‏إظهار الرسائل ذات التسميات الانسانية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الانسانية. إظهار كافة الرسائل

السبت، 17 يناير 2004

طرائف الجدل حول الاصلاح


ينطوي الجدل الدائر في بلادنا حول فكرة الاصلاح على بعض الامور الطريفة التي تثير الاهتمام. ولا اظن احدا يخالف فكرة الاصلاح ، على الاقل في صورته المجردة ، لكن من جهة اخرى فان الكثير من الناس يعبر عن مخاوف تجاه ما يختفي تحت العنوان العريض او ما يستهدفه بعض الداعين اليه. ويبدو لي ان الارتياب ليس سلوكا استثنائيا ، بل ربما يشكل احدى المسارات الرئيسية للنشاط الذهني عند الانسان العربي ، لا سيما اذا فكر في السياسة.

يرجع بعض المحللين ذهنية الارتياب الى طغيان نظرية المؤامرة التي يتباهي المثقفون بالتبرؤ منها ، رغم ان ملامحها تظهر في  خلفية الكثير من احاديثهم وتحليلاتهم ومواقفهم. هذا التناقض بين انكار نظرية المؤامرة من جهة واعتماد فرضياتها من جهة اخرى هو احد الامور الطريفة التي يكشف عنها الجدل القائم.  وقد استمتعنا خلال الاسبوع المنصرم بعدد من الاحاديث والكتابات التي تحذر من مؤامرات هنا وهناك تشارك فيها قوى محلية ودولية الخ ..

والذي اظن ان هذا السلوك المتناقض لا يرجع الى ايمان بنظرية المؤامرة ، بل الى طغيان الفهم الذرائعي للعالم والناس. الفهم الذرائعي هو ببساطة اعتبار ظاهر الناس غطاء لباطن مختلف ، فاذا تحدث احدهم عن الحاجة الى اصلاح التعليم ، فان الذرائعي لا يهتم كثيرا بمحتوى الفكرة بل بالدوافع التي اوصلت صاحبها اليها . ولهذا فهو يهمل النقاش حول الحاجة الى اصلاح التعليم ومناهج التعليم ، ويركز بحثه على دوافع المطالبين به ، ويكتشف غالبا ان جهة ما في مكان ما من العالم تحبك مخططا لحرماننا من شيء نفيس. لو ناقش الذرائعي نفسه فلربما وجد في هذه الدعوة الكثير من المصداقية ، لكنه لا ينشغل بالموضوع بل بما اوصل اليه. ولسوء الحظ فان هذا البحث لا يؤدي ابدا الى احتمالات متساوية ، فبحث الذرائعي يستهدف منذ البداية التوصل الى اثبات المؤامرة ، وما دام الامر كذلك فان نتيجة البحث الحتمية هي التحقق من بطلان الدعوة وخطورة اثارها.

ورغم ان النتيجة المنطقية – والحتمية - للتفكير الذرائعي هي اكتشاف المؤامرة ، الا انه لا يدل على ان نظرية المؤامرة هي الباعث وراء هذا النوع من التفكير. الباعث في اعتقادي هو ضمور - او ربما انعدام – مفهوم "الفرد العاقل" في ثقافتنا العامة. 

 فكرة "الفرد العاقل" تفترض ببساطة ان الانسان البالغ لا يقدم على عمل الا بعد حساب عقلاني للمكاسب التي سوف يجنيها ، والاضرار التي سوف يتحملها من وراء كل تصرف يقدم عليه. المكاسب والاضرار قد تكون مادية وقد تكون معنوية ، فالفرد الذي يتبرع لعمل خيري لا يحصل في المقابل على مكسب مادي ، بل يحصل على سعادة المشاركة في اسعاد الغير او الانسجام معهم وهو مكسب عقلاني يستحق التضحية . دافع الفرد للتبرع بالمال قد لا يكون صافيا تماما (اي الرغبة الذاتية الخالصة في فعل الخير) فقد يتبرع بتاثير ظرف اجتماعي ، او دعاية ، او ضغط شخص مؤثر ، او رغبة في نيل الاحترام او الحصول على مكسب في المستقبل. لكن على اي حال فان ايا من هذه الدوافع لا يمكن اعتباره ظرفا قاهرا ، فلو لم يحسب الفرد الفوائد والاضرار التي سوف تترتب على فعل التبرع لما اقدم عليه ، ولهذا السبب فنحن نعتبر تصرفه عقلانيا. هذا الاعتبار بعينه يجري في كل تصرف من تصرفات الانسان. قد نوافق على الفعل وقد نخالفه ، لكنه في كل الاحوال عمل قام على حساب عقلاني تترتب عليه مسؤوليات. ولان الامر كذلك فان الفرد يعاتب او يعاقب اذا قام بعمل مخالف للنظام ، والقاعدة في العقاب هي اعتبار الفرد عاقلا ، قادرا على حساب المكاسب والاضرار التي تترتب على فعله ، وبالتالي اقراره بتحمل المسؤولية عن هذا الفعل. فلنفترض ان شخصا ما تبنى رايا او موقفا بعد ان تعرض لتاثير دعاية خارجية ، فهل نعتبر موقفه هذا نتاج حساب عقلاني او نتاج تغرير ؟  اذا كان الجواب هو الثاني فان من الظلم اعتباره مسؤولا عن عمله .

والحقيقة هي ان الفرد لا يتخذ موقفا الا بعد حساب للمكاسب والاضرار. لكن الذرائعيين لا يقرون بعقلانية الفرد ، ولهذا فانهم لا يهتمون كثيرا بالاراء التي يحملها والمواقف التي يتبناها ، فهي عندهم ليست نتاج حساب عقلاني ، بل نتيجة خديعة او تغرير او قلة فهم ، الخ .. ولهذا يشيع عندهم  وصف الناس بانهم مضللون او مغرر بهم او مخدوعون او متأثرون بالغرب ، وما الى ذلك من الاوصاف التي تستهدف التقليل من قيمة صاحب الراي او الفعل باعتباره مجرد العوبة في يد لاعب يختفي وراء الستار. وبنفس المنطق فانهم لا يحترمون الراي او الفعل باعتباره مجرد واجهة خادعة لباطن مختلف.

الذرائعي لا يفهم راي الاخرين وافعالهم باعتبارها مواقف محسوبة وتجسيدات قطعية لثقافتهم وقناعاتهم وحساباتهم ، بل باعتبارها ذرائع تستهدف غايات اخرى ، وهو ينصب نفسه محققا يبحث عما في قلوب الناس وعما ليس في قلوبهم ، عما تخيلوه وما لم يتخيلوه ، حتى يصل الى اثبات ما قرر منذ البداية انه الحقيقة.

عكاظ  17 يناير 2004   العدد 944

المساواة: اشكالات المفهوم واحتمالاته

بقلم ايزايا برلين (*) ترجمة د.   توفيق السيف ربما ترغب أيضا في قراءة: برنارد وليامز:    فكرة المساواة   ديفيد ميلر:  ا لمساو...