التراث العربي مليء بالحديث عن العدالة. لكن مفهومها القديم يختلف قليلا عن نظيره السائد في عالم اليوم. يتلخص مفهوم العدالة التراثي في امرين: عدالة القاضي في اصدار الاحكام ، وعدالة الحاكم في المساواة بين افراد الرعية. والحق ان الرسالة الضمنية في كل من هذين المسارين ، تمثل جوهر فكرة العدالة ، أي سيادة القانون والمساواة.
لم يعد العالم بسيطا كما كان الحال في الماضي. لا القاضي
يصدر حكمه بناء على كلام الخصمين ، ولا رئيس البلد يديرها من ديوانه ، كما يقولون
، بل بواسطة جهاز الدولة الذي تعاظم حجمه وتضخم ، حتى اصبح اكبر منظمة منفردة في
أي بلد. بعبارة أخرى ، فان كلا الجهازين
، القضاء والحكم ، ما عادا قائمين بشخص
القاضي او الحاكم ، بل يعتمدان على منظومة القضاء ومنظومة الدولة بأسرها. ومن هنا
فان سلامة النظام القانوني وطريقة ممارسة السلطة او تنفيذ السياسات والاحكام ، هي
محور مفهوم العدالة في العصر الحديث ، وليس شخص القاضي او الحاكم. ويطلق على هذا
عنوان عام هو "العدالة الإجرائية" ويعنى به توافق الإجراءات الإدارية مع
معايير العدالة.
هذا يثير – بطبيعة الحال – سؤالا مشروعا عن مفهوم العدالة
المقصود هنا. السؤال ضروري ، لأن العدالة قد تفهم على أنحاء مختلفة عند الفلاسفة
وعند عامة الناس. وقد أشرت في مقال الأسبوع
الماضي الى "العدالة التوزيعية" باعتبارها جوهر عمل الدولة وغايتها
الكبرى. وسوف اشرح بايجاز المقصود بهذا العنوان. لكن قبل ذلك يهمني الإشارة الى 3
عوامل ، في غاية الأهمية عند النقاش في موضوع العدالة ، ولاسيما في الاطار السياسي
والاجتماعي:
العامل الأول هو ان
القيام بالعدل في المعنى المتعارف اليوم ، مشروط بوجود نظام اجتماعي متوازن ، ونظام
اداري قادر على تنفيذ التزاماته ، اي "مجتمع
حسن التنظيم" حسب تسمية جون رولز.
العامل الثاني هو توفر
مستوى معقول من مصادر العيش ، يكفي جميع السكان.
اما العامل الثالث فهو السلام الاجتماعي ، بمعنى كون
الوضع في البلاد طبيعيا ، من سيادة القانون ، الى عدم كون البلاد في حالة غزو
خارجي او حرب أهلية ، او كارثة طبيعية او مجاعة او انهيار اقتصادي. فحين يكون
الوضع متدهورا ، لأي سبب من هذه الأسباب ، فان إقامة العدل ستكون على المحك ولن
تكتمل ابدا.
حين تتوفر هذه العوامل (وهي متوفرة فعلا في معظم البلدان)
يمكن إقامة العدل ، بمعنى وضع القوانين واللوائح والسياسات التي تحول النظام العام
الى نظام عادل.
قلت ان مفهوم العدالة ليس واحدا عند جميع الناس. لكن كافة
المفاهيم دون استثناء تنطلق من قاعدة المساواة بين الناس ، ثم تزيد شيئا أو تنقص شيئا
، كي تلبي مطالب موازية ذات قيمة ، او تحقق قيما في نفس المستوى ، مثل قيمة
التكافل ، التي تعني مساعدة الشرائح العاجزة عن تدبير نفسها ، ولو بزيادة حصتها عما
يحصل عليه الآخرون ، كما نفعل حين يمرض أحدنا ، فيحصل على علاج مكلف جدا ، لا يحصل
عليه الأصحاء ، ومع ذلك لا يعارضون هذا التمييز.
كذلك الحال بالنسبة للأطفال ، الذين ننفق عليهم اكثر مما ننفق على البالغين
الذين يعملون وينفعون البلاد فعلا. لأننا نعلم ان استمرار الحياة في المجتمع ، رهن
بمنح الأطفال معاملة تمييزية ، حتى يشتد عودهم فينفقون على غيرهم ، كما فعلنا معهم.
تنطلق العدالة اذن من قاعدة المساواة ، وهي تعديل عليها
وليست بديلا عنها.
- حسنا ما الذي نتساوى فيه؟. الجواب: هو توزيع الإمكانات
المادية (الثروة) وفتح الباب للجميع للوصول الى الوظائف والمعلومات والمكانة
الاجتماعية. هذا لا يعني توزيع المال على الناس ، بل جعل النظام الاجتماعي
والاقتصادي مفتوحا ومولدا للفرص. هذه هي العتبة التي يعبرها جميع الناس ، ثم
يجتهدون ويتنافسون ، فينال بعضهم كثيرا وينال غيرهم قليلا. وهذا هو التحقق المنطقي
لمفهوم العدالة التوزيعية.
الشرق الأوسط الخميس - 09 رَمضان 1447 هـ - 26 فبراير 2026 م
https://aawsat.com/node/5244927
مقالات ذات
علاقة
تمكين المجتمع .. الخطوة الاولى
"شراكة التراب" كتطبيق لمبدأ العدالة الاجتماعية
عدالة ارسطو التي ربما نستحقها
العدالة الاجتماعية كهدف للتنمية
العدالة الاجتماعية وتساوي الفرص
العدالة كوصف للنظام السياسي
الغول
الليبرالية في نسخة جديدة: رؤية جون رولز
معالجة الفقر على الطريقة الصينية
مفهوم العدالة الاجتماعية
من دولة الغلبة الى مجتمع المواطنة: مقاربة دينية لمبدأ العقد الاجتماعي
ما الذي تريد حقا..
الحرية ام رغيف العيش؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق