‏إظهار الرسائل ذات التسميات العدالة الاجتماعية والتنمية في الاقتصاد الاسلامي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات العدالة الاجتماعية والتنمية في الاقتصاد الاسلامي. إظهار كافة الرسائل

05/03/2026

العدل فوق الهوية

سألني قاريء عزيز: ما الداعي للمقارنة بين مفهوم "العدالة" في التراث العربي-الإسلامي ، ونظيره في الفلسفة المعاصرة. هل نريد القول ان المفهوم الأول أدنى مستوى او اضيق دائرة؟.

وقد اجبته بأن "العدل" قيمة عليا مجردة ، فهي سابقة للدين والقومية وكل انتماء آخر. ربما يدخل الدين تعديلات معينة على مفهوم العدل او تطبيقاته او حدوده ، لكن أصله يبقى مجردا ، فليس لدينا عدالة دينية وأخرى غير دينية ، او عدالة عربية وأخرى اعجمية.

وذكرت سابقا ان مفهوم العدل قائم على أرضية المساواة بين الناس في الحقوق والواجبات. قد يتضمن تعديلا على المساواة ، بزيادة هنا او تنقيص هناك ، من دون التخلي تماما عن قاعدته الاصلية. ولذا لا نقول بان العدالة الأوروبية مثلا ، أعلى شأنا من العدالة الإسلامية. كما لا نقول بان العدالة الإسلامية ، اعلى شأنا من نظيرتها اليونانية او الرومانية او غيرها. انما هي تطبيقات مختلفة للعدالة ، تتناسب مع أعراف زمانها ، وما يفرضه الوضع الاجتماعي من الزامات ، كما تتلاءم مع توقعات الناس في هذا الاطار.

حسنا.. ما الذي يدعونا لهذا الكلام؟

الداعي لهذا الكلام هو ما أراه من ربط متكلف ، بين القيم العليا الإنسانية ، وبين مقتضيات الهوية والانتماء ، التي تلبس في غالب الأحيان عباءة الدين او الاعتزاز القومي او الوطني او غيرها.

نحتاج للتأكيد دائما على ان القيم العليا مجردة ، بمعنى انها في مكان مختلف عن النظم والايديولوجيات والانتماءات والعقائد. هذا التأكيد ضروري ، لأن تلك القيم شرط لكرامة الانسان وكمال انسانيته. وأهمها العدالة والحرية والمساواة والتضامن الإنساني والنظام. هذه القيم مبجلة ومدروسة جيدا منذ اقدم الأزمنة ، وقد عرفها الانسان كلوازم للعيش ، مستقلة عن الأديان والانتماءات القومية والقبلية وغيرها ، حتى قال بعض الاساتذة انها جزء من الفطرة ، بمعنى انها موجودة في ذهن الانسان عند ولادته. لكني لا أميل الى هذا الرأي .

ويعرف الذين درسوا الفلسفة اليونانية ، ان نقاشاتها ومعالجاتها لمفهوم العدالة والفعل العادل ، قد أثرت في الفكر الإنساني بعامة ، بما فيه الفكر الإسلامي. كذلك الحال بالنسبة للفلسفة الصينية والهندية ، ولاحقا الإسلامية التي أثر جميعها في الفلسفة الحديثة.  بعبارة أخرى فان مفهوم العدالة بذاته ، كان مطروحا للنقاش منذ زمن بعيد جدا ، وقد توسع مع الزمن وتكرار تجربة الانسان ومعارفه وتطلعاته. وبناء عليه نقول انه لا تصح نسبة القيمة المجردة الى دين او قومية او مذهب او غيره ، فهي تبقى مشتركا إنسانيا ، تقبله جميع الأديان بما هو ومن دون وصف. ولا نعرف دينا او أيديولوجيا او تيارا فكريا او سياسيا ، في قديم الزمان وحديثه ، يقول صراحة او ضمنيا انه يرفض العدالة او يعارض تطبيقها. مع انه قد يقترح نماذج تفرغها من مضمونها لو استطاع ، أو ربما يربطها بشروط خاصة مثل تقسيم الناس الى مستحقين للعدل وغير مستحقين. هذه الالتفافات دليل على انه لا يمكن رفض العدل او انكاره ، لأنه قيمة مستقرة في أوائل العقول كما يقولون.

زبدة القول اذن نقطتان: الاولى ان العدل قيمة عليا ، وان الالتزام بها والدعوة اليها ، علامة على اصطفاف الانسان في جانب الخير واهل الخير. الثانية: ان العدل في زماننا اوسع نطاقا واعمق تناولا لقضايا الانسان ، نظرا لاتساع حياة الانسان وتوقعاته. انسان اليوم يرفض أن يقتل البشر او يعذبوا او يهانوا ، مهما كان السبب ، لأن حياة الانسان وكرامته باتت مصونة في العرف الاجتماعي والقانون. اي ان ذلك الفعل يعد الآن ظلما حتى لو اتى فاعله بتبرير. بينما يخبرنا التاريخ ان فعلا كهذا جرى تكرارا ، واعتبره اهل ذلك الزمان فعلا عاديا. ومثله المتاجرة بالبشر والسخرة ، وامثالها. فهذا مؤشر على ان مفهوم العدالة وتطبيقاتها تتطور بين زمن وآخر ، كانعكاس لتطور المعرفة والعلاقات في المجتمع البشري.  

الشرق الأوسط الخميس - 16 رَمضان 1447 هـ - 5 مارس 2026 م https://aawsat.com/node/5247678

مقالات ذات علاقة

تمكين المجتمع .. الخطوة الاولى
"شراكة التراب" كتطبيق لمبدأ العدالة الاجتماعية
عدالة ارسطو التي ربما نستحقها
العدالة الاجتماعية كهدف للتنمية
العدالة الاجتماعية وتساوي الفرص
العدالة السياسية ، الامس واليوم

العدالة كوصف للنظام السياسي
الغول
الليبرالية في نسخة جديدة: رؤية جون رولز
 معالجة الفقر على الطريقة الصينية
مفهوم العدالة الاجتماعية
من دولة الغلبة الى مجتمع المواطنة: مقاربة دينية لمبدأ العقد الاجتماعي
ما الذي تريد حقا.. الحرية ام رغيف العيش؟

15/12/1998

هل نحتاج حقا إلى طريق ثالث ؟



جاري في هذه الصفحة الأستاذ عبد الله القفاري ، صياد أفكار لا يشق له غبار ، وقد تحدث الثلاثاء المنصرم عن الحاجة إلى طريق ثالث ، بديل عن الاشتراكية التي فقدت صلاحيتها ، والليبرالية التي تتكشف عيوبها ، ولا يبعد ان تواجه مصير أختها في وقت قريب ، وهو طرح اقترحه في صورة سؤال يفيد تقرير الجواب ، على طريقة المتنبي في قوله :
 وكثير من السؤال اشتياق     وكثير من رده تعليل

عبد الحميد الابراهيمي
فكرة الطريق الثالث التي تحدث عنها بعض المفكرين في الغرب ، هي اصلاح لليبرالية بادماج بعض فضائل الاشتراكية ضمن نسيجها ، وهو يقتضي تعديل بعض ما قامت عليه من أسس ، ولا سيما في موضوع العلاقة بين الفرد والمجتمع ، والعلاقة بين المجتمع والدولة ، وإعادة النظر في دور الدولة وتعريفها الوظيفي ، وهي فكرة خلفيتها اعتبار الليبرالية نهاية حقيقية للتاريخ ، وتقرير لها كأيديولوجيا نهائية للبشرية ، حتى لو اعترض البعض على اعتبارها أيديولوجيا .
لكن الاستاذ القفاري يدعونا إلى طريق ثالث نبدعه أو نشارك في إبداعه ، بغض النظر عما يسعى اليه توني بلير ، الذي يريد ارتداء عباءة المنظرين ، بعد ان  شارك بكفاءة في إبعاد حزبه عن النظرية ، وتحويله إلى حزب سياسي صرف .

والمفهوم من سياق الكلام ، ان القفاري سيتوصل إلى ان الاسلام هو الطريق الثالث المقترح ، وهي فكرة سبقه  اليه كثير من الكتاب في العالم الإسلامي ، بعضهم بطروحات مجردة هي أقرب إلى الدعوة ، منها إلى اثبات المدعى ، وقليل منهم كلف نفسه عناء عرض الأدلة التي تناسب القضية ، ومن المساهمات الحديثة التي لفتت نظري ، دراسة رئيس الوزراء الجزائري السابق ، د. عبد الحميد براهيمي (العدالة الاجتماعيةوالتنمية في الاقتصاد الإسلامي) الصادرة في سبتمبر 1977 عن مركز دراسات الوحدة العربية ، التي حاول فيها تحديد أطراف الموضوع ، الذي سيكون مجالا للبحث في أي دراسة لاحقة حول فرص اشتغال نظرية العدالة الاجتماعية ، وقد أصاب في هذا الاختيار ، لأن العيب الاساسي في أكثر الدراسات والدعوات التي عالجت القضية ، هو عدم تحديد الموضوع ، ومعالجة قضايا في غاية السعة والتشعب ، هي عند التحديد العلمي موضوعات كثيرة ، لا يمكن ان تدرج في بحث واحد ، أو ان يقترح لها ضابط أو نظام واحد للبحث .

عدا عن هذا الاستطراد ، فقد لفت نظري في مقال الاستاذ القفاري مسمى (الطريق الثالث) وكنت اتساءل في نفسي كلما قرأت مساهمة حول الموضوع : هل ينبغي حقا التفكير في طريق ثالث ؟ .

المسلمون الذين سبق لهم الدعوة إلى طريق ثالث ـ معظمهم على الأقل ـ افترضوه شيئا جديدا ، مستقلا ومختلفا عن الطروحات السائدة ، الليبرالية والاشتراكية وما هو تجميع من هذي وتلك ، وهذا الاقتراح يثير إشكالين كبيرين :
الأول : هل لدينا مشروع اسلامي جاهز ليحل مكان أحد الطريقين؟.
الثاني : على افتراض ان الاسلام هو الطريق الثالث ، فما هو حجم الفجوة التي تفصله عن كل من الطريقين السابقين ، وهي فجوة تتضح خصوصا في حال الانتقال ، وليس بعيدا عنا ما حدث في روسيا منذ أن بدات الانتقال من الاشتراكية إلى الليبرالية ، في بداية التسعينات ، وهي فجوة تحولت إلى هوة قاتلة ، ما تزال تحصد الضحايا حتى هذا اليوم .

والمراد من السؤال الأول ، تقرير ان ثمة فرق بين مشروع العمل الذي يقوم على فلسفة الاسلام وفي إطاره ، وبين صورة الاسلام المتداولة عند عامة المسلمين وكثير من الدعاة ، وهي صورة تميل بشدة نحو التبسيط ، ان صورة الاسلام التطبيقي في أذهاننا ، هي تركيب غير تاريخي لبعض مشاهد التاريخ ، وعامل التركيب الذي جمع بين هذه المشاهد ، هو الشوق إلى تصور المثال ، وليس المعرفة أو الدليل ، ولا يخفى اننا بحاجة إلى فقه جديد ، متصل مع العصر وتحدياته ، لا سيما في المجالات التي أهملها الفقه التقليدي .

أما المراد من السؤال الثاني ، فهو تقرير الحاجة إلى طرح المشروع الإسلامي المعاصر ، باعتباره متصلا ومتواصلا مع تجربة الانسان المعاصر ، وليس إقحاما للتاريخ في الحاضر ، ونحتاج هنا إلى إعادة فهم المشروع الإسلامي ، باعتباره حلقة أعلى في مسيرة البشرية ، وليس قفزة خارج هذا المسار ، ويؤول تقرير هذا الفهم إلى احترام ما توصل اليه الانسان من معرفة لذاته وللطبيعة ، وتقرير لمكانته بين مجمل المخلوقات ، وفي مقابل أخيه الانسان ، واعتبار محصلة هذه المعرفة ، أساسا يسهم في حمل المشروع ، ضمن هذا الفهم فقد لا نكون بحاجة إلى طريق ثالث ، بل إلى استكمال ما ينقص منظومة افتراضية ، نتفق على اعتبارها نقطة الاتصال بين ما هو سائد وما هو مطلوب.

مقالات ذات علاقة

عكاظ 15-12-1998

تصنيف الناس سلوك طبيعي.. ماذا عن الكراهية؟

"كل المثقفين هكذا .. يتفلسفون في كل مسألة ، يطيلون الكلام في كل زاوية. والنتيجة؟..   تاثيرهم صفر..". هكذا علق أحد القراء الأعزاء ع...