‏إظهار الرسائل ذات التسميات سوريا. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات سوريا. إظهار كافة الرسائل

24/07/2025

كفوا السنتكم.. اصلحكم الله

 لقيت يوما دبلوماسيا من هولندا ، عمل في لبنان وتزوج فيه ، فصرفنا معظم الوقت في نقاش عن ذكرياته وتأملاته عما رأى هناك. وذكر لي نقطة كنت قد لاحظتها أيضا ، وهي التسييس الشديد لكل مسألة ، حتى رسوم الكهرباء وتنظيف الطرقات وتشجيع السياحة وأمثالها. وكان مما أخبرني انه التقى قريبا بأهل زوجته ، فدار الحديث كالعادة عن أهل السياسة ونزاعاتهم ، فسألهم: لماذا لا يتحدثون عن أمور قريتهم: عن البلدية والنظافة والمركز الصحي والمدرسة.. الخ ، فقالت له إحدى السيدات: ان المشكلة كلها في الرؤوس ، فاذا صلحت صلح كل شيء. ثم عادوا لحديثهم المعتاد. وفي اليوم التالي سألهم ان كانوا قد توصلوا الى شيء ، فأخبره احدهم انهم يتحدثون في ذلك الامر وغيره ، على سبيل التسلية وقتل الوقت ، لا أكثر ولا أقل.

قال لي الرجل ان الوضع هناك يستحيل إصلاحه. لأن السياسة ابتلعت كل شيء. السياسة – بطبعها – عالم متأزم ، لأن موضوعها الرئيس هو التسوية بين المصالح المتباينة ، وتهدئة النزاعات التي تتولد عن اختلاف التوجهات والمشارب. أما حياة الناس اليومية فتديرها الأجهزة المكلفة بالخدمات العامة ، مثل صيانة الطرق وتشغيل شبكات الكهرباء والهاتف والمرافق الصحية والتعليم ، وغيرها. فاذا دخلت هذه الأجهزة في بطن السياسة ، أو الحقت بالدوائر السياسية ، انقلب دورها من خدمة الجمهور الى الاغراض السياسية للجماعة الحاكمة او شركائها او حتى المعارضة.

اذا أردت أن تعرف كيف تبتلع السياسة كل شيء ، وكيف يجري تسييس كل شيء ، فاقرأ ما تنشره الصحافة من تقارير واخبار عن سوريا اليوم. واقرأ تعليقات الناس على مواقع التواصل الاجتماعي ، السوريين والعرب على حد سواء ، انظر لموضوعات جدلهم ، هل تجد فيها شيئا عن الزراعة وإعادة بناء القرى التي هجرت او خربت ، هل يتحدثون عن تأهيل الجرحى والمتضررين في المعارك السابقة ، وهل تسمع عن ترتيبات لاعادة ملايين السوريين الذين هجروا بلادهم الى دول الجوار ، وبعضهم لازال يعيش في مخيمات بائسة ، هل تسمع عن مشروعات تأهيل شبكات الماء والكهرباء والهاتف والمراكز الصحية... الخ.

هناك بالتأكيد خبر او اثنين عن كل من هذه المسائل. لكنها لا تكاد ترى. الموضوعات التي تحتل المساحة الاوسع هي المنازعات ، من تخوين وتكفير وتدليل على وجوب القتل والتدمير وافساد الحياة. إن أردت معرفة الروحية العامة التي تهيمن على هذه النقاشات ، فانظر الى لغتها الخشنة ، انظر الى مقدار الشتائم التي يستعملونها في وصف من يعتبرونهم اليوم أعداء ، مع انهم كانوا وسيبقون شركاءهم في الوطن وشركاءهم في القرار ، سواء أحبوهم أم أبغضوهم.

ماذا يستفيد شخص يعيش في حلب او دير الزور ، او في الكويت او القاهرة او بيروت ، او في لندن او ستوكهولم ، من شتم الناس المقيمين في السويداء او درعا أو حماة او إدلب ، حتى لو كانوا مخالفين له في السياسة او الدين. بل لماذا ينشغل بالجدل حول مشكلة السويداء او درعا او  القنيطرة او غيرها ، وهو  عاجز عن المشاركة في الحل ، أي ان كلامه سيكون مجرد تأجيج للمشاعر ، وتشجيع للكراهية ، بدل ان يكون مقولة خير او دعوة للخير.

اذا كان حريصا على ذلك الجزء من سوريا (او أي بلد آخر) فليدع الى حقن الدماء أولا ، وليفكر في الاعمال التي تعين على التسالم ، وتحسين الحياة والمعايش لعامة الناس ، خاصة أولئك المحتاجين للارشاد والمساعدة ، بدل ان يصرف طاقته في توزيع الاحكام والتهوين من قيمة الناس هنا او هناك.

قبل حوالي 30 عاما ، سأل احد الصحفيين المرحوم محفوظ النحناح ، السياسي الجزائري ، عن الحل الذي يقترحه للنزاع الأهلي الذي كان ناشبا في بلده يومئذ ، فتلى الآية المباركة "كفوا ايديكم واقيموا الصلاة". وانا أقول لهؤلاء الذين سيسوا كل شيء فأفسدوا السياسة ولم يصلحوا شيئا " كفوا السنتكم.. سكوتكم هو الغنيمة".. اصلحكم الله.

الخميس - 29 مُحرَّم 1447 هـ - 24 يوليو 2025 م

https://aawsat.com/node/5167935

مقالات ذات علاقة

عن طقوس الطائفية وحماسة الاتباع

فلان المتشدد

خديعة الثقافة وحفلات الموت

ما الذي نريد: دين يستوعبنا جميعاً أم دين يبرر الفتنة

اتجاهات في تحليل التطرف

ابعد من تماثيل بوذا

ثقافة الكراهية

تجريم الكراهية

تجارة الخوف

في انتظار الفتنة

غلو .. ام بحث عن هوية

15/05/2025

تجربة حزب البعث

 مع انهيار النظام السياسي في سوريا ، انتهى تقريبا "حزب البعث" الذي حكم بلدين عربيين مدة تزيد عن أربعين عاما.

تأسس حزب البعث العربي الاشتراكي في 1947 ، وشارك في الحكومة السورية منذ 1952 ، ثم انفرد بالحكم في 1963.  كذلك الامر في العراق منذ 1963 ثم انفرد بالسلطة في 1968 حتى الإطاحة به في 2003.

هذه تجربة سياسية عريضة ، لم يحظ بها حزب عربي آخر. مع ذلك فان تأثيره الثقافي والسياسي في المجتمع العربي ضئيل ، ونادرا ما لوحظ له وجود عميق أو مؤثر ، خارج البلدان التي حكمها او شارك في حكمها. حتى أنه بالكاد يذكر في العراق اليوم. ولم يكن السبب هو القمع او عداوة الحكومات المحلية في مختلف الأقطار. فهذا ظاهر حتى في البلدان التي سمحت له بالعمل العلني ، كما هو الحال في لبنان واليمن ، حيث اقتصرت عضويته على مجموعة صغيرة ، معظم اعضائها من كبار السن ، رغم سخونة المشهد السياسي في البلدين.

ميشيل عفلق مؤسس حزب البعث (1910-1989)

منذ سنوات طويلة ، دار سؤال جدي حول التأثير المحتمل لممارسة السلطة ، على كفاءة الحزب في التعامل مع التحولات الثقافية والاجتماعية ، وانعكاسها على موقف الجمهور من أي حزب سياسي. وقرأت لاعضاء سابقين نقاشا فحواه ان انفراد البعث بالحكم في سوريا والعراق ، جعله رهينة للسياسات الجارية في البلدين ، والتي لم تكن في غالب الأحيان مواتية او مريحة لعامة الناس. عدا هذا ، فثمة انطباع عام بين الباحثين ، خلاصته ان مشاركة أي حزب في السلطة ، سوف تحمله – بشكل شبه آلي – مسؤولية اخفاقاتها ، بنفس القدر الذي تجعله يجني ثمار نجاحاتها.

وأميل الى الاعتقاد – بناء على مراقبة تجارب – ان تمتع الحزب بالسلطة المادية ، قد عزز قناعة الأعضاء بعدم الحاجة الى مراجعة مبانيه الفكرية او مستهدفاته ، رغم التحولات العميقة التي عرفها المجتمع العربي ، خلال الحقبة الطويلة الفاصلة بين ظرف تأسيسه عقيب الحرب العالمية الثانية ، ونهايات القرن العشرين. المراجعة تعني نقد الذات او الإشارة الى أخطاء فكرية او عملية ، وهذه تتطلب استعدادا لتحمل مسؤولية الخطأ. فأين تجد الشجاع الراغب في تقديم نفسه قربانا للآخرين؟.

تمحور الخطاب السياسي البعثي حول ثلاثة اهداف كبرى ، وهي الوحدة العربية والحرية والاشتراكية. ونعلم ان الحزب لم يعمل بشكل جاد لتحقيق اي من هذه الأهداف. بل انه اخفق حتى في انشاء علاقة مودة بين دمشق وبغداد ، خلال حكمه فيهما. واخفق في احترام شعار الوحدة العربية في علاقته بمصر الناصرية ، ثم في علاقة دمشق مع بيروت وعلاقة بغداد بالكويت.

الشعار الثاني ، أي الحرية ، لم يكن احسن حالا ، فالحزب لم يتردد أبدا في قمع معارضي قيادته ، حتى لو كانوا من المناضلين والقادة المؤسسين ، فضلا عن غيرهم. وعلى أي حال فان الضيق بالرأي المختلف سمة ظاهرة عند العرب والمسلمين ، لذا لا نستبعد القول بان الحزب كان مرآة للمجتمع الذي أنتجه.

لا أظننا بحاجة للحديث عن الهدف الثالث للحزب ، أي الاشتراكية ، لأن كل ما عرفه العراق وسوريا من الاشتراكية هو هيمنة الدولة على مفاصل الإنتاج الوطني ، وتحويل جانب من القوات المسلحة والعديد من الدوائر الرسمية الى متاجر او منصات تجارية ، تنافس القطاع الخاص ، وتستعين عليه بقوة الدولة.

نعرف ان هذا التوجه قد ضيق مسارات الاستثمار المحلي ، كما اغلق الباب امام الاستثمار الأجنبي. وكانت النتيجة ان الاقتصاد في كلا البلدين بات هزيلا ومعتمدا تماما على النفقات الحكومية الجارية ، رغم الدعاية الواسعة عن المصانع والمزارع الضخمة وغيرها.

تجربة حزب البعث الطويلة ، جديرة بأن تقرأ نقديا ، كي نتفادى الوقوع في أحلام مماثلة ، لا نضمن نهاياتها. استطيع التأكيد ان عودة البعث الى السلطة احتمال مستحيل ، لكن القراءة النقدية تعيننا على معرفة الطريق نفسه ، بغض النظر عمن يحمل الاسم والشعار.

الخميس - 18 ذو القِعدة 1446 هـ - 15 مايو 2025 م   https://aawsat.com/node/5143198

مقالات ذات صلة

سوريا بين خيار دايتون والحرب الاهلية
سوريا في مشهد جديد
لماذا نجح الغربيون وفشلنا؟
مباديء اهل السياسة ومصالحهم
مصر ما زالت متدينة لكنها خائفة من التيار الديني
من التوحيد القسري الى التنوع في اطار الوحدة

اليوم التالي: ماذا سيجري لو سقط النظام السوري غدا

03/04/2025

من الفوضى الى الدولة المطلقة

 

سوريا ، السودان ، ليبيا ، واليمن ، اربع دول عربية تعيش مخاض الدولة المطلقة.

بيان ذلك: ان أي بلد لا يستطيع العيش في أمان واستقرار ، من دون حكومة قوية ، سواء كانت عادلة او جائرة. صحيح ان العدل هو مطلب الناس وغايتهم ، لكنه لا يتحقق الا بوجود حكومة قوية مستقرة. من هنا قال علماء السياسة بأن الخطوة الأولى لاستقرار السياسة العادلة ، هو وجود دولة قوية مطاعة. فاذا وجدت ، حان وقت الانتقال للمرحلة الثانية ، أي تنظيم إدارة الدولة على أساس المشاركة العامة للمجتمع في الحقوق والتكاليف.

يبدو لي ان معظم الدول النامية ، وقعت أسيرة الخلط بين المرحلتين ، فبعضها تجمد عند الأولى ، وبعضها انخرط في جدل مبكر حول المرحلة الثانية ، بحيث بدا للمواطنين واطراف المشهد السياسي ، ان الاتفاق على الخطوة الأولى ، مشروط باتفاق مسبق على تفاصيل الثانية. دعنا نأخذ مثلا من ليبيا ، حيث اتفقت القوى السياسية مرات عديدة ، على عقد انتخابات عامة لاختيار رئيس الدولة ، مع انهم لم يقيموا الحكومة الواحدة التي تبسط سلطانها على أرض البلاد أقصاها وأدناها.

ربما ظن الوسطاء الذين سعوا لحل الازمة الليبية ، ان انتخاب الرئيس سيوفر فرصة للاجماع على التمثيل السياسي للبلد. وهو ظن في غير محله. ولو حصل فسوف يكون الرئيس مجرد وسيط وطني ، يضاف الى الوسطاء الدوليين ، ولن يكون حاكما بالمعنى الذي نعرفه عن رئيس الدولة. السبب ببساطة هو ان مصادر قوة الدولة ، ولا سيما الأموال والقوات المسلحة ، في يد اطراف سياسية متنازعة ، لان الدولة المركزية غير موجودة في الأصل. على أي حال فحتى هذه الخطوة الرمزية لم يكتب لها النجاح ، فلم تعقد الانتخابات ولا انتخب الرئيس. وبقيت البلاد ، كما كانت منذ 2014 ، مقسومة بين حكومتين ، تسيطر احداهما على بعض الشرق ، والأخرى على بعض الغرب.

قيام الدولة الواحدة القوية ضروري للتطور السياسي. ومن دونه ستعود البلاد الى فوضى ما قبل الدولة ، كالذي نشهده اليوم في البلدان المذكورة.

حسنا. لماذا لا تبادر الأطراف السياسية للاتفاق على معالم المرحلة الثانية ، وتضعها كمسودة اعلان دستوري ،  ثم تتفق على إقامة السلطة الواحدة القوية؟.

الجواب معلوم: كل طرف لا يطمئن للآخر ، بل يخاف ان يقع في قبضته فيخسر حقوقه ، او يخسر فرصته في أن يكون حاكما او شريكا في الحكم.

لعلكم الان تقولون: ان هذه هي أيضا مشكلة السودان واليمن وسوريا. لماذا انفصل جنوب السودان عن شماله في 2011؟. لأن الرئيس السابق عمر البشير أبى ان ينتقل بالنظام السياسي من حكم الفرد الى المشاركة السياسية الفاعلة ، فضحى بوحدة البلد ، كي لا يخسر سلطانه. وحدث الامر نفسه في اليمن عام 1994 ، وحدث شيء قريب من هذا في سوريا خلال السنوات العشر الماضية ، حين ابى الرئيس السابق ان يشرك معارضيه في السلطة ، فقاد البلد الى ازمتها الحالية ، وكان في وسعه ان يبرز كمصلح تاريخي ، كما تأمل كثير من الناس.

في ظني أن جذر المشكلة ، في كل هذه البلدان ، هو ان الذين بيدهم مصادر القوة ، وخاصة أصحاب السلطة والسلاح ، لا يؤمنون بأن كافة المواطنين شركاء في سياسة بلدهم ، شراكة جذرها امتلاكهم لتراب الوطن ، وان هذه الشراكة مصدر لحق المواطنين في شراكة مماثلة في الشأن العام. بعبارة أخرى فهم لا يؤمنون بتساوي كافة أهل البلد في الحقوق والواجبات ، بناء على كونهم ملاكا لوطنهم ، وانهم – لهذا السبب أيضا – مكلفون بحمايته وتنميته وتطوير إنجازاته. وفي السياق نفسه فان الغالبية الساحقة من المواطنين ، لا يرون أنفسهم معنيين بالشأن العام ، أو ما يسمى في الثقافة العربية الدارجة "التدخل في السياسة".

الشراكة المتساوية بين المواطنين ، هي القاعدة الأولى لما يعرف في علم السياسة بالاجماع الوطني. والايمان بها هو الأساس لكل مجتمع سياسي حديث. ولنا عودة الى الموضوع في قادم الأيام.

الخميس - 05 شوّال 1446 هـ - 3 أبريل 2025 م  https://aawsat.news/vbvnp

مقالات ذات علاقة

 

20/03/2025

التطرف والانقسام

 في سبتمبر  2017 صوت غالبية الأكراد العراقيين (92%) لصالح استقلال إقليم كردستان ، بعد حوالي عقدين من الحكم الذاتي الموسع. هذا يشبه الى حد كبير مشهد جنوب السودان في يناير 2011 حين صوت 99% من سكانه على الانفصال عن الشمال.

بوسعنا ان نمر أيضا على الحرب الاهلية في جنوب اليمن عام 1994 ، والتمرد الذي أدى لانفصال باكستان الشرقية ، عن اختها الغربية ، وظهور دولة بنغلادش في 1971 ، او الحرب التي أدت الى تفكك يوغوسلافيا ، وقيام جمهورية البوسنة وكرواتيا والجبل الأسود في 1992 ثم انفصال كوسوفو عن صربيا في 2008.

هذه امثلة ، أحسب ان غالبية القراء الأعزاء يذكرونها ، وهي حوادث أدت أو كادت ان تؤدي الى تفكك دول ، ظن كثيرون انها راسخة الجذور عصية على التفكيك.

المؤكد ان كلا منا قد علم بتجربة واحدة على الأقل ، تتضمن حالات انفصال ، بين أزواج او اعضاء في عائلة واحدة أو شركاء في عمل تجاري ، يعرف كل العقلاء انه يؤدي الى خسائر كبيرة. مع ذلك ، فان الناس يقدمون عليه ، افرادا – كما في الأمثلة الأخيرة – او شعوبا كاملة  كما في الأمثلة السابقة.

السؤال الذي لا بد ان يواجهه اخوتنا في سوريا: ما هو الظرف الذي تبلورت فيه إرادة الانفصال وتفكيك البلد ، في التجارب التي ذكرناها ، وفي عشرات التجارب المماثلة على امتداد تاريخ العالم الحديث ، وما هي العوامل المماثلة التي قد تكون متوفرة فعليا في سوريا اليوم. التأمل في هذا السؤال ، سيأخذنا الى الجزء الثاني الأكثر أهمية: كيف نحول دون تفاقم العوامل الدافعة لانكسار الوحدة الوطنية ، وكيف نعزز إرادة العيش المشترك والسلم الأهلي؟.

ان سمحتم لي بالجواب ، فاني أرى أن ظرف انكسار الوحدة الروحية ، أي إرادة التعايش ، يتبلور عندما تشيع الميول المتطرفة وتنكمش الميول المعتدلة ، عند شريحة واسعة من السكان. التطرف يعني ان الفرد مطلع على الخسائر التي ستحصل جراء الانفصال ، لكنه مع ذلك يراه اقل سوء من أي ضرر يترتب عليه ، او لنقل انه يرى الوضع القائم اسوأ كثيرا من أي ظرف سيأتي بعد الانفصال. انه أشبه بالذي يقدم على الانتحار ، او يخوض مغامرة ، يعلم سلفا ان احتمالات السلامة فيها ، اقل من احتمال الهلاك. هذا تصور متطرف بلا شك ، واذا حمله الفرد فانه يعتبر متطرفا.

خلال السنوات العشر التي مضت من عمر الثورة السورية ، لم نسمع أحدا يتحدث عن تقسيم البلاد. حتى في المناطق الكرية التي انفصلت فعليا عن حكومة دمشق ، كان أقصى المطالب هو الحكم الذاتي ، على النحو القائم في كردستان العراق. اما اليوم فنرى خرائط عن ثلاث دول او اربع ، ونسمع أشخاصا يقولون دون اكتراث: اذا أرادوا ان ينفصلوا ، فليذهبوا الى الجحيم ، نحن أيضا لا نريد العيش معهم. وحين ينشر هذا الكلام على منصات التواصل الاجتماعي يتفاعل معه آلاف الناس ، مرحبين او رافضين.

أعلم ان من يقول هذا متطرف أو جاهل ، وان من يتفاعل معه مثله. لكن ما الذي جرى حتى بات الناس يائسين من الشراكة الوطنية ، غير مكترثين بانكسارها. يتحدثون عن تقسيم بلدهم ، كما لو كان وليمة يتنافس عليها البعض ويزهد فيها آخرون.

اني أتمنى من كل قلبي ان لا يصغي السياسيون الى من يدعوهم لارسال الدبابات والمدافع لقتل المتمردين. أتمنى ان لا يصغوا لمن يقول ان للاكثرية ان تقرر وان على الأقلية ان تسمع وتطيع. هذه الدعوات تنبيء عن ذهنية متطرفة ، وهي تؤدي الى اشعال جمرة التطرف عند الطرف المقابل. لو كان هذا مثمرا لكان بشار الأسد قد نجح في انهاء الثورة الشعبية طوال عقد كامل. ما يحتاجه السوريون هو احتواء الخائفين والغاضبين والمتشككين ، وليس قمعهم او اقصاءهم. هذا هو طريق السلامة ان اردنا العبور بسوريا الى بر الأمان.

الشرق الأوسط الخميس - 21 رَمضان 1446 هـ - 20 مارس 2025 م

https://aawsat.com/node/5123814

 مقالات ذات صلة

الازمان الفاسدة والناس الفاسدون

انهيار الاجماع القديم

بدايات تحول في الازمة السورية
التعايش أو التقارب.. طريق واحد
درس الكارثة: نظام عربي للاستحابة العاجلة
سوريا بين خيار دايتون والحرب الاهلية
سوريا في مشهد جديد
سوريا قد تكون بوابة الحرب الباردة

التفكير الامني في قضايا الوحدة الوطنية

دولة الاكثرية وهوية الاقلية

سوريا ليست معركتنا

 شراكة التراب وجدل المذاهب

شراكة التراب وجدل المذاهب

شراكة التراب" كتطبيق لمبدأ العدالة الاجتماعية

الشراكة في الوطن كارضية لحقوق المواطن

صورتان عن الانسان والقانون

الطائفية ظاهرة سياسية معاكسة للدين

طريق الاقلية في دولة الاكثرية

عرب اوكرانيا وعرب روسيا

الغول

في ان الخلاف هو الاصل وان الوحدة استثناء

القانون للصالحين من عباد الله

مجتمع العبيد

مجتمع العقلاء

مصير المقاتلين الامميين
من دولة الغلبة الى مجتمع المواطنة: مقاربة دينية لمبدأ العقد الاجتماعي

من التوحيد القسري الى التنوع في اطار الوحدة

الواعظ السياسي

وجهات "الخطر" وقهر العامة

الوطن ، الهوية الوطنية ، والمواطنة: تفصيح للاشكاليات

وطن الكتب القديمة

الوطن شراكة في المغانم والمغارم

لماذا نجح الغربيون وفشلنا؟

13/03/2025

لماذا نجح الغربيون وفشلنا؟

 النزاع الذي اندلعت نيرانه فجأة في اطراف سوريا ، بعد أسابيع قليلة من انتصار الثورة الشعبية ، تعيد تذكيرنا بأن خطوط الانكسار في البنية الاجتماعية العربية ، لا زالت فعالة ، وان ترسيخ السلم الأهلي مشروط بتصحيح عيوب تلك البنية ، ولاسيما جعل "مبدأ المواطنة" مضمونا وحيدا للعلاقة بين اعضاء المجتمع السياسي ، على المستوى القاعدي ، وبين المجتمع والدولة ، على مستوى السياسة والقانون.
التعدد الديني والعرقي هو الوضع الطبيعي للحياة في عالم اليوم. ويجب ان نكيف فهمنا للسياسة على نحو يستوعب هذه الحقيقة ، كي نتفادى الصراعات الداخلية. القبول المتزايد لهذه الحقيقة ، دليل على نضج البشرية واتساع وعيها بحقائق الكون وضروراته. التنوع قدر لا خيار لنا فيه ، هكذا خلقنا الله وهكذا نصير اليه.

من المؤلم القول ان المجتمعات الغربية تجاوزتنا بمسافة طويلة ، في الاقرار بالتنوع قانونيا وسياسيا وعمليا ، بينما لانزال نتحرك بسرعة السلحفاة. وهو أمر أسبابه معروفة لمن تأمل في البنية الثقافية-الاجتماعية ، ولم يكتف بالوقوف عند التبريرات اللفظية.

السؤال المثير للدهشة حقا هو : لماذا نجح الغربيون – ولو نسبيا – في تجاوز حدود الطوائف والاعراق والثقافات ، فما عاد أحدهم يخشى ان ينقض عليه الآخر أو ان يتآمر. نقول هذا مع علمنا بأن تلك المجتمعات قامت على أرضية تعاقد مادي ومصلحي. في المقابل فان مجتمعاتنا التي تتحدث كثيرا جدا عن التعاون والتكافل والتراحم ومحبة الآخر والايثار ، تبدو وكأنها تعيش على الدوام في مجتمع ما قبل الدولة ، حيث الجميع في حالة حرب مع الجميع ، على النحو الذي صوره توماس هوبز.

 غالبية الدول الإسلامية تعاني مما يمكن وصفه بأزمة هوية ، ليس عند الأقليات فقط ، بل وبنفس القدر عند الاكثريات أيضا. الأقليات تظن ان الأكثرية تظلمها حقها ، والأكثرية تظن ان الأقلية تخونها. وثمة لدى هذا الطرف عشرات من الأدلة التي تدعم دعواه ، ولدى الطرف الاخر أدلة مثلها. لكن السؤال الذي يبقى حائرا: لماذا تعاملت الأكثرية مع "افراد" الأقلية باعتبارهم جمعا واحدا؟ ولماذا فعلت الأقلية الشيء نفسه بالنسبة الى "افراد" الأكثرية.. أي بدل ان تؤاخذ المذنب ، وضعت كل من يشاركه الانتماء في قالب واحد ، وعاملتهم جميعا كمذنبين.

ثم دعنا نفكر في السؤال التالي: لماذا يناصر "افراد" كل طرف دعاوى فريقه من دون نقد او مساءلة؟. ولماذا لا يسمح هذا الجمع بمساءلة مواقفه ونقدها من داخل الجماعة ومن خارجها.

ان اردتم معرفة الطريقة التي يتشكل من خلالها الفارق البنيوي بين المسلمين وغيرهم ، انظر لسلوك الإسرائيليين خلال الحرب المشتعلة منذ أكتوبر 2023 في مقابل سلوك العرب: يخرج السياسيون والمواطنون والمحللون الإسرائيليون في الشوارع وعلى شاشات التلفزيون والصحف ، يوجهون اشد النقد للحكومة ورئيسها وللجيش وقادته ، وفي المساء يذهبون الى بيوتهم آمنين. اما على الجانب الفلسطيني والعربي ، فان الذي يوجه نقدا ولو بسيطا ، يتهم بالخيانة والعمالة والتصهين.. الخ. بعد حرب 1973 شكلت إسرائيل لجنة عالية المستوى لتحديد أخطاء القيادة ، وقد نشر التحقيق ، وترجم الى العربية باسم "التقصير". وهو يحوي نقدا شديدا للحكومة والجيش وأجهزة الأمن. فهل علمتم عن أي دولة عربية قامت بتحقيق مماثل ونشرته على الملأ؟.

سوف اتفاءل اذا سمعت ان اللجنة التي شكلتها الحكومة السورية للتحقيق في حوادث القتل التي جرت في الشمال الغربي ، تضم فعلا فريقا مستقلا غير منحاز ، او على الأقل ممثلين لمختلف الأطراف ، واعتمدت المعايير الدولية في التحقيق ، ثم نشرت في وقت قريب شهادات الذين استمعت اليهم ، وحددت المسؤولية عن الأفعال الشنيعة التي جرت منذ سقوط النظام السابق.

اصلاح البنية الاجتماعية المتأزمة يستدعي معالجة التأزم المزمن في الهوية عند الأكثرية والأقلية معا. وهذا لا يتم اذا اكتفينا باعلانات سياسية او حتى دستورية ، بل يحتاج أيضا لمبادرات سريعة عملية ، تعزز الاطمئنان وترسل رسائل لجميع من يهمه الأمر ، بان لدى الحكومة عزم أكيد على احتضان الجميع والتعامل معهم كمواطنين ، يحاسبون على فعلهم وليس على انتمائهم.

الشرق الأوسط الخميس - 14 رَمضان 1446 هـ - 13 مارس 2025 م https://aawsat.com/node/5121368

مقالات ذات علاقة

الازمان الفاسدة والناس الفاسدون

انهيار الاجماع القديم

بدايات تحول في الازمة السورية
التعايش أو التقارب.. طريق واحد
درس الكارثة: نظام عربي للاستحابة العاجلة
سوريا بين خيار دايتون والحرب الاهلية
سوريا في مشهد جديد
سوريا قد تكون بوابة الحرب الباردة

التفكير الامني في قضايا الوحدة الوطنية

دولة الاكثرية وهوية الاقلية

سوريا ليست معركتنا

 شراكة التراب وجدل المذاهب

شراكة التراب وجدل المذاهب

شراكة التراب" كتطبيق لمبدأ العدالة الاجتماعية

الشراكة في الوطن كارضية لحقوق المواطن

صورتان عن الانسان والقانون

الطائفية ظاهرة سياسية معاكسة للدين

طريق الاقلية في دولة الاكثرية

عرب اوكرانيا وعرب روسيا

الغول

في ان الخلاف هو الاصل وان الوحدة استثناء

القانون للصالحين من عباد الله

مجتمع العبيد

مجتمع العقلاء

مصير المقاتلين الامميين

من التوحيد القسري الى التنوع في اطار الوحدة

الواعظ السياسي

وجهات "الخطر" وقهر العامة

الوطن ، الهوية الوطنية ، والمواطنة: تفصيح للاشكاليات

وطن الكتب القديمة

الوطن شراكة في المغانم والمغارم

 

 

23/01/2025

"أيها الألماني اللعين"!

 هذه قصة نقلها د. عبد الله الغذامي ، المفكر السعودي المعروف ، وتحكي معاناة شاب أفغاني الأصل ، ولد في ألمانيا ويحمل جنسيتها ، لكنه مع ذلك واجه دائما من يذكره بأنه ليس ألمانيا حقيقيا ، "بيسري" وليس اصيلا ، حسب تعبير اشقائنا الكويتيين. وكان هذا يشعره بضيق شديد. لكنه سافر مرة الى سويسرا ، فشتمه نادل المقهى ووصفه ب "الألماني اللعين". تلك كانت اول مرة يشعر فيها بأنه الماني حقيقي. يعلق الغذامي على هذا قائلا ان تلك الشتيمة كانت صانعة لهوية الشاب التائه بين أصله وفصله ، بين ماضيه وحاضره.

ذكرني هذا بالدراسة القيمة التي وضعها أريك اريكسون ، عن المحددات السلبية للهوية. في ألمانيا ، عومل اريكسون كيهودي بغيض ، فهاجر الى أمريكا. لكن يهودها قاطعوه ، لأنه علماني ولأن زوجته مسيحية. من خلال معاناته الخاصة طور اريكسون سياقا بحثيا في علم النفس ، يدور حول "أزمة الهوية". وركز خصوصا على دور المحيط الاجتماعي في تصليب الهوية الطبيعية للفرد (الدين ، العرق ، اللون ، الجنس) ولا سيما في الاتجاه السلبي ، أي تحويلها الى خط انكسار في علاقة الفرد مع محيطه.

عالج هذه المسألة أيضا المفكر الفرنسي- اللبناني أمين معلوف ، في كتابه القيم "الهويات القاتلة". ولا بد ان الزملاء الذين قرأوا هذا الكتاب ، يستذكرون قوله الموجع: "غالبا ما نتعرف الى انفسنا في الانتماء الاكثر عرضة للتهجم". اخبرنا معلوف أن الهوية الفردية تتشكل في سياق تجاذب ، بين الترحيب من جهة والاقصاء من جهة أخرى. يسهم الترحيب في تنسيج هوية الفرد ضمن الهوية الاوسع ، بينما يؤدي الاقصاء الى تضخيم حدود الهوية الخاصة وابرازها على نحو متنافر مع الهوية العامة.

حسنا ، ما الذي يجعلنا نتذكر هذه القصة اليوم؟

الداعي لاستذكار مسألة الهوية ، هو الجدل الدائر في سوريا اليوم ، حول هوية البلد ، وبالتالي موقع الأقليات الدينية والعرقية في النظام السياسي الجديد. وقرأت تعليقا لشخص بارز في احدى الجماعات الدينية ، يعلن تبرمه بالأقليات التي حصلت على مكاسب في النظام السابق ، ومع ذلك فهي تطالب بمثلها في النظام الجديد. كما أشار خصوصا الى الجماعات الكردية التي تطالب بنوع من الحكم الذاتي ، شبيه بذلك القائم في العراق. وقال العديد من الناس مثل هذا. ولاحظت خصوصا ان الذين يصنفون انفسهم ضمن تيار الإسلام السياسي ، يتحدثون عن السلطة السياسية ، كما لو أنها "غنيمة" على النحو الذي شرحته في الأسبوع الماضي ، رغم انهم لا يقولون هذا صراحة ، بل يتحدثون عن "حق" الأكثرية في الحكم و "واجب" الأقلية في التسليم والطاعة. ونعلم ان ذلك الحق وهذا الواجب ، لا وجود له - على النحو الذي يذكرونه - في أي تشريع او فلسفة او منظور ديني او سياسي.

أمامنا أمثلة صريحة الدلالة عن أنظمة سياسية قامت على اقصاء المختلفين ، وأخرى استوعبتهم. جربت تركيا اقصاء الاكراد مدة تزيد عن 40 عاما ، وتسبب هذا في مواجهات كلفت البلاد عشرات الآلاف من القتلى وهجرت عشرات القرى ، دون ثمرة ، حتى اعترفت الدولة بالمشكلة ، وتبنت مشروعا يستهدف استيعاب الأقلية الكردية ضمن النظام السياسي القائم. فهل يريد السوريون إعادة اختراع العجلة؟.

الاكراد يمثلون مشكلة داهمة ، لأنهم القوة الأكثر جاهزية للصراع ، ولأنهم يسيطرون فعليا على مساحة واسعة نسبيا. لكن يهمني التأكيد على التعامل المنهجي وليس التكتيكي مع مشكلة الهوية. سيكون على السوريين استيعاب الأقليات الدينية والقومية العديدة ، فسوريا ليست ملكا لحكامها الحاليين او السابقين ، بل لكل سكانها ، أيا كانت اصولهم العرقية أو اديانهم او مذاهبهم. لا يمكن للحكومة ان تفرض دينها ولا مذهبها ولا توجهها السياسي على مخالفيها. كما لا يصح للأكثرية (في المعنى السياسي) ان تفرض رأيها على الأقلية. ينبغي القول بوضوح ان خطابا سياسيا يستوعب الجميع ، هو الذي يؤسس للهوية الوطنية الجامعة. وان الخطابات الانكماشية والاقصائية تفتح الباب للانهيارات القادمة.  

الخميس - 23 رَجب 1446 هـ - 23 يناير 2025 م     https://aawsat.com/nide/5104200

مقالات ذات صلة

افكار للاستعمال الخارجي فقط

بدايات تحول في الازمة السورية   

برنارد وليامز : الفيلسوف المجهول

حكومة اليوم وحكومة الأمس

شراكة التراب وجدل المذاهب

الطائفية ظاهرة سياسية معاكسة للدين

عدالة ارسطو التي ربما نستحقها

العدالة الاجتماعية كهدف للتنمية

العدالة الاجتماعية وتساوي الفرص

العدالة كوصف للنظام السياسي

فكرة المساواة: برنارد وليامز

في ان الخلاف هو الاصل وان الوحدة استثناء

الليبرالية في نسخة جديدة: رؤية جون رولز

ماذا تفعل لو كنت صاحب القرار في بلدك؟

مجتمع العقلاء

مفهوم العدالة الاجتماعية

من اراء الفيلسوف ديفيد ميلر

من دولة الغلبة الى مجتمع المواطنة: مقاربة دينية لمبدأ العقد الاجتماعي

الواعظ السياسي

 

 

سلوك النكاية

 اطرف رد تلقيته هذا الأسبوع ، سؤال استنكاري يقول صاحبه ".. وهل المركز الصحي او سفلتة الشارع في تلك القرية ، أهم من الوحدة العربية...؟...