‏إظهار الرسائل ذات التسميات حمزة المزيني. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات حمزة المزيني. إظهار كافة الرسائل

02/04/2026

قانون البحر

 هذا تعقيب على مقالة لأستاذنا د. جاسر الحربش ، خصصها لنقد حالة التشاتم في زمن الحرب ، بين من يفترض انهم أخوة ، تجمعهم الجغرافيا والتاريخ واللغة والدين والمصلحة. ثم وسع الدائرة قائلا ان قريبك هو "من يتوافق معك في حس العدالة والحقوق الإنسانية". وواضح ان هذا أوسع من الروابط المذكورة.

وفي مقالة الحربش من الحكمة ما يستحق التأمل ، في هذه المناسبة وكل مناسبة ، فهو يذكرنا بخير ما في الانسان ، أي العقلانية والتواصل والتسامح والوداد.

د. جاسر الحربش

وقد ذكرني كلامه هذا برؤية مماثلة للفيلسوف الهندي المعاصر أمارتيا سن ، دونها في كتابه "الهوية والعنف" الذي ترجمه استاذنا د. حمزة المزيني. وأرى هذا الكتاب واحدا من اهم الاعمال التي عالجت تأزم الهوية وعلاقتها بالعنف. وقد وضع على ضوء تأملات المؤلف في الصراعات الدائرة في المجتمع الهندي ، الذي يحوي عشرات من الهويات المتباينة.

يجادل "سن" بأن العنف لا ينفجر فجأة ولا يولد من العدم ، بل هو نتاج لتقلص الهوية الإنسانية الرحبة إلى انتماء ضيق واحد. يفترض ان يبدأ الانسان بفهم ذاته كانسان ، تجمعه صفات الإنسانية بجميع البشر على امتداد الكرة الأرضية. ثم ، في دائرة اضيق ، تجمعه لغته او دينه مع المنتمين لنفس اللغة او الدين ، ثم تضيق فتجمعه مع اهل مهنته او تياره الفكري او طبقته الاجتماعية ، ثم يأتي دور الانتماء الى قبيلته او مدينته ، وأخيرا يجمعه انتماؤه العائلي مع أقاربه وأهله. هذه الدوائر كلها تجتمع في لحظة واحدة تحت مظلة الوطن ، فتحتمي بالقانون الوطني الذي يحترمها ويضمن حرية التعبير عنها. في هذه الحالة ستكون الهويات العديدة مؤشرات على التنوع والثراء الثقافي وسعة الأفق.

فاذا تقلصت الهوية الإنسانية الرحبة الى انتماء ضيق ، أي بات الانتماء الديني مزاحما للهوية الوطنية او القبلية او القومية ، او تعارض الانتماء الوطني مع الدين او المذهب او القبيلة ، او رأى مذهبه او قبيلته او عائلته فوق الجميع ، عندئذ سينقلب المجتمع الإنساني الى جزر منفصلة متنافرة ، بدلاً من بستان متنوع الأشجار والثمار.

يرى "سن" ان تضخم الهوية وتأزمها ، قد يأتي تبعا لانزلاق المجتمع نحو التصارع الداخلي او الصراع مع الغير ، صراع تحركه دوافع سياسية او مصالح مادية. لكنه بعد ذلك ، يلبس عباءات مختلفة ، وطنية او دينية او قومية او أيديولوجية ، غرضها تسقيط الطرف المقابل وتبرير العدوان عليه. حين تطلق على الطرف المقابل صفة الكافر او المتخلف او الجاهل ، او أي صفة تحمل مضمونا تحقيريا ، فأنت تمهد – بقصد او دون قصد – للعدوان عليه ، وايذائه لفظيا او ماديا.

في هذا الاطار يستحضر "سن" حكمة هندية قديمة تسمى Matsyanyaya او قانون البحر ، لتعريف حالة المجتمع حين تغيب القيم الإنسانية المشتركة ، او تنحدر قيمة الانسان (بوصفه انسانا قبل ان يكون مسلما او مسيحيا ، عربيا او اعجميا ، امرأة او رجلا ، اسود اللون او ابيض.. الخ). "قانون البحر" يطابق ما نسميه "قانون الغاب": السمك الكبير يأكل الصغير ، من دون ان يتوقف لحظة فيسأل نفسه ان كان يفعل الصواب ام العكس.

هذا ما يحصل تماما في الصراعات والحروب: يبادر كل فريق لتجريد الفريق الآخر من الصفات الطيبة ، ويعرضه كمستحق للويل والثبور وعظائم الأمور ، فتصنع الاخبار ويجري تدوير القصص واحياء ما نسي منها وإعادة توجيهها لتشويه صورة الاخر ، حتى يسهل العدوان عليه من دون ان يتحرك ضمير او يتساءل احد: هل ما نفعله صواب ام نحن نرتكب الاثم ، حتى لو كان الطرف الثاني منافسا لنا او غريما.

تستخرج الحروب أسوأ ما في الانسان ، من غرائز العدوان والتلذذ بألم الاخرين والشماتة بضعفهم. ثم تستبعد الهويات الإنسانية الواسعة ، وتحصرها في هوية وحدة صلبة كالحجر. هذه الهوية الضيقة المتصلبة توفر الحجة التي تجعل "قانون البحر" موضع ترحيب في لحظات الجنون الجماعي.

الخميس - 14 شوّال 1447 هـ - 2 أبريل 2026 م https://aawsat.com/node/5257876

 

 مقالات ذات صلة

أزمة هوية؟

 اشكالية الهوية والتضاد الداخلي
اعادة بناء القرية .. وسط المدينة
الاقليات والهوية : كيف تتحول عوامل التنوع الى خطوط انقسام في المجتمع الوطني
الاموات الذين يعيشون في بيوتنا
أن نفهم الآخرين كما هم لا كما نتصورهم
بين هويتين
تأملات في حدود الفردانية
تكون الهوية الفردية
جدل الهوية الفردية وتأزماتها
حزب الطائفة وحزب القبيلة
حول أزمة الهوية
حول الانقسام الاجتماعي
الخيار الحرج بين الهوية والتقدم
الدين والهوية ، خيار التواصل والافتراق
سجناء التاريخ
عن الهوية والمجتمع
فيديو : نادر كاظم وتوفيق السيف حول اشكالات الهوية
القبيلة والطائفة كجماعات متخيلة
كيف تولد الجماعة
المساواة بين الخلق ... المساواة في ماذا ؟
مسيرة الهويات القاتلة
الهوية المتأزمة

25/01/2010

تجريم الكراهية


.
اتفق تماما مع الصديق الدكتور حمزة المزيني (الوطن 21-1-2010) في ان بلادنا بحاجة الى قانون يجرم اثارة الكراهية ويمنع المساس بالوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي. المجادلات الطائفية التي اثارها الشيخ محمد العريفي وردود الفعل عليها في اكثر من دولة خليجية كشفت عن تطور هام في العلاقات الداخلية باتجاه رفض استعمال الدين او المذهب كمبرر للتفارق او التمييز بين الاطياف الاجتماعية المختلفة .
د. حمزة المزيني
 تعرض الداعية المذكور لنقد واسع من جانب عدد كبير من الكتاب المحترمين في جميع الصحف السعودية ، وكانت الرسالة الضمنية في كل مقالة كتبت هي التشديد على اولوية الوحدة الوطنية واحترام المواطن سواء اتفق معك او اختلف عنك. بالنسبة للمملكة فان رد الفعل هذا دليل على اننا خرجنا او اوشكنا على الخروج من مرحلة سوداء شهدت انتقال الجدل المذهبي الى كل تفصيل من تفاصيل الحياة الاجتماعية وكلفتنا الكثير من الخسائر والالام .
 اعتاد مروجو الكراهية على التصفيق حين يتحدثون ، لكن هذه الحادثة كشفت عن انقلاب واسع النطاق ، فالرجل الذي اعتبر في الماضي نجما تلفزيونيا بارزا يتحمل الان اللوم من جانب القريبين اليه فضلا عن سائر الناس . هذا يشير في الحقيقة الى استعادة المجتمع للمبادرة ولا سيما في التعبير عن ارادته في احترام نفسه واحترام اعضائه بغض النظر عن انتماءاتهم الثقافية والدينية.
هذه الحادثة وامثالها تعيد الى دائرة النقاش مسالة العلاقة بين حرية الراي وحقوق الجماعة. وبالنسبة للداعين الى اطلاق الحرية الكاملة لاصحاب الاراء – ومن بينهم كاتب هذه السطور – فان تجاوز المتحدثين للمعايير المقبولة عند العرف او القانون يمثل تحديا جديا لتلك الدعوة .
 في الحقيقة فان مروجي الكراهية لا يملون من الادعاء بان ما يقولونه هو تعبير عن حرية الراي ، وسمعنا في الاسبوع الماضي زعيم الحزب اليميني الهولندي كيرت فيلدر ينتقد القضاء في بلاده لانه قبل دعوى تتهمه باثارة الكراهية. وكان فلدرز قد دأب على مهاجمة المسلمين في هولندا قائلا انه يمارس حقه الدستوري في التعبير عن رايه بحرية.
يعرف جميع دارسي القانون والسياسة ان حرية الراي حق لا نزاع فيه ، لكنهم في الوقت ذاته يؤكدون على ان ممارسة هذا الحق تترتب عليها مسؤولية تعادل – سعة وضيقا – نطاق التاثير وعمق الاثر الناتج عن تلك الممارسة . حين تتحدث في مسجد او راديو او تلفزيون او صحيفة ، حيث يستمع اليك مئات من الناس ممن تعرفهم وممن لا تعرفهم ، فان مستمعيك جميعا ، الحاضرين منهم والمحتملين ، لهم حصة في تحديد ما هو مقبول وما ليس مقبولا. انت الذي تحدد ما تفعله في مجالك الخاص اما في المجال العام فان المجتمع كله هو الذي يحدد ما هو مقبول من سلوك الانسان وكلامه وما هو غير مقبول. القانون هنا هو الحاكم لانه يمثل ارادة الجماعة.
نحن نعول على التزام الناس جميعا – ولا سيما الدعاة واهل الراي منهم – بحسن التعامل والحكمة ، وفوق ذلك بتقوى الله سبحانه في السر والعلن . لكننا ايضا نعتقد ان وجود القوانين ضروري لضمان الحريات الفردية من جهة وتعيين المسؤولية على من يسيء استخدام حقه وحريته او يسيء الى مصالح وطنية كبرى مثل الوحدة والسلام الاجتماعي .
واذا كان لنا ان نتعظ بتجارب غيرنا ، فان جميع دول العالم التي يتمتع مواطنوها بحريات واسعة ، وضعت في الوقت نفسه تشريعات تمنع بحزم استغلال الحرية في الاساءة للغير او اهانته او الحط من شأنه او التحريض على ايذائه. التوازن بين الحرية والمسؤولية هو السطر الاول في كل قانون يحمي حرية الراي والتعبير في كل بلد متقدم .
ثم اننا نفرق بين شخصية عامة وبين مواطن عادي . كلام الفرد العادي يؤثر على القليل من الناس ، بخلاف الشخص المعروف الذي يتاثر بكلامه كثير من الناس. لكل من هذين حق في التعبير الحر عن الراي ، وللشخصية العامة حق ارسخ واقوى ، لكنه بنفس المقدار يتحمل مسؤولية اكبر واثقل . اي ان المسؤولية عن الكلام والتصرف تتناسب طرديا مع النطاق الذي يتاثر بممارسة الحق. لا احد يستطيع تكميم افواه المتحدثين وليس من الصالح ان يفعل حتى لو قدر. لكن لا ينبغي السماح بتدمير السلم الاهلي والوحدة الوطنية ايا كانت المبررات ، وهل يوجد مبرر اهم من حفظ الاوطان ؟

تصنيف الناس سلوك طبيعي.. ماذا عن الكراهية؟

"كل المثقفين هكذا .. يتفلسفون في كل مسألة ، يطيلون الكلام في كل زاوية. والنتيجة؟..   تاثيرهم صفر..". هكذا علق أحد القراء الأعزاء ع...