‏إظهار الرسائل ذات التسميات اقتصاد السوق. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات اقتصاد السوق. إظهار كافة الرسائل

16/04/2026

ما يجب على الدولة وما لا يجب

 في المجادلات العادية ، يبدو أكثر الناس مقتنعين بأن "اقتصاد السوق" نموذج أمثل للتنمية وتحسين الأداء الاقتصادي والمالي للبلد ككل. لكن هذه القناعة سرعان ما تنحسر حين تطل الأزمات الاقتصادية برأسها المخيف.

ليف يرمييف - مصمم سيارة فولغا - جاز

تطبيق هذا النموذج بالتمام والكمال ، ليس ممكنا في رأيي ، ضمن الظروف التي نعرفها في عالم اليوم. لو أردنا تطبيق النموذج الصافي لاقتصاد السوق ، فسوف تنحسر وظيفة الدولة إلى حماية الحدود وردع الجريمة. وهو دور قارنه فرديناند لاسال ، السياسي الالماني ، بوظيفة "الحارس الليلي". وقد عرض هذا الوصف في سياق السخرية من التيار الليبرالي. لكن فيلسوفا أمريكيا معاصرا هو روبرت نوزيك ، دافع عنه بقوة ، واعتبره النموذج الأمثل ان أردنا صيانة الحريات الفردية ، وازدهار شخصية المواطن.

المقارنة بين النموذج الليبرالي ونقيضه الاشتراكي ، ستنتهي غالبا لصالح الأول. احتفاء النموذج الليبرالي بالمبادرات الفردية وتكريمها ومكافأة أصحابها ، هو احد الاسرار الكبرى وراء التقدم العلمي والتقني للمجتمعات الغربية ، وما رافقها من ثراء وازدهار معيشي. بينما يكافح الناس في ظل النموذج الاشتراكي أشد الكفاح ، كي يضمنوا مستوى بسيطا من العيش ، يؤمن الضروريات فحسب. قارن مثلا بين مكاسب هنري فورد ، مصمم سيارة فورد الامريكية ، ونظيره ليف يريمييف مصمم سيارة فولغا السوفيتية: يعد فورد واحدا من أغنى رجال العالم. ولازال اسمه علما بارزا ، وتراثه المادي ضخما حتى اليوم ، وقد كتب عن سيرته واعماله عشرات المقالات والكتب. في المقابل عاش المصمم السوفيتي حياة عادية كموظف حكومي ، ولم يكتب عنه ، ولم يحصل على أي مكسب سوى شهادات تقدير. ونحن لا نعرف اليوم عنه أي شيء ، فهو لا يعد شخصية عامة او رجلا مشهورا ، رغم تاثيره العميق في الصناعة السوفيتية. ولو ذهبت الى الصناعة العسكرية لتسأل عن مصمم طائرة الميغ المقاتلة ، وهي فخر الصناعة العسكرية السوفيتية ، فلن تجد الحال مختلفا. اسأل عن مصمميها وصانعيها الأوائل ، ماذا جرى لهم وما هي مكاسبهم؟.. سترى انهم عاشوا وماتوا من اجل الحكومة ، ولم يحصلوا هم ولا عائلاتهم على مكاسب ، تحفز من خلفهم على سلوك طريق الصناعة والاختراع.

أي مقارنة بين النموذجين ، على مستوى العائد المادي ، وعلى مستوى الحريات الفردية ، والمشاركة السياسية ، ستنتهي لصالح الاقتصاد الحر ، دون أدنى شك.

مع ذلك فثمة كثير من الناس العاديين ، فضلا عن العلماء والسياسيين وقادة الرأي ، يشعرون بقلق من هيمنة هذا النموذج. وقد عرضت في الأسبوع الماضي رؤية المفكر المجري – النمساوي كارل بولانيي ، الذي قدم مجادلة قوية ضد اقتصاد السوق ، مع أنه لم يطالب باحلال النموذج الاشتراكي بدلا عنه.

وهنا يظهر الفارق بين معارضي اقتصاد السوق على أرضية ماركسية ، ومن يعارضه على أرضية مجتمعية communitarianism، وهي تيار يتبنى خطا وسطا بين الاشتراكية والليبرالية. يطالب دعاة هذا النموذج بدور أوسع للدولة في إدارة الثروات العامة ، لكن من دون تقييد للحريات الفردية او تدخل في خيارات المواطنين. كما يدعون الى اخراج مجموعة من النشاطات الحياتية الأساسية (التي يتعامل معها اقتصاد السوق ، كسلع تجارية) من دائرة التعامل التجاري ، واهمها الأرض والتعليم والصحة وكفالة العاجزين عن إدارة انفسهم.

أعتقد ان تطبيق النموذج الصافي لاقتصاد السوق ، كما يدعو روبرت نوزيك مثلا ، لن يحول السلطة الى المواطنين ، كما يفترض ، بل سيحولها الى السوق وقادتها ، وهؤلاء سيحكمون المجتمع من خلال التحكم في مسارات العرض والطلب على السلع والوظائف وراس المال.

لا أظن أحدا يرغب في هذا ، كما لن يرغب احد في النموذج الاشتراكي الصافي ، حيث الملكية الفردية ضيقة او شبه معدومة. لهذا يبدو ان الطريق الثالث ، الذي يجمع بين الضمان والحرية ، هو الخيار المعقول. وهذه قصة أخرى نعود اليها في قادم الأيام.

الشرق الأوسط الخميس - 28 شوّال 1447 هـ - 16 أبريل 2026 م https://aawsat.com/node/5262852

مقالات ذات علاقة

 

 الاساس النظري لدور الامة في الدولة
التفكير الامني في قضايا الوحدة الوطنية
الحرية ، دراسة في المفهوم والاشكاليات
دفاع عن السوق "غير" الحرة
دولة الاكثرية وهوية الاقلية
سجالات الدين والتغيير في المجتمع السعودي (كتاب)
السلطة باعتبارها وكالة عن المجتمع
شراكة التراب وجدل المذاهب
 شراكة التراب كتطبيق لمبدأ العدالة الاجتماعية
شراكة التراب وعدالة النظام الاجتماعي
الشراكة في الوطن كارضية لحقوق المواطن
الطريق الى مجتمع عادل
العدالة ، رضا الناس ، وسيادة القانون
العدالة السياسية ، الامس واليوم
العدل فوق الهوية
ما الذي تريد حقا.. الحرية ام رغيف العيش؟
مفهوم الحق ومصادره
مكانة العامة في التفكير السياسي الديني: نقد الرؤية الفقهية التقليدية للسلطة والاجتماع السياسي
 من التوحيد القسري الى التنوع في اطار الوحدة
من دولة الغلبة الى مجتمع المواطنة: مقاربة دينية لمبدأ العقد الاجتماعي
الوطن ، الهوية الوطنية ، والمواطنة: تفصيح للاشكاليات
وطن الكتب القديمة
الوطن شراكة في المغانم والمغارم

09/10/2025

من اقتصاد السوق الى مجتمع السوق

 

في سبتمبر الماضي نشر د. فهد الخضيري ملاحظة للطبيب المصري د. يحي النجار ، يقول فيها انه شهد سيدة فقيرة بحذاء بلاستك تدخل عيادته ، فيصرف خمس دقائق على فحصها ، فتدفع له ما يكسبه زوجها من عمله في أسبوع عمل كامل. ثم يستدرك ان هذا عمل تستحي منه الإنسانية. ولهذا قرر جعل فحص الفقير والطفل اليتيم مجانيا. وقد حصدت الرسالة تفاعلا استثنائيا ، من جانب رواد منصة التواصل الاجتماعي "اكس".

قبل هذا ، في 26 فبراير الماضي ، عثر عامل صيانة ، بمحض الصدفة ، على جثة الممثل الشهير جين هاكمان ، الذي توفي بعد أسبوع تقريبا من وفاة زوجته في الغرفة المجاورة. يرجح ان الزوجة توفيت في 11 فبراير وتوفي هاكمان ، الممثل الحائز على جائزة الاوسكار مرتين ، في 17 فبراير. الجيران الذين تحدثوا للصحفيين ، قالوا ان الزوجين كانا منعزلين ، نادرا ما يزورهما أحد ، رغم ان هاكمان لديه ثلاث بنات من زواج سابق ، وبالطبع ، الكثير من زملاء وأصدقاء العمل. لكن أيا من هؤلاء ومن الجيران ، لم يفتقد الزوجين ولم يسأل عنهما طيلة أسبوعين على الأقل.

جين هاكمان

سيدة على صلة بالزوجين ، قالت فيما يشبه رثاء الذات ، ان حياة الناس تحولت الى ركض وراء المال. حتى العلاقة مع الاهل والأصدقاء باتت تقاس بالعائد او الفاقد المالي ، وكذا الخدمات البسيطة التي اعتاد الناس تقديمها لبعضهم ، تأكيدا للمحبة او الشفقة. فاذا بلغ الشخص خريف العمر ولم يعد مفيدا تجاريا ، فسوف تنتهي حياته الاجتماعية ، وسوف ينتقل الى هامش الحياة ، مثل سيارة قديمة تنقل بعد سنين من الاستعمال ، الى ساحة التشليح او حاشية الطريق.

الذي يجمع بين قصة الطبيب النجار وقصة الممثل هاكمان وامثالها ، هو ان الوقت الاجتماعي بات سلعة. أناس كثيرون باتوا يأبون إنفاق وقتهم في أشياء ضرورية جدا لأشخاص آخرين. يمكن ان يكون هؤلاء الاخرون أبا او اخا او صديقا او مريضا فقيرا او طفلا ، او أي شخص وضعته الحياة في طريقنا ، فهل نحن مستعدون لابطاء حركتنا ، او حتى التوقف من أجل ان نتعرف عليه او نساعده او نعطيه أملا؟.

يعتقد البروفسور مايكل ساندل ، وهو فيلسوف أخلاقي معاصر ، ان المشكل ليس البخل او قلة الأدب او قلة الاكتراث ، بل الانزلاق الذي لا نلاحظه بدقة ، من شعار "اقتصاد السوق" الى واقع "مجتمع السوق".

خلال الخمسين عاما الماضية ، بات اقتصاد السوق قرينا للازدهار والرفاهية. بل ان الفيلسوف المعاصر روبرت نوزيك ، اعتبره سبيلا وحيدا لاقامة العدالة في توزيع الثروة والفرص. وبشكل عام ، ورغم كل عثرات هذا النموذج ، فان التجربة العملية تؤكد فرضية انه الآلية الأكثر كفاءة لتنظيم الإنتاج والتوزيع ، والعون الأكبر لتحويل الأفكار الى محرك للابتكار والثروة.

معظم الناس يدعمون هذه الفكرة. لكن بعضهم أشار دائما الى مجال لا يمكن لاقتصاد السوق ان يعالجه بشكل جيد. خذ مثلا ظاهرة المشردين الذين تعج بهم المدن الكبرى في القارتين الامريكية والأوروبية ، الذين يعيشون في الخرائب او ربما على الرصيف ، لأنهم لا يملكون سكنا ولا المال اللازم لاستئجار مسكن. وخذ أيضا رفض المستشفيات الخاصة علاج حالات طارئة لان المريض ليس مسجلا في نظام التامين الصحي ، حتى ان بعض الناس توفوا في انتظار الموافقات وتأمين الأموال..

يتحول المجتمع الى سوق ، وتمسي الحياة الاجتماعية امتدادا للسوق ، اذا بات كل شيء يشترى بالمال ، بما فيه الصداقة والمحبة والتعاطف والوقت الاجتماعي والكرامة والفرح والحزن والألم والسعادة. قد يبدو هذا الكلام مبالغا نوعا ما. ولحسن الحظ فلازال المجتمع العربي بعيدا عن هذه الحالة. لكن انظر لما تنشره الصحافة ومنصات التواصل الاجتماعي ، من امثلة شبيهة لما ذكرته في السطور السابقة ، ثم سائل نفسك عن مصدر هذه الحالات واسبابها.. سترى الجواب واضحا تماما.

الشرق الاوسط - الخميس - 17 ربيع الثاني 1447 هـ - 9 أكتوبر 2025 م   https://aawsat.com/node/5195279

 

28/08/2004

التنمية على الطريقة الصينية : حريات اجتماعية من دون سياسة


يقال عادة ان التنمية السياسية ليست وصفة جاهزة  قابلة للتطبيق في كل زمان ومكان . منذ اواخر الستينات الميلادية اصبحت المقومات المحلية للتطور السياسي – او الخصوصيات كما تسمى احيانا - الموضوع المحوري للابحاث حول امكانات النمو وعوائقه. الخصوصية قد تكون وصفا ايجابيا ، بمعنى وجود فرص افضل لتنمية سياسية واسعة ، وقد تكون وصفا سلبيا بمعنى انعدام او عسر فرص الحراك السياسي او الاقتصادي او ضيق الامكانات المتاحة للنمو.
رغم كثرة الدراسات حول التنمية في العالم الثالث ، فان الاهمية الكبرى تعطى في العادة للوصف الذي يقدمه مفكرو كل بلد عن خصوصيات مجتمعهم ومدى قربها او بعدها عن معايير التنمية المتعارفة عالميا . في حقيقة الامر فان مفكري كل بلد مطالبون باقتراح النموذج التنموي الاكثر تلاؤما مع ظروف مجتمعهم الاقتصادية والثقافية وطرحه للنقاش. وفي الوقت الراهن فان علم التنمية يتمثل في مجموع الابحاث المحلية والمناقشات المتعلقة بها ، ومقارناتها مع المعايير العامة لفكرة التنمية الشاملة .
نموذج التنمية هو تركيب منظومي من المفاهيم الاساسية ، الاهداف المرحلية ، الطرق وادوات العمل التي تصمم على ضوء الشروط الخاصة للمجتمع المحلي . انه بكلمة اخرى النموذج المتعارف في العالم مع بعض التعديلات ، من اضافة او حذف.  من بين النماذج التي حققت نجاحا ملحوظا ضمن شروط العالم الثالث ، يعتبر النموذج الصيني متميزا ، لا سيما في ظل تغير اسواق العمل الدولية خلال العقد المنصرم.
يقوم هذا النموذج على اعتبار الاقتصاد محورا اساسيا – بل وحيدا الى حد كبير – للنمو ، ولهذا فهو يعتبر قاصرا عن المقاييس العالمية المتعلقة بالتنمية الشاملة . لكن الصين لفتت الانظار بقدرتها على تصميم منظومة من المحفزات للنمو جعلتها الهدف المفضل للاستثمارات الدولية . والحقيقة ان عددا هائلا من الشركات الكبرى في الدول الصناعية قد نقلت جانبا مهما من اعمالها الى الصين ، الامر الذي وفر لها فرصة لنمو سنوي ثابت في الناتج القومي ، كان هو الاعلى عالميا خلال السنوات الماضية . وخلال العام الجاري كان الحجم الهائل للنمو في هذا البلد سببا في ضغوط قوية على اسواق المواد الانشائية والوقود في العالم كله .
يقوم النموذج الصيني على استبدال الديمقراطية بالحريات الاجتماعية والثقافية . لقد اصبح من البديهي اعتبار الحريات العامة وحاكمية القانون قاعدة اساسية لاي تحرك تنموي . ان الاستثمار طويل الامد غير متوقع في مجتمعات تغيب عنها الحريات وسيادة القانون . والحقيقة ان دولا كثيرة – معظم دول الشرق الاوسط مثلا - قد حاولت اقناع العالم بان هيمنة الدولة يمكن ان تعوض عن سيادة القانون وان الانضباط هو بديل افضل عن الحرية ، وقد نجحت احيانا في استقطاب مستثمرين مهتمين بالميزات النسبية التي تتمتع بها هذه البلدان .
الا ان الاستثمارات الاجنبية منها والمحلية بقيت محدودة جدا بالقياس الى حركة راس المال العالمي . وكشف تقرير نشر العام الماضي ان الصين وحدها استقبلت ما يزيد عن مئة ضعف ما حصلت عليه اقطار الشرق الاوسط مجتمعة من استثمارات . كما ان تقريرا اخر يظهر ان الاموال الخليجية التي استثمرت في اوربا وشرق اسيا زادت خلال العقد الماضي عن تلك التي استثمرت في الخليج نفسه.
لا يفاخر الصينيون بالديمقراطية فهم يفتقرون اليها ، لكنهم يفاخرون بالحريات الاجتماعية والثقافية الواسعة وسيادة القانون التي تعني المساواة بين الجميع في الفرص وامام القانون ، كما تعني الشفافية والتاكيد على المسؤولية والمحاسبة. وتدعي الحكومة الصينية انها قد نجحت بنهاية العام الماضي في توفير التعليم الالزامي لكل الاطفال ، بمعنى انه لم يعد اي طفل في سن الدراسة خارج المدرسة. بالنسبة للمستثمر فان ما يهمه هو ضمان استثماراته على المدى البعيد . هذا الضمان مستحيل في غياب الحريات العامة وسيادة القانون . بالنسبة للحكومة فان الاستثمار الاجنبي يوفر وظائف للملايين من طالبي العمل .
يمثل النموذج الصيني – رغم قصوره في الجانب السياسي - محاولة ناجحة حتى الان في الربط بين حاجة السوق الدولية والميزات النسبية المحلية – اليد العاملة المؤهلة والرخيصة بالدرجة الاولى – والحدود الخاصة بالسياسة . لم يكن هذا الخيار سهلا او دون عوائق ، فقد تطلب تنازلات من النخبة الحاكمة وتركيزا على المواءمة بين عناصره المختلفة .
 عكاظ ( السبت - 12/7/1425هـ ) الموافق  28 / أغسطس/ 2004  - العدد  1168

تصنيف الناس سلوك طبيعي.. ماذا عن الكراهية؟

"كل المثقفين هكذا .. يتفلسفون في كل مسألة ، يطيلون الكلام في كل زاوية. والنتيجة؟..   تاثيرهم صفر..". هكذا علق أحد القراء الأعزاء ع...