‏إظهار الرسائل ذات التسميات المساواة والتحيز. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات المساواة والتحيز. إظهار كافة الرسائل

07/05/2026

تصنيف الناس سلوك طبيعي.. ماذا عن الكراهية؟

"كل المثقفين هكذا .. يتفلسفون في كل مسألة ، يطيلون الكلام في كل زاوية. والنتيجة؟..  تاثيرهم صفر..". هكذا علق أحد القراء الأعزاء على مقالة الأسبوع الماضي ، التي – لسوء الحظ – انتقدت التعميم ، ولا سيما السلبي منه. والتعميم كما أشرت هو ان تأخذ انطباعا عن شخص او عدد من الأشخاص ، ينتمون الى فئة محددة ، ثم تصدر حكما على جميع افراد تلك الفئة. مثال ذلك ان ترى كاتبا او بضعة كتاب يتفلسفون ، او يطيلون القول في مسائل بعينها ، فتحكم بأن كافة الكتاب يفعلون الشيء نفسه ، وان هذا الفعل سيء.

محافظة حولي - الكويت

حسنا .. هل يمكننا الخلاص من ظاهرة التعميم او التنميط المتحيز ، خصوصا الذي ينطوي على محتوى سلبي او معاد لفئات بأكملها؟.

أشار مقال الأسبوع الماضي لشهادة الاديب الإنكليزي "شارلز لام" الذي يقول "أنا كتلة من التحيزات ، من الحب والكراهية والتعاطف واللامبالاة". والحق ان هذا هو وأنا وأنت. انها سمة راسخة عند أغلب الناس ، وربما جميعهم.

يبدأ التحيز بطريقة تنسيق المعلومات في ذهنك. مثلا: حينما ترى سيارتين ، المانية وصينية ، فسوف تستدعي حكما ذهنيا سبق تخزينه في ذاكرتك عن التكنولوجيا الألمانية والصينية ، وسوف تنظر للاولى بوصفها اعلى واقوى من الثانية. ترى .. كيف عرفت ان السيارة التي امامك تحمل نفس الصفات المخزونة في ذاكرتك؟. لعل التي قدرت انها افضل ، أقل من نظيرتها في الواقع.

هذا معروف لنا جميعا. لكننا – مع ذلك – لا نلتفت للاحكام التي نصدرها على الناس والأشياء التي نصادفها كل يوم تقريبا ، أعني  احكامنا المستمدة من قوالب في الذهن ، وليس من ملاحظة عينية مباشرة للشخص او الشيء الذي أمامنا.

التصنيف الذهني للمعلومات والاحكام نشاط عفوي ، لا يمكن تفاديه. لكنه قابل للمراجعة والتحكم. وهكذا يمكن تصفيته بين حين وآخر ، على ضوء ما نتوصل اليه من معلومات أو آراء جديدة ، شرط أن يرغب الانسان في المراجعة والتصحيح.

يصنف العقل ما يصله في قوالب (او أدراج). فكلما وصلته معلومة مقاربة ، اضافها لذلك الدرج وختمها بطابعه.

وأذكر حادثة تشير للتنميط العفوي ، حين ذهبت قبل سنوات الى مدينة "حولّي" في الكويت ، لزيارة صديق. فلم اعثر على مكانه ، فعرضت العنوان على صاحب دكان هناك ، فقال لي ان كان الذي تبحث عنه كويتيا ، فلن تجده هنا مطلقا. الكويتيون لا يسكنون هنا. وحين عثرت على الصديق في نهاية المطاف ، قال لي ان هذا هو الانطباع العام فعلا ، مع انه غير دقيق.

يتجسد التنميط في الحياة الاجتماعية ، على شكل ميل عام لدى الناس للتقارب مع من يشترك معهم في الثقافة او الانتماء العرقي او الديني ، وكذلك الذين لديهم ذاكرة مشتركة ، مثل زمالة دراسية او مهنية.. الخ. وحسب ملاحظة البروفسور البورت الذي اشرت في الأسبوع الماضي الى كتابه "طبيعة التحيز" فان السلوك العام للبشر ، هو انضمام الفرد الى الجماعة التي يجمعه بها عدد اكبر من المشتركات الثقافية او البيولوجية. في كل بقاع الأرض ، يجتمع الناس مع اشباههم "يتزاوجون ، يأكلون ويلعبون ويسكنون في تجمعات متجانسة". يميل الناس الى اشباههم كي يستغنوا عن الجهد الضروري لصناعة علاقاتهم ، وإعادة التفكير في سلوكهم ، او التصرف بتحفظ ، لو كان المحيط من الغرباء.

هذا الميل الطبيعي يؤكد ان الانسان يميل للاتجاه الذي يعرفه سابقا ، او الذي قام بتعريفه سابقا. وينطبق هذا على نظرته للناس والاشياء الذين يصادفهم لأول مرة.

ان وافقتني على هذا التحليل ، فلا بد انك تتساءل: طالما كان التنميط سلوكا طبيعيا عند البشر ، فلماذا نشعر بالقلق ، ولماذا نتحدث عنه كأمر غريب؟.

الجواب هو الذي نعرفه جميعا: ما نخشاه هو التنميط السلبي ، الذي يجعلنا نصدر احكاما تنطوي على كراهية للآخرين ، وتجعلنا نقف في صف اهل الكراهية ، بدل ان نقف مع اهل المحبة ، اليس كذلك؟.

 

الشرق الأوسط الخميس - 20 ذو القِعدة 1447 هـ - 7 مايو 2026 م   https://aawsat.com/node/5270451

مقالات ذات علاقة

 اخبرني من اثق به...

الاصلاح يبدأ من الخارج
أصنام الحياة
حزب الطائفة وحزب القبيلة
كهف الجماعة
كيف تولد الجماعة
الاصلاح يبدأ من الخارج
أصنام الحياة
حزب الطائفة وحزب القبيلة
كهف الجماعة
كيف تولد الجماعة
أين ترى نفسك .. بين المحبين ام الكارهين؟
لماذا تنحاز للرأي السائد بين قومك؟
مجتمع العقلاء
حين تكون في "الجماعة" وحين تصبح خارجها
المساواة: النقاشات الحديثة في المفهوم وتطبيقاته


30/04/2026

أين ترى نفسك .. بين المحبين ام الكارهين؟

الأفكار التي أعرضها اليوم مستقاة من كتاب "طبيعة التحيز The Nature of Prejudice" لعالم النفس الأمريكي غوردون البورت ، وهو مرجع كلاسيكي في هذا الحقل.

غوردون البورت

اطلعت على الكتاب منذ زمن بعيد. وقد ذكرني به ما أرى من ملاسنات على مواقع التواصل الاجتماعي ، حول مسائل معقولة وغير معقولة ، يشارك فيها شبان صغار ، ورجال أو نساء يفترض انهم ناضجون ، من كافة الدولة العربية دون استثناء. وتتداخل فيها موضوعات كالحرب الدائرة بين ايران والولايات المتحدة ، والحرب على غزة ، ومشكلات السودان وسوريا والخلافات الدائرة بين هذه الدولة العربية وتلك. كما تستخدم فيها قصص صحيحة او متخيلة عن نزاعات شخصية ، فتعمم على اهل البلد كله. رأيت – على سبيل المثال - شخصا ينادي بطرد كافة المواطنين الهنود في الخليج ، لأنه خسر وظيفته لصالح شخص هندي. وعلق آخر قائلا أن الأولى طرد مواطني دولة عربية معينة ، لأن حكومتهم لم تتعاطف معنا في الأزمة. ورأيت شخصا يدعو لمنع سفر الفتيات بمفردهن ، لأن فتاة من بلده تصرفت في المطار على نحو يسيء لسمعة البلد. وعلق احدهم على أخبار سحب الجنسيات في الكويت ، بأن على الحكومة اسقاط جنسيات كافة الفنانين والفنانات ، لأن الفقهاء اتفقوا على انكار الفن. لا استطيع بطبيعة الحال ذكر التفاصيل. لكني واثق ان الذين يتابعون وسائل التواصل الاجتماعي يعرفونها. وغرضي هو التنديد بهذه الظاهرة ، وليس التوسع في شرحها. ان اتساع تلك الملاسنات وتنوعها ، دليل على أنها ليست عابرة ، وليست أخطاء فردية او محدودة.  

لا أريد أيضا تهويل الموضوع ، ولا تصوير المجتمع العربي كما لو انه يعيش "حرب الجميع على الجميع"  حسب وصف توماس هوبز. أتفهم حقيقة ان أصحاب الأصوات العالية قلة ، لكن تأثيرهم واسع النطاق.

بالعودة للبروفسور البورت ، فهو يبدأ كتابه بشهادة للأديب الإنكليزي شارلز لام: "أقر بأني ألاحظ الفوارق بين الناس ، القومية والفردية وغيرها. بكلمات بسيطة ، أنا كتلة من التحيزات ، من الحب والكراهية والتعاطف واللامبالاة".

أورد الكاتب هذا الشاهد كي يقول ان التحيز ليس ظاهرة غريبة ، بل سمة طبيعية في البشر. لكن الغريب فيها هو تحولها الى موقف عام ومبرر للعدوان على الغير أو احتقارهم. ويذكر في هذا الصدد قصة (أظن ان كثيرا منا قد لاحظ شبيها لها):

في روديسيا ، مر سائق شاحنة أبيض بجمع من الأفارقة العاطلين عن العمل. فهمس قائلًا: "إنهم كسالى متوحشون". بعد ساعات قليلة ، رأى جمعا مماثلا يرفعون أكياس حبوب يزن بعضها 90 كغم على شاحنة ، وهم يغنون بحماس. فتمتم قائلا: "متوحشون! ماذا تتوقع منهم؟"

هذا السائق كان يحتقر الافارقة ، فحكم عليهم أولا بالكسل والوحشية لانهم لا يعملون ، ثم حكم عليهم بالوحشية لانهم يعملون بحماس. نعلم طبعا ان حكمه مدفوع بالتحيز ، وليس وصفا محايدا او موضوعيا. ولو كان الأشخاص الذين رآهم من نفس عرقه ، فلربما تعاطف معهم. ولو فكر في عملهم بذاته ، دون ملاحظة لون بشرتهم ، فلربما اصدر احكاما متفاوتة في الحالتين.

من هنا يرى البورت ان ابسط تعريف للتحيز ، هو انه "سوء الظن بالآخرين دون مبرر كاف". هذا يركز على التحيز السلبي. كما يستشهد بتعريف قاموسي يذكر الجانبين السلبي والايجابي: "التحيز شعور إيجابي أو سلبي ، تجاه شخص أو شيء ، لا يستند لتجربة فعلية".

الجانب الأكثر سوءا في التعصب او التحيز ، هو تحويل انطباع عن عدد قليل من الأشخاص ، الى موقف عام ضد شعب بأكمله.

نعلم ان مثل هذا الموقف ، مرجعه ميل الانسان للاحكام المبسطة ، طالما كانت مقبولة في المحيط الاجتماعي. المشكل ان التعبير السلبي عن التحيز او التعصب ، يضعه في خانة الكراهية. وهذا يستدعي ان نسأل انفسنا دائما: أين نود الاصطفاف .. بين اهل المحبة او بين اهل الكراهية؟.

الشرق الأوسط الخميس - 13 ذو القِعدة 1447 هـ - 30 أبريل 2026 م https://aawsat.com/node/5268035

مقالات ذات صلة

العدالة الاجتماعية وتساوي الفرص
العدالة كوصف للنظام السياسي
الليبرالية في نسخة جديدة: رؤية جون رولز
مجتمع العقلاء
حين تكون في "الجماعة" وحين تصبح خارجها
المساواة: النقاشات الحديثة في المفهوم وتطبيقاته

09/01/2019

ما تريد وما يريد الناس



يعتقد توماس ناجل ، الفيلسوف الامريكي المعاصر ، ان السؤال المحوري للفلسفة السياسية ، هو سؤال: كيف نعيش معا في مجتمع سليم. هذا السؤال المغالي في التبسيط ، يراه ناجل من أكثر الأسئلة عسرا في تاريخ الفلسفة والاخلاق. ومن هنا فقد بدأ كتابه الشهير "المساواة والتحيز" بالاقرار بان محور اهتمامه هو تفصيح السؤال وتوضيح اشكالاته ، وليس التوصل الى جواب.
المسألة على النحو التالي: كل فرد يسعى للحصول على ما يراه حقا له او مفيدا لحياته. لكن الانسان لا يعيش في فراغ ، بل ضمن نظام اجتماعي يفرض على اعضائه الالتزام بأعرافه وشبكة علاقاته الداخلية ، مقابل حصولهم على ما يحتاجون. نعلم ان حاجات الافراد تنطوي على بعدين: بعد مادي يتعلق بها فقط ، مثل قيمتها المالية ، وبعد اجتماعي هو جزء من شبكة العلاقات الاجتماعية ، مثل كونها   خدمة عامة او خاصة ، كونها مسموحة او ممنوعة ، كونها محل ترحيب او معارضة من جانب بقية افراد المجتمع.. الخ.
كي تحصل على ما تريد ، يجب ان تاخذ بعين الاعتبار ، الجانب الشخصي في المسألة ، اي قرارك الخاص ، كما تاخذ الجانب غير الشخصي (الاجتماعي او القيمي مثلا).
في العلاقة بين الناس تظهر دائما هذه المعادلة الحرجة: ما تراه حقا او صحيحا او سائغا ، قد يراه بقية المجتمع او شريحة مؤثرة فيه ، باطلا او خطأ او غير مقبول. ابسط الامثلة هنا ارتداء الملابس التي تحبها لكن المجتمع لايحبها.
يمكن للانسان ان يتنازل دائما عن أي مطلب لا يرتضيه المجتمع. عندها سيكون في سلام مع الناس. لكنه لن يكون سعيدا. لأنه ببساطة لا يحقق ذاته في أي شيء. كما يمكن العكس: ان تفعل كل ما يحلو لك حتى لو غضب الناس منك. عندها ستكون غريبا او نشازا في محيطك. وهذا بدوره يحرمك من فضائل الحياة الاجتماعية.
ربما يقول قائل: ان الحل في التوسط. اي ان تقبل بعض ما يريده المجتمع ، وتصر على بعض ما تريده. وهذا حل سهل في الكلام. لكنه عسير جدا في التطبيق الواقعي. لأنك لاتستطيع وضع حد دقيق بين ما يستحق ان تتنازل عنه ، وما يجب ان تصر عليه. كما انك لا تضمن ان المجتمع سيرضى بالقدر الذي تراه مناسبا.
النقطة الأكثر حرجا ، هي حقيقة ان حاجات الفرد تتغير مع مرور الزمن. ومثلها اهتمامات المجتمع ونظام علاقاته الداخلية. ولذا فان ما يحصل عليه الفرد من رضا أولي ، يبقى مؤقتا ، حتى تتغير حاجاته او اهتمامات المجتمع.
دعنا نأخذ مثلا باختيارات الافراد الاخلاقية. يريد الفرد ان يلتزم بنظام المرور ، في مجتمع لا يقيم وزنا لهذا النظام. او يريد ان يحافظ على سلامة البيئة ، في مجتمع لا يعرف البيئة الا كمادة استمتاع واستهلاك. ومثله الفرد الذي يلتزم بقواعد النزاهة في العمل ، في مجتمع يعتبر الواسطة والشفاعة ، امورا محببة ودليلا على "المرجلة". في حالات كهذه ، سيجد الفرد نفسه بين خيارات حرجة ، بين ان يحافظ على خياراته الاخلاقية ، او يحافظ على علاقاته الاجتماعية.
هذه الامثلة والعشرات من امثالها ، تكشف ان السؤال المغالي في التبسيط ، ليس بسيطا في الحقيقة. لهذا ارى ان توماس ناجل كان على حق ، حين قال انه لا يملك الجواب. لان الجواب ليس سهلا على الاطلاق ، وربما لا يكون موجودا اصلا.
الشرق الاوسط الأربعاء - 2 جمادى الأولى 1440 هـ - 09 يناير 2019 مـ رقم العدد [14652]

تصنيف الناس سلوك طبيعي.. ماذا عن الكراهية؟

"كل المثقفين هكذا .. يتفلسفون في كل مسألة ، يطيلون الكلام في كل زاوية. والنتيجة؟..   تاثيرهم صفر..". هكذا علق أحد القراء الأعزاء ع...