‏إظهار الرسائل ذات التسميات تطوير التعليم. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات تطوير التعليم. إظهار كافة الرسائل

30/07/2026

خربوا هواتفكم .. خربوا سياراتكم!

كثير من الناس تابعوا خبر الاتفاق النووي بين السعودية والولايات المتحدة. ولكل سببه. بعضهم نظر للموضوع من زاوية سياسية ، وبعضهم اعتبره مفخرة للبلد ، وثالث نظر الى جانبه التجاري. بالنسبة لي فان الجانب الأكثر أهمية هو "كسر الحاجز التقني".

دعني أبدأ بهذه القصة التي مضى عليها أربعة عقود تقريبا. وخلاصتها ان احد تجارنا كان يملك مصنعا لتجميع الباصات الصفراء المعروفة. ثم اكتشف انه يستطيع استيراد الباص بكلفة اقل ، فقرر اغلاق المصنع. وحين سألته صحيفة عن ذلك ، قال بلسان فصيح ان بعض الشعوب قدرها ان تبرز في التجارة ، وبعضها في الزراعة ، وأخرى  في الصناعة. ونحن شعب قدر الله له ان ينجح في التجارة. بعد ذلك بعشرين عاما ، استمعت لرجل اعمال بارز في الاحساء ، وهو يتحدث عما أسماه "جميل صنع الله" وهو تقسيم الناس الى تاجر وعالم وحاكم وصانع ، هكذا ولدوا وهكذا سيعيشون ، وبه تنتظم الحياة.

أتوقع ان بعض الأعزاء سيضحك في سره على هذا المنطق. وبالمناسبة فهو لم يأت من فراغ ، فقد تبناه المعلم الأول ارسطو حين تحدث في "كتاب السياسة" عن نظام المدينة الفاضلة ، وتبناه استاذه افلاطون في "الجمهورية". وهو يرجع لقناعة شاعت في الماضي ، فحواها ان الصفات السلوكية تنتقل بالوراثة ، وان الأعراق تتمايز في قابلياتها الذهنية كما تتمايز أجسامها. ولعل قراء ابن خلدون يذكرون قوله ان العرب أهل حرب وغزو ، فما حلوا بلدا إلا وأسرع اليها الخراب ، لأنهم غير قادرين على البناء والصناعات.  

لتخفيف وقع هذه الاقوال ، قد يمكنني تأويلها بأن المقصود ليس التباين الجيني ، بل تباين البيئات التي يتربى فيها مختلف الناس. وقد أشار ابن خلدون وغيره الى تأثير الطقس على الميول الذهنية والسلوكية ، وهو يسمح بالقول بان أصحاب تلك الآراء لم يغفلوا دور البيئة والتربية. لكن هذا تأويل كما أسلفت ، والا فان القول بالوراثة كان شائعا في تلك الأزمان.  

نعلم اليوم ان هذه الآراء أقرب الى "السوالف" او العلم الزائف ، بحسب تعبير الفيلسوف كارل بوبر. خلق الله الناس جميعا بعقول متساوية ، فهم يتمايزون في افعالهم وافكارهم وتطلعاتهم ، بحسب البيئة الطبيعية والاجتماعية التي عاشوا وسطها. مع هذا فكل انسان لديه عقل قادر على انتزاعه من بيئته وجماعته ، والانتقال به الى نقيضها لو شاء.

العلم والصناعة من ثمار العقول. ونحن قادرون عليها مثلما قدر غيرنا. وغاية مانحتاجه هو:

١) الايمان العميق والعملي بأننا لا نقل عن غيرنا.

٢) إزالة العوائق التي تعرقل المؤمنين بقدرتهم.

3)اختيار نقطة الانطلاق.

أعتقد أن معظمنا يعرف العوائق ، او يعرف بعضها. لذا سأكتفي بالاشارة لعائق واحد ، اسميته "هيبة التقنية".

"هيبة التقنية" ببساطة ، هي توهم انني لا استطيع تفكيك الهاتف الجوال وإعادة تركيبه ، او تفكيك محرك السيارة وإعادة تركيبه ، او تفكيك مكيف الهواء وإعادة تركيبه. المسألة حقا بهذه البساطة. نحن نهاب هذه الأجهزة الصغيرة. لأننا نخشى الفشل او لعلنا نتوهم ان هذا الجهاز يحوي شيئا يفوق عقولنا.

ولذا فان نقطة الانطلاق هي كسر هذه الأوهام ، ليس بفتح محلات لاصلاح الهاتف او السيارة ، بل إعطاء الهاتف لابنائنا الذين في المرحلة الابتدائية او المتوسطة ، وتشجيعهم على تخريبه وإعادة إصلاحه. ثم إعطاء الولد الذي في المرحلة الثانوية سيارة مستعملة ، واخباره بانه سيكون مالكها اذا فكك المحرك وأعاد تركيبه. شجعوا الشباب على تفكيك الأجهزة التي بايديهم ، حتى لو انتهى الامر بتخريبها وخسارتها. ربما تخسر جهازا ، لكنك تربح عبقريا لا يهاب التقنية.

انا مهتم بالبرنامج النووي السعودي ، لا لسبب سوى هذا: سيعمل فيه عدد من شبابنا ، وسيشعرون وسنشعر معهم اننا قادرون على تكرار ما فعله غيرنا. اذا كان احد يستطيع فعل شيء ، فنحن نستطيع أيضا ، لأن عقولنا ليست اقل من غيرنا.

الشرق الأوسط الخميس - 16 صفَر 1448 هـ - 30 يوليو 2026 م     https://aawsat.com/node/5301495

مقالات ذات علاقة

اول العلم قصة خرافية
تدريس العلوم بالعربية.. هل هذا واقعي؟
التعليم كما لم نعرفه في الماضي
التمكين من خلال التعليم
حاضنات الابداع
حول البيئة المحفزة للابتكار
فتاة فضولية
المدرسة وصناعة العقل
معنى ان يكون التعليم العام واسع الافق
نحتاج تعليما يعد الشاب لحياة معقدة

16/07/2026

التعليم الصالح لهذا الزمان

التعليم الذي نحتاجه هو التعليم الذي يدرب الشباب على خلق الفرص ، وتحويل الخيال الى واقع. الفرص التي نريد صناعتها ، ليست موجودة فعلا. والواقع الذي نتحدث عنه ليس موجودا أيضا ،  في العالم المادي ، بل في الخيال والتصورات الذهنية. لكن المستقبل في حقيقته هو هذا الشيء: الواقع الذي لا زال في رحم الغيب.. الأشياء التي نتخيلها ، لكنا لا نستطيع لمسها في هذه اللحظة.

التعليم الجيد هو الذي يزرع في أعماق عقل الطالب ، ان القيمة الحقيقية تكمن في هذه الأشياء المتخيلة ، وان قيمته كانسان رهن بانشغال ذهنه كليا ، في البحث عن الطرق التي تمكنه من تحويل ذلك الخيال الى واقع. بكلمة موجزة: التعليم الذي نحتاجه هو الذي يقتلع التلميذ من دائرة الماضي والحاضر ، ويلقي به في المستقبل المجهول ، ويناديه: ان أردت النجاة فاصنع شيئا لم تملكه من قبل.

الفارق بين التعليم المتخلف ونظيره المتقدم ، بسيط جدا وواضح. في التعليم المتخلف يجري تأسيس الحاضر على صورة الماضي. اما نظيره المتقدم فهو يفكرفي مستقبل لا نعرفه ولم نره. انه يحفر في الحاضر ، كي يستنبط شيئا مختلفا عنه.

هذه مفارقة جدية يصعب على رواد التعليم التقليدي تخيلها. لأن أذهانهم تأسست على فرضية فحواها ان كل جديد ، ينبغي ان ينغرس أساسه في الموروث ، فيكون امتدادا لشيء سابق. وكلما زادت صلة الجديد بالقديم ، تعزز الاقتناع به وتحول من امر محتمل الى قطعي. وأريد هنا الاستشهاد برؤية المرحوم محمد عابد الجابري ، الذي رأى ان المشكلة الكبرى في الثقافة العربية ، هي كون العقل العربي قياسيا. بمعنى انه يصنع مواقفه ويصوغ معارفه الجديدة ، عبر إسقاط الماضي على الحاضر، أو إلحاق الجديد بالقديم. فما تناسب مع القديم فهو محقق ، وما خالفه فهو مشكوك. بل يؤكد الجابري ان الهيمنة المطلقة لمنهج القياس ، ليست حدثا عابرا او سقطة ظرفية ، بل هي بنية حاكمة على رؤيتنا للطبيعة والحياة والسياسة والدين.

وفقا للجابري فان مفهوم الزمن والتطور في العقل القياسي ، تراجعي وليس تقدميا ، فهو يجعل الكمال في الماضي ، ويعتبره أصيلا او رمزا للاصالة ، ثم يضفي على وصف الاصالة وما يتصف بها ، قيما تبجيلية. ومن هنا يعتبر المجد والرفعة قرينا للتشبه بالاصل (أي الماضي). وكنتيجة لهذه القيمة الغريبة ، تميل حركة الفكر الى اتجاه دائري ملتصق بالمركز ، أي الماضي ، بدل ان تكون حركة خطية متصاعدة ، ومتجهة الى المستقبل.

-           حسنا ، كيف نحرر الاذهان من الحاضر والماضي ونطلقها في آفاق الخيال الرحيبة؟

-           وكيف نزرع في الاذهان عادة النقد ، أي التأمل والمساءلة لكل ما يواجهها من أفكار وأشياء ، سواء كانت غريبة او كانت عادية مألوفة ، وسواء كانت مفتوحة للنقد او كانت محمية بأسوار المنع والتحريم؟.

يبدو لي ان السير في الطريق ليس سهلا مثل الكلام عنه. نحن نروي قصص البطولات ، من دون ان نتجرأ على خوض المعارك. كذلك الحال في ممارسة التخيل والتمرد على الواقع. إني اطرح هذه الفكرة على القراء ، وأنا واثق ان بعضهم لديه أفكار ، تسد الثغرات التي تشير اليها هذه السطور. ان عرض الأفكار على الناس ، هو الطريق السريع لتكميلها وتعميقها وكشف عيوبها ونواقصها. دعنا نفكر مثلا في جعل البحث العلمي بديلا عن الامتحانات السنوية في المدارس ، او دعوة الطلاب لكتابة قصص عما يتخيلونه من مشكلات في الواقع او وراءه ، وكيف يحللونها ويبتكرون طرقا لحلها. وربما نطلب من تلاميذ الابتدائية ان يرسموا كل شيء يستطيعون تخيله كل يوم ، لأن الذهن يسترجع المشاهدات والتخيلات من خلال الرسم والتلوين ، ثم يعبر عن موقف الطفل من تلك المشاهدات. او ربما نخصص ساعة يومية للنقاش بين الطلاب ، في القضايا المطروحة على ساحة العلم والتقنية والاقتصاد والمجتمع ، كي يتعلموا كيف ينظمون أفكارهم ، وكيف يستفيد كل منهم من عقول الآخرين ، وكيف يكتشفون عيوب آرائهم من دون ان ينفعلوا او يستاءوا. هذه ستدربهم أيضا على عدم الانبهار بالأسماء والعناوين  البراقة ، وعلى التحرر من هيمنة العقل الجمعي ، بل وعلى كيفية التأثير فيه وتغيير مساراته.

زبدة القول ان التعليم المتقدم هو الذي يقتلع  الشاب من حاضره ويأخذه للمستقبل. وبعكسه فان التعليم المتخلف هو الذي يشده بكل وسيلة الى  الماضي ، حتى يحوله الى نسخة عن أسلافه.

الشرق الأوسط الخميس - 01 صفَر 1448 هـ - 16 يوليو 2026 م    https://aawsat.com/node/5296527

 

مقالات ذات علاقة

أسس بنكا او ضع عقلك في الدرج
اول العلم قصة خرافية
بين النهوض العلمي والتخصص العلمي

تدريس العلوم بالعربية.. هل هذا واقعي؟

تطوير التعليم من الشعار إلى المشروع

تطوير التعليم من الشعار إلى المشروع
التعليم كما لم نعرفه في الماضي
التمكين من خلال التعليم
التخلي عن التلقين ليس سهلا

تعريب العلم ، ضرورة اقتصادية ايضا

تعزيز التسامح من خلال التربية المدرسية

التعليم كما لم نعرفه في الماضي

التعليم والسوق.. من يصنع الآخر؟

التمكين من خلال التعليم

حاضنات الابداع

حقوق الانسان في المدرسة

حول البيئة المحفزة للابتكار

دعـــــوة الى التعــــليم الخــــــيري

سلطة المدير
فتاة فضولية
المدرسة وصناعة العقل
معنى ان يكون التعليم العام واسع الافق

شكوك في العلاقة بين الثقافة والتقدم

صناعة الشخصية الملتبسة

ما هي الأغراض الكبرى للتعليم الوطني

المدرسة وصناعة العقل

المدرسة ومكارم الاخلاق

هل نسعى لتعليم يملأ المكاتب بالموظفين؟

09/07/2026

نحتاج تعليما يعد الشاب لحياة معقدة

 دعنا نؤكد مرة بعد مرة ان المجتمعات العربية ، تحتاج قطعا لتوفير ما يكفي من  الوظائف للشباب الذين انهوا تعليمهم. لكن ينبغي التأكيد أيضا ان توليد وظائف حقيقية ، مشروط بالتوسع المنتظم لحجم الدورة المالية وقاعدة الإنتاج ، وليس مجرد توفر أموال إضافية ، أو مباني نملأها بكل من يحتاج لوظيفة.

قصر بنغالور

بعبارة أخرى ، فثمة طريقتان لتوفير الوظائف: الأولى خلق مسميات وظيفية حقيقية او وهمية ، يسجل طلاب العمل أسماءهم فيها ، ويستلمون رواتبها منها. وهذا ممكن دائما طالما توفر المال. اما الطريقة الثانية فهي التنمية الشاملة والمستدامة ، أي زيادة حجم الاقتصاد ، ولاسيما قطاع الإنتاج الذي يضيف قيما اقتصادية ، لم تكن موجودة في الأصل. الفارق بين اقتصاد انتاجي واقتصاد خدمي ، هو كالفرق بين مصنع يصنع أشياء ودكان يبيعها. فالمصنع يضيف قوة جديدة للدورة الاقتصادية ، بينما الدكان ينقل تلك القوة بين مكان وآخر ، دون إضافة ملموسة.

ان ازدهار اليابان والصين وكوريا الجنوبية على سبيل المثال ، يرجع في المقام الأول الى صناعتها الضخمة ، التي جعلت الأموال تتدفق عليها من مختلف بلدان العالم ، فتضيف قوة جديدة الى دورتها الاقتصادية ، وتولد وظائف جديدة لطالبي العمل.

هناك في المقابل تجربة الهند في السبعينات ، حين سعت الحكومة لخلق وظائف ، بعضها وهمي ، لمجرد تخفيف حدة البطالة. وقد أدت الزيادة المفرطة في الموظفين الى تعقيد المعاملات الحكومية وشيوع الرشوة والفساد. وقد استمر هذا الوضع حتى مطلع القرن الحالي ، حين أوقفت الحكومة تلك السياسة البائسة ، واتخذت سبيل التنمية المستدامة والشاملة ، ليس لحل مشكلة التوظيف ، بل لتغيير وجهة الاقتصاد في البلد ككل. ونعرف اليوم نتائج هذا التحول ، حيث بات الناتج القومي الاجمالي للهند هو الأسرع نموا بين دول العالم الآن. ومعه تحسنت ظروف المعيشة ومستويات الدخل وعرض الوظائف ومكانة البلد على المستوى الدولي. وتقول ارقام  رسمية ان مدينة بنغالور التي تمثل مركز الهند التقني ، تحتضن 14,000 شركة صغيرة startup تبلغ قيمتها 164 مليار دولار . ويقول رئيس وزراء ولاية كارناتاكا ، التي تقع فيها بنغالور ان هذه المدينة باتت قبلة للشركات الدولية الراغبة في انجاز وظائف عالية القيمة ، وفيها حاليا 875 مركزا لتقديم الخدمات التي تتطلب مهندسين ذوي خبرات عالية. ويتوقع ان ترتفع قيمة هذا القطاع الى 110 مليار دولار خلال السنوات الأربع القادمة.

-         حسنا ما الذي يمكننا فعله؟

خلال العقدين الأخيرين ، بذلت الحكومات العربية جهودا جبارة لتطوير نظم التعليم فيها. لكن هذا التطوير لم يلامس العلة القاتلة في النظام ، أي كون هدفه الأول اعداد موظفين لسوق العمل. تخرج الجامعات العربية عشرات الالاف من الشباب سنويا. لكن نسبة كبيرة منهم يبقون عاطلين ، لأن الاقتصادات المحلية عاجزة عن توليد وظائف جديدة بقدر متناسب.

الحل اذن ليس في تحسين جودة المناهج والمباني ، مع انها ضرورية على أي حال. الحل هو إعادة توجيه النظام التعليمي ككل ، ليخدم هدفا واحدا ، هو اعداد الطالب ليقيم عمله الخاص ، وليس العمل موظفا عند غيره. ويجب التركيز على الاعمال الإنتاجية ، من الزراعة الى الصناعات البسيطة ، الى تطوير الحلول الرقمية للاعمال ، وصولا الى التقنيات المتقدمة.

كثير من الناس يظنون هذا الاقتراح تخيليا. لا لسبب سوى اعتيادهم على تعليم بسيط ، يوفر وظائف بسيطة. فماذا لو فكرنا في تعليم اكثر تقدما وتعقيدا ، كي يهيئ ابناءنا لحياة اكثر تعقيدا وتقدما ، حياة محورها إنتاج الأشياء وليس استعمالها او استهلاكها؟.

التعليم الذي نحتاجه هو التعليم الذي يركز على تأهيل الشاب ، للتطلع الى الآفاق البعيدة والمغامرة ، والحساب الدقيق للعواقب ، ونقد الواقع ، والتمرد على المألوف ، وإدارة الحياة والاعمال. هذا خير من انفاق الوقت في علوم مفيدة ، لكنها لا تعينهم على مواجهة تعقيدات الحياة الجديدة وتحدياتها.

الشرق الأوسط الخميس - 24 مُحرَّم 1448 هـ - 9 يوليو 2026 م  https://aawsat.com/node/5293877

 

مقالات ذات علاقة

أسس بنكا او ضع عقلك في الدرج
اول العلم قصة خرافية
بين النهوض العلمي والتخصص العلمي

تدريس العلوم بالعربية.. هل هذا واقعي؟

تطوير التعليم من الشعار إلى المشروع

تطوير التعليم من الشعار إلى المشروع
التعليم كما لم نعرفه في الماضي
التمكين من خلال التعليم
التخلي عن التلقين ليس سهلا

تعريب العلم ، ضرورة اقتصادية ايضا

تعزيز التسامح من خلال التربية المدرسية

التعليم كما لم نعرفه في الماضي

التعليم والسوق.. من يصنع الآخر؟

التمكين من خلال التعليم

حاضنات الابداع

حقوق الانسان في المدرسة

حول البيئة المحفزة للابتكار

دعـــــوة الى التعــــليم الخــــــيري

سلطة المدير
فتاة فضولية
المدرسة وصناعة العقل
معنى ان يكون التعليم العام واسع الافق

شكوك في العلاقة بين الثقافة والتقدم

صناعة الشخصية الملتبسة

ما هي الأغراض الكبرى للتعليم الوطني

المدرسة وصناعة العقل

المدرسة ومكارم الاخلاق

هل نسعى لتعليم يملأ المكاتب بالموظفين؟

02/07/2026

هل تعمل اجيرا عند غيرك؟

ابدأ من مقال الصديق سلمان الجشي يوم السبت الماضي ، لاسيما تأكيده ان تطوير البيئة الاستثمارية للبلاد ، رهن بوضوح الرؤية المستقبلية للاقتصاد ، واستقرار السياسات ، وقابلية التنبؤ بالتحولات القانونية والاقتصادية. وموضع اهتمام الجشي هو الاستثمارات الكبيرة ، التي تعد فرس الرهان لتحسين الأداء الاقتصادي وتوليد الوظائف.

لا اظن أحدا يخالف هذا الرأي. لكني اريد وضع اصبعي في مكان آخر ، هو الاستثمار الصغير ، ومنه مايسمى "ستارت اب". ويهمني التأكيد بأني لا انظر للمشروعات المبهرجة والفخمة الأسماء. فالاستثمار الصغير يشمل كل عمل يكون صاحبه هو العامل الرئيسي فيه ، وهو مصدر رزقه الأول. وبهذا فهو يضم ابسط الاعمال ، من السباكة وبيع الخضار ونقل الركاب ، مرورا بالمقاولات الصغيرة ، وصولا للمشروعات الأكثر تعقيدا. في كل هذه الحالات ، يبدأ المشروع بموظف واحد او اثنين ، ثم يتسع بالتدريج. ليس مهما عدد الموظفين الذين يستقطبهم المشروع ، بل التدريب اليومي الذي يتاح لصاحبه في كل معاملة.

قبل بضع سنوات ، تحدثت الصحافة المحلية عن شبان يعملون في أسواق الخضار والمطاعم او يبيعون الشاي والقهوة ، وأمثال هذه الوظائف التي لم تعد محبوبة ، منذ الثورة النفطية في الربع الأخير من القرن الماضي. ولمناسبة الحديث عن البطالة ، قرأنا لبعض المتحدثين كلاما يحث الشباب على الاخذ بتلك المهن ، ان لم يجدوا ما هو افضل. وعاب هؤلاء المتحدثون على شاب ينفق يومه جالسا في البيت ، لأنه لم يحصل على وظيفة عالية.

لكن عامة الناس ، ولا سيما الشباب ، لاموا أولئك المتحدثين ، واتهموهم بتفضيل العامل الوافد على المواطن ، وأمثال هذا الكلام. ولو طرحت اليوم رأيا مماثلا ، فسوف تواجه نفس تلك الردود ، مع ان الوضع قد تغير بشكل ملموس ، ولله الحمد ، حيث نجد آلافا من الشبان يعملون اليوم في أمثال هذه الوظائف ، بعضهم مالك لها وبعضهم عامل فيها ، مما يشير الى ان المجتمع يتجاوز بالتدريج ، الثقافة القديمة التي تحتقر العمل او تميز بين المواطن والوافد ، في نوعية الوظائف التي تستحق الاعتبار.

-         حسنا .. ما الذي يدعوني لتشجيع الشباب على هذه المهن؟.

الواقع ان ما يشغلني ليس مقدار الدخل المتحصل منها ، ولا الأعراف الاجتماعية التي تصنف الاعمال الى رفيع ومتدن. الذي يشغلني هو الناتج الروحي والثقافي لاتساع شريحة "العاملين لانفسهمself-employed ". ومعروف في علم الاجتماع ، ان نسبة "العاملين لانفسهم" الى مجموع قوة العمل ، مؤشر على الكفاءة الاقتصادية للمجتمع ، وعمق تجربته الحياتية.

من حيث المساهمة الاقتصادية ، خذ الولايات المتحدة الامريكية كمثال ، ففيها شركات توظف مئات الالاف وتنافس دولا بأكملها في حجم الاعمال ، مثل اكسون وفورد وجنرال الكتريك. مع هذا فهي لاتستغني عن الشركات الصغيرة ، حيث يقدر ان فيها نحو30 مليون منشأة بموظف واحد ، تساهم بنحو  6.4 بالمائة من الناتج القومي الإجمالي للبلاد.

لكن الأهم في رايي ، هو ان اتساع شريحة "العاملين لانفسهم" ، او العاملين لحسابهم الخاص ، كما تسمى أيضا ، تشير لتوجه المجتمع نحو إدارة نفسه ، وتطور الخبرات العملية لأفراده. ومع الوقت ، سوف يتأهل للاستغناء عن استيراد الخبرات الإدارية والتقنية. ونعلم ان المجتمعات المتقدمة في العلوم والصناعة ، بدأت طريقها مع المغامرات الفردية ، لشبان أرادوا فعل شيئ مختلف ، ثم تطورت طموحاتهم فاصبحوا كبارا جدا.

ان اردنا تنمية حقيقية لراس المال البشري ، فلنضع امامنا دائما سؤالين محوريين:

الأول: هل نستطيع إعادة توجيه نظامنا التعليمي ، ليكون هدفه الدائم هو تطوير كفاءة شبان يقيمون أعمالهم الخاصة ، بدل العمل كاجراء لدى آخرين؟.

الثاني: هل نستطيع إزالة كافة الأنظمة والإجراءات وقواعد العمل والكلف ، التي تبطيء تحرك الشباب نحو انشاء أعمالهم الخاصة؟.

بلوغ هذه الغاية مهم جدا لتوليد الوظائف. لكن الأهم مساهمته في نضج المجتمع وارتقاء خبراته.

الشرق الأوسط الخميس - 17 مُحرَّم 1448 هـ - 2 يوليو 2026 م   https://aawsat.com/node/5291062

04/06/2026

صانع المدرعة ، كوفيء بالمال فقط!

لو سألتني: هل يمكن للجامعة ان تخلق السوق من العدم ، لاجبتك: نعم. يمكن للجامعة ان تفعل هذا. لكن الأذكياء يدركون ان المقصود ليس تحويل الجامعة من جهة تعليمية الى جهة تجارية ، كما لا نقصد ان الجامعة تستطيع خلق السوق بمفردها. نتحدث عن شيء ضمن سياقه ، ومعرفة السياق شرط ضروري لفهم المقصود بالكلام.

بعد هذا التمهيد ، لا بد أيضا من إيضاح اننا نتحدث عن الجامعة بوصفها رمزا للمجتمع العلمي بكل تفرعاته ، وليس عن عنوانها القانوني او المكاني. بديهي ان حديثنا لا يتعلق بالمباني والأماكن ، بل التعليم الذي هو الشغل الرئيس للجامعة. ومن هنا فان الحديث يشمل أيضا كل إطار يجري فيه انتاج العلم أو استثمار العلم. ويدخل فيه بطبيعة الحال المبتكرون والمخترعون الافراد ، والباحثون والمطورون في الشركات الخاصة ، بل كل شخص يسعى لتحويل منتجات العقل الى مصدر للثروة.

ومما يدخل في السياق أيضا ، الدور التحفيزي - الحمائي للمجتمع والدولة. عرفت فيما مضى من السنين ، شخصا طامحا لانشاء مصنع لتدريع المركبات. وقد نجح فعلا في انتاج النموذج الأولي لمركبة مدرعة بالكامل. فلما عرضها على شخص رفيع المقام ، اصر هذا على ان صناعة المدرعات ليست من شأن الافراد ، وان عليه ان يسلم المشروع للحكومة. وقد قبل الرجل هذا الطلب على كراهة. وحين التقيته بعد هذا الحادث بعقد من الزمن ، اخبرني انه حصل على مال كثير ، لكنه يشعر بأسى عميق ، لأن ذلك المشروع قد مات ، فقد سلم الى اشخاص لا يفرقون بين اقتناء المركبة وصناعة المركبة ، وكانوا يعتقدون ان شراء مركبة جاهزة موثوقة ، من شركة معروفة ، افضل من انفاق المال على تجارب لا نعلم نهايتها. هذا – بالطبع – يكشف غفلتهم عن الفارق الجوهري بين صناعة شيء في بلدك ، وشراء مصنوعات الآخرين. اعرف مثالين آخرين يشبهان هذا في اكثر التفاصيل ، وأحدثها يتعلق بتطوير سيارة كهربائية.

 في كل الأمثلة ، كان الجميع متفقا على ضرورة تشجيع المبادرات. لكن قصر نظر بعض الناس ، جعل المال وسيلة وحيدة للتقدير ، بينما كان المبتكر يريد مواصلة العمل ، وتذليل العقبات القانونية او البيروقراطية ، التي يتمسك بها اشخاص لم يضعوا في اعتبارهم احتمال ان يأتيهم مبتكر من مكان ما ، يتطلع لصنع شيء لم يخطر على بالهم من قبل.

اما وقد وصلنا الى هذه النقطة ، فلابد من القول ان بعض المبتكرات تبدو غريبة على المجتمع او ربما كريهة. وهذه تظهر أكثر ما تظهر في الأفكار وليس التقنيات العملية. فاذا اعتاد المجتمع على التسامح مع الأفكار المخالفة له او الغريبة عن معتقداته واعرافه ، فهو يؤسس ما نسميه "السوق الحر للافكار" الذي اعتبره جون ستيوارت ميل ، الفيلسوف الإنكليزي المعروف ، ارضا ضرورية للابتكار وإنتاج الجديد. اما اذا قوبلت تلك الأفكار بالتجاهل ، او تعرض أصحابها للاذى ، فسوف يميل أصحاب الأفكار والمبتكرون الى الانكماش ، وعدم الاكتراث بإنتاج أي جديد ، او ربما يهجرون مجتمعهم الى مجتمعات يظنون انها اكثر تقبلا للجديد.

يمكن للمجتمع ان يساعد المبتكرين ، ويمكن له ان يفسح الطريق لهم ، وان لم يساعدهم. في كلا الحالتين ، يجب ان يتبنى المجتمع عقيدة واسعة ، تتسامح مع المختلف وان كانت آراؤه مضادة لقناعات المجتمع ومعتقداته.

زبدة القول ان الدور التحفيزي - الحمائي للمجتمع والدولة ، يتمثل في مساعدة المبتكرين الاذكياء على مواصلة عملهم ، وخوض التحدي الذي ظنوا انهم قادرين عليه ، ومساعدتهم في تخطي الصعوبات ، وليس استغلالهم في الدعاية او اقناعهم بالراحة.

المجتمعات التي تحتفي بالاشياء الغريبة والمختلفة وغير المعتادة ، او - على الأقل - تتسامح مع أصحابها ، جديرة بأن تتحول الى حاضنة للابداع. بعكس المجتمعات التي تحب السيطرة على التغيير والتحكم فيه ، او تشترط الحصول على ترخيص لكل عمل ، فهذه احرى بأن تتحول الى ثلاجة للمبدعين او ربما مقبرة.

الشرق الأوسط الخميس - 19 ذو الحِجّة 1447 هـ - 4 يونيو 2026 م     https://aawsat.com/node/5280279

مقالات ذات علاقة

  

28/05/2026

هل يمكن للتعليم ان يخلق السوق بدل خدمتها؟

 الجدل الذي رافق انطلاق جامعة الرياض للفنون ، لفت نظري لموضوع في غاية الأهمية ، وهو العلاقة التفاعلية بين المدرسة والسوق. يتضح الموضوع في سؤال كثير التداول ، فحواه: هل نبني التعليم الجامعي كي يلبي حاجات السوق ، ام ان مهمته هي صناعة السوق وتحديد حاجاتها؟.

الفرق بين السؤالين واضح جدا ، فالتعليم الذي يخدم حاجات السوق ، ينطلق من فرضية ان السوق القائمة هي المكلفة بتوليد الوظائف وتحريك الاقتصاد. ولأن هذا لا يتحقق دون يد عاملة مؤهلة ، فان مهمة النظام التعليمي هي سد هذه الحاجة. هذا يشبه الى حد كبير الفهم الذي ساد في بداية انشاء التعليم الحكومي قبل حوالي 100 عام ، حين اعتبر الجميع بأن غرض المدارس حديثة التأسيس ، هو توفير الموظفين للدوائر الحكومية ، التي كانت حديثة التأسيس أيضا.

بات الموضوع حرجا ، لأن عدد الذين يتخرجون من المدارس والجامعات ، أكبر كثيرا من قدرة الاقتصادات الوطنية ، على توليد ما يكفي من الوظائف لغالبيتهم. فماذا نفعل في مواجهة التحدي؟.

بعض الحكومات اعتمد تصدير الفائض من اليد العاملة الى الأسواق المستقبلة للعمالة. ونعلم ان هذا حل لمشكلة طالب العمل ، لكنه لا يعالج ضعف الاقتصاد الوطني. الحل الذي اختارته حكومات أخرى ، ومن بينها المملكة ، هو تشجيع الشباب على انشاء شركاتهم الخاصة ، كي يعملوا لأنفسهم ، بدل العمل لصالح الغير.

نعلم ان هذا الخيار ليس مرجحا عند غالبية الناس ، لأنهم - ببساطة – لا يملكون الرساميل ولا الخبرة ، فضلا عن الخلفية الثقافية التي لا تشجع المغامرة.

حسنا .. هل يمكن للتعليم الجامعي ان يساعد في استيعاب هذا التحدي؟.

هذا هو بالتحديد محل السؤال الثاني عن علاقة الجامعة بالسوق . والفرضية التي نطرحها هنا هي: ان دور الجامعة كخادم للسوق ، ضروري ، لكنه لا يعالج المشكلة الكبرى ، أي ضيق وعاء التوظيف في السوق الحالية. ان الحل الجذري هو ان "نخلق سوقا جديدة". هكذا الامر بكل بساطة!.

"خلق السوق" يعني ابداع اعمال من العدم ، وتوفير وظائف جديدة ما كان أحد يتخيل وجودها قبلئذ. لتوضيح الفكرة ، اسأل نفسك: ما عدد الوظائف الجديدة التي خلقت بفضل انتشار الانترنت ، ثم الهاتف الجوال المتصل بالانترنت؟. اعتقد ان عددها بالملايين أو ربما عشرات الملايين. فمن كان يتخيل هذا النوع من الوظائف قبل 40 سنة؟

خذ أيضا الوظائف التي تتصل بالانظمة ذاتية الحركة ، مثل الطائرات المسيرة والروبوت والمحركات المدارة عن بعد ، وهي كلها تقنيات ناشئة ، وسوف تكون مثل الهاتف الجوال بعد خمس سنين او نحوها. ترى كم هو عدد الوظائف التي توفرها هذه التقنيات الآن ، وكم نتوقع ان يتوفر منها في العقد القادم؟.

هذه أمثلة على سوق خلقت في مختبرات الجامعة ، وهي تقدم فرصا أوسع وأرقى من معظم الوظائف المعروفة اليوم.

تستطيع جامعاتنا تولى هذه المهمة ، ليس بمعنى الانصراف كليا اليها ،  بل بمعنى ان تخصها بالاهتمام والتمويل والإدارة. نموذج التعليم الذي يخلق السوق ، جوهره الابتكار والبحث العلمي المتقدم ، والتركيز على التقنيات التي تقود السوق ، مثل الطاقات المتجددة والذكاء الصناعي والتقنيات الحيوية ، واحتضان الاعمال التي ينشئها الطلبة والمدرسون ، نظير ما تقوم به جامعة الملك عبد الله للعلوم والتكنولوجيا حاليا.

ان اردت لمس ما نتحدث عنه ، فاعلم أن خريجي جامعة كامبردج البريطانية مثلا ، اقاموا 26 شركة تقنية ، راسمال الواحدة منها يتجاوز مليار دولار. وتساهم الشركات المرتبطة بهذه الجامعة في الاقتصاد البريطاني بحوالي 30 مليار جنيه سنويا. اما جامعة ستانفورد فان خريجيها اقاموا 122 شركة تقنية يتجاوز راس مال الواحدة منها مليار دولار.

هذا قليل من كثير ، يظهر ان فكرة "خلق السوق" ليس حلم ليلة صيف ، ولا تأملات متفرج من برج عاجي. بل هي إمكانية قائمة وقد جربت فعلا. فهل نستطيع التحرر من العقد القديمة ، ونفكر في السوق التي نصنعها بدل السوق التي نخدمها؟.

الشرق الأوسط الخميس - 11 ذو الحِجّة 1447 هـ - 28 مايو .   2026           https://aawsat.com/node/5277922

 

مقالات ذات علاقة

 اول العلم قصة خرافية
تدريس العلوم بالعربية.. هل هذا واقعي؟
تعريب العلم ، ضرورة اقتصادية ايضا
التعليم والسوق.. من يصنع الآخر؟
التمكين من خلال التعليم
حول البيئة المحفزة للابتكار
الطريق السريع الى الثروة
كيف نجعل الثقافة محركا للاقتصاد؟
لافرق بين دراسة الفن ودراسة الطب
لماذا نبدأ بالأطفال
مجتمع المعرفة لازال هدفا ضروريا
معنى ان يكون التعليم العام واسع الافق
هل نسعى لتعليم يملأ المكاتب بالموظفين؟
 
 

الوجه الآخر للكارثة

  ذكرى الاجتياح العراقي للكويت التي حلت هذا الأسبوع ، أثارت في نفوس العديد من أهل الرأي ، شعورا بالحاجة لاستعادة الدروس التي كان ينبغي استخ...