‏إظهار الرسائل ذات التسميات جون رولز. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات جون رولز. إظهار كافة الرسائل

26/02/2026

العدالة السياسية ، الامس واليوم

التراث العربي مليء بالحديث عن العدالة. لكن مفهومها القديم يختلف قليلا عن نظيره السائد في عالم اليوم. يتلخص مفهوم العدالة التراثي في امرين: عدالة القاضي في اصدار الاحكام ، وعدالة الحاكم في المساواة بين افراد الرعية. والحق ان الرسالة الضمنية في كل من هذين المسارين ، تمثل جوهر فكرة العدالة ، أي سيادة القانون والمساواة.

لم يعد العالم بسيطا كما كان الحال في الماضي. لا القاضي يصدر حكمه بناء على كلام الخصمين ، ولا رئيس البلد يديرها من ديوانه ، كما يقولون ، بل بواسطة جهاز الدولة الذي تعاظم حجمه وتضخم ، حتى اصبح اكبر منظمة منفردة في أي بلد. بعبارة أخرى ، فان كلا الجهازين ، القضاء والحكم ، ما عادا قائمين بشخص القاضي او الحاكم ، بل يعتمدان على منظومة القضاء ومنظومة الدولة بأسرها. ومن هنا فان سلامة النظام القانوني وطريقة ممارسة السلطة او تنفيذ السياسات والاحكام ، هي محور مفهوم العدالة في العصر الحديث ، وليس شخص القاضي او الحاكم. ويطلق على هذا عنوان عام هو "العدالة الإجرائية" ويعنى به توافق الإجراءات الإدارية مع معايير العدالة.

هذا يثير – بطبيعة الحال – سؤالا مشروعا عن مفهوم العدالة المقصود هنا. السؤال ضروري ، لأن العدالة قد تفهم على أنحاء مختلفة عند الفلاسفة وعند عامة الناس. وقد أشرت في مقال الأسبوع الماضي الى "العدالة التوزيعية" باعتبارها جوهر عمل الدولة وغايتها الكبرى. وسوف اشرح بايجاز المقصود بهذا العنوان. لكن قبل ذلك يهمني الإشارة الى 3 عوامل ، في غاية الأهمية عند النقاش في موضوع العدالة ، ولاسيما في الاطار السياسي والاجتماعي:

العامل الأول هو ان القيام بالعدل في المعنى المتعارف اليوم ، مشروط بوجود نظام اجتماعي متوازن ، ونظام اداري قادر على تنفيذ التزاماته ، اي "مجتمع حسن التنظيم" حسب تسمية جون رولز.

العامل الثاني هو توفر مستوى معقول من مصادر العيش ، يكفي جميع السكان.

اما العامل الثالث فهو السلام الاجتماعي ، بمعنى كون الوضع في البلاد طبيعيا ، من سيادة القانون ، الى عدم كون البلاد في حالة غزو خارجي او حرب أهلية ، او كارثة طبيعية او مجاعة او انهيار اقتصادي. فحين يكون الوضع متدهورا ، لأي سبب من هذه الأسباب ، فان إقامة العدل ستكون على المحك ولن تكتمل ابدا.

حين تتوفر هذه العوامل (وهي متوفرة فعلا في معظم البلدان) يمكن إقامة العدل ، بمعنى وضع القوانين واللوائح والسياسات التي تحول النظام العام الى نظام عادل.

قلت ان مفهوم العدالة ليس واحدا عند جميع الناس. لكن كافة المفاهيم دون استثناء تنطلق من قاعدة المساواة بين الناس ، ثم تزيد شيئا أو تنقص شيئا ، كي تلبي مطالب موازية ذات قيمة ، او تحقق قيما في نفس المستوى ، مثل قيمة التكافل ، التي تعني مساعدة الشرائح العاجزة عن تدبير نفسها ، ولو بزيادة حصتها عما يحصل عليه الآخرون ، كما نفعل حين يمرض أحدنا ، فيحصل على علاج مكلف جدا ، لا يحصل عليه الأصحاء ، ومع ذلك لا يعارضون هذا التمييز.  كذلك الحال بالنسبة للأطفال ، الذين ننفق عليهم اكثر مما ننفق على البالغين الذين يعملون وينفعون البلاد فعلا. لأننا نعلم ان استمرار الحياة في المجتمع ، رهن بمنح الأطفال معاملة تمييزية ، حتى يشتد عودهم فينفقون على غيرهم ، كما فعلنا معهم.

تنطلق العدالة اذن من قاعدة المساواة ، وهي تعديل عليها وليست بديلا عنها.

- حسنا ما الذي نتساوى فيه؟. الجواب: هو توزيع الإمكانات المادية (الثروة) وفتح الباب للجميع للوصول الى الوظائف والمعلومات والمكانة الاجتماعية. هذا لا يعني توزيع المال على الناس ، بل جعل النظام الاجتماعي والاقتصادي مفتوحا ومولدا للفرص. هذه هي العتبة التي يعبرها جميع الناس ، ثم يجتهدون ويتنافسون ، فينال بعضهم كثيرا وينال غيرهم قليلا. وهذا هو التحقق المنطقي لمفهوم العدالة التوزيعية.

الشرق الأوسط الخميس - 09 رَمضان 1447 هـ - 26 فبراير 2026 م

 https://aawsat.com/node/5244927

مقالات ذات علاقة

تمكين المجتمع .. الخطوة الاولى
"شراكة التراب" كتطبيق لمبدأ العدالة الاجتماعية
عدالة ارسطو التي ربما نستحقها
العدالة الاجتماعية كهدف للتنمية
العدالة الاجتماعية وتساوي الفرص
العدالة كوصف للنظام السياسي
الغول
الليبرالية في نسخة جديدة: رؤية جون رولز
 معالجة الفقر على الطريقة الصينية
مفهوم العدالة الاجتماعية
من دولة الغلبة الى مجتمع المواطنة: مقاربة دينية لمبدأ العقد الاجتماعي
ما الذي تريد حقا.. الحرية ام رغيف العيش؟

 

01/05/2025

حقيقة "اليد الخفية" التي تحرك السوق

أرى ان تبلور مفهوم "الفردية" ولاحقا مبدأ "الفردانية" هو الحجر الأساس لمبدأ "حقوق الانسان" الذي يعرفه عالم اليوم. لا ينبغي – طبعا – تناسي الخلافات الواسعة حول مبدأ "الفردانية" في المجتمعات الليبرالية والتقليدية على السواء ، سيما مع ربطه - انصافا او تكلفا – بالميل الطبيعي عند بني آدم للاستئثار بالمنافع قدر امكانهم. ونعرف ان المجتمعات قد تعارفت منذ نشأتها ، على مراعاة الجماعة ، والتضامن بين أعضائها ، واعتبروا هذه من الاخلاقيات الضرورية للعيش السليم.

عموما ، فان الموازنة بين الفرد والمجتمع في الحقوق والتكاليف ، كانت موضع جدل على امتداد التاريخ. في مختلف الازمان ، كان الفرد مطالبا بغض الطرف عن حقوقه ورغباته ، وبالاندماج في الكتلة الاجتماعية ، كي يكسب لونها وهويتها. وفي المقابل ، كان ثمة محاولات لأفراد ، أرادوا الانعتاق مما اعتبروه قيدا متكلفا على حياتهم أو تطلعاتهم.

اني مقتنع تماما برؤية الفيلسوف المعاصر جون رولز ، التي تدعو لموازنة حاسمة بين حقوق الفرد والجماعة. لكني أعتقد أيضا ان الفردانية كمبدأ وكفلسفة ، ضرورة للتقدم والحياة الكريمة ، لا يمكن الاستغناء عنها ، وان مكانتها وأهميتها لا تقل عن الحرية والمساواة ، سيما في المستوى السياسي والتطبيقي.

كان آدم سميث ، الاقتصادي الاستكتلندي المعروف (1723-1790) قد أشار في كتابه المرجعي "ثروة الأمم" الى ما عرف لا حقا باسم "اليد الخفية". هذه الفكرة تعالج مسألة في عمق الجدل السابق الذكر ، اعني بها الدوافع الشخصية ، الأنانية في بعض الأحيان ، وتأثيرها على الاقتصاد المحلي ، وقدم رؤية عميقة جدا رغم بساطة عرضها ، في بيان ان  المبادرات المنبعثة من مصلحة شخصية ، ضرورية لتحريك عجلة الاقتصاد[1].

وفقا لهذه الرؤية فان المصلحة الشخصية هي الباعث وراء الغالبية الساحقة من تعاملاتنا مع الآخرين ، في الاعمال والسوق وغيرها. ولو أردنا مراقبة النوايا ، فان غالبية الافراد ينطلقون من رؤية ضيقة ، أنانية نوعا ما. لكن هذا التعامل ، أيا كان دافعه ، يؤدي بالضرورة الى منفعة عامة. خذ على سبيل المثال شخصا دخل المتجر لشراء معطف يقيه البرد. سوف يختار هذا الشخص المعطف الأنسب لحاجته وقدرته الشرائية ، بغض النظر عن حاجات البائع او ميول الجماعة. لكن البائع سينتفع من هذا التبادل ، حتى لو لم يكن مقصودا من جانب الشخص الذي أنشأ المعاملة. لا يقتصر الامر على البائع ، فالخياط الذي صنع المعطف والفلاح الذي انتج المواد الخام ، وعامل النقل الذي جلب هذه المواد ثم جلب المعطف الى المتجر ، والحكومة التي تفرض ضرائب على المشتريات والدخل ، سينتفعون جميعا ، بقدر قليل أو كثير ، مع انهم لم يكونوا مقصودين بالمنفعة ، بل لم يكونوا أصلا في ذهن الشخص الأول أو الثاني اللذين اشتركا في تلك المعاملة.

"اليد الخفية" ببساطة ، أشبه بالحجر الصغير الذي ترميه في بركة كبيرة ، فيحرك موجة تتسع كلما ابتعدت عن نقطة البداية. ذلك الحجر هو المبادرة الشخصية المدفوعة بمصلحة خاصة لفرد واحد ، اما البركة فهي الاقتصاد الوطني ، والموجات هي مجموع التبادلات التي تتولد نتيجة لتلك المعاملة الصغيرة. انها خفية لأن أحدا لم يقصدها ، مع ان المخططين وقادة الاقتصاد ، يعلمون تماما انها ستحدث على هذا النحو ، بل ويستطيعون تقدير حجمها وأثرها.

الواقع ان هذا يشبه تماما دور الفرد الذي يحاول ان يصنع شيئا لنفسه ، لاشباع فضول او صناعة ثروة او مجد. لكنه – من وراء هذا – يضع لبنة جديدة في عمارة التقدم وعمران العالم. لو نظرنا الى ابرز التطورات التي عرفها البشر ، سنجد انها نتاج مبادرات أفراد أرادوا منفعة انفسهم ، لكنهم أغنوا حياة البشر جميعا.

الفردانية ، رغم وصمها بالأنانية ، قد لا تكون سيئة دائما ، بل لعلي لا أبالغ لو قلت ان قتلها وتحجيمها كان طالع سوء في أغلب الأحيان.

الخميس - 04 ذو القِعدة 1446 هـ - 1 مايو 2025 م  https://aawsat.com/node/5138150

[1] لا بد من إشارة الى ان سميث تعرض لهذه الفكرة مرتين ، احداهما في كتابه "ثروة الأمم". ولذا ينسب اشتهار الفكرة الى الدراسات التي صدرت في النصف الثاني من القرن العشرين. لبعض المعلومات حول هذه النقطة ، انظر اورن كاس: البحث عن اليد الخفية ، مجلة التمويل والتنمية ، مارس 2025

.  انظر أيضا تحفظات ايمون باتلر: آدم سميث مقدمة موجزة ، ترجمة علي الحارس ، (مؤسسة هنداوي 2014)   الفصل السادس  https://www.hindawi.org/books/73597191/6/

 

12/07/2023

لو كان الانسان ذئبا لما تحضر

قبل عقدين من الزمن تقريبا ، كانت الدكتورة منى البليهد تعد اطروحتها للدكتوراه ، حول "الهوية الثقافية لدى طلاب وطالبات المرحلة الثانوية في المملكة". وفي اطار الابحاث الميدانية المتعلقة بالموضوع ، سألت د. البليهد عينة من طلبة الثالث ثانوي عن رأيهم في القول السائر "إن لم تكن ذئبا أكلتك الذئاب" فأجاب 70 بالمائة منهم بالموافقة عليه ، أي انهم مقتنعون بأنه لا يمنع الناس من العدوان عليك الا خوفهم منك. ثم تساءلت الباحثة: بعد بضع سنين سيلتحق هؤلاء بسوق العمل ، وسيتعاملون مع الناس ، فهل سيتمثلون دور الذئب حينذاك؟. 

تذكرت هذه القصة القديمة نوعا ما ، حين صادفت هذا الأسبوع أربعة كتاب ، اتفقوا في مقالاتهم على ان الانسان فاسد بطبعه ، وهذا ما يبرر ظلم الناس لبعضهم ، سيما من لا يعرفونهم. 

أعلم أن كثيرا من القراء الأعزاء يعتبرون هذا الامر من قبيل المسلمات. وربما استغربوا اعتراضي على الفكرة وانكارها جملة وتفصيلا ، فكيف تنكر ما اجمع عليه اهل العلم والشعراء جيلا بعد جيل؟. 

والحق ان غالب الثقافات القديمة ومن بينها العربية تميل بقوة الى هذا المنحى ولذا احتفل اسلافنا ومعاصرونا بأمثال قول المتنبي:  

"الظلم من شيم النفوس فان تجد...ذا عفة فلعلة لا يظلم"  

"ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه يهدم.. ومن لا يظلم الناس يُظْلمِ" 

ورأيت عددا من اجلاء المفسرين يصرف الآية المباركة "وحملها الانسان انه كان ظلوما جهولا" الى نفس المعنى السابق ، اي فساد الطبيعة البشرية. 

ولعل القراء الاعزاء قد لاحظوا ان فهم الطبيعة البشرية على هذا النحو ، قد اتصل بمفهوم الشجاعة ، فتحول المفهوم المركب الى تقديس للقوة المادية واحتفاء بالسيف ، كما في شعر زهير السابق الذي يحتفي بظلم الغير حماية للأرض والعرض ، وكأن هذا لا يسلم الا بذاك ، بل قيل هذا صراحة على لسان المتنبي "لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى...حتى يراق على جوانبه الدم" ومثله قول ابي تمام "السيف اصدق انباء من الكتب". مع ان الكتاب يصون حياة خلق الله والسيف يهدرها ، فلا ادري كيف يكون هذا اصدق من ذاك؟. 

لا بد من ايضاح ان تلك الابيات ، قيلت جميعا لمناسبات بعينها. ولعل اصحابها لم يقصدوا ان تكون الفكرة بذاتها مطلقة. لكن واقع الحال يخبرنا ان الرسالة الداخلية لكل منها ، قد تجردت عن ظرفها الخاص ، وتحولت الى مسلمة يتبادلها الناس في مختلف ازمانهم واحوالهم ، دون ان يتوقفوا قليلا لمساءلتها او التأمل في معناها ، وهو معنى ناقص ومجروح قطعا ، ان لم نقل انه خطأ في الجملة والتفصيل. 

من المفهوم ان كافة الامم والثقافات تحتفي بالسيف والسلاح. لكن عصر النهضة الاوروبية شهد حدثا مهما ، هو انكماش الفهم القديم للطبيعة البشرية ، وبروز مفهوم نقيض ينظر للانسان باعتباره عاقلا وخيرا ، بمعنى انه لو وقف امام خيارين ، فسوف يختار ما هو اصلح له ولغيره: انه يختار ما يصلح له لأنه عقلاني يحسب عواقب الافعال ، وهو يختار ما ينفع غيره ان لم يكن به ضرر على نفسه ، لأنه كائن اخلاقي. وفقا للفيلسوف المعاصر جون رولز ، فان ما يميز الانسان عن بقية الكائنات ، هو قابليته لاكتشاف العدل والخير في الاشياء والافعال ، وتمييزه عن الشر ، واختيار الخير في معناه العام.  

الحقيقة انه لولا عقلانية الانسان وخيريته ، لما تقدمت البشرية ، ولبقيت مثلما كانت قبل الاف السنين. ان فعل الخير لا ينحصر في مساعدة الفقير والمسكين ، بل يشمل كل عمل يسهم في عمران الارض وتحسين حياة البشر وتطورها في اي صورة من الصور. وكل ما نراه من حولنا شاهد على عقلانية الانسان وخيريته. 

الشرق الأوسط الأربعاء - 24 ذو الحِجّة 1444 هـ - 12 يوليو 2023 م 

مقالات ذات صلة: 

 

 

 

تصنيف الناس سلوك طبيعي.. ماذا عن الكراهية؟

"كل المثقفين هكذا .. يتفلسفون في كل مسألة ، يطيلون الكلام في كل زاوية. والنتيجة؟..   تاثيرهم صفر..". هكذا علق أحد القراء الأعزاء ع...