12/02/2026

السؤال: هل تنفع الخطب؟

ذكرت في الأسبوع الماضي ان الرئيس الفرنسي السابق فرنسوا هولاند ، رد على الهجمات الإرهابية بتذكير الفرنسيين بوحدتهم الوطنية وقيم الجمهورية: الحرية والمساواة والاخاء. فعلق احد الزملاء قائلا: "معنى هذا ان الإرهاب علاجه الخطب...". وكدت ان أرد قائلا: نعم ، فهذا ما اعتقده فعلا ، لكني ترددت ثم فضلت السكوت ، خشية ان يفهم خارج السياق المقصود.

ثم سألت نفسي: هل يمكن - حقا - للخطب ان تعالج ظاهرة خطيرة كظاهرة الإرهاب؟. وسألت نفسي أيضا.. لماذا لا يتحدث المحللون والمفكرون عن الخطابة كأداة في السياسة ، هل يشكون في جدواها ، ام يخشون ان يفعلوا ذلك فيزدهر سوق الكلام ، ويتحول السياسيون الى فن القول بدل احسان الفعل؟.

حسنا.. لم يكن غرضي الحديث عن الظواهر العنيفة ، نظير الإرهاب او الجريمة ومعالجتها ، بل عن علاقة الدولة بالمجتمع ، وأريد التركيز على ضرورة ان تكون هذه العلاقة منفتحة وإيجابية وصريحة. هذه هي العوامل التي – في رأيي - تحرم أرباب العنف ، سواء كان سياسيا او اجتماعيا ، من البيئة الداعمة له او المتساهلة معه.

أميل الى الظن بان الميول الإرهابية ، تتبلور في المجتمعات التي اعتادت التساهل مع الممارسات العنيفة ، نظير الدعوة لأخذ الثأر في حالات القتل او في حالات إهانة العرض والشرف. وهي ممارسات معروفة في المجتمعات التي تسودها الروح العشائرية كما نعرف. وأذكر قصة شهدت بعض تفاصيلها ، خلاصتها ان عائلة كبيرة في قرية شمال باكستان ، حاصرت عائلة أخرى ، وهددت باقتحام بيتها ، وقتل من فيه ، ان لم يأت ابنهم ويتزوج بنت العائلة الأولى. أما السبب فهو ان هذا الابن تحدث مع البنت ، ووعدها بالزواج ، لكنه سافر للعمل في الخليج. فلما عرف اهل البنت ، اعتبروا ان شرفهم قد أهين ، وان الإهانة لا يغسلها الا الدم. وقد اضطر الشاب فعلا لترك عمله ، والزواج دون تحضير ، حفاظا على حياة أهله. واخبرني ان حوادث مماثلة قد جرت في قريتهم سابقا ، وقتل فيها نساء ورجال ، لنفس الأسباب.

ان مجتمعا كهذا يمثل بيئة مناسبة لتبلور الإرهاب ، أي العنف الذي تحركه دوافع أيديولوجية. إن العنف بمختلف اشكاله ليس من الطبائع الاصيلة في البشر ، بل هو من منتجات البيئة الاجتماعية التي تتسرب لعقل الفرد في مراحل التربية المبكرة او فترة النضج ، ويظهر على شكل عقائد نظير "من لم يكن ذئبا اكلته الذئاب" ، ونظير "ما حك جلدك غير ظفرك" وغيرها من المعتقدات التي تنفي قيمة "راس المال الاجتماعي" الذي يدعم الفرد عند الحاجة ، كما تنفي قيمة القانون ، وكونه سيدا وملجأ للضعفاء والمظلومين.

مجتمع كهذا ، يكون في الغالب منغلقا – ثقافيا – على نفسه ، يتعامل مع الغير بارتياب ، ويشعر على الدوام انه مهدد في معيشته او هويته.

اذا ظهر العنف في المجتمع ، سياسيا او اجتماعيا او جنائيا ، فان الرد الفوري هو "إطفاء الحريق" كما قال لي احد قادة الأمن في بلادنا ، في مناسبة قديمة. لكن العلاج الطويل الأمد ، يكمن في اقناع هذه الجماعة بكسر جدار العزلة الثقافية من حولها ، والانفتاح على المحيط الاوسع. هذا لا يستوى بالكلام ، بل بفتح الأبواب امامهم ، والاستماع اليهم ومناقشتهم في مطالبهم ، كي يقتنعوا بأنهم يمكن ان يتمتعوا بالمساواة التامة مع بقية المواطنين ، اذا كانوا متواصلين فعلا معهم ومع الإدارة الرسمية ، ثم اثبات ان القانون أداة فعالة في الحصول على حقوقهم ، وانه خير من ممارسة العنف او البكاء على الاطلال.

ينبغي لرجال الدولة ان يتحدثوا للناس ، ليس فقط عن بطولاتهم ونجاحاتهم ، بل – في المقام الأول – عما يريدون فعله ، والصعوبات التي يواجهونها ، والدعم الشعبي الذي يتطلعون اليه.

سيكون المجتمع معارضا للعنف ، رافضا لأربابه ودعاته ، اذا آمن بأن الحكومة حكومته وليست حكومة الآخرين التي تتحكم في أقداره.

الخميس - 24 شَعبان 1447 هـ - 12 فبراير 2026 م

https://aawsat.com/node/5239910

مقالات ذات صلة

الاثم الاصلي 
 اصلاح العقل الجمعي
الاموات الذين يعيشون في بيوتنا
اناني وناقص .. لكنه خلق الله 
الانسان الذئب؟....
بقية من رواية قديمة الازمان الفاسدة والناس الفاسدون 
بين العقل الجمعي وسلوك القطيع
ثقافة المجتمع.. كيف تحفز النمو الاقتصادي او تعيقه
الثقافة المعوقة للنهضة
الحق في ارتكاب الخطأ 
رأس المال الاجتماعي
صناعة الكآبة
صورتان عن الانسان والقانون 
في معنى الردع وعلاقته بالطبع الاولى للبشر 
القانون للصالحين من عباد الله 
كيف تقبلنا فكرة الانسان الذئب؟ 
كيف تكون رجعيا.. دليل مختصر
لو كان الانسان ذئبا لما تحضر 

05/02/2026

الأجانب والحكومة الوطنية

هذه عودة لقصة قديمة ، بطلها الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا اولاند. بدايتها هجمات إرهابية في باريس في 7 يناير 2015 ، اسفرت عن مقتل 17 شخصا. كان الرئيس وقتئذ قد خسر شعبيته تماما. وقالت استطلاعات رأي انه يحظى بتأييد 17% فقط من الفرنسيين. وكان اخفاق الحكومة في معالجة مشكلة الهجرة ، سببا رئيسيا وراء شعور الرأي العام بعدم كفاءة الحكم.

توقع المراقبون ان تقضي هذه الحادثة على ما تبقى من شرعية الرئيس ، فيضطر لاقالة الحكومة ، او توجيه الشرطة لشن عمليات واسعة (حتى لو بدت انتقامية) ضد مناطق المهاجرين ، كي يظهر امام الجمهور في لباس القائد الحاسم ، فيبدد الاعتقاد السائد بأن حكومته مترهلة او عاجزة عن إدارة البلد.

لم يحصل هذا ولا ذاك. توجه هولاند الى الفرنسيين مستنهضا ما نسميه "روح الجماعة" ، أي الشعور العميق بالتضامن بين المواطنين ، فركز خطابه على ما أسماه "قيم الجمهورية" أي الحرية والمساواة والاخاء. وكان هذا خير رد على دعوة اليمين المتطرف لتحويل المناسبة الى حملة شعبية ضد المهاجرين. بعدها بأسبوع ، شهدت باريس تظاهرة حضرها مليونان من الفرنسيين ، يتقدمهم هولاند مع 50 من قادة الدول وكبار السياسيين ، حضروا للتأكيد على ان احتواء العدوان يتم بتعزيز التضامن الداخلي والاعتزاز بالذات الوطنية ، وليس تصدير الأزمة أو تعليقها على مشاجب الآخرين.

وخلال العشرين عاما الماضية ، تعرضت فرنسا لأزمات اقتصادية وسياسية ، واجهتها بتأكيد التضامن واحترام الذات الجمعية. وقد نجحت حتى الآن في احتواء معظمها.

-         ما الداعي للتذكير بقصة قديمة؟.

إذا كنت من متابعي أحوال السياسة في هذه الأيام ، فلابد انك لاحظت ديباجة مكررة ، وهي اتهام الخارج بالتسبب في أزمات الداخل. من ذلك مثلا ان الجيش الباكستاني نفذ عمليات في بلوشستان قتل فيها 170 شخصا ، ردا على تحرك انفصالي قال الجيش ان الهند وراءه. وعلى الجانب الشرقي ، قام الجيش البورمي بتهجير مئات الآلاف من المسلمين الى بنغلادش ، مدعيا ان قوى خارجية تحركهم ضد الحكم المركزي. والى الغرب قليلا ، في ايران ، اتهمت الحكومة دولا اجنبية عديدة بتحريك تظاهرات ضخمة جدا ، أوقعت 3000 قتيل وفق ارقام رسمية. والى الشرق أيضا تتهم السلطة الفلسطينية حركة حماس بتنفيذ اجندات اجنبية في حربها مع إسرائيل. والحال نفس الحال في السودان واثيوبيا وارتيريا وليبيا ، وغيرهم. نعرف طبعا ان الأعلى صوتا بين الجميع ، هو الرئيس ترمب الذي يصرح يوميا بان الدول الأجنبية تسرق وظائف الأمريكيين وأموالهم.

لا أحد في عالمنا يصدق تماما ما يقال. يعلم الناس ان هذه الأقطار فيها مشكلات اقتصادية وسياسية ، تجعل الناس غير راضين عن أوضاعهم. تستطيع الحكومات معالجة الازمات واستعادة رضا الجمهور عنها ، في بعض الأحيان. لكن الأمر لا يكون طيبا في جميع الأحوال. فاذا شعر الناس بان حكومتهم تتجاهل مشكلاتهم ، او تستبدل العلاجات المؤقتة الضرورية ، بشعارات وكلام عن العلاجات الطويلة الأمد. عندئذ سيفقد الناس ثقتهم في وعود الحكومة ، مهما بدت معقولة. الأسوأ من هذا ان يتجاهل السياسيون جوهر المشكل وأسبابه ، ويلقون غسيلهم على حبال الخارج ، فيتهمون هذه الدولة او تلك بالتسبب في أزماتهم ، ثم يقنعون انفسهم بأن الحل في الخارج ، فاذا توقف عن اثارة المشاكل ، سيعود كل شيء لطبيعته.

التدخل الخارجي محتمل جدا. لكن السؤال: هل كان الأجنبي سينجح في تأزيم وضعك ، لو لم تكن عناصر الأزمة وأسبابها متوفرة بالفعل؟.

الواقع ان الأجنبي عاجز في معظم الأحيان عن اختلاق أزمة ، مهما امتلك من أدوات تأثير. لكنه قادر على "استثمار" أزمات موجودة بالفعل ، او عناصر أزمة كامنة في النظام الاجتماعي. استثمار الأزمة يختلف عن خلقها. وعلى من يشكو تدخل الأجانب ان يسائل نفسه: لماذا لم يعالج أسباب الازمة ، قبل ان يستثمرها الأجنبي. هل يعقل ان يكون الأجنبي اقدر من الدولة الوطنية على التعامل مع مكونات نظامها الاجتماعي؟.

الخميس - 17 شَعبان 1447 هـ - 5 فبراير 2026 م

https://aawsat.com/node/5237397

مقالات ذات صلة

ابعد من فيلم الجني ومن لبسه
البلاد بوصفها "مسرح العرائس"
تحولات التيار الديني – 5 السلام مع الذات والسلام مع العالم
جزيرة وسط محيط الشر
الحر كة الا سلامية ، الغرب والسيا سة ( 2 من 3 )
حكومة العالم الخفية
فتش عن الماسونية!
فكرة التقدم باختصار
المؤامرة والسياسة
هيروهيتو ام عصا موسى؟

السؤال: هل تنفع الخطب؟

ذكرت في الأسبوع الماضي ان الرئيس الفرنسي السابق فرنسوا هولاند ، رد على الهجمات الإرهابية بتذكير الفرنسيين بوحدتهم الوطنية وقيم الجمهورية: ال...