‏إظهار الرسائل ذات التسميات صمويل هنتيجتون. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات صمويل هنتيجتون. إظهار كافة الرسائل

16/08/2008

شبكة الحماية الاجتماعية


أضم صوتي إلى صوت الاستاذة أمل زاهد التي طالبت بتفعيل مؤسسات المجتمع المدني في معالجة المشكلة المستفحلة التي يطلق عليها الآن “العنف الأسري” (الوطن 13-1). كما أدعو مجلس الشورى الى درس المسألة ضمن نطاق أوسع يشابه ما يعرف في دول أخرى بشبكة الحماية الاجتماعية؛ “شبكة الحماية الاجتماعية” هي إطار قانوني ومنظومة مؤسسات للتكافل تشترك فيها الدولة والمجتمع، وغرضها المحدد هو توفير العون المؤقت او الدائم لأولئك الناس الذين يحتاجون للمساندة حتى يقفوا على أقدامهم.
نعرف أن الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان تسعى لإقناع الحكومة بوضع إطار قانوني لحماية شريحة من هؤلاء، وهم النساء والاطفال، الذين يتعرضون لعدوان الاهل او افتقاد العائل، وهو جهد طيب ومشكور يعالج جانبًا من مشكلة تتسع بالتدريج.
يؤدي تسارع الحراك الاجتماعي إلى اهتراء أو تمزق منظومات العلاقة الاجتماعية والقيم الضابطة للسلوك، كما يؤدي إلى تغير الاهتمامات والهموم، وبالتالي المشاعر والانفعالات ونوعية ردود الفعل الشخصي على المؤثرات الخارجية في البيئة المحيطة بالفرد. يتسارع الحراك الاجتماعي أو تتغير اتجاهاته بسبب زيادة النشاط الاقتصادي أو تغير الثقافة أو ظهور أزمات مفاجئة. حدث هذا التطور في كل المجتمعات التي مرَّت بتجارب من هذا النوع، لهذا فقد أصبحت تلك المعادلة بمثابة قانون من قوانين التنمية الاقتصادية والاجتماعية. وأشير ألى أن المفكر الأمريكي صمويل هنتينجتون كان من أبرز المساهمين في دراسة الآثار الجانبية للنمو الاقتصادي والاجتماعي، رغم أنه ركز على تلك الانعكاسات في الإطار السياسي والبيروقراطية الرسمية. والذي يهمني من رؤية هنتينجتون هو تفسيراته المعمقة للعلاقة بين اهتراء المنظومات الاجتماعية وتبلور البيئة المولدة للتطرف والعنف.
صحيح أن تعبير التطرف أصبح متلازمًا مع التشدد الفكري او السياسي، لكن لو أخذناه كظاهرة سلوكية عامة، أي ما يمكن وصفه بتجاوز الحدود المقبولة في العرف العام، فإن جميع اشكال التشدد السلوكي ترجع الى جذر واحد او ،على الاقل، الى مبررات ودوافع متشابهة، يمكن ان يكون عنوانها جميعا هو (العجز عن التكيف مع الحقائق الاجتماعية الجديدة)، بحسب التفسير الذي اقترحه دافيد ليرنر في كتابه الشهير (غروب المجتمع التقليدي).
بعبارة أخرى، فإن عنف الشباب والعنف الأسري وجميع أشكال السلوك الاخرى التي تنطوي على طغيان أو تجاوز المقبول في العرف، هي جميعا مظاهر لعلة واحدة، تتمثل في اهتراء منظومات وقيم اجتماعية كانت في ما مضى تلعب دور الضابط الطبيعي لسلوك الأفراد.
بناء على هذا التفسير، فإن اقتراح الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان المتضمن وضع تنظيم مؤسسي لاستيعاب ضحايا العنف الاسري، سوف يعالج جانبًا واحدًا من المشكلة، لكن العلاج الكامل يحتاج الى إطار أوسع يبدأ بتحديد طبيعة المشكلة واطرافها جميعا. واريد هنا الإشارة الى أحد الاطراف التي تبدو مغفلة تماما في معالجتنا، واعني بهم الشباب الذين يفشلون في دراستهم، والشباب الذين تودي بهم أقدارهم إلى طرق الانحراف ثم السجن، والشابات اللائي يفتقرن الى العيش الكريم ويتحولن الى ضحايا للغير. والحق ان جميع هؤلاء ضحايا، وان كانوا بدرجة او اخرى شركاء في خياراتهم ومسؤولين عنها.
ثم يأتي دور النساء والابناء الذين ينكرهم اباؤهم. وهم -بحسب متابعات الزميل الاستاذ نجيب الزامل- كثيرون، ولعلهم يتحولون بالتدريج الى مشكلة خطيرة على المستوى الوطني. هؤلاء ايضا اتخذوا خيارات لكنهم تحولوا الى ضحايا.
ليست لديَّ احصاءات يمكن المجادلة دونها، لكن المعلومات المتوفرة، التي لا تخلو احيانا من اضافات انطباعية، تشير الى أن العشرات من الشباب الذين دخلوا السجن لجُنح بسيطة تحولوا الى جُناة محترفين، والفتيات اللائي تعرضن للعدوان، اصبحن أسيرات للمعتدين وربما لغيرهم. دعنا نضيف إليهم ايضا العائلات التي حُرمت من العيش الكريم فتحولت الى بؤر للإحباط والقهر.
نحن بحاجة إذن، الى تفكير منفتح وصريح وموسّع في المشكلة، ليس فقط لأننا شركاء في المسؤولية عن ابناء مجتمعنا، وليس فقط لأن التكافل والتضامن الاجتماعي هو واجب ديني واخلاقي، بل لأننا ايضًا بحاجة الى حماية انفسنا وابنائنا باجتثاث جذور الانحراف وتفكيك خلاياه مهما كان وصفها ومهما كانت طبيعتها. مثل هذا العمل يحتاج الى اطار قانوني يسمح للمجتمع بالمشاركة فيه، كما يضمن الدعم الحكومي للمبادرات الاجتماعية. لهذا فإننا بحاجة الى تفعيل دور مؤسسات المجتمع المدني ودعمها وتشجيعها على تنظيم الجهد الأهلي الذي يمكن أن يكون كبيرا وفاعلا.
عكاظ 16 اغسطس 2008
http://www.okaz.com.sa/okaz/osf/20080116/Con20080116166326.htm

مقالات ذات علاقة

·         تجارة الخوف
·         تجريم الكراهية
·         طريق التقاليد
·         فلان المتشدد

28/02/2007

الخطوة الأولى لمكافحة الفساد.. تيسير القانون وتحكيمه

|| القضاء على الفساد يبدأ بتقليل الحاجة اليه، بتيسير القوانين وجعلها قليلة المؤونة على الناس، ثم تقليل العامل الشخصي في التعاملات الحكومية الى ادنى حد||
 صدور الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد هو الخطوة الاولى لعلاج هذا الداء المستفحل. من المفهوم ان الفساد مثل جميع العلل الاخرى لا ينتهي بمجرد اتخاذ قرارات حازمة. فهو يحتاج ايضا الى بيئة قانونية وثقافية واجتماعية تسد ابوابه وتسمح بتشكيل جبهة واسعة لمقاومته. مع تزايد عولمة الاقتصاد وانفتاح الاسواق الدولية بعضها على بعض، تحول الفساد المالي والاداري الى واحد من الشواغل الحرجة للسياسيين والباحثين ورجال الاعمال، وعقدت لأجله العديد من المؤتمرات .
نتيجة بحث الصور عن bureaucracy وفي الوقت الحاضر ثمة منظمات دولية، حكومية وتجارية، مكرسة لمراقبة حالات الفساد وتقييم الجهود المبذولة في مكافحته على المستويات الوطنية. وفي السياق نفسه فقد اضيف مستوى الفساد الى قائمة المؤشرات التي تقيس كفاءة كل دولة من دول العالم للاستثمار، ولا سيما استقبال الاستثمارات الاجنبية. البلدان المبتلاة بظاهرة فساد متكررة تعتبر اليوم اقل أمانا للاستثمار. الفساد المالي والاداري لا ينتج فقط عن سوء النية او قلة الورع . ثمة اسباب جوهرية تجعل الناس مضطرين في بعض الاحيان الى تجاوز القانون، وتجعلهم في احيان اخرى اقل حرجا واكثر جرأة على العبور فوقه.
من بين تلك الاسباب -على سبيل المثال- عسر القانون او ضيقه. وأذكر ان المفكر الامريكي المعروف صمويل هنتينجتون كتب قبل بضع سنوات مقالة اثارت كثيرا من الاستغراب، واظنها نشرت لاحقا في كتابه «النظام السياسي لمجتمعات متغيرة». يقول الرجل ان الفساد قد يكون الطريق الوحيد للحياة والتقدم حين يتكلّس النظام القانوني ويستحيل اصلاحه.
ويضرب مثالا بالهند في حقبة السبعينات حين كان الحصول على ترخيص لاقامة مشروع تجاري او صناعي يستغرق شهورا وفي بعض الاحيان اعواما، ويحتاج الى مراجعة مئات الموظفين والدوائر. وهي صعوبات اوجدت تجارة جديدة في تلك البلاد هي تجارة الحصول على التراخيص في شهر او شهرين . وهو عمل يقوم به بعض النافذين لقاء رشوة يقتسمونها مع موظفي الادارات الحكومية. ويبدو ان الكثير من المستثمرين كان يفضل دفع الرشوة على الجري وراء العشرات من الدوائر طيلة عام او اكثر .
في مثل هذه الحالة – يقول هنتينجتون – فان السماح بقدر من الفساد مفيد لتسهيل الاعمال. ولو ارادت الدولة ان تتشدد في تطبيق القانون فلن يكون هناك عدد كاف من المشروعات الاستثمارية الجديدة، ولن تكون هناك فرصة لتوليد وظائف جديدة.
قد يبدو هذا الحل سخيفا ومُثيرا للاحباط . لكنه يشير في حقيقة الامر الى واحد من منابع الفساد، اعني به عسر القانون وعدم واقعيته. وقد استدرك العديد من الدول هذه المشكلة بتبسيط الاجراءات القانونية وجعل الاستفادة من القانون مُيسرة لكل مواطن.
واذكر ان بعض البلديات في العاصمة البريطانية بدأت في تطبيق مفهوم جديد يطلقون عليه «one stop shop» وخلاصته حصر مراجعة الجمهور في دائرة واحدة تقوم بكل الاجراءات المطلوبة، فاذا كنت تريد الحصول على رخصة بناء، او كنت تريد دفع رسوم، او استعادة تامين او اغلاق شارع بشكل مؤقت او حتى ترخيصاً لعقد حفلة او اجتماع في حديقة عامة، فان مكتبا واحدا يتكفل بها جميعا.
واضافوا الى ذلك تنشيط المراجعة عن بعد، فانت تستطيع القيام بهذه الاعمال جميعا بواسطة البريد او التلفون او الانترنت. بعبارة اخرى فانهم بصدد الغاء العلاقة الشخصية بين الموظف والمراجع. في الوقت الحاضر هناك العديد من الشركات السعودية تسعى وراء تطبيقات مماثلة . اعرف مثلا ان التقدم للوظائف في شركة ارامكو واتحاد اتصالات وربما غيرهما تتم عن طريق الانترنت حيث يقال ان فرز طالبي الوظائف يجري بصورة آلية، الامر الذي يُقلل دور الوسيط الشخصي الى حد معقول. مثل هذه الاجراءات تتطلب بالضرورة جعل القانون محددا ويسيرا.
ان غموض القانون او عسره يفسح المجال لتدخل الاشخاص، سواء كانوا مديرين او ذوي نفوذ. وتدخل الاشخاص قد يكون مفيدا في بعض الاحيان لكنه على أي حال باب يمكن ان يُستغل في الفساد. ثمة بعد آخر يظهر فيه العامل الشخصي، حين يضع الموظف الاداري نفسه في محل واضع القانون او المشرع، او حين يطبق القوانين والتعليمات بصورة انتقائية. ثمة موظفون يعطون لانفسهم الحق في اصدار تعليمات او فرض عقوبات من دون سند قانوني يسمح بها او من دون ان يكونوا مخولين – قانونيا – باصدارها. قد يكون هذا الموظف مديرا عاما او وكيل وزارة او وزيرا او موظفا بسيطا، لكنه في كل الاحوال لا يملك الحق في وضع القانون او تجاوز القانون.
ومع ان القانون لا يسمح – نظريا على الاقل – بممارسة مثل هذه الاجراءات، الا انها متعارفة ومنتشرة. ثمة من يقف في وجه هؤلاء، لكن اكثرية الناس لا تستطيع تحمل الاذى الذي قد يترتب على مثل هذه الوقفة. نحن بحاجة الى منع هؤلاء الاشخاص من التحكم على هذا النحو، لانه يُضعف قيمة القانون من ناحية ويفتح ابوابا للفساد والاستغلال من ناحية اخرى.
خلاصة القول اذن ان القضاء على الفساد ينبغي ان يبدأ بتقليل الحاجة اليه، وهذا يتحقق بتيسير القوانين وجعلها قليلة المؤونة على الناس، وكذلك جعلها واضحة محددة. اما الخطوة الثانية فهي تقليل العامل الشخصي في التعاملات الحكومية الى اقل حد ممكن . اخيرا فاننا بحاجة الى تشجيع الناس على الوقوف بوجه الموظفين الذين يتجاوزون صلاحياتهم، وحمايتهم من الانتقام اذا اقتضى الامر ذلك.

 


عكاظ- الأربعاء 10/02/1428هـ-   28/ فبراير/2007  العدد : 2082
مقالات ذات علاقة


هل تعرف "تصفير العداد"؟

اشقاؤنا في اليمن هم اكثر العرب استعمالا لعبارة "تصفير العداد". ذلك ان رئيسهم السابق ، المرحوم علي عبد الله صالح (1942-2017) ...