‏إظهار الرسائل ذات التسميات محمد الرميحي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات محمد الرميحي. إظهار كافة الرسائل

06/08/2026

الوجه الآخر للكارثة

 ذكرى الاجتياح العراقي للكويت التي حلت هذا الأسبوع ، أثارت في نفوس العديد من أهل الرأي ، شعورا بالحاجة لاستعادة الدروس التي كان ينبغي استخلاصها من تلك الكارثة. لقد انقضى 36 عاما على هذا الحادث ، لكن ذكراه هذا العام تأتي مختلفة بعض الشيء ، فهي تجري في أجواء حرب ، طال شرارها معظم الدول التي تضررت – مباشرة او غير مباشرة – من الحرب الأولى.

حرائق آبار البترول الكويتي خلال الاجتياح

احتمل ان مرور زمن طويل نسبيا على أي حدث ، ينسي الناس تبعاته. كما ان شريحة واسعة من الجمهور النشط حاليا ، أي جمهور الشباب ، لم يعاصره ، ولذا فقد تكون ذكرياته منقولة وليست تجربة فعلية. مع هذا فالمؤكد اننا لا نستغني عن التوقف بين حين وآخر ، كي نسأل أنفسنا: هل أخذنا ما يكفي من  الدروس؟.

الدكتور محمد الرميحي والأستاذ عبد الرحمن الراشد ، تحدثا صراحة او ضمنيا عن حاجة لمراجعة ما فعلناه بعد الاجتياح. لا أشعر بالقلق من احتمال أن تتكرر تلك الكارثة. لقد تغير العالم على نحو يجعل احتمالا كهذا مستبعدا جدا. مع ذلك فعلينا ان نعمل بجد ، لجعل هذا الاحتمال ممتنعا ، وأن نستثمره كدافع لتعزيز البناء الداخلي لمجتمعاتنا ، كي نعالج أمراضنا الأخرى. الحروب والكوارث ، مثل الانتصارات الكبرى والنجاحات الاستثنائية ، يمكن ان تتحول الى محركات للنهوض العلمي والاقتصادي ، إذا استثمرت في هذا الاتجاه.

لقد بات أمرا مسلما ان الحرب التي يكرهها الجميع ويخشاها الجميع ، يمكن ان تكون محركا فعالا لاختراقات تكنولوجية. ويذكر جوناثان ستريكلاند ، وهو كاتب متابع لتطور التقنية ، عشرات من الاختراقات العلمية الكبرى التي ترجع في المقام الأول لضغط الحاجة العسكرية ، لا سيما في حقبة الحرب الباردة (1944-1990) ثم تحولت للاستعمال المدني. نعرف مثلا ان الطائرات النفاثة طورت أولا كأدوات قتال ، ومثلها نظام تحديد المواقع الجغرافية GPS وأنظمة الاتصالات اللاسلكية كالهاتف الجوال ، وكذا الانترنت والأجهزة الموجهة عن بعد كالروبوت والطائرات المسيرة والسيارات ذاتية القيادة ، وتقنيات الليزر وطب الطوارئ ، والذكاء الصناعي وتقنيات المعادن الفائقة ، والأغذية العالية التركيز ، والمئات من التطبيقات التي نعتمد عليها في حياتنا اليوم. ولعل بعض القراء يعلمون ان أوكرانيا طورت خلال حربها الراهنة مع روسيا ، نظاما فعالا لمقاومة الطائرات المسيرة ، فضلا عن أنواع من المسيرات الحربية التي لم تعرفها قبل ذلك. لاحقا ، بعد انتهاء الحرب ستتحول هذه المنظومات للتطبيقات المدنية ، او تكون قاطرة لصناعات تقنية جديدة.

حسنا.. لا نحتاج لخوض الحروب كي نتطور. كما ان قيامها يأتي بمشكلات كثيرة. لكن ما ادعو إليه هو استثمار الفرصة. واظنها قائمة ، بالنظر للتوتر في الجوار الإقليمي. الامر ببساطة على النحو التالي: نفترض ان حريقا شب في دكانك. فقد تصرف عمرك في الركض وراء شركة التأمين لتعويضك ، أو ربما تفكر في عدد المحلات التي يمكن ان تحترق ، وما إذا كانت تهديك فرصة لتجارة المواد المقاومة للحريق ، او معدات الإطفاء والتدريب على السلامة ، أو ربما تطوير معدات وأجهزة لتقليل آثار الحريق. هذه كلها فرص ظهرت من العدم ، لأن أزمة صغيرة قد اندلعت ، وهي حريق الدكان.

ليس لدي أفكار جاهزة. لكنني أدعو لاستثمار أجواء الحرب الحالية في دعوة الناس للتفكير. ان طرح المسألة للنقاش العام ، سوف يحرك أذهان الكثير من الشباب لابتكار أشياء جديدة. ولعل بعضهم لديه شيء ما ، لكنه لم يجد الفضاء المناسب لطرحه على المعنيين.

أرى شبابنا من طلاب المدارس الثانوية والجامعات ، يشاركون بحماس في المنافسات العلمية الدولية ، ويحصلون على جوائز. فماذا لو فكرنا في منافسة على المستوى الوطني او الإقليمي ، ليس لنيل جائزة ، بل للمساهمة في تطوير العلم والتقنية ، والاسهام في النهضة الكبرى التي تطمح اليها مجتمعاتنا كلها. الجائزة لن تكون كأسا من الكريستال ، بل دخولا الى دائرة أصحاب الملايين ، من رواد الاعمال وصناع النهضة. فهل سنرى مبادرة كهذه؟.

الشرق الأوسط الخميس - 22 صفَر 1448 هـ - 6 أغسطس 2026 م   https://aawsat.com/node/5303913

مقالات ذات صلة

لا تقتلوا أفكاركم الجديدة
درس الكارثة: نظام عربي للاستحابة العاجلة
مخيم اليرموك
مسارات للتفكير في تحولات العالم بعد الوباء
"الفرج بعد الشدة"

 

 

15/12/2024

اطلالة على عالم د. محمد الرميحي

تعرفت على الدكتور محمد الرميحي حوالي العام 1977 من خلال ترجمته لكتاب فريد هاليدي "المجتمع والسياسة في الجزيرة العربية". ثم في سنوات تالية قرأت العديد من كتبه ومقالاته. وبدا لي أنه أكثر علماء السياسة المعاصرين إحاطة بقضايا الخليج العربي. اني لا أعرف شخصا آخر تمحض لهذا العمل طوال نصف قرن ، وعالجه من زوايا مختلفة ، باخلاص وتمعن قل نظيره.

ينتمي د. الرميحي الى شريحة من الاكاديميين الذين حافظوا على التوازن الصعب بين الالتزام العلمي/الاكاديمي ومتطلبات الحديث في المنابر العامة ، لا سيما الصحافة اليومية. هذا ليس بالأمر اليسير في الظروف السياسية والاجتماعية التي نعرفها. فالذين ارادوا الالتزام بالمعايير العلمية للكتابة ، لم يحصلوا على مستمع او قاريء ، فنحن نعيش في زمن سريع جدا ، لا يرغب أهله في المطولات ولا يحتملون التركيز على نصوص عسيرة.

لكن الكتابة "الأخف وزنا" تضعك امام مشكلتين أخريين: رقابة الرقباء والتفريط في معايير العلم. والرقباء ليسوا واحدا ، فثمة رقابة رسمية وثمة رقابة شعبية ، وثمة فيما بينهما رقابة المنافسين والناشطين في المجتمع او في السياسة. هذه الرقابة قد تدفع الكاتب رغما عن انفه ، نحو كتابة لا تشير الى أحد فلا تزعج احدا ، كتابة رمادية لا تقول شيئا وان ملأت الصفحات.

من السهل ان تعلق الثياب الممزقة على مشاجب الاخرين وتمشي خفيفا. هكذا فعل العديد من الكتاب: رموا مشكلات بلدانهم على مشجب التدخل الأجنبي او الظروف الدولية ، او حتى المؤامرات المتعددة الأطراف ، وارتاحوا. اما المفكرين الذين على شاكلة الرميحي ، فقد وضعوا اصبعهم على الجرح من دون مداورة. في تقديمه لكتاب "اولويات العرب.. قراءة في المعكوس" ، يقول ان: "الركود السياسي في بلادنا يؤدي الى عدم الاستقرار الداخلي ، وتظهر آثاره في أعمال الارهاب من جانب ، او الهجرة المتدفقة الى الغرب من جانب آخر". ومن علامات هذا الركود ، ان العرب اعتادوا تجنب النقاش في مشكلاتهم الواقعية ، مع انهم يناقشون مشكلات العالم كله. يقول الرميحي ان البيئة السياسية العربية متأزمة. لكن بؤرة التأزم ليست قضايا يمكن للمجتمع ان يشارك في حلها ، أو انها في الأساس ليست جوهرية. العرب مشغولون بالجدل حول من يتولى رئاسة الولايات المتحدة الامريكية ، أكثر من اهتمامهم بسيادة القانون في بلادهم ، على سبيل المثال ، وهم مشغولون بتحولات القضية الفلسطينية ، اكثر من انشغالهم بالمساواة والتنمية في مجتمعاتهم. ولهذا فهم متشبعون بالسياسة ، لكنهم بعيدون جدا عنها.

من الاسئلة التي شغلت جانبا كبيرا من اهتمام د. محمد الرميحي ، سؤال النهضة والتخلف ، ولا سيما حصة المجتمع العربي من المسؤولية ، اي: ما الذي يجعل المواطن العربي هامشيا ، لا دور له ولا فاعلية ولا تأثير في حركة السياسة ، على المستوى المحلي والخارجي؟.

يعتقد الرميحي ان النظام السياسي يتحمل جانبا من اللوم. لكن الثقافة الموروثة تتحمل الجانب الاعظم منه. عقولنا مثقلة بالأوهام حتى لا نكاد نرى الواقع الذي أمامنا. كان الاجتياح العراقي للكويت من الصدمات البليغة. ويحز في النفس ان الذين قاموا بالاجتياح والذين أيدوه كانوا من دعاة الوحدة العربية. فاذا كنا عاجزين عن اقامة هدنة فيما بيننا ، اي وقف اطلاق النار ، فكيف نتحدث عن الوحدة؟. لماذا لا نناقش الاسباب التي تجعلنا عاجزين عن التسالم ، ثم عن التعاون ، حتى نصل الى مرحلة النقاش في الوحدة. لكن الرميحي يعتقد ، كما في كتابه المثير "سقوط الأوهام .. العروبة بعد غز العراق للكويت" ان ثقافتنا هي مصدر العجز ، أو هي احد المصادر المؤثرة ، على أقل التقادير "لدينا ذاكرة عربية مثقلة بكل مرارات الماضي وثارات التاريخ ، محتشدة بأسباب العصبيات والطائفيات والنزعات العرقية والدينية ، وكلما وقفنا على أبواب المستقبل ، ردتنا هذه الذاكرة الى الخلف – سقوط الاوهام 254".

لو سألت الرميحي : ما الذي علينا ان نفعل؟

لأجابك بأن المهمات كثيرة ، لأن جوانب التقصير عديدة متنوعة. لكن دعنا نبدأ من مسارين: مسار يؤسس واقعا كريما ، ومسار يؤسس مستقبلا منيرا. أما الاول فيتجلى في ضمان الحريات العامة وتوسيع مشاركة الجمهور في الشأن العام (مجلس التعاون العربي ص 46) وأما الثاني فمحوره تصحيح الثقافة ، من خلال التعليم وبقية المنابر المؤثرة. ثقافتنا الراهنة مصابة بخلط مضر بين ثلاثة مفاهيم ، هي الهوية والمعرفة والثقافة. وثمة من يتوهم ان الانفتاح على معارف الانسان خارج حدودنا ، سوف يجرح الهوية او يزاحمها. كما ان هناك من يعتقد انه قادر على تحجيم التحولات الثقافية التي يعرفها عالم اليوم ، وحشرها في قوالب يتوهم انها حدود الهوية. لكن الواقع ان ما يفعله مجرد انفصال عن عالم اليوم ، انفصال يتعاظم حتى يصبح جزءا من التاريخ. نحن بحاجة الى تصحيح ثقافتنا ، كي نستطيع فهم العالم بصورة صحيحة.

الجزيرة. الأحد 15 ديسمبر 2024    https://www.al-jazirah.com/2024/20241215/ca11.htm

مقالات ذات علاقة

اصلحوا دنيانا ودعوا لنا الآخرة

إعادة إنتاج التخلف

انهيار الاجماع القديم

بقية من ظلال الماضين

تفاح الرميحي وتفاح سعد الدين

التفكير الامني في قضايا الوحدة الوطنية

الحداثة التي لا نراها

عالمنا القائم على تاريخ مكذوب

في ان الخلاف هو الاصل وان الوحدة استثناء

كيف تعمل الثقافة الكسولة

للخروج من حالة الاحتباس

مغامرات العقل وتحرر الانسان - كلمة في تكريم الاستاذ ابراهيم البليهي

 

 

30/05/2024

اصلحوا دنيانا ودعوا لنا الآخرة


في خطاب الى وزراء الاعلام العرب ، حدد الدكتور محمد الرميحي اربع مهمات ، ينبغي انجازها للنهوض بقطاع الاعلام. استطيع اختصار  هذه المهمات في: اعتماد استراتيجية واضحة متناسبة مع الرؤية المستقبلية للبلد ، التدريب العلمي والفني الذي يلبي التحديات الجديدة في قطاع الصحافة ، المحافظة على المصداقية وتجنب المعلومات المشكوكة او الكاذبة ، واخيرا اعتماد مبدأ حرية التعبير وتدفق المعلومات ، التي تجعل الاعلام مرآة للحياة الواقعية ومعبرا عن جميع المشارب والتوجهات الاجتماعية. (جريدة النهار 28 مايو 2024 ).

لا أظن احدا يجادل في اهمية النقاط الاربع ، وهي – بالتأكيد - اكثر اهمية للنشاطات ذات الطبيعة الثقافية ، كقطاعي الاعلام والتعليم. لكن ربما يجادل بعض الناس في تطبيقات الفكرة على واقعنا القائم. قد يرون مثلا ان لدينا سياسة اعلامية تحدد الاهداف الكبرى ، وهي استراتيجية مناسبة لظروف مجتمعنا وحاجاته. او قد يخشون ان توسيع حرية التعبير طريق الى الفوضى. واعتاد القائلون بهذا الرأي على ضرب المثل بما شهده لبنان من حريات صحفية واسعة ، يزعمون انها قادت الى الحرب الاهلية (لانهم لا يعرفون مثالا آخر). اما نقطة المعلومات الكاذبة او المنقوصة ، فالحق معهم ، فما دمت لا تسمح الا بالقليل من المعلومات ، فلابد ان الكذب فيه قليل جدا.

هذه اذن نقاط لا يعارضها احد من حيث المبدأ ، وان جادلوا في تطبيقاتها. والمجادلة الفرعية تؤكد الفكرة اكثر من دلالتها على المعارضة.

حسنا ، ماذا يعني ان تكون لدينا استراتيجية اعلامية؟

كان الرميحي قد أشار الى ممارسات للاعلام تتعارض مع التصور العام للدولة الحديثة. منها مثلا ترويج الثقافة الاسطورية وربما الخرافية ، من خلال اشخاص او برامج ترتدي لباس التوجيه والارشاد ، وهذا يتعارض مع تشديد الحكومة على تعزيز العقلانية واعتماد العلم في الحياة العامة والخاصة. كيف ندعو في مدارسنا للنقاش النقدي والعقل الناقد ، بينما يروج اعلامنا لمن يقول صراحة انه لا يصح الرجوع لاحكام العقل في هذا الحقل الحياتي او ذاك. وفي الوقت نفسه لا يفسح المجال للرد على تلك الاقاويل ، لأننا سلمنا بأن تلك الاشياء اللاعقلانية تنطوي على شيئ من القداسة.

واريد الانطلاق من هذه الفكرة ، اي ضرورة عدم التناقض في الخطاب الرسمي في المضمون وفي الصورة ، لوضع السؤال التالي:

هل ينبغي للدولة ان تتبنى خطابا ثقافيا او ايديولوجيا خاصا ، ثم تستعمل الاملاك العامة (الاعلام وجهاز التعليم مثلا) في الترويج لذلك الخطاب؟.

يبدو لي ان جواب السؤال هو احد نقاط التباين الكبرى بين الشرق والغرب. فالنخب الشرقية عموما تقول انه يحق للدولة ان تتبنى خطابا ايديولوجيا او ثقافيا ، وتدعو الناس الى اتباعه. بينما يذهب الرأي السائد في الغرب الى ان تبني اي خطاب ايديولوجي يؤدي – بالضرورة – الى اقصاء كل رأي مختلف او مخالف للخطاب الرسمي. وهم يقولون – على سبيل التمثيل فحسب – ان الدولة مسؤولة عن دنيا الناس. اما الاخرة فهي مسؤوليتهم الشخصية ، او في ادنى التقادير مسؤولية جهات اخرى لا تملك مصادر القوة الجبرية ، مثل الكنيسة والهيئات الدينية التي يقيمها الاهالي.

انني ممن يذهب الى هذا الرأي فيما يخص الدين ، اذ لا ارى مصلحة للدين او للدولة في فرض دينها على الناس.  لكني – بموازة هذا – اعتقد بعمق ان على الدولة واجبا حيويا ومحوريا ، هو تجديد وتعزيز الاجماع الوطني ، والدفاع عن الهوية الوطنية التي تجمع في ظلها الهويات الصغرى ، في مواجهة الساعين لهيمنة الهويات الصغرى على المشهد العام او المجتمع الوطني. ان اقوى وسيلة لتحقيق هاتين المهمتين هما الاعلام والتعليم. في ظني انه يتوجب على اصحاب المعالي وزراء الاعلام والتعليم العرب ، ان يضعوا امامهم في كل صباح سؤالا يوجهونه الى العاملين في هذين القطاعين: ما الذي فعلتم لتعزيز الاجماع الوطني والوحدة الوطنية الجامعة؟.

الخميس - 23 ذو القِعدة 1445 هـ - 30 مايو 2024 م  https://aawsat.news/bn6yz  

 مقالات ذات علاقة

انهيار الاجماع القديم

التفكير الامني في قضايا الوحدة الوطنية

دولة الاكثرية وهوية الاقلية

شراكة التراب" كتطبيق لمبدأ العدالة الاجتماعية

شراكة التراب وجدل المذاهب

الشراكة في الوطن كارضية لحقوق المواطن

من دولة الغلبة الى مجتمع المواطنة: مقاربة دينية لمبدأ العقد الاجتماعي

 من التوحيد القسري الى التنوع في اطار الوحدة

وطن الكتب القديمة

الوطن ، الهوية الوطنية ، والمواطنة: تفصيح للاشكاليات

الوطن شراكة في المغانم والمغارم

طريق الاقلية في دولة الاكثرية

حول الاجماع الوطني

الخلاص من الطائفية السياسية: إعادة بناء الهوية الوطنية الجامعة

 

22/02/2024

تفاح الرميحي وتفاح سعد الدين


ابدأ من حيث انتهى استاذنا الدكتور محمد الرميحي ، حين قال بانه "لا يمكن الاحتفاظ بالتفاحة وأكلها في الوقت نفسه". وقد سألت نفسي وأنا اقرأ مقاله البديع  (البيان 19 فبراير) : هل هناك حقا من يريد الاحتفاظ بأي شيء واكله في نفس الوقت. والحق ان المسألة لم تخطر على بالي ولا تخيلتها ، قبل هذا اليوم.

د. محمد الرميحي
 لكن الرميحي يعتقد ان الذين يريدون الانضمام الى قطار الحداثة ، ويريدون – في الوقت نفسه - الاحتفاظ بهوياتهم القديمة ، هم من هذا النوع. والسبب واضح: التقاليد والحداثة ليسا مجرد أوصاف نطلقها على نمط المعيشة ، ولا هي وظائف نضيفها على هذا النمط او ذاك ، كي يعمل بطريقة محددة. بل هي انساق متعارضة ، او "باراديم" بحسب التعريف الذي اقترحه المفكر الامريكي المعاصر توماس كون. البارادايم نمط من العيش متفرد ، اذا وجد في مكان فهو يزاحم اي نمط آخر ، حتى يلغيه او يتلاشى أمامه ، فكأنه يحتذي سيرة الشاعر الشهير ابي فراس الحمداني:

ونحن أناس لا توسط عندنا ..... لنا الصدر دون العالمين أو القبر.

بحسب التصوير السابق ، فان الحداثة ليست مجرد تنويع على نمط معيشة قائم ، ولا هي منظومة وظائف اكثر تطورا ، تضيفها على النمط القديم ، مثلما تغير بطارية السيارة مثلا او عجلاتها او حتى محركها ، بأخرى احدث وافضل أداء. ان وجود الحداثة  يعني – بالضرورة – زوال التقاليد. لا يمكنك رؤية العناصر التي تشكل نمط العيش الحديث ، إلا اذا زالت نظائرها التقليدية. انه كرسي واحد ، يحتله واحد من النمطين ، اما التقليد او الحداثة.

لكن ما علاقة هذا التعارض بأكل التفاح أو الاحتفاظ به؟

يقول الرميحي ان شريحة واسعة من قومنا تريد الحداثة ، لكنها في الوقت نفسه خائفة من هجر التقاليد. فهم مقتنعون تماما بضرورة الانتقال الى الحداثة ، بل ان كثيرا منهم يعيشون في ظلها ، بل ربما شاركوا في بناء أركانها ، لكنهم – في موازاة ذلك – يشعرون بالقلق من احتمال خسارتهم لما اعتادوه في عصر التقاليد. ولهذا فان مشاركتهم في الحياة الحديثة أقرب الى ان تكون وظيفية براغماتية ، بينما تبقى نفوسهم مغروسة في بستان التقاليد ، لا تستطيع مغادرته.

يمكن للانسان ان يعيش على هذا النحو عمره كله: يمارس قناعاته التقليدية الخالصة في وقته الشخصي ، بينما يلتزم بمتطلبات العيش الحديث في وقت الدراسة او العمل. وكان المرحوم د. سعد الدين ابراهيم قد لاحظ منذ وقت مبكر ان الرغبة في الحفاظ على ما يعتقد الناس انه مظهر ديني قد تحول الى نوع من الحياة المزدوجة: نسق حداثي في الصباح (وقت العمل) ونسق تقليدي في المساء (الوقت الاجتماعي). لا نتحدث هنا عن اللباس او السلوكيات التي لها طابع شكلي تظاهري ، بل تلك التي تنم عن قناعات عميقة في نفس الانسان ، قناعة بقيم الحداثة او التقاليد. وقد لاحظ د. سعد الدين محاولات حثيثة من جانب الطبقات الوسطى الحديثة ، لانشاء نوع من تبادل ادوار  بين النسقين ، بحيث يحافظ الناس على الاطمئنان الذي توفره الاعراف والتقاليد الموروثة ، لكنهم في الوقت نفسه يتخلون عن مصادر الانتاج واساليب العيش المرتبطة بتلك الاعراف.

وأشار الدكتور الرميحي في مقاله آنف الذكر ، الى ان كثيرا من العرب يستشهدون بقول من قال ان الصين واليابان حافظتا على تقاليدهما الثقافية والاجتماعية ، في الوقت الذي ذهبا بعيدا في تحديث المجتمع والاقتصاد ، أي انهما – خلافا لرأي الرميحي – اكلا التفاحة واحتفظا بها في الوقت نفسه. لكنه يؤكد ان هذا القول ليس سوى محاولة لتبرير الوقوف عند اطلال الماضي. فيابان اليوم مثل صين اليوم ، تختلف عن ماضيها اختلاف الليل عن النهار.

المزاوجة بين التقاليد والحداثة مستحيلة في رأي الرميحي ، وهي محاولة عبثية في رأي د. سعد الدين ، وهذا رأيي ايضا.

الشرق الاوسط الخميس - 12 شَعبان 1445 هـ - 22 فبراير 2024 م https://aawsat.com/node/4869831  

مقالات ذات علاقة

"اخبرني من اثق به..."

إعادة إنتاج التخلف

انهيار الاجماع القديم

بقية من ظلال الماضين

بماذا ننصح أينشتاين؟

تأملات في حدود الديني والعرفي/العلماني

حجاب الغفلة ، ليس حجاب الجهل

الحداثة تجديد الحياة

حول الخمول والثبات على الاصول

الشيخ القرني في باريس

في ان الخلاف هو الاصل وان الوحدة استثناء

القيم الثابتة وتصنيع القيم

المحافظة على التقاليد .. اي تقاليد ؟

مغامرات العقل وتحرر الانسان - كلمة في تكريم الاستاذ ابراهيم البليهي

من الحجاب الى "العباية" 

من العقل الجمعي الى الجهل الجمعي

05/10/2023

أزمة هوية؟


كرس د. محمدالرميحي مقالته المنشورة بهذه الصحيفة ، يوم السبت الماضي ، للتعليق على جدل عنيف ، نتج عن موقفه من دعوة بعض البرلمانيين لالغاء الفصول المختلطة في التعليم الجامعي. اتسم هذا الجدل بعنف لفظي واضح من جانب الذين يدعون الدفاع عن الفضيلة. عنف لا يقف عند تسفيه الرأي المخالف ، بل يتعداه الى شتم صاحب الرأي ، واتهامه بالخيانة والجهل والمروق من الدين ، وما اشبه.

وقد سبق للرميحي وغيره من أهل الرأي ، ان تعرضوا لاتهامات من هذا القبيل. لكن المقال اثار نقطة جوهرية ، تستحق المزيد من المعالجة ، وهي إشارته الى ان هذا الجدل وأمثاله يعبر عن "أزمة هوية" ، تتجلى كلما برزت على سطح الحياة اليومية ، تحديات الانتقال من عصر التقاليد الى عصر الحداثة.


وفقا لتعريف أريك اريكسون ، عالم النفس الأمريكي ، فان ازمة الهوية تعبير عن اخفاق الشباب في الموازنة بين تطلعاتهم الشخصية ومتطلبات الحياة الاجتماعية ، خصوصا في المجتمعات التي تمر بتحولات متسارعة ، ثقافية واقتصادية ، تؤدي بالضرورة لتغيير مواقع الأشخاص ودوائر علاقاتهم ، والأعراف التي تنظم هذه العلاقات.

وقد لاحظت ان أهم تحولات الهوية الفردية في مجتمعنا ، نتج عن انفتاحه على مصادر تأثير ثقافي وانماط حياة جديدة ، تعارض ما ورثناه عن الاسلاف. وأميل للاعتقاد بأن بداية التحول العميق يرجع للعقدين الأخيرين من القرن العشرين ، وساهمت فيها بشكل متوائم برامج تحديث الاقتصاد وتغيير سياسات التعليم ، إضافة للتوسع في الحاق الطلاب بالجامعات الأجنبية. اما ذروة التحول فقد حدثت – وفق تقديري – في السنوات الخمس الماضية ، نتيجة لوصول الانترنت السريع الى كل قرية وبلدة في انحاء المملكة.

وفر الانترنت فرصة للشباب للانفتاح المباشر على عوالم جديدة. ولم يعد للعائلة والمدرسة والنظام الاجتماعي بمجمله ، الا القليل من التأثير على ذهنية الفرد ، اما المساهم الأعظم فقد بات هو الفرد نفسه ، الذي يختار بوعي ومن دون وعي ، من موائد لا أول لها ولا آخر ، موائد بعيدة تماما عن التجربة التاريخية لمجتمعنا.

كل من هذه التغيرات يواجه الذهنية التقليدية بتحد جديد ، يدعمه نمط حياتي اكثر تقدما واكثر يسرا وجاذبية ، الامر الذي يضع الفرد على المحك: إما التخلي عن عالمه القديم او الحرمان من ثمرات الحياة الجديدة.

وفقا لرؤية اريكسون ، فان التحول المشار اليه ، يؤدي لعسر في التفاهم بين جيل الشباب وآبائهم ، ليس لأنهما يرفضان التفاهم ، بل لأن اختلاف المشارب الثقافية يجعل كلا من الآباء والأبناء ينطلق من خلفية مختلفة ، بل عالم مفهومي ومعنوي مباين للآخر. ان حاجة الاب والابن للحفاظ على العلاقة القائمة ، يؤدي بالضرورة الى قدر من التكلف والعناء ، الذي ينعكس على شكل أزمة نفسية ، هي ما نسميه أزمة الهوية.

رؤية اريكسون تنطبق على الشباب. لكني وجدت أزمة الهوية عند شريحة واسعة من الآباء أيضا. وهي تتجلى في صورة رفض داخلي للقديم مع قبوله في الظاهر ، أو رفض داخلي للحديث مع رغبة قوية في التمتع بخيراته. ينتج هذا التنافر ازدواجية في القيم ، تمثل مظهرا آخر لازمة الهوية.

اظن ان مرجع التأزم عند كلا الطرفين: الشباب والآباء ، هو بطء التفاعل بين تراثنا الثقافي ، الديني وغير الديني ، وبين متغيرات العصر الثقافية ، ولا سيما منظومات القيم الجديدة ، وما يترتب عليها من علائق بين الناس وتموضعات اجتماعية مختلفة عما ساد في الماضي.

اعتقد ان شريحة واسعة من ابناء مجتمعنا ، من الآباء خصوصا ، يعانون من عسر شديد في التوفيق بين قناعاتهم القديمة وحياتهم الجديدة. ولو نظرنا للسبب العميق وراء كل هذا ، لرأيناه في حقيقة ان تراثنا الثقافي يريد للفرد ان يكون تابعا مطيعا ، لا مشاركا او صانعا للقيم التي تقود حياته. وهكذا يتوجب عليه البقاء منفعلا ومتأثرا ، ان أراد التمتع بفضائل النظام القديم.

الشرق الاوسط الخميس - 20 ربيع الأول 1445 هـ - 5 أكتوبر 2023 م https://aawsat.com/node/4585886/

مقالات ذات صلة

 اشكالية الهوية والتضاد الداخلي

اعادة بناء القرية .. وسط المدينة

الاقليات والهوية : كيف تتحول عوامل التنوع الى خطوط انقسام في المجتمع الوطني

الاموات الذين يعيشون في بيوتنا

أن نفهم الآخرين كما هم لا كما نتصورهم

بين هويتين

تأملات في حدود الفردانية

تكون الهوية الفردية

جدل الهوية الفردية وتأزماتها

حزب الطائفة وحزب القبيلة

حول أزمة الهوية

حول الانقسام الاجتماعي

الخيار الحرج بين الهوية والتقدم

الدين والهوية ، خيار التواصل والافتراق

سجناء التاريخ

عن الهوية والمجتمع

فيديو : نادر كاظم وتوفيق السيف حول اشكالات الهوية

القبيلة والطائفة كجماعات متخيلة

الهوية المتأزمة

25/01/2023

كيف تعمل الثقافة الكسولة


تعرضت في مقال الأسبوع الماضي لما ظننته دورا محوريا للثقافة العامة في تحفيز النهوض الاقتصادي او تثبيطه. وأشرت باختصار لرؤية اثنين من الاقتصاديين المعروفين على المستوى العالمي. لكن بدا لي في الأيام التالية لنشر المقال ان بعض القراء صرفوا هذه الرؤية الى معنى معاكس ، مع انه يبدو – في الظاهر - موافقا لها. وقد ذكرني استاذنا د. محمد الرميحي بمقالة سابقة له ، عالجت ذات المسألة من زاوية أوسع. والدكتور الرميحي مفكر سياسي معروف ، واعتبره أبرز الخبراء في قضايا السياسة والتنمية في الخليج العربي.

تحدث الرميحي عن السمات البارزة للبيئة الاجتماعية المثبطة للنهضة ، والعوامل التي تسببت في التعثر او النكوص مرة بعد أخرى ، وهي جميعا ذات صلة بالثقافة السائدة. ويهمني في هذه الكتابة العامل المذكور أعلاه ، أي التصريف الأيديولوجي للمشكلات ، على النحو الذي ظهر في نقاشات الأسبوع الماضي.

والمقصود بالتصريف الأيديولوجي هو تفسير ظواهر اجتماعية او تاريخية بناء على قربها او بعدها عن مقولات أيديولوجية معينة ، او ارجاعها الى التفسيرات الخاصة بتلك الأيديولوجيا. هذا يتضمن – بالضرورة – اغفال العوامل المساهمة فعليا في تكوين تلك الظواهر وتفسيرها العلمي.

من ذلك مثلا ما وصفه د. الرميحي بالغلو الاقتصادي ، أي التفسير الماركسي الذي يرجع كل حراك حيوي الى عوامل اقتصادية ، بما فيها الثقافة السائدة ومنظومات القيم والعلاقات الداخلية ، بل حتى الفكر المدرسي والآداب والفنون ، التي اعتبرها الماركسيون واجهة خارجية للبنية التحتية للنظام الاجتماعي ، أي الاقتصاد السياسي وأنماط الإنتاج. يقول الرميحي ان هذا التصريف قد حول الفكر الى نوع من ميكانيكية اقتصادية ، بدل ان يعرف كنشاط حيوي قادر على ان يكون مستقلا ، وبالتالي ناقدا للوضع الراهن ومشيرا الى المستقبل.

وشبيه للغلو الاقتصادي ، لاحظ الرميحي ما وصفه بالغلو السياسي في التيار القومي ، الذي اعتبر الوحدة العربية شرطا وحيدا او أساسيا لنجاح التنمية الاقتصادية ، ثم اغفل أي عامل لتحقيق الوحدة غير التغيير في النخب السياسية ، أي انه اعتبر هذا التغيير تمهيدا ضمنيا لتحقيق التنمية. وقد رأينا في التجارب العربية كثرة التحولات في النخب ، بشكل طبيعي او قسري ، وكيف ان هذه التحولات افضت الى المزيد من الشقاق والفشل ، بدل الوحدة او النمو. نعلم بطبيعة الحال ان المدافعين عن الرؤية القومية سيشترطون نوعا خاصا من التغيير ، لكن هذا اقرب الى "شرط يوتوبي" منه الى مطالعة واقعية في التحولات الاجتماعية والسياسية التي يعرفها عالم اليوم.

ويقال الشيء نفسه عن تفسير التيار الديني لمشكلات التخلف السياسي والاجتماعي ، التي اعتبرها انعكاسا للبعد عن الدين الحنيف. وبناء عليه اعتبر تحكيم للشريعة حلا حاسما وفوريا لتلك المشكلات. ونذكر جميعا شعار "الإسلام هو الحل" الذي رفعه التيار الديني في مصر والسودان. ثم راينا مصائر الحل السوداني في الفترة بين 1989 -2019 ، فضلا عما جرى في أفغانستان وايران ، مما لا يخفى على اللبيب.

حشر الحياة في عباءة الاقتصاد عند الماركسيين ، مثل ربط القوميين للتنمية بالوحدة العربية ، وربط الإسلاميين للنهضة بالعودة الى الدين الحنيف ، كلها تصريفات أيديولوجية ، بمعنى انها تنطوي على اغفال للوقائع القائمة وإلغاء لدور العلم الوصفي والتفسيري ، واحالة الواقع بقضه وقضيضه الى صندوق المحفوظات. في هذا الصندوق لا توجد حلول بل قوالب وعباءات ، قادرة على تأطير كل شيء وتغطية كل شيء ، لكنها ليست قادرة على علاج شيء.

علاج المشكلات كلها ، صغيرها وكبيرها ، يبدأ بفهم الواقع واستعمال العلم في تفسيره والبحث عن علاجاته. وقد رأينا ان أولى مشكلاتنا ، بل ربما اخطرها هو هذه الثقافة الكسيحة ، التي تميل بشدة للتفسيرات الجاهزة والمعلبة ، بدل التفكير المتأني واستعمال مناهج العلم في فهم الواقع ومآلاته وعلاجاته. 

الأربعاء - 3 رجب 1444 هـ - 25 يناير 2023 مـ رقم العدد [16129]

https://aawsat.com/node/4117641/

مقالات ذات صلة

ابعد من فيلم الجني ومن لبسه
اختيار التقدم
الجـن سيــد العالم
الحل الاسلامي بديع .. لكن ما هو هذا الحل ؟
حين تكره الدنيا: طريق البشر من الخرافة الى العلم
السعادة الجبرية: البس ثوبنا أو انتظر رصاصنا
شرطة من دون شهوات
المدينة الفاضلة
هذه خرافة وليست عقاب الله
هيروهيتو ام عصا موسى؟
الوحدة الاوربية "آية" من آيات الله
 

14/09/2022

كيف تشكلت الهوية الوطنية


حين نشر بنديكت اندرسون كتابه المسمى "مجتمعات متخيلة Imagined Communities" أثار موجا من الأسئلة ، التي تراوحت بين السخرية والتعبير عن الاعجاب والدهشة. ومنذ طبعته الأولى في 1983 واصل الكتاب انتشاره ، وترجم الى لغات عديدة ، بينها العربية ، وتحول الى واحد من أبرز المراجع المتعلقة بالقومية وفكرة الأمة.



اعانني هذا الكتاب على فهم نقاط غامضة في بحث الدولة القومية وبناء الأمة. كما أجاب على بعض الأسئلة المحيرة. أذكر مثلا سؤال المفكر المعروف د. محمد الرميحي عن سر تفاقم التعصب القبلي والديني ، رغم انتشار التعليم في مجتمعات الخليج. بينما كانت دراسات التنمية في المجتمعات التقليدية ، تتوقع تراجع الهويات الفرعية ، كلما تحسن مستوى المعيشة وانتشر التعليم والاعلام. وقد سمعت هذا السؤال نفسه من باحث امريكي ، بعدما لاحظ انتشار مواقع الانترنت والمنتديات الالكترونية الخاصة بالقبائل ، في أوائل القرن الجديد.

مسألة التعصب والتسامح لم تكن موضع اهتمام اندرسون. فالهدف المحوري لنظريته هو تفسير ظهور الأيديولوجيا القومية. إلا ان ملاحظاته العميقة القت ضوء كاشفا على العديد من الأسئلة المتصلة بالموضوع ، مثل دور الثقافة المكتوبة في توحيد الصورة الذهنية لتاريخ المجتمع (التاريخ الواقعي او المتخيل).

قدم اندرسون تفسيرا معقولا لظهور الهوية الوطنية في الدول الجديدة ، ومبررات تمايزها عن الشعوب/الدول التي تشاركها في الثقافة او التاريخ. أسئلة كهذه تعين على فهم المجتمعات العربية في الشرق الأوسط ، التي كانت ضمن الإمبراطورية العثمانية ، ثم استقلت وبات كل منها أمة منفردة او شعبا قائما بذاته.

يعتقد اندرسون ان المجتمعات الحديثة قررت ، في وقت ما ، ان تتحول الى أمم. في الماضى كان الرابط بين الناس هو الدين او اللغة او الجغرافيا. اما اليوم فان الرابط الواقعي الوحيد ، هو اسم الدولة والحدود الإقليمية التي يعترف بها العالم. ربما ينتمي هؤلاء الذين داخل الحدود الى دين واحد او اديان متعددة  ، ربما يتحدثون لغة واحدة او لغات مختلفة. ما هو مهم هو رغبتهم في تكوين جماعة سياسية وقانونية واحدة ، أي ما نسميه اليوم بالشعب او الامة. في بعض الأحيان تبدأ العملية باتفاق بين غالبية الناس ، وفي أحيان أخرى تبدأ بقرار من النخبة الحاكمة.

الهوية الوطنية ليست موجودا أزليا ، بل كائن يصنعه أصحابه من خلال تطوير فهم مشترك للذات والتاريخ. هذا الشرح يجيب اذن على سؤال: حين نقول اننا شعب
او أمة.. فما الذي جعل هذا الجمع من الناس شعبا او أمة واحدة. بعبارة أخرى: كيف تصنع الأمة نفسها ، كيف تربط بين الاف الناس الذين لا يعرفون بعضهم ولا يربطهم نسب واحد ، فتحولهم الى شعب واحد او امة واحدة؟.

وفقا لاندرسون فان كل أمة تصنع "اسطورة تاريخية" أي لقطات منتقاة من التاريخ ، تعزز الاعتقاد باننا "كنا دائما على هذا النحو ، متفقين ومنتصرين". وهنا يأتي دور الثقافة الموحدة (التي تلقن لتلاميذ المدارس مثلا) والتي يجري انتاجها على ضوء تلك الفرضية ، ثم تنشر عبر البلاد ، كي تؤسس فهما مشتركا للذات والمستقبل ، إضافة الى الموقف من المجتمعات الأخرى الواقعة خارج الحدود.

من النقاط التي أثارت اهتماما كبيرا ، قول اندرسون بان ظهور الطباعة التجارية قد ساهم في "صناعة" فهم مشترك وذهنية متقاربة ، كما وحد لغة التعبير عن الذات المشتركة ، أي اوجد شيئا يشبه ما نسميه اليوم "لغة الخطاب الرسمي". هذا يشير الى أهمية وجود جهة تخطط وتعمل لبناء هوية وطنية مشتركة ، فان لم توجد فسوف تتولى القبائل والجماعات الدينية صناعة هوياتها الخاصة. اظن ان شيئا من التأمل في آراء بنديكت اندرسون ، سيوضح اننا كنا نسير في الطريق الذي وصفه.

الشرق الاوسط الأربعاء - 18 صفر 1444 هـ - 14 سبتمبر 2022 مـ رقم العدد [15996]

https://aawsat.com/node/3872366

الوجه الآخر للكارثة

  ذكرى الاجتياح العراقي للكويت التي حلت هذا الأسبوع ، أثارت في نفوس العديد من أهل الرأي ، شعورا بالحاجة لاستعادة الدروس التي كان ينبغي استخ...