل كان الربيع العربي حركة شعبية؟ نعم هو بالطبع حركة شعبية متأثرة بمجموع التنظيمات السياسية والاعمال السياسية اليسارية واللبرالية والاسلامية، لابد انها كانت متأثرة.  وهل هذه التنظيمات هي التي حركت الشارع العربي؟. انا اظن لا ، ليست هي التي حركت الشارع العربي. ولو كانت هي التي لاستطاعت أن تتنبأ انه سيحدث. لكننا نعلم ان احدا لم يتنبأ. احد اصدقائي كان في سبتمبر او في نوفمبر 2010 يعني قبل انتفاضة تونس بشهرين ، كان في اسطنبول ، والتقى هنالك الشيخ راشد الغنوشي الزعيم الاسلامي التونسي ، فوجده محبطا جدا ، يعني يشعر ان الوضع في تونس لا امل فيه. يعني قبل شهرين من الثورة لم يكن يتوقع ثورة ، لا بل ويعتقد ان الثورة مستحيلة. هذا مثال ، والاستاذ الغنوشي هو من الرجال الصادقين .
 اذا كان الغنوشي قبل شهرين لم يتوقع ، لكن الا تعتبر امثال راشد الغنوشي ، الاسلام السياسي ، حتى التيار الليبرالي ، تعتبر فعلهم التالي انتهازية سياسية ، اي قطف ثمار جهد الشباب الذين ضحو بدمائهم في الشارع؟
 هذا هو السؤال الثاني : حينما تحدث ثورة شعبية او حين يظهر مركز استقطاب او نقطة استقطاب والثورات الشعبية من نقاط الاستقطاب الهائلة الكبيرة جدا ، فان كل الناس يتجهون الى هذا القطب ، يتجهون اليه لانهم يريدون تغير المسار الذي اعتادوا عليه. يعني اعتقد مثلا ان الاخوان المسلمين في مصر اليوم مختلفين عن الاخوان المسلمين قبل الثورة سياسيا وثقافيا. ربما اشخاصهم وتنظيماتهم هي نفسها ، ولكن توجهاتهم وسياساتهم ستكون بالقطع مختلفة كذلك حركة النهضة في تونس ستكون مختلفة تماما عن تلك التي سادت في المشهد قبل الثورة لان الثورة كنقطة استقطاب تجبر الانسان على ان يتخذ موقفا جديدا. واذا اتخذ الانسان موقف جديدا فسيشعر هو بالحاجة الى تبريره ثقافيا. وسيغير ثقافته تبعا لهذا. اريد فقط ان اشير الى نقطة عكسية نتحدث عنها احيانا. ربما نظن ان الانسان يغير افكاره ثم يغير مواقفه ، ثم ينتهي الى جهة او يبتعد عن جهة. الصحيح هو العكس . حينما توجد نقطة استقطاب ، تجبر الناس على تغيير مواقفهم ، فإذا غيروا مواقفهم ، سيشعرون بالحاجة الى تبرير ثقافي ، فيغيرون ثقافتهم. تغير الواقع هو الذي يغير المواقف وليس العكس. هذا ما يحدث في السياسة في الاغلب.
 البعض بما اننا نتحدث عن الظاهرة ، ينتقد هذه الظاهرة ويشكك في الربيع العربي بإعتبار انه لا توجد قيادات شعبية لهذا الحراك ماذا تقول انت؟
 احيانا نحتاج الى قائد واحيانا نحتاج الى فكرة قائدة، الفكرة القائدة تفرز لنا قادة يمكن ان يكون بعضهم جيدا وبعضهم غير جيد. بعضهم يواصلون وبعضهم يسقطون. الافكار القائدة تنتج قادة. ولا شك ان مصر اليوم ستنتج عشرات من القادة الذين لم نعرفهم ابدا من قبل شهرين او ثلاثة اشهر. ربما لا يزال الوقت مبكرا لإكتشافهم جميعا واحدا واحدا ولكن. نذكر مثلا قادة الثورة الاسلامية في ايران 1979 من كان يعرفهم؟. لا احد يعرفهم، قادة العراق قبل 2003 من كان يعرفهم؟ الثورات ، الافكار القائدة ، تنتج قادة ولكن اعطيهم وقت قليل وستعرف الكثير منهم.
 ما هو مقياس نجاح الثورة؟
  تحقيق اهدافها الاساسية. الهدف الاساسي بالنسبة الى ثورة مثل ثورة مصر وتونس هو جعل الشعب سيد الموقف. اذا اصبح الشعب هو الحاكم ، يعني اصبحت الحكومة ممثلا حقيقيا للشعب ، ستكون قد نجحت.
 لكن لابد للثورة ان تنجح؟
 لا ، بعض الثورات لا تنجح ، ولكن الثورة تحدث فرقا. يعني حتى الثورات التي فشلت مثل ثورة طلاب 1968 في فرنسا لم تستطع تغير النظام السياسي لكنها غيرت فرنسا كلها، غيرت ثقافة الفرنسيين غيرت النظام الاجتماعي....... ساعدت على خروج فرنسا من وضعها كدولة استعمارية، على سبيل المثال الثورات تغير، ثورة تيان مينج في الصين غيرت كثيرا داخل الصين لكن بقي الحزب الشيوعي حاكما.
 نعم وهذا يقود الى سؤال. هنالك البعض في الاعلام العربي على الاقل ، يريد ان ان يختزل الثورة او الربيع العربي في بعض الفوضى التي نشهدها في الشوارع العربية ، في بعض المظاهر التي لم تكتمل ، وكأن الثورة لابد ان تحقق نظام ديمقراطي بين ليلة وضحاها ، وبالتالي نتخلص من ارث اربيعن خمسين سنة من الاستبداد؟
 الذي اراه ان هناك صراع على الرموز، في مصر مثلا يريدون ان يحاكم حسني مبارك لان وجود حسني مبارك يمثل الوجود الرمزي لنظام عمره ستون عاما، يتمثل في وجود الجيش في السياسة وجود قادة الجيش كحكام على هذا الشعب. هم يريدون ان يحاكموا هذا الرمز ، هذه الفكرة ، هذا الزمن الذي يختفي وراء هذا الرمز.. اليمن مثلا يريدون خروج علي صالح ، مع انهم سيقبلون بالتأكيد باشخاص كثيرين من معاوني علي صالح ، لانهم يريدون ضرب الرمز ، يريدون التخلص من مشروعية لا تنتمي الى الحاضر ، مشروعية قديمة. ما حصل في تونس من الرغبة في محاكمة بن علي او طرد بن علي وعائلته، كذلك هي محاولة لتصفية رموز.. هنالك الان ما يمكن ان نصفه بالحرب على الرموز ، لان الناس فعلا تريد ان تشعر بالخلاص تريد ان تشعر انها استراحت من الماضي في الحاضر.
 ولكن في المقابل هنالك من يخشى ان تتحول  فكرة الثورة الى انتقامات شخصية فردية، بمعني انه ماذا نتعلم كمجتمع من الثورة؟. كيف يمكن ان تؤثر على قناعاتنا ، على تفكيرنا ، على رؤيتنا ، على مفاهيمنا. المفروض ان الثورة تدعمها ديمقراطيا.  ما الذي يمكن ان نستفيده كجماعات من ما نسميه اليوم بالربيع العربي؟
 اذا اردنا ان نفكر بشكل مثالي، حتى المجرمين السابقين هم جزء من الشعب ، ويجب ان يتمتعوا بنفس الحقوق التي يتمتع بها باقي الشعب. لكن من الناحية الواقعية هم لا يقبلون بهذا الشيء ، هم لا يقبلون ان يكونوا من هذا الشعب ، يريدون دوما ان يكونوا سادة وفوق القانون، لذلك قد يشعر الانسان بتعاطف. انا شخصيا اشعر بتعاطف مع من يريدون تصفية النظام القديم بكل رموزه واشخاصه مع انه على المستوى النظري هم جزء من الشعب ولهم حقوق كما للثوار حقوق.
 ايضا هو ليس بتبرير لكن اليس هؤلاء نتاج ثقافة اجتماعية وسياسية وفكرية سادت في العالم العربي على مدى مئة سنة؟
 على أي حال هم جزء من الشعب ، والشعب يستمد حقه في المشاركة من كونه مالكا لهذه الارض ليس لانه جيد او سيء حتى الشعب السيء هو يملك الارض لذلك هو له الحق في اتخاذ القرارات والمشاركة بالقرارات التي تتعلق بأرضه حتى لو كان فاسدا ، حتى لو كان عميلا ، حتى لو كان لصا. حقوق الناس في المشاركة السياسية مستمدة من كونهم مالكين لارضهم ، وليس من كونهم جيدين او سيئين، الذين حكموا هذه السنوات وكانو سيئين هم جزء من الشعب الذين يملكون ارضه ولهم نفس الحقوق. هذا في التصور المثالي.
 لكن المؤكد ان اليوم العالم العربي تغير ، لم يعد مثلما كان قبل خمسة سبعة اشهر؟
 ما بعد ديسمبر 2010 لن يكون مثل ما قبل ديسمبر 2010 . هذا شيء قطعي بلا جدال ليس فقط العالم العربي بل الشرق الاوسط ككل.
 الدكتور توفيق السيف في 2 مارس 2009 القيت محاضرة عن الديمقراطية في الاسلام في منتدى سيهات الثقافي. لديك ايضا كتاب اسمه الديمقراطية في بلد مسلم . السؤال لمذا ننشد الديمقراطية في الدول الاسلامية، يعود الى سؤال قديم هو الاسلام والديمقراطية؟
 التراث السياسي في الاسلام فقير جدا. حين تقرأ في كتب التراث الاسلامي ، بما فيها الكتب التي كتبت في السنوات الاخيرة ، تجد ان تصورها للسياسة تصور بسيط جدا. فهي تلخص الدولة في الحاكم. دائما يتكلمون عن صفات الحاكم ، عادات الحاكم ، كيفية انتخاب الحاكم. لا يفكرون في الدولة كمؤسسة ، ولا يفكرون في البلد ، في المجتمع السياسي كمنظومة. في الوقت الراهن نحن لا نفكر في الحاكم ،ولا يهمنا الحاكم. نحن نتحدث عن نظام سياسي ، نتحدث عن فلسفة سياسية ، فلسفة يعمل عليها النظام السياسي، نتحدث عن مؤسسة عامة ، وليس عن اشخاص. فكرة ان الدولة مؤسسة ، غير موجودة في التراث السياسي الاسلامي. لذلك عندما يتكلمون عن الديمقراطية يجدونها غريبة ، لان الديمقراطية مبدأ قابل للتطبيق على مؤسسة في منظومة اجتماعية كبيرة اسمها المجتمع السياسي الديمقراطي.
 لا فائدة من الجدل هل الاسلام يقبل الديمقراطية او لا . هذا جدل لا طائل منه ، لاننا نتحدث عن منظومتين مختلفتين . الان ، نحن كمسلمين هل نستطيع ان نصنع مؤسسة سياسية جديدة تنتمي الينا كمسلمين ، تنتمي الى افكارنا وتطلعاتنا؟ الجواب نعم نحن نستطيع ذلك ، وسيكون اسلاميا ، سيكون مقبولا في الاسلام. عند ذاك هل نستطيع ان نختار مبدأ الديمقراطية ؟، مبدا الحرية ؟. نعم نستطيع اختيارهما.
 دعني اسألك عن كتابك "رجل السياسية : دليل في الحكم الرشيد". تقول ان الانتقال الى الحداثة يتجسد على نحو ملموس من خلال تغير انماط الحياة على صعيد العلاقات الاجتماعية واللغة والسلوكيات الشخصية. مازال الخطاب الديني التكفيري موجود بيننا ، فكيف نتكلم عن الحداثة؟. هل نسبق الزمن بتحدثنا عن الحداثة ام ان مجتمعاتنا قفزت ، او ربما الربيع العربي قفز بنا فكريا فاصبحنا نستطيع  ان نتحدث عن هذه المفاهيم؟
 انا اظن اننا في الخليج بشكل خاص ، وربما في السعودية بشكل اخص ، نبالغ في تقدير القوى المضادة للحداثة. هم يعادون حقوق المراة، حرية الراي، تعدد الطوائف والمذاهب، تعدد الثقافات. ونظن ان معاداتهم لذلك هي التي تعيق التحرك. انا اظن ان موقفهم يؤثر بصورة من الصور ، ولكن ما يعيق التحول الى الحداثة ليس التيار الديني. اذا اعتبرناه كذالك فنح نبالغ في اهمية مواقفه.
 من يؤثر اكثر، القرار السياسي؟
 نعم انا اعتقد ان السياسة هي التي تعيق بالفعل. لكن هنالك حراك على مسارين متوازيين: حراك على المستوى المجتمعي سريع، المجتمع السعودي والخليجي يتطور سريعا بإتجاه الحداثة ، ويحدث نفسه ، واحيانا يحقق مطالبه بيده . المسار الثاني هو الحراك على المستوى الرسمي وهو بطيء جدا. كمثال: المجتمع يطالب بحرية التعبير، لكن الدولة لا تعطي رخص لجرائد جديدة وقنوات اعلامية . ومع ذلك لدينا الان ما لا يقل عن خمسة واربعين قناة تلفزيون فضائي مستقلة ، غير القنوات التي هي جزء من مجموعات تجارية كبيرة، بين هذه الخمس واربعين قناة ، هناك على الاقل خمسة عشر تبث من داخل الاراضي السعودية ، وكلها ليس لديها تراخيص. اي انها ممنوعة حسب القانون ، لكن لم يأت احد ويقفل مكاتبها ، ولم يات احد ليعطيها تراخيص ، فهي في المنطقة الرمادية ، لاهي قانونية ولا هي غير قانونية.
مثال اخر: التنظيمات السياسية والمهنية ليست مسموحة ولكن لدينا 200 منظمة اهلية بين سياسية وحرفية وثقافية .. الخ. هذا يدل على ان المجتمع يتطور في سياق مستقل عن تطور الدولة. لذلك قد نبالغ بقولنا ان التيار الديني قد اوقف الحداثة او اعاق تقدمها .
 الربيع العربي هل يمكن ان يعزز الخطاب المدني؟. هل يمكن ان نشهد خطاب جديد على ضوء الثورات العربية؟
 هو فعل ذلك فعلا . يعني الثورة الشعبية التي سادت العالم العربي غيرت اللغة السياسية الشعبية. لعلي ذكرت لك هذا المثال: عبارة (الثورة الشعبية) فتش في جميع ادبيات التيار الديني السلفي قبل 2010 لن تجد مفردة الثورة الشعبية في أي مكان. الان كلهم يتحدثون عن الثورة الشعبية. فكرة المشاركة الشعبية ، فكرة الحريات العامة، فكرة سيادة القانون، فكرة ان يكون الناس حكاما لانفسهم ، ان يأتي الحكم ممثلا للشعب وليس ممثلا للنخبة، هذه المبادىء الكبرى التي كانت مستنكرة في وسط التيار الديني سابقا ، او كانت على اقل التقادير مغفلة او مهملة، الان اصبحت في متن واساس الكلام السياسي في العالم العربي كله ، عند التيار الديني وغيره .
 هو جيد وان كان البعض ، ربما كما ذكرنا في بعض الاسئلة السابقة ، يقول بأنه لابد وان تمشي مع التيار ، سمه يعني انتهازية..
 هذا ليس انتهازية، هذا لأن نقاط الاستقطاب تجبر الناس على تغيير مواقفهم.
 كيف نتأكد من هذا دكتور؟
 هذا لا يحتاج للتأكد، رجال الدين، الحركات الدينية، الزعمآء السابقين، كلهم جزء من هذا الشعب.
 انا اقصد اننا لا نتحدث عن القيادات. في الخطاب الديني او في الاسلام السياسي قيادات جديدة متأثره جدا بالفكر الجديد .هي  الى حد كبير قريبة من رموز  التيار السلفي السابق . وبعضهم يميل الى التكفير ، يميل الى رفض  الحداثة ، ويبررها بالخوف من التغريب، الى اخره. هنآك وجاهه لمثل هذا القلق ، لعل المسألة عندهم ليست سوى ركوب الموجة..
 لنفترض انهم ركبوا الموجة. انا لا افترض هذا الشيء. لكن لنذهب معك ونفترض انهم ركبوا الموجة. الثورة الشعبية تعيد هيكلة توازن القوى، تغير توازنات القوة ، وتمنح جزءا كبيرا من القوة للشعب في الشارع. اذا قلنا بأن الشعب الذي في الشارع اصبح قويا واصبح مؤثرا ، وهو الذي يقود ، او هو الذي يقرر ماذا يفعل، فلماذا نخشى اذا رجل دين او زعيم سياسي اصبح معه؟ اذا هل نظن ان هذا الشعب لا زال مجموعة جهال يؤثر عليهم أي راكب؟
 لا ولكن رجل الدين يأتي بشيء ما من القدسيه في خطابه  وهذا يؤثر في المجتمعات المتدينة بطبيعتها!
 هذا قبل الثوره، بعد الثوره الناس يغيرون ثقافتهم، الناس ينضجون ، يعني الان في مصر مثلا : لماذا لم يستطع رجال الدين ركوب الموجة؟. انظر مثلا : كم عدد رجال الدين الذين اصبحو قادة الثورة في مصر ، أو في تونس. كم عددهم بالقياس الى المجموع؟.  ليسوا كثيرين، لان الناس اصبحو انضج، الثورة تنضج الناس. وحينما ينضج الانسان ينضج عقله وفكره يصبح اقدر على الاختيار.
 بمقابل الدولة المدنية دكتور توفيق هناك من يدعو الى دولة دينية. مازالت الدعوة موجودة ، والحديث عن الدولة الدينية موجود.. هل تتناقض الدولة المدنية مع الدولة الدينية في رأيك؟
 الدولة الدينية هي دولة مدنية . بمعنى ان الدولة تصدر في اوامرها عن رأي الحاكم وليس عن علم الله. وتذكر احاديث في هذا المجال ، لا اريد الاستطراد فيها ، ولكن احدها يقول اذا نزلت على قوم، يعني اخضعتهم، فأنزلهم على حكمك ولا تنزلهم على حكم الله، لأنك لا تدري أتصيب حكم الله ام تخطي، هذا مضمون لحديث نبوي مشهور. الحاكم والقائد ينزل الناس على حكمه هو ، على رأيه هو ، وليس على حكم الله عز وجل ، لأنه لا يعلم بحقيقة حكم الله، وهو يخطئ ويصيب.
 هل هناك دولة دينيه هل حدث ان عشنا دولة دينيه في التاريخ؟
 لا اعلم حقيقة ولا أرى ان هذا مهم، الذي اقول ان الدولة الدينية هي دولة مدنية. يعني اذا اردنا دولة تتمتع بالمشروعية الدينية ، يرضى عنها الله عز وجل ، فهي الدولة المدنية ، التي تحكم بالعدل ، تشرك الناس ، تعطي كل شيء للجمهور، الجمهور هو صاحب الثورة.
 وفقا لدساتير لقوانين لأنظمة واضحه حتى لا يستغل الدين لتبرير الاستبدال.
 الدولة الصالحة هي دولة تعاقدية.
 في محاضرة لك بمنتدى الدكتور راشد المبارك بالرياض 2 يناير 2011 ذكرت ان مفهوم الوطن الجديد يتألف من ثلاثة عناصر اساسية: «ارض وعقد ومشاركة نشطة». ما المقصود هنا بالعقد والتعاقد، هذا المفهوم بعد بداية الربيع العربي هل سيتأثر هل سيتغير مصطلحات مثل ولي الامر والتبريرات الدينية، مفهوم التعاقد هل سيتأثر بما يحدث اليوم؟
 ببساطة: الناس يملكون الحق في المشاركة في القرار لأنهم يملكون الارض التي يسكنونها، ملكية التراب الوطني هي التي تجعل لكل فرد من افراد الشعب الحق في المشاركة في القرار السياسي، هذا الذي يسمى بالمشاركة الشعبية. تنظيم هذه العملية يجري في اطار ما يسمى بالعقد الاجتماعي، العقد الاجتماعي هو عقد ذو بعدين: بين الناس انفسهم حول تكييف علاقتهم مع بعضهم، ادارة امورهم المشتركة، تقرير مستقبلهم المشترك، الى اخره، هذا ينتج ما نسميه "الاجماع الوطني". البعد الثاني من العقد، هو تعاقد مجموع الناس مع الهيئة التي تدير العقد، التي تدير البلد بمعنى الحكومة.
 تتحدث عن الدستور الان؟
 نعم وهو الدستور، الحكومة في الحقيقة هي ممثل للشعب، هي وكيل عن الشعب وليست جهة مستقلة. فإذا عمل مجموعة من الناس الحكم كجهة مستقله ، يعني بغض النظر عن رأي الناس و قرار الناس ،هؤلاء يسمون حراميه ، يكونو باغين على موكليهم ، باغين على المالك الاصلي. والاصل انهم مجرد موظفين عند المجتمع، والموظف يجب ان يعمل لصالح رب العمل، رب العمل هو الشعب ، هو المجتمع.
 وهذا ما عشناه في المنطقة العربية ان عندك دساتير وبرلمانات ومسائل شكلية يعني في الاخير ان لم تطبق هذه النظريه كما تقول انت فتكون هذه من العوآمل التي تقود الى الثورة؟
 الانفصال بين المجتمع والدولة يؤدي الى سقوط مشروعية الدولة وسعي الشعب الى تغييرها. هذه هي الثوره، الثوره هي سعي الشعب لتغيير حكومة فقدت مشروعيتها.
 نعيدك الى مفهوم الدولة الدينية والدولة المدنية، يقف اللبرآليون خاصة في منطقتنا ضد مفهوم الدولة الدينية فيما الاسلاميين ضد فكرة الدولة المدنية. يعني على الورق جميل جدا ، ولكن ممكن احد يسأل ماهي المرجعية الدينية التي من خلالها نقرر القوانين والدساتير والانظمة؟
 مافي مرجعية دينية، هناك مرجعية شعبية. لان الدولة هي نتاج لعقد اجتماعي.
 اذا لنتحدث عن دولة مدنية الان..
 هذا هو الذي اقوله. اقول ان الاسلام يسعى لدولة مدنية بمعنى دولة يحكم الناس فيها بأعتبارهم بشرا ، وليس كأنصاف الهة، يحكمون فيها بأعتبارهم ممثلين للشعب وليس ممثلين لله عز وجل، تفويضهم جاء من المجتمع وليس من الله. فهي دولة مدنية. القاضي حينما يطبق حكما شرعيا هل يطبقه بالاقناع ام بالجبر، الذي يطيع حكم القاضي او الذي يطيع حكم الدولة يطيعه خوفا من العقاب وليس رغبة في رضى الله. هذا هو تطبيق القانون وهذا هو الذي يريده الاسلام، الاسلام يريد على المستوى السياسي وعلى مستوى الدولة، دولة فيها قانون وفيها اشخاص يحكمون نيابة عن الجمهور. اما على المستوى الشخصي والفردي، فالاسلام يريدني ان اتقي الله عز وجل وان اتورع عن محارمه وان أؤدي عباداتي وبقية ما امرني به. بعبارة اخرى القانون الاسلامي او النظام الاسلامي هو النظام الذي يحقق اهداف الشريعة الإسلامية وابرزها العدل. اما في الكيفيه فلا توجد كيفية خاصة.
 جميل، اذا لنعيدك لدراسة لك منشوره في مجلة الكلمة في 13 يونيو 2011 بعنوان نموذج الدولة الدينية عند الاصلاحيين المعاصرين في ايران، تقول: يدعو الاصلاحيون الى نموذج للحكم يقارب الى حد كبير النموذج الليبرالي فهو يرى ان الدولة تعاقدية وممثله لمصالح متنوعه لمواطنيها وليست ممثله للسماء وهم يدركون تماما ان مفهوما كهذا لا يسهل تأسيسه على ارضية النموذج الديني الموروث. هل معنى ذلك ان الاصلاحيين اليوم هم ضد ولاية الفقيه التي يفترض انها لاتتناسب مع الدولة المدنية؟
 ولاية الفقيه هي احدى النظريات، نظرية تستهدف تفسير المشروعية الدينية للدولة. واعتقد انها أدت غرضها فعلا. يعني في وقت من الاوقات كانت مفيدة وضرورية. لكنها أدت غرضها ، واظن انه حان الوقت لتجاوزها الى نظريات ارقى. لعل ابرز الاشكالات في نظرية ولاية الفقيه انها لا تعطي مساحات كبيرة للمجتمع «الشعب». وقد حان الوقت لكي يصبح المجتمع حاكما لنفسه وهذا ايضا مقبول على اساس القيم الإسلامية.
 ما الذي يعيق قيام ثورة شبابية بمفاهيم سياسيه جديدة في ايران، اذا اخذنا مثال الثوره الايرانية فرضت مفهوم اقرب مايكون الى الدولة الدينية؟
  في 2009 ، بعد الانتخابات الرئاسية حدثت مثل هذه الثورة ، او لنقل انتفاضة ، لكنها قمعت. ولم يكن يومذاك متابعة اعلامية قوية وقادره مثلما هي اليوم ، ولذا لم نعايش الحدث بتفاصيله.
 الاعلام الجديد تحديدا لعب دور اعطاء الناس المجتمعات العربية ادوات جديده لتمكين المجتمع للتواصل مع بعضه لترتيب اموره..
 لان القوة المتحركة في الثورة هي في الاساس الجيل الجديد ، الطبقة الوسطى،  الشباب، تطور وسائل الاتصال مكن الطبقه الوسطى من خرق الحدود القديمة والحجب القديمة ولا سيما موضوع الرقابة.
 هل هذا يقلل من شأن الثورات التي اعتمدت على تقنيات عالمية جديدة عكس الثورات التي نشأت، يعني في ثورات كثيرة لم يكن هناك اعلام اصلا على مدى طويل ولكن نجحت في الاخير؟
 الثورات التي تنشأ في جو مثل هذا سيكون عدد المشاركين فيها اكبر سيكون تأثيرها اوسع.
 اذا لنسألك عن اقتراح فلسفي او مثل احد المصطلحات تقول في دراسة منشورة في مجلة الكلمة الفصلية ايضا 13 يونيو 2011 : انت استعملت تعبير "استقلال السياسة عن الدين" بدلا من "فصل السياسة عن الدين"، مالفارق بين التعبيرين؟
 احيانا نقول ان الدين لا يجب ان يتدخل في السياسة اصلا، احيانا نقول لا بأس بتدخل الدين في السياسة، وانه يجب على السياسة ان تستهدف تثبيت وترسيخ القيم الدينية العليا مثل قيمة العدل. لكن لا يلزم من هذا ان يكون رجل الدين هو رجل السياسة، بدون إلزام ان تكون المؤسسة الدينية هي الحاكمه. انا ادعو الى الفصل التام بين المؤسسة السياسية والمؤسسة الدينية بمعنى تجريد الدولة من سلطة الامر بأسم الله او استعمال الدين في اوامرها، وتجريد المؤسسة الدينية من قوة الدولة، من مال الدولة من سلاح الدولة من الامر ووضع القوانين بأسم الدولة . الفصل بين المؤسسه الدينية والمؤسسه السياسيه ينتج دولة متعادله ولا يضر بمبدأ يعني تلازم السياسي مع الديني . هو ليس فصلا بين الدين والسياسة ، وليس تلبيسا للدين في السياسة. فتصبح المؤسسة الدينية اهلية، الناس يتعاملون معها كمؤسسة اهلية بدون خوف منها وبدون طمع فيها.
 في ظل كل هذا الحديث ونحن في حديث الخليج، اين نحن في الخليج من كل هذه الظواهر بأمانة وبحياد قدر ماتستطيع: هل دول الخليج في منأى عن هذه الظاهرة؟
 لا لسنا في منأى. وقد تأثرنا بشكل عميق جدا. واظن ان بعضنا في الطريق، لكننا نحتاج الى معالجة بعض الاشكالات التي قد تتفجر في ظل هذا الحدث او غيره.  نحتاج الى تكوين كتلة اصلاحيه على المستوى الخليجي، كتلة تدعو الى اعتماد مبادئ الحريه وحقوق الانسان ، نبذ الفئويه والطائفيه والمناطقيه ، وتفضيل الناس بناء على سماتهم الموروثه، كتلة تدعو الى تغيير سلمي لتلافي احتمالات الانزلاق الى العنف ، وهذا محتمل في بعض المناطق. انا ادعو حقيقة الى تشكيل كتلة اصلاحيه خليجية تتعاون مع الحكومات ، تتعاون مع النخب ، ومع رجال الدين ومع قطاع الاعمال ، تتعاون مع الشباب ، من اجل تفصيح وتوضيح طريق مناسب للاصلاح التدريجي الذي سنضطر اليه والا سنواجه الكارثه.
 لننقل الموضوع من الخليج بشكل عام الى السعودية بشكل خاص كونك جاي من السعودية؟
 اعتقد ان هذا ينطبق على المملكة، المملكة مضطرة الى اصلاحات سياسية كبيرة جدا ومؤلمة ايضا، مضطرة الى ذلك لانها تضر بمصالح الكثير من النخبة الحاكمة، وكثير من النخبة النافذة ايضا وقد تضر بمصالح قطاع من الجمهور. يجب ان نقدم على اصلاحات عميقة والا قد نواجه انهيار شاملا وهذا مالا نريد الوصول اليه.

مقالات ذات علاقة

المساواة بين الخلق ... المساواة في ماذا ؟

هذا المقال موجه لأولئك الذين يعارضون المساواة بين المواطنين ، والمساواة بين الرجال والنساء. وهو يستهدف توضيح موضوع النقاش وتفصيح اسئلته. ...